فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 61

المطلب الأول

{التكرار ظاهرة جمالية}

مهما تَقولَ البعض فلا يستطيع أحد إنكار ما لهذا الأسلوب البلاغى من أهمية بالغة، يدركها من تذوق الكلام وعرف مداخله ومخارجه، ويُحرم منها من فسد ذوقه، وشيوعُه في الكلام العربى قديما وحديثا، خير شاهد ودليل على أنه ظاهرة معروفه، وإنما يكمن جمالها في حسن توظيفها 0

وعليه: فالحكم على التكرار"جزافا"أمر لا تقره قواعد العلم السليم، ولكن يمكننا أن نقول في الحكم عليه:"إنه أمر نسبى: بمعنى أنه تارة يحسن ويجمل، وذلك إذا فطن المتكلم لمواطن استخدامه، وقد يقبح إذا أساء المتكلم استخدامه كأن يستخدمه في غير موضعه 0"

ولذا نجد العديد من الشعراء قد استخدم التكرار فأجاد، بينما استخدمه البعض فأخفق، فالأمر يعود إلى المستخدم ذاته، هل استطاع أن يوظف هذا التكرار توظيفا بلاغيا مفيدا، أم أنه عجز أمامه، وألقى بالتكرار عشواء في ثنايا كلامه، فصار مستهجنا؟

ولذا يقول ابن رشيق القيروانى في عمدته:"للتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها" [1]

ولنأخذ بعض النماذج الشعرية والتى استخدم فيها التكرار فاستحسن تارة واستقبح تارة أخرى 0

أولا: التكرار المحمود: يقول الحارث بن عُبَاد

قربا مربط النعامة منى ... *** ... لقِحَت حرب وائل عن خيال [2]

فكرر قوله"قربا مربط النعامة منى"فى رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر، وإرادة التنبيه والتحذير، والتكرار أسلوب من أساليب التحذير 0

وكذلك قول الأَسْعَر:

وكتيبة لبستها بكتيبة ... *** ... حتى يقول نساؤهم هذا فتى [3]

أيضا كرر الشاعر الشطر الأول من البيت في العديد من أبياته 0

وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب:

(1) العمدة لابن رشيق القيروانى ص 683

(2) الحارث بن عباد بن قيس بن ثعلبة البكري أبو منذر: حكيم جاهلي كان شجاعا، من السادات، شاعرا، انتهت إليه إمرة بني ضبيعة وهو شاب، وفي أيامه كانت حرب (البسوس) فاعتزل القتال، ولما قتل المهلهل ولده بجيرا، ثار الحارث ونادى بالحرب، وارتجل قصيدته المشهورة التي كرر فيها قوله (قربا مربط النعامة مني) أكثر من خمسين مرة، والنعامة فرسه انظر الأعلام للزركلى 2/ 156

(3) راجع ديوان المعانى لأبى هلال العسكرى 1/ 170 والأسعر لقب واسمه مرثد بن حمران الجعفيّ يكنى أبا حمران وهو جاهلي لّقب بالأسعر، انظر الأعلام 5/ 264

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت