الصفحة 90 من 98

وإذا كان الجواب ممتنعا فيما قرئ منصوبا ومرفوعا، سقط الاحتجاج بالآية، وامتنع كون الكلمة سببا، فأقول واللّه الموفق:

إن هذه المباحثة عربية، وأهل العربية يجرون/ الأجوبة تارة على الألفاظ باعتبار معانيها، وتارة على صور الألفاظ المجردة عن معانيها، مثل ذلك قوله تعالى: أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا «1» . وقع الجواب مرتبا على صورة لفظ الاستفهام مجردا عن معناه.

معنى الكلام: أنهم ساروا فنظروا. وذلك خبر محض ليس من الاستفهام في شيء.

فإن ظن أن الفاء عاطفة؛ لصلاحيتها، مع حذف النون للعطف والجواب، فكيف تجعل للجواب مع هذا الاحتمال؟

دفع ذلك مما لا لبسة في كونه جوابا/، وهو قوله جلّ من قائل: أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ «2» .

وإذا وضح ذلك؛ ردّت مسألتنا إلى هذه القاعدة، وكان الجواب جاريا على صيغة الأمر فقط، من غير تعرض لمعناه.

قال سيبويه «3» شبّه «4» ترتّب المأمور على صيغة لفظ الأمر في العرف، بترتّب «5» المقدور على تأثير القدرة فيه، إذ أهل العرف يقضون على أن من أمر شخصا بالقيام، فأوجده عند أمره؛ أن قيامه مسبّب عن صيغة الأمر، وأن لفظ الأمر سبب لقيامه، وهو في الحقيقة مسبب/ عن الإرادة التي دلّت صيغة

(1) يوسف: 109، والحج: 46، والروم: 9، وفاطر: 44، وغافر: 21، 82.

(2) سورة الحج: 46.

(3) هو: عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي، أبو بشر، المعروف: «بسيبويه» . إمام النحو والعربية، وأول من بسط علم النحو.

ولد في إحدى قرى شيراز سنة 148، وقدم البصرة، فلزم الخليل بن أحمد الفراهيدي، وصنف كتابه المعروف (كتاب سيبويه) . توفي سنة (180) .

انظر ترجمته في: «البداية والنهاية» (10/ 176) و «تاريخ بغداد» (12/ 195) و «سير أعلام النبلاء» (8/ 351) و «الأعلام» (5/ 81) .

(4) في المطبوع: [شبهة] .

(5) في المطبوع: [يترتب] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت