فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 61

المطلب الأول

{القرآن والتكرار}

لقد كان العرب عند نزول القرآن الكريم عليهم في قمة رقيهم اللغوى، شعرا ونثرا، وأقاموا لذلك الأسواق المعروفة كسوق عكاظ وغيره، ورغم ذلك فقد كان القرآن الكريم -ولا يزال - معجزة الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم -، وحتى يلزم الخصم الحجة فلا بد أن يكون الإعجاز والتحدى من جنس ما برع فيه القوم، وألا يكون هناك مانع أو صارف للتحدى، فعيسى عليه السلام أرسله الله إلى قوم اشتهروا بالطب، فأعطاه الله ما قهر به طبهم، حيث أجرى على يديه إحياء الموتى مما لا يستطيعه الأطباء"أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ" [1]

وموسى عليه السلام، أرسله الله إلى قوم اشتهروا بالسحر وقدسوه، فأعطاه الله ما أبطل به سحرهم"قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ" [2]

ولما كانت بعثة النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة، نازلهم في نفس تخصصهم حتى يلزمهم الحجة، فلم يفاجئهم النبى بجديد عليهم، بل جاءهم بجنس ما برعوا فيه، لكنهم عجزوا عن محاكاته أو مجاراته 0

وسرعان من انسحبوا من حلبة المصارعة، وقد سجل عليهم التاريخ خزيهم وعجزهم أمام فصاحة القرآن التى قهرتهم، فلقد أخذهم القرآن الكريم بقوة كلماته وفواصله، وأساليبه وجزالة ألفاظه 0

وقد فاق القرآن الكريم ما لدى العرب من كلام راق فصيح، فبهرهم وهم فطاحل الشعر، ولأن القرآن الكريم هو كتاب الله تعالى وكلامه، وهناك فارق بين كلام الخالق وكلام المخلوق تماما كالفارق بين الخالق والمخلوق 0

من أجل هذا فقد أودع الله تعالى فيه الأسرار العظيمة الظاهرة والباطنة، كما أن القرآن الكريم قد استخدم أفضل وأجمل الأساليب البليغة، التى أخذت العقول، وأسرت الألباب، وجذبت إليها الأنظار والأفهام 0

(1) آل عمران 49

(2) يونس 81

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت