الصفحة 22 من 98

ارتسمت في أذهانهم صور منذ صغرهم، واستمرت بهم الغباوة «1» إلى أن صار ذلك فيهم ملكة.

فهذه الطائفة برؤها من دائها عسير/.

وطائفة لهم أدنى معقول، وقد ألمّوا بيسير من العلوم، فتجدهم ناكصين عن هذا المعتقد، لا يسامحون أفكارهم بمقاربته، يعوّلون تارة على تقليد الفيلسوف «2» في مسألة الاتحاد لإعظامهم ما يؤدي إليه من هدم قواعد تظافر على ثبوتها صرائح العقول، فارّين من هذه المعضلة إلى التقليد المحض، معتقدين أن الفيلسوف قد حاول العلوم الخفيّة، فأبانها جليّة مبرهنة. ظانّين بأن من هذا شأنه جدير بأن يعوّل على أقواله، وتقلّد «3» في المعتقدات! فلذلك ينفصلون عن مسألة الاتحاد «4» بردّها إلى مسألة تعلّق النفس بالجسد/.

ولو راجع هؤلاء المساكين عقولهم وتركوا الهوى والتعصب، لعلموا أنهم قد نكبوا عن محجة الصواب، وأخطئوا سبيل الحق لوجوه:

أحدها: أنهم إن جعلوا ذلك من قبيل القياس، فغلط، لأن القياس «5» :

«ردّ فرع إلى أصل بعلة جامعة هي مناط الحكم» .

(1) في المطبوع: [البغوة] ولعلّه خطأ مطبعي.

(2) قال الشهرستاني: «الفيلسوف هو: فيلاسوفا، وفيلا هو الحب، وسوفا هو الحكمة، أي: هو محب الحكمة. والفلسفة باليونانية: محبة الحكمة. «الملل والنحل» (2/ 363) .

(3) في المطبوع: [و يقلد] .

(4) الاتحاد عند النصارى، هو: أن اللّه- تبارك وتعالى- اتخذ جسد المسيح له صورة، وحلّ بين الناس بصورة إنسان هو المسيح- تعالى اللّه عما يقولون.

والاتحاد نوعان:

1 -اتحاد عام، وهو الذي يعتقده الحلوليون، ويزعمون أن هو عين وجود الكائنات.

2 -اتحاد خاص: وهو قول النصارى وبالأخص منهم اليعقوبية: أن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا وصارا شيئا واحدا.

انظر: «دراسات في الأديان» ص 218. و «معجم ألفاظ العقيدة» ص 20، 21.

(5) القياس لغة: التقدير للشيء بما يماثله. انظر: «لسان العرب» لابن منظور (6/ 187) .

وأما في الاصطلاح؛ فقد اختلفت تعبيرات الأصوليين في تعريفه. وقد عرفه الآمدي بأنه:

«حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما» . انظر:

«الإحكام» (2/ 4) وهو عين تعريف الغزالي، ولكنه زاد عليه: «من إثبات حكم أو صفة أو-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت