نتائج البحث عن (ادى) 50 نتيجة

(بادى) بَينهمَا قايس وَفُلَانًا بارزه وَفُلَانًا بِأَمْر كاشفه وجاهره
(تبادى) تشبه بِأَهْل الْبَادِيَة وَالْقَوْم بالعداوة جاهر بَعضهم بَعْضًا بهَا
(جُمَادَى) من الشُّهُور الْعَرَبيَّة وهما جماديان جُمَادَى الأولى للشهر الْخَامِس وجمادى الْآخِرَة للشهر السَّادِس وَأَيَّام الشتَاء عِنْد الْعَرَب لجمود المَاء فِيهَا وَفِي الْمثل (شهرا ربيع كجمادى الْبُؤْس) يضْرب لمن يشكو حَاله فِي جَمِيع الْأَوْقَات أخصب أم أجدب وَيُقَال ظلت الْعين جُمَادَى لَا تَدْمَع
(الجهادى) تَقول جهاداك أَن تفعل كَذَا قصاراك وَغَايَة أَمرك
(حمادى) يُقَال حماداك أَن تفعل كَذَا غَايَة مَا يحمد مِنْك
(رادى) عَنهُ دَافع وناضل وعَلى الْأَمر أَرَادَهُ
(تفادى) الْقَوْم فدى بَعضهم بَعْضًا وَفُلَان من كَذَا تحاماه
(اللبادى) طَائِر على شكل السمانى إِذا دنا من الأَرْض لبد فَلم يكد يطير حَتَّى يطار
(تَمَادى) فِي الْأَمر بلغ فِيهِ الْغَايَة وَيُقَال تَمَادى فِي غيه لج ودام عَلَيْهِ وَبِه الْأَمر تطاول وَتَأَخر
(نَادَى) الشَّيْء مناداة ونداء ظهر وَيُقَال نَادَى النبت بلغ والتف وَفُلَانًا دَعَاهُ وَصَاح بأرفع الْأَصْوَات وَيُقَال نَادَى بِهِ وجالسه فِي النادي وشاوره وفاخره وبسره أظهره عَلَيْهِ
(تنادى) الْقَوْم نَادَى بَعضهم بَعْضًا واجتمعوا فِي النادي
(هادى) فلَان فلَانا أرسل كل مِنْهُمَا هَدِيَّة إِلَى صَاحبه وفلانة فُلَانَة جَاءَت كل مِنْهُمَا بطعامها وأكلتا فِي مَكَان وَاحِد وَفُلَان فلَانا هادنه وَجعله يتمايل فِي مشيته وَفُلَان فلَانا الشّعْر هاجاه
(تهادى) فلَان بَين رجلَيْنِ اعْتمد عَلَيْهِمَا من ضعف يُقَال جَاءَ فلَان يتهادى بَين اثْنَيْنِ وَالْقَوْم أهْدى بَعضهم إِلَى بعض وَالْمَرْأَة تمايلت فِي مشيتهَا من غير أَن يماشيها أحد
المُنادى: هو المطلوب إقباله بحرف نائب مناب: أدعو، لفظًا أو تقديرًا.
قَمادَى:
بفتح القاف: قرية لعبد القيس بالبحرين.
ادى2 أدّاهُ, (T, S, M, &c.,) inf. n. تأٌدِيَةٌ (T, S, K) and أَدَآءٌ, (T,) or the latter is a simple subst., (S, M, Msb, K,) [and so, accord. to the Msb, is the former also, but this is a mistake,] He made it, or caused it, to reach, arrive, or come [to the appointed person or place &c.]; he brought, conveyed, or delivered, it; syn. أَوْصَلَهُ; (M, Msb, K;) namely, a thing; (M;) as, for instance, الأَمَانَةَ إِلَى أهْلِهَا [the thing committed to his trust and care, to its owner]: (Msb:) he delivered it, gave it up, or surrendered it: (T:) he payed it, or discharged it; (S, K;) namely, his debt, (S,) a bloodwit, a responsibility, and the like; (Msb in art. غرم;) [and hence,] أَدَّى مَا عَلَيْهِ [he acquitted himself of that which was incumbent on him; or payed, or discharged, what he owed]: (T:) he performed, fulfilled, or accomplished, it; namely, [for instance,] الحَجَّ [the pilgrimage]; (Msb in art. قضى;) and in like manner, المَنَاسِكَ [the religious rites and ceremonies of the pilgrimage]. (Jel in ii.

196, and Msb ubi suprà.)
It is said in the Kur [xliv. 17], أَنْ أَدُّوا إلَىَّ عِبَادَ اللّٰهِ, meaning Deliver ye to me [the servants of God,] the children of Israel: or, as some say, the meaning is, أَدُّوا إِلَىَّ مَا أَمَرَكُمُ اللّٰهُ بِهِ يَا عِبَادَاللّٰهِ [perform ye to me that which God hath commanded you to do, O servants of God]: or it may mean listen ye, or give ye ear, to me; as though the speaker said, أَدُّوا إِلَىَّ سَمْعَكُمْ; the verb being used in this sense by the Arabs. (T.) And one says, لَهُ ↓ تأَدَّيْتُ, مِنْ حَقِّهِ, (K, TA,) and إلَيْهِ, in the place of لَهُ, meaning أَدَّيْتُهُ; (TA;) i. e. I payed him his due, or right. (K, TA.) And a man says, ↓ مَا أَدْرِى كَيْفَ أَتَأَدَّى [I know not how to pay]. (TA.) One says also, أدّى عَنْهُ [meaning He payed, or made satisfaction, for him]: and أدّى
عَنْهُ الخَرَاجَ [He payed for him, or in his stead, the land-tax]. (Mgh in art. جزأ.) [Hence,] El-Akhnas says,
فَأَدَّيْتُ عَنِّى مَا اسْتَعَرتُ مِنَ الصِّبَا
وَ لِلْمَالِ عِنْدِىِ اليَوْمَ رَاعٍ وَ كَاسِبُ i. e. But I have put away from me [what I had borrowed, or assumed, of the folishness of youth, and amorous dalliance,] and now I am [or there is at my abode] a keeper and collector to the camels, or cattle, or property. (Ham p. 346.) b2: [أَدَّى إِلى كَذَا is a phrase often used as meaning It brought, conducted, led, or conduced, to such a thing or state; as, for instance, crime to punishment or to ignominy.]4 آدى, intrans. and trans.: see art. ادو.5 تأدّى إِلَيْهِ الخَبَرُ The information, or news, reached him. (S.) A2: See also 2, in two places.10 استأداهُ مَالًا He desired, or sought, to obtain from him property, or sued, or prosecuted, him for it, or demanded it of him, (S, K,) and extracted it, (S,) or took it, or received it, (K,) from him. (S, K.) A2: See also art. ادو.

أَدَآءٌ a subst. from 2 [signifying The act of making, or causing, to reach, arrive, or come to the appointed person or place &c.; of bringing, conveying, or delivering; of giving up, or surrendering; payment, or discharge, of a debt &c.; the act of acquitting oneself of that which is incumbent on him; performance, fulfilment, or accomplishment]. (S, M, Msb, K.) b2: [Hence,] هُوَ حَسَنُ الأَدَآءِ He has a good manner of pronouncing, or uttering, the letters. (TA.) b3: أَدَآءٌ as a term of the law signifies The performance of an act of religious service [such as prayer &c.] at the appointed time: opposed to قَضَآءٌ, performance at a time other than that which is appointed. (Msb and TA in art. قضى.) أَدِىٌّ : see art. ادو.

آدَى [a noun denoting the comparative and superlative degrees, irregularly formed from the verb أَدّى; like as the noun آدَى mentioned in art. ادو is irregularly formed from the verb آدَى]. You say, هُوَ آدَى لِلأَمَانةِ [He is more, or better, disposed to deliver, give up, or surrender, the thing committed to his trust and care] (T, S, M, K) مِنْكَ [than thou], (S,) or مِنْ غَيْرِهِ [than another than he]. (M, * K.) [Az says,] the vulgar say, أَدَّى لِلْأَمَانَةِ; but this is incorrect, and not allowable; and I have not known any one of the grammarians allow آدَى, because أَفْعَل denoting wonder [and the comparative and superlative degrees] is not formed but from the triliteral [verb], and one does not say, أَدَى in the sense of أَدَّى: the proper phrase is أَحْسَنُ أَدَآءً. (T.) A2: See also art. ادو.

مُؤْدٍ: see art. ادو.
المنادى: عِنْد النُّحَاة هُوَ الِاسْم الْمَطْلُوب إقبال مَدْلُوله بِوَجْهِهِ أَو بِقَلْبِه حَقِيقَة أَو حكما بِحرف قَائِم مقَام أَدْعُو سَوَاء كَانَ ذَلِك الْحَرْف ملفوظا مثل يَا زيد - أَو مُقَدرا مثل {{يُوسُف أعرض عَن هَذَا}} أَي يَا يُوسُف فَإِن أعرض لكَونه أمرا أنشأ مَانع عَن كَون يُوسُف مُبْتَدأ كَمَا لَا يخفى.
المنادى: المطلوب إقباله بحرف نائب مناب أدعو لفظا أو تقديرا.
جمادى الأوَّلالجذر: أ و ل

مثال: شهر جمادى الأولالرأي: مرفوضةالسبب: لعدم مطابقة الصفة للموصوف في النوع.

الصواب والرتبة: -شهر جُمَادَى الأولى [فصيحة]-شهر جُمَادَى الأول [صحيحة] التعليق: على الرغم من أن مطابقة الصفة للموصوف واجبة في النعت الحقيقي فإنه قد يجوز عدم المطابقة في النوع كما في المثال الثاني؛ لأن بعض العلماء قد أجاز تذكير الصفة «الأول» على اعتبار الشهر، وهو قليل.
جمادى الثانيةالجذر: ث ن ي

مثال: سَافَر في شهر جمادى الثانيةالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لاستعمال كلمة «الثانية» فيما لا ثالث له. المعنى: الشهر السادس من السنة الهجرية

الصواب والرتبة: -سافر في شهر جمادى الآخرة [فصيحة] التعليق: يستعمل الآخِر ومؤنثه «آخِرة» فيما لا يتبعه شيء، وقد قيل في صفاته تعالى: «الآخِر»؛ لأنه ليس بعده شيء؛ ولذا فالصواب أن يقال: جمادى الآخِرة، ولا يصح استعمال الثانية؛ لأنه لا يوجد جمادى ثالثة.
نَادَى علىالجذر: ن د

مثال: نَادَى عليهالرأي: مرفوضةالسبب: لتعدية الفعل بحرف الجر «على»، وهو يتعدّى بنفسه.

الصواب والرتبة: -نَادَاه [فصيحة]-نَادَى عليه [صحيحة] التعليق: الوارد في المعاجم تعدية هذا الفعل بنفسه، ولكن يصح تعديته بالباء، فقد ذكر التاج واللسان «ناديته» و «ناديت به»، ويصح تعدية هذا الفعل بحرف الجر «على» على أنَّ «على» قد تأتي بمعنى الباء، فيقال: «اركب على اسم الله» أي «اركب باسم الله»، وقد ورد في كتابات تراثية تعديته بـ «على»، كقول ابن بطوطة: «ينادي سماسرتهم بالأسواق على السلع».
جُمادى: من بين سائر الشهور مؤنثة، فإن ذكرت في شعر فإنما يقصد بها الشهر.كل جمع لغير الناس، مذكراً كان واحده أو مؤنثاً كالإبل جمع جمل، والأرجل جمع رجل، والبغال جمع بغل، والظباء جمع ظبى فهو مؤنث.كل جمع على جمع التكسير للناس وسائر الحيوان الناطق يجوز تذكيره وتأنيثه؛ مثل الملوك والقضاة والرجال والملائكة والرسل. فإن جمعته بالياء والواو لم يجز في فعله غير التذكير؛ الزيدون قاموا لا غير.كل جمع كانت في واحدته الهاء فسقطت من جمعه، فالجمع يذكر ويؤنث، مثل بقر جمع بقرة وجراد جمع جرادة وحب جمع حبة ونخل جمع نخلة.كل جمع في آخره تاء فهو مؤنث، مثل حمامات وجرادات وتمرات ودريهمات ودنينيرات.إذا اجتمع مذكر ومؤنث غلّبت المذكر فقلت: لفلان خمسة بنين يعني ذكوراً وإناثاً، وجاءني فلان وفلانة ابنا فلان.
المُنَادَى: هُوَ الْمَطْلُوب إقباله بِحرف نَائِب مناب " أَدْعُو " لفظا أَو تَقْديرا.

قتادة بن أوفى قال ابن سعد: قتادة بن أوفى بن موالة بن عتبة بن ملاس بن عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم وله صحبة وهو أبو إياس بن قتادة. وأم إياس بن قتادة الفارعة بنت حميري بن عبادى بن نزال بن مرة.

معجم الصحابة للبغوي

قتادة بن أوفى
قال ابن سعد: قتادة بن أوفى بن موالة بن عتبة بن ملاس بن عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم وله صحبة وهو أبو إياس بن قتادة.
وأم إياس بن قتادة الفارعة بنت حميري بن عبادى بن نزال بن مرة.
وإياس بن قتادة روى عنه أبو حمزة الضبعي وكان إياس قاضي الري ولا أعلم روى قتادة بن أوفى حديثا مسندا.

‏<br> عبد الرحمن بن عبيد الله بن عثمان القرشي التيمي، أخو طلحة بن عبيد الله له صحبة. قتل يوم الجمل، وذلك في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وفيها قتل طلحة أخوه رضي الله تعالى عنهما.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب

الإطار النظري - إشكاليات نظرية - فشل النموذج المادى فى تفسير ظاهرة الإنسان

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

تؤكد العقلانية المادية عناصر التجانس والتكرار والكم والسببية والآلية، ولذا فهي تتسم بمقدرة عالية، نوعاً ما، على رصد حركة الأشياء ودراستها. فالعقلانية المادية تتحرك في إطار الواحدية المادية التي تخضع لها الأشياء، أما الإنسان فهو ظاهرة تتجاوز حدود الواحدية المادية. ولذا، فإن سلوكه، سواء في نُبله أو ضعته، في بطولته أو خساسته، ليس ظاهرة مادية محضة وإنما ظاهرة مركبة لأقصى حد:
1 ـ فعقل الإنسان له مقدرات تتحدى النموذج التفسيري المادي، حتى أننا نجد عالماً مثل تشومسكي ينكر تماماً أن عقل الإنسان مجرد صفحة بيضاء سلبية (وهو الافتراض الوحيد المتاح أمام الماديين) وإنما هو عقل نشيط يحوي أفكاراً كامنة فطرية. ولذا، نجد أن تشومسكي يتحدث عن «معجزة اللغة» باعتبارها ظاهرة لا يمكن تفسيرها في إطار مادي وإنما لابد من تفسيرها في إطار نموذج توليدي يفترض كمون المقدرة اللغوية في عقل الطفل بما يعني أن العقل ليس مجرد المخ، مجموعة من الخلايا والأنزيمات. ويقدم جان بياجيه رؤية توليدية لتطور الإنسان وتطوُّر إحساسه بالزمان والمكان. وتزايد الاعتماد على النماذج التوليدية، مقابل النماذج التراكمية، هو دليل على تراجُع النموذج المادي.

2 ـ ثم نأتي إلى مشكلة الفكر. يدَّعي الماديون أن الفكر صورة من صور المادة أو أثر من آثارها (فالعقل صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات الحسية وتتحول إلى أفكار كلية بطريقة آلية) . وهي مقولة قد تبدو معقولة ولكنها تخلق من المشاكل أكثر مما تحل. والسؤال هو: لماذا يأخذ الفكر هذه الصورة بالذات؟ ولماذا تختلف أفكار شخص عن أفكار شخص آخر يعيش في نفس الظروف؟ وهل الأفكار عصارات وأنزيمات تتحرك أم أنها شيء آخر؟ وما علاقة المؤثر المادي بالاستجابة الفكرية أو العاطفية؟ ولنأخذ فكرة مثل «السببية» . المعطيات الحسية المادية غير مترابطة ولا علاقة لها بأية كليات، ومع هذا يُدرك العقل الواقع لا كوقائع متناثرة وإنما كجزئيات تنضوي تحت كلٍّ متكامل، ولا يمكن أن يتم الإدراك إلا بهذه الطريقة، ولذا نجد أن الماديين (في عصر ما بعد الحداثة) ينكرون تماماً فكرة الكل، ويعلن نيتشه موت الإله الذي يعني في الواقع نهاية الكل. وهجوم الماديين والطبيعيين على الكل أمر مُتوقَّع، ففكرة الكل تُذكِّرنا بمعجزة الإنسان الذي يتجاوز النظام الطبيعي وحركة الأنزيمات والذرات والأرقام، ومن ثم فإنها تخلق ثنائية فضفاضة تستدعي مرجعية متجاوزة للنظام الطبيعي هي الإله. فالكل يؤكد تجاوز الإنسان، وتجاوز الإنسان يؤكد وجود الإله كمقولة تفسيرية معقولة. ولذا، لابد أن تهاجم هذه الفلسفة فكرة الكل حتى يعود الإنسان إلى الطبيعة ويُستوعَب فيها. وهكذا بدأت المادية بمحاولة تحطيم خرافة الميتافيزيقا، وانتهت بالهجوم على فكرة الحقيقة نفسها.

3 ـ وهناك حس الإنسان الخُلقي والديني، والجمالي، وقلقه، وتساؤله عن الأسئلة النهائية الكبرى. وهي أحاسيس لا يمكن تفسيرها على أساس مادي، فالأمر أكثر صعوبة من مجرد تفسير وجود الأفكار. وكما ينتهي الفكر المادي بإنكار الفكر، وإنكار الكل، فهو ينكر أيضاً الحس الخُلقي والجمالي ويُسقط الأسئلة النهائية. وعلى هذا، فإن عبارات مثل «القتل شر» و «هذه اللوحة جميلة» و «قلق الإنسان على مصيره في الكون» هي عبارات لا معنى لها من منظور مادي، تماماً مثل عبارة «الله رحيم» أو «الله موجود» ، فكلها عبارات لا يمكن إثباتها أو دحضها من خلال المنهج العلمي المادي.
4 ـ المادية تفشل في تفسير إصرار الإنسان على أن يجد معنى للكون ومركزاً له. والحقيقة أنه حينما لا يجد هذا المعنى، فإنه لا يستمر في الإنتاج المادي مثل الحيوان الأعجم وإنما يتفسخ ويصبح عدمياً ويتعاطى المخدرات وينتحر ويرتكب الجرائم دون سبب مادي واضح. وتزداد قضية المعنى حدة مع ازدياد إشباع الجانب المادي في الإنسان، فكأن إنسانية الإنسان لصيقة بشيء آخر غير مادي. والبحث عن المعنى عبَّر عن نفسه على هيئة فنون وعقائد. وكما يقول علي عزت بيجوفيتش، فإن "الدين والفن مرتبطان بالإنسان منذ أن وُجد على وجه الأرض، أما العلم (المادي) فهو حديث، وفشل العلم المادي (الذي يدور في إطار نماذج مادية) في تفسير الإنسان وفي التحكم فيه هو دليل فشله في إدراك الظاهرة الإنسانية وإدراك أن الحلول التي يأتي بها حلول ناقصة".
5 ـ والفلسفات المادية تدور في إطار المرجعية المادية، ولذا فإنها ترسم صورة واحدية للإنسان إما باعتباره شخصية صراعية دموية قادرة على خرق كل الحدود وعلى إعلاء إرادتها وتوظيف قوانين الحركة لحسابها، أو باعتباره شخصية قادرة على التكيف مع الواقع والخضوع لقوانين الحركة. وهذه صورة ساذجة غير حقيقية:

أ) الصورة الأولى تفشل في رصد تلك الجوانب النبيلة في الإنسان مثل مقدرته على التضحية بنفسه من أجل وطنه أو من أجل أبيه أو أمه، ومقدرته على ضبط نفسه من أجل مُثُل عليا.
ب) الصورة الثانية تؤكد أن الإنسان غير قادر على الثورة والتجاوز. وبالفعل، يُلاحَظ في العصر الحديث هيمنة نظم سياسية تسيطر عليها رؤى تكنوقراطية محافظة. ومع هذا، لم تنجح المادية تماماً في قمع الإنسان وتسويته بالأمر الواقع. فالإنسان لا يزال قلقاً وغير راض، وهو إن لم يُعبِّر عن قلقه من خلال الثورة الناضجة فهو يُعبِّر عن هذا القلق بأشكال مرضية.
وفي محاولة لتفسير هذه الجوانب الإنسانية غير المادية من الوجود الإنساني، يذهب الماديون إلى أن كل هذا حدث بالصدفة من خلال عملية كيميائية بسيطة ثم وصلت الكائنات بعد ذلك إلى درجة من التركيب من خلال قانون التطور. وهو ما يعني أن قانون الصدفة وقانون التطور هما القانونان الأساسيان؛ فالصدفة هي سفر التكوين أو قصة الرؤية المادية بشأن الخلق، والتطور هو تاريخها غير المقدَّس، الزمني المكاني. والتطور نفسه خاضع للصدفة وصراع القوة، فكأن الصدفة أو القوة (أو كلتيهما) محرك للكون وضمنه الإنسان. هذا التفسير المادي للأمور هو تفسير ميتافيزيقي رغم إنكاره للميتافيزيقا؛ وهو يهدف إلى سد الثغرة في النظام الطبيعي وإلى تصفية ظاهرة الإنسان وإلغاء الحيز الإنساني، ذلك لأن التفسيرات المادية غير قادرة على استيعاب أية ثنائية أو أي تركيب يتحدى النظام الواحدي المادي البسيط (فهي تفسيرات تُؤثر البساطة والواحدية على التركيب والتعددية) .

ولكن ليست هناك أية ضرورة لرفض مقولة الإنسان المركب الذي لا يُرَدُّ إلى المادة أو الاستغناء عنها، وخصوصاً أنها جزء من تجربتنا الوجودية وإدراكنا لذاتنا وواقعنا الإنساني. ولذا، وبدلاً من التأرجح بين العقلانية المادية التي تحاول تفسير كل شيء من خلال السببية الصلبة المطلقة من جهة واللاعقلانية المادية التي تعجز عن تفسير أي شيء من جهة أخرى، وبدلاً من الإصرار على إلغاء الثنائية نشعر (نحن البشر) بوجودها في عالمنا المادي، وذلك باسم البساطة والواحدية والتناسق الهندسي القاتل، قد يكون من الأمانة أن نُسمِّي هذا الجانب في الوجود الإنساني «الجانب الرباني» ، وعلينا من ثم أن نستدعي ثنائية أخرى ذات مقدرة تفسيرية عالية لا يمكن إلغاؤها. وبدلاً من مجرد استخدام مقولات مادية تفسيرية تفرض الواحدية على الواقع، وتُسوي الإنسان بالطبيعة والكيف بالكم وغير المادي بالمادي، يمكن استخدام مقولات تفسيرية مركبة تحوي عناصر مادية وغير مادية، كما يمكن استدعاء مدلول متجاوز للنظام الطبيعي ولقوانين المادة نصنف تحته كل الظواهر التي لا تخضع للقياس ونفسر من خلاله كل ما لا يدخل شبكة السببية الصلبة المطلقة وندرك من خلاله كل التجليات التي تظهر في عالمنا الطبيعي دون أن نتمكن من تفسير جميع جوانبها، أي مقولة غير مادية تكمِّل (ولا تَجبُّ) المقولات المادية، مقولة تتجاوز العقل المادي دون أن تحطمه، وهذه المقولة هي ما يُطلَق عليه «الإله» ؛ مركز الكون الموجود خارج المادة، والذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد، يُعنَى بدنيانا وبمسار التاريخ ولكنه ليس كمثله شيء، ووجوده تعبير عن وجود كل من الطبيعة وما وراء الطبيعة، وما يُقاس وما لا يُقاس، ووجود الإنسان كإنسان يستند إلى وجوده.
النزعة الربانية

نذهب إلى أن الإنسان تتنازعه نزعتان كامنتان فيه: النزعة الجنينية نحو إزالة الحدود والحيز الإنساني والهوية الإنسانية والذات المتعينة ومحو الذاكرة التاريخية والذوبان في الطبيعة/المادة والهرب من المسئولية الأخلاقية والمقدرة على التجاوز من ناحية، ومن ناحية أخرى، النزعة الربانية نحو تجاوز الطبيعة/المادة وتقبُّل الحدود والمسئولية وعبء الوعي وتأكيد الهوية الإنسانية وتركيبيتها. والنزعة الربانية تعبير عن وجود عنصر غير مادي غير طبيعي داخل الإنسان، وهو عنصر لا يمكن رده إلى الطبيعة/المادة نسميه «القبس الإلهي» ، وهو ذلك النور الذي يبثه الإله الواحد المتجاوز في صدور الناس (بل في الكون بأسره) ، فيمنحه تركيبيته اللامتناهية، ويولِّد في الإنسان العقل الذي يدرك من خلاله أنه ليس بإله، وأنه ليس بالكل، وأنه مكلف بحمل الأمانة، وأن عليه أعباء أخلاقية وإنسانية تشكل حدوداً وإطاراً له. ولكن هذه الحدود هي نفسها مصدر تميزه، فهي تفصله عن كل من الإله والكائنات الطبيعية، وتميِّزه عن هذه الكائنات بعقله ووعيه والمسئولية المناطة به. فكأن الحدود هي حيزه الإنساني الذي يمكن للإنسان أن يحقق فيه إمكانياته أو يجهضها. وهو الحيز الذي يتحول فيه الإنسان إلى كائن اجتماعي قادر على أن يرجئ رغباته ويُعلي غرائزه ولا يطلق لشهواته العنان حتى يمكنه أن يعيش مع الآخرين ويتواصل معهم، وأن ينتج أشكالاً حضارية إنسانية تتجاوز عالم الطبيعة/المادة وعالم المثيرات والاستجابات العصبية والجسدية المباشرة.

والإنسان الإنسان، ثمرة النزعة الربانية، يقف على طرف النقيض من الإنسان الطبيعي/المادي ثمرة النزعة الجنينية، فهو ذو هوية محدَّدة يكتسبها من خلال الحدود المفروضة عليه ولكنه لا يتمركز حول ذاته، وفي إطار المرجعية المتجاوزة يمكنه تأكيد إنسانيته لا بالعودة إلى ذاته الضيقة (الطبيعية) والرغبة في التحكم في الكون، وإنما بالإشارة إلى النقطة المرجعية المتجاوزة. وهو أيضاً لا يفقد ذاته ولا يتمركز حول الموضوع (الطبيعة/المادة) ، أي أنه لا يتأرجح بين الواحدية والثنائية الصلبة ولا بين الصلابة والسيولة. فوجود المركز المتجاوز ضمان لأن يحتفظ بهويته وذاته ولا يغوص في حمأة المادة ولا يذعن لقوانينها وحتمياتها.
والإنسان الإنسان، على عكس الإنسان في الحالة الجنينية، قادر على تفسير العالم والنصوص، فاللغة ليست أيقونات تُشير إلى ذاتها، وإنما مفردات وجُمل لها قواعدها، وهو للسبب نفسه قادر على التواصل مع الآخرين، ومن ثم قادر على تجاوز ذاته والتحرك مع الآخرين داخل الحدود التاريخية والاجتماعية والحضارية، التي تشكل حيزنا الإنساني الذي نحقق فيه جوهرنا الإنساني. فهو إنسان فرد له قصته الصغيرة، ولكنها صدى للإنسانية المشتركة وللقصة الإنسانية الكبرى.
الثنائية الفضفاضة: نمط إنسانى (ربانى) عام

«النزعة الربانية» تعني خروج الإنسان من نطاق المرجعية الكامنة المادية ودخوله في نطاق المرجعية المتجاوزة مما يعني ظهور ثنائية أساسية لا يمكن محوها، هي ثنائية الخالق والمخلوق الفضفاضة. هذه الثنائية تعني زوال أية واحدية ذاتية كانت أم موضوعية. لأن في إطار المرجعية المتجاوزة لا يمكن للإنسان أن يسقط في الجنينية التي تحطم الحدود بين الكل والجزء، ولا يمكن أن يتمركز حول ذاته. كما لا يمكن للموضوع (المادي) أن يتمركز حول نفسه، إذ يظل مركز الكون خارجه. وثنائية الخالق والمخلوق الفضفاضة ينتج عنها ثنائية أخرى هي ثنائية الإنسان والطبيعة، فالإله يزود الإنسان بالعقل الذي يميِّزه عن سائر الكائنات، وهذا ما يجعله إنساناً إنسان (أو إنساناً ربانياً) ، أي إنساناً غير طبيعي/ مادي، له جوهره الإنساني المتميز عن الطبيعة/المادة، يعيش في الحيز الطبيعي/المادي نفسه ولكنه قادر على تجاوزه وتجاوز ذاته الطبيعية. وهذا الكائن الذي يحوي داخله الأسرار، يستعصي على التفسيرات الطبيعية/المادية ولا يمكن اختزاله أو رده إلى مبدأ واحد ولا يمكن التحكم فيه تحكماً كاملاً، إنه إنسان يبحث عن المعنى في الكون ولا يستسلم للعبث أو العدمية أو الواحدية المادية، إنسان حر قادر على اتخاذ قرارات أخلاقية وعلى تحمُّل المسئولية، ومن ثم يشكِّل ثغرة في النظام الطبيعي وتحدياً للمنظومات المعرفية والأخلاقية الواحدية المادية.
كل هذا يعني انفصال الإنسان عن الطبيعة وأسبقيته وأفضليته عليها. ولكنها تفترض أيضاً وجوده فيها واعتماده عليها واحترامه لها، فهو ليس بمركز الكون، وهو ليس سيد الطبيعة، فمالكها هو الله. ولذا فهو مستخلف فيها يتفاعل معها.

9 - 9:الإسلام والعروبة فى سودان وادى النيل

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل التاسع *الإسلام والعروبة فى سودان وادى النيل لم تكن بلاد «السودان الشرقى» (النيلى) أو «سودان وادى النيل» مجهولة للعرب قبل الإسلام، فقد مخرت سفنهم عباب البحر الأحمر حتى وصلوا إلى الشاطئ الإفريقى ومنه إلى «السودان» و «الحبشة»، فضلا عن الطريق البرى عبر «سيناء» إلى «مصر»، ومنها جنوبًا إلى «السودان»، والطريق البحرى عبر «باب المندب» إلى «الحبشة» ومنها إلى «السودان»؛ كل ذلك بهدف التجارة بين هذه البلدان وبين عرب «اليمن» و «الحجاز»، وبظهور الإسلام وانتشاره فى «مصر» أصبح وادى النيل معبرًا جديدًا للعرب والإسلام إلى بلاد «السودان النيلى» سلكته الجيوش والقبائل العربية، إما بقصد الغزو والفتح وإما بقصد التسرب السلمى بغرض الإقامة ونشر الإسلام بين أهالى هذه البلاد.
وكانت هناك مملكتان مسيحيتان فى «السودان النيلى»، هما مملكة «مقرة» أو «دنقلة» أو «النوبة» فى شمالى هذا السودان، ومملكة «علوة» فى وسطه، وكانت هذه الممالك تقف فى وجه انتشار الإسلام، وأمام جهود المسلمين للدخول إلى «السودان النيلى» من ناحية «مصر، ولهذا كان انتشار الإسلام يتوقف على إضعاف هذه الدول أو القضاء عليها.
وبدأ اللقاء الأول بين هذه الدول المسيحية وبين المسلمين منذ وقت مبكر، فقد أرسل «عمرو بن العاص»
- رضى الله عنه - والى «مصر» بعض جنده إلى «بلاد النوبة» عام (21هـ = 642م)، لكنه لم يتمكَّن من فتحها، ثم غزاهم «عبدالله بن سعد بن أبى السرح» والى مصر عام (31هـ = 651م)، ووصل فى زحفه حتى «دنقلة» عاصمة مملكة «مقرة» المسيحية، وعقد معهم صلحًا عُرِفَ باسم «البقط»، وتدل نصوص هذا الصلح على أنه يهدف إلى التسامح الدينى وحسن الجوار، ولايعكس تبعية «دنقلة» لمصر الإسلامية، أى لم يكن فى حقيقته إلا تأمينًا للنواحى الاقتصادية والتجارية والدينية، وتشجيعًا للتبادل التجارى، وإقرارًا للسلام على الحدود المشتركة؛ ولذلك ظلت
*الهادى (خليفة عباسي) هو «موسى» ابن الخليفة «المهدى»، تولى الخلافة فى (22 من المحرم سنة 169هـ= 5 من أغسطس سنة 785م).
اتصف الخليفة «الهادى» بالغيرة والشهامة والجرأة، ورفض تدخل أمه «الخيزران» فى سياسة الدولة كما كانت تفعل فى عهد والده «المهدى».
وقد واجه «الهادى» مشاكل خطيرة على رأسها ثورة البيت العلوى بقيادة «الحسين بن على بن الحسن» فى «المدينة» سنة (169هـ= 785م)، إلا أن «الهادى» أرسل جيشًا على وجه السرعة نجح فى القضاء عليها فى (8 من ذى الحجة سنة 169هـ=11من يونيو سنة 786م) وحاول «الهادى» نقل ولاية العهد من أخيه «الرشيد» إلى ابنه «جعفر»، الذى لم يكن قد بلغ الثامنة من عمره مخالفًا وصية والده فى ترتيب ولاية العهد، إلا أن الموت عاجله فلم يتحقق له ما أراد.
تُوفِّى «الهادى» ليلة الجمعة، (نصف ربيع الأول سنة 170هـ= نصف أغسطس 786م) وبذلك تكون مدة خلافته سنة وشهرًا واثنين وعشرين يومًا.
*الخطيب البغدادى هو «أبو بكر أحمد بن على بن ثابت»، من المؤرخين المتميزين فى فترة النفوذ البويهى، وقد عاش فى بغداد التى يُنسَب إليها ومات بها، ولكنه رحل طلبًا للعلم إلى عدة مراكز علمية بارزة كالبصرة والكوفة ونيسابور وحلب وبيت المقدس وغيرها، وهو يتميز بغزارة إنتاجه وتنوع اهتماماته العلمية؛ حيث ألَّف فى فروع مختلفة من العلم كالتاريخ والفقه والحديث والنحو والأدب وغيرها، ومعظم مؤلفاته لم تصل إلينا، ولكن موسوعته الضخمة المعروفة باسم «تاريخ بغداد» وصلت إلينا وهى التى أكسبته شهرة واسعة، وهى تاريخ شامل لبغداد من حيث نشأتها وأحياوئها وقصورها ومختلف معالمها، فضلاً عن تراجم أعلامها من رجال السياسة والعلم والأدب وغير ذلك، ومن هنا تعد هذه الموسوعة مصدرًا لا غنى عنه للباحثين فى تاريخ الخلافة العباسية منذ نشأتها حتى بداية العصر السلجوقى، وتوفىالخطيب البغدادى سنة (463هـ = 1071م)،
*أبو الهدى الصيادى هو أبو الهدى محمد بن حسن وادى بن على بن خزام الصيادى الرفاعى الحسينى، من رجالات الدولة العثمانية فى عهد السلطان عبد الحميد الثانى.
ولد فى خاد شيخون عام (1266هـ = 1849م)، وتعلم بمدينة حلب وولى نقابة الأشراف بها، ثم سكن مدينة الآستانة بتركيا.
وتوثقت الصلة بينه وبين السلطان عبد الحميد وحظى عنده بمكانة عظيمة، وكان من كبار ثقاته، واستمر فى خدمته ثلاثين سنة.
وعرف عنه سعة علمه فى العلوم الإسلامية والآداب، وكان أذكى الناس، وعرف عنه تصوفه وظرفه، ولما خُلع السلطان عبد الحميد نُفى الشيخ الصيادى إلى جزيرة الأمراء.
وقد صنف الشيخ الصيادى العديد من المؤلفات، مثل: ضوء الشمس فى قوله (بنى الإسلام على خمس، قلادة الجواهر فى ذكر الغوث الرفاعى وأتباعه الأكابر، وفرحة الأحباب فى أخبار الأربعة الأقطاب، والجوهر الشفاف فى طبقات السادة الأشراف والسهم الصائب لكبد من آذى طالب.
تُوفًّى الصيادى فى جزيرة الأمراء عام (1328هـ = 1909م)
.
*شيركوه بن شادى هو أسد الدين شيركوه بن شاذى بن مروان، من أسرة الأيوبيين الأكراد المشهورة، وأول من ولى مصر منهم، يلقب بالملك المنصور، ويعرف فى التاريخ باسم المنصور شيركوه ولفظة شيركوه لفظة فارسية معناها: أسد الجبل.
ولد فى قرية دُوين (بلدة من إقليم أذربيجان)، وأصله من قبيلة الروادية، إحدى قبائل الأكراد، ونشأ بقلعة تكريت (قلعة حصينة فى غربى نهر دجلة ببغداد)؛ حيث كان أبوه نقيباً عليها، ثم انتقل إلى الموصل ودخل هو وأخوه نجم الدين أيوب فى طاعة عماد الدين زنكى فشملهما بعطفه ورعايته.
وبعد وفاة عماد الدين زنكى تولى نور الدين محمود الأمر من بعده، وحظى أسد الدين وأخوه نجم الدين عنده بمنزلة رفيعة ومكانة عالية، فاشتركا معه فى قتال الصليبيين، فأظهر أسد الدين براعة وشجاعة، دفعت نور الدين إلى تقريبه إليه، وجعله أكبر قواد جيشه، واستعان به فى كثير من المهام العسكرية الخطيرة وبخاصة فى مصر، وواجه الصليبيين فيها أكثر من مرة، وردهم على أعقابهم، ولم يلبث الخليفة الفاطمى العاضد بالله أن أعجب به فالتقاه سرًا وطلب منه الخليفة أن يقتل وزيره شاور؛ لأنه سبب الفساد وكثير الموالاة للصليبيين وهو الذى استدعاهم إلى مصر، فقتله أسد الدين وأرسل برأسه إلى الخليفة الذى لم يلبث أن أسند إليه الوزارة، ولقبه بالملك المنصور، وكتب للناس منشورًا بذلك.
ولكن لم يمكث أسد الدين فى الوزارة طويلاً؛ إذ وافته المنية بعد أشهر قليلة فى (جمادى الآخرة 564 هـ = مارس 1169 م) بعد أن عهد بالوزارة إلى ابن أخيه صلاح الدين الأيوبى.
*الخطيب البغدادى هو أبو بكر أحمد بن على بن ثابت بن أحمد بن مهدى الخطيب البغدادى، أحد كبار الحفاظ والمؤرخين ببغداد فى القرن (5 هـ = 11 م).
ولد بموضع يسمى غزية بين الكوفة والمدينة سنة (392 هـ = 1002 م)، ونشأ ببغداد وكان أبوه خطيبًا بقرية درزنجان بالعراق، فسمع أبو بكر من أبيه وهو فى سن الحادية عشرة، ثم طاف بعدد من البلدان فى طلب العلم، وكان شديد الحرص على ذلك، فطاف بالبصرة والكوفة وأصبهان والرى وهمذان والحجاز لسماع الحديث وتعلم القراءات، وأخذ من كثير من شيوخ هذه البلدان، ثم عاد إلى بغداد واستقر بها للتدريس، وأعجب به ابن مسلمة وزير الخليفة العباسى القائم بأمر الله فقربه، وبلغ منزلة عالية عند الخليفة، ثم وقعت أمور ببغداد رحل على إثرها إلى بلاد الشام وأقام مدة فى دمشق وصور وحلب والقدس، ثم عاد إلى بغداد.
وكان شديد الثراء ينفق من ماله الكثير على طلبة العلم، فلما مرض مرضه الأخير وقف كتبه وفرق جميع ماله فى وجوه البر وعلى أهل العلم والحديث، وكان فصيح اللهجة، عارفًا بالأدب، يقول الشعر، ولعًا بالمطالعة والتأليف، عرف له أهل العلم مكانته فقال عنه السمعانى: كان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة.
وله مؤلفات كثيرة أشهرها: تاريخ بغداد، والكفاية فى علم الرواية، والأمالى، والرحلة فى طلب الحديث، واقتضاء العلم والعمل، وغيرها.
وتوفى الخطيب البغدادى ببغداد سنة (463 هـ = 1072 م)، وأوصى أن يدفن بجانب بشر الحافى فتم له ذلك.
*قس بن ساعدة الإيادى هو قس بن ساعدة بن عمرو الإيادى.
أحد خطباء العرب وحكمائهم وشعرائهم فى الجاهلية.
كان أسقف نجران، وهو أول من علا على شُرفٍ (موضع عالٍ) وخطب عليه، وأول من اتكأ على عصا أو سيف فى خطبته، وأول من قال أما بعد فى كلامه.
رآه النبى - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة، أثناء خطابته للعرب فى عكاظ، وكان قس يفد على قيصر الروم فيكرمه ويعظمه، وعندما سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - بعض كلماته قال: يرحم الله قسًّا، إنى لأرجو أن يُبعَث يوم القيامة أمة وحده.
وتُوفَّى قس سنة (600م).
*بادى الثانى أبو دقن هو بادى الثانى أبو دقن، أحد سلاطين سلطنة الفونج الإسلامية ، التى ظهرت فى السودان منذ عام (1505 م) على أنقاض مملكة علوة المسيحية على يد زعيم سودانى يُسمى عمارة دونقس تولى أبناؤه وأحفاده السلطة بعده، وكان منهم بادى الثانى أبو دقن الذى حكم السلطنة من عاصمته سنار فى الفترة من (1643 - 1678 م) واشتهر هذا السلطان بالشجاعة والتقوى وتشجيع العلم والعلماء، وكان على صلة وطيدة بمصر وعلمائها.
واختط بادى الثانى جامعًا فى سنار ومقرًّا للحكومة يعتبر ديوانًا للحكم، وغزا النيل الأبيض وفتك بسكانه المعروفين بالشلك، كما غزا جبال تقلى الواقعة غرب النيل الأبيض بنحو مرحلتين؛ حيث توجد سلطنة تقلى وتصالح مع سلطانها نظرًا لحسن معاملته للسلطان الغازى وجنوده، وتم التصالح على أساس أن يدفع سلطان تقلى إتاوة سنوية لسلطان سنار؛ مما جعله تابعًا لهذا السلطان.
ويعود السبب الرئيسى فى قيام الحرب بين هاتين السلطنتين هو اشتداد التنافس التجارى بين سنار ودارفور حيث اتخذت تقلى موقفًا أكثر ميلاً إلى دارفور منه إلى سنار.
وفى الشمال حدث فى عهد بادى الثانى حرب بين الشايقية والعبدلاب حوالى عام (1672 م) بسبب نفوذ دارفور إلى الشايقية الذين حاولوا الانفصال عن الحلف السنارى، فأدى ذلك إلى نشوب قتال بين الفريقين انتهى باستقلال الشايقية عن هذا الحلف الذى كان يتكون بصفة رئيسية من الفونج والعبدلاب.
كذلك اشتد فى عهد السلطان بارى الثانى نشاط البعثات التبشيرية من الفرنسسكان، يساندهم بابا روما، والجزويت يساندهم لويس الرابع عشر ملك فرنسا، وتتابعت رحلات هذه البعثات إلى السودان ومنها إلى إثيوبيا، كما شهد عصره الرحلة التى قام بها الرحالة العثمانى أوليا شلبى حيث شهد الحرب التى قامت بين الشايقية والعبدلاب التى أشرنا إليها.
ولم يلبث بادى الثانى أن مات فى عام (1678 م) بعد حياة حافلة، ويُعد
*بادى الرابع هو بادى الرابع (أبو شلوخ)، الذى يُعد من أعظم سلاطين سلطنة الفونج الإسلامية التى ظهرت فى السودان منذ عام (1505 م) على أنقاض مملكة علوة المسيحية على يد زعيم سودانى يُسمى عمارة دونقس، تولى أبناؤه وأحفاده السلطنة بعده وكان منهم بادى الرابع، الذى يُعد من أعظم سلاطين الفونج، وكانت عاصمته مدينة سنار التى تقع على نهر النيل الأزرق؛ ولذلك كانت تُسمى سلطنة سنار.
وحكم بادى الرابع مدة طويلة فى الفترة من (1724 - 1762 م).
وفى عهده تمتعت سلطنة الفونج بمظاهر القوة والازدهار والعظمة، حتى إنها هزمت مملكة الحبشة المسيحية فى معركة فاصلة فى (8 من مارس 1744م) عقب قيام الملك الحبشى ياسو الثانى بزحفه على سنار فى ذلك التاريخ، وحقق بعض الانتصارات فى بداية الحرب، ولكن جيش الفونج والعبدلاب سرعان ماقاما فى (إبريل 1744 م) وأنزلا بالمعتدين هزيمة قاسمة، سقط فيها من جيش الأحباش عدد كبير.
وفر ملك الحبشة تاركًا خلفه كثيرًا من الأسلحة والذخائر والأموال، وكان لهذا النصر دوى هائل فى العالم الإسلامى المعاصر، وحدثًا يدعو للزهو والإعجاب؛ مما جعل الفونج يطمعون فى ضم سلطنة كردفان الإسلامية.
وبالفعل زحفت عليها جيوش سنار فى عام (1747 م)، وكان الجيش بقيادة أمراء من الفونج ومعهم قائد آخر اسمه محمد أبو اللكيلك واستطاع هذا الجيش أن ينزل الهزيمة بجيش كردفان وأن يطرد قبيلة المسبعات التى كانت تحكم هذه السلطنة التى أصبحت جزءًا من سلطنة سنار وأصبح الحكم فيها للشيخ محمد أبو اللكيلك نيابة عن السلطان بادى الرابع.
الذى ساءت سيرته فى الرعية نتيجة ظلمه وقسوته فى جمع الضرائب، ولم ينجُ من عسفه أهل بيته وأعوانه؛ فتآمروا عليه وشجعوا تابعه القائد محمد أبو اللكيلك حاكم كردفان على الزحف على سنار وعزل السلطان، وتم تنفيذ المؤامرة وعزل بادى الرابع وخلفه ابنه ناصر، الذى لم يكن له من
*عبد الله بن كادى هو الماى الواحد والعشرون فى سلسلة المايات (السلاطين) الذين حكموا سلطنة الكانم الإسلامية التى تقع شمال شرقى بحيرة تشاد، فقد حكم هذا الماى (21) عامًا فى الفترة من (1321 - 1342م).
وكانت البلاد تعيش منذ بداية القرن (14م) عصر تدهور وضعف؛ نتيجة للصراع الداخلى الذى شبَّ بين أبناء البيت الحاكم على كرسى العرش، ونتيجة للمنافسات الدموية التى اشتدت بين السادة الإقطاعيين من أمراء البيت الحاكم ومن يلوذ بهم، ونتيجة لاشتداد خطر قبائل البلالة وقبائل الصو؛ وترتب على ذلك أن ضعفت البلاد واشتدت الفتن حتى قام أحد المايات وهو الماى إبراهيم بن بيرى (1300 - 1321م) بقتل ابنه، وتعرض هذا الماى نفسه للقتل على أيدى اليريمة -أى حاكم الشمال - وهو أحد أعضاء مجلس الأكابر الأعلام المكون من (12) عضوًا كانوا يساعدون الماى فى حكم البلاد - وقد خلفه فى الحكم الماى عبد الله بن كادى ولم يؤثر عنه إلا أنه كافأ الأشخاص الذين انتشلوا جثة السلطان القتيل عند مدينة دسكام بالقتل لأنهم رأوا عورة السلطان القتيل.
كما حدث فى عهده حرب أهلية بين البفاريمة - أحد أعضاء المجلس المشار إليه - وجايو ابن حاكم مدينة سينا التى تقع فى الجنوب من العاصمة نجيمى، ربما بسبب محاولة الأخير الانفصال عن الدولة.
ويقال: إن الماى عبد الله بن كادى كان قد تلقى أخبارًا عن أربعةً لصوص كانوا أبناء أمٍّ واحدة، فأرسل فى استدعائهم وعندما حضروا بين يديه أمر بقتلهم فقتلوا، فابتهلت أمهم إلى الله سبحانه وتعالى أن ينتقم من هذا الماى وأن يقطع دابره، فاستجاب الله لدعائها، فمات الماى توًّا فى أحد الحروب التى اشتعلت ضده فى بعض أقاليم الدولة التى كانت تحاول الانفصال والتمرد على حكم الأسرة الحاكمة فى نجيمى.
*ينبع (وادى) وادٍ فى الحجاز بالمملكة العربية السعودية، به عدة قرى، يعرف بينبع النخل، تمييزًا له عن المدينة الساحلية التى تعرف بينبع البحر، يوجد به نخيل وماء وزرع.
ينسب إليه أبو عبد الله حرملة المدلجى الينبعى، له صحبة ورواية عن النبى - صلى الله عليه وسلم -.
*العلاقى (وادى) هو واد يقع على بعد (109) كيلو مترات جنوب سد أسوان، وينتهى عند مناجم الذهب بالمنطقة المعروفة باسم وادى أم القريات.
بدأ المصريون يستغلون تلك المناجم منذ أيام الدولة الوسطى، كما استعملت فى عصور مصر الإسلامية.
ويوجد بالقرب من المناجم أطلال منازل العمال، وطواحين حجر الكوارتز، وعلى الصخور بين النيل والمناجم نقوش خلَّفها أعضاء البعثات فى مختلف العصور.
وهذا الوادى كانت تسكنه قبائل البجة، ثم استوطنته قبيلة ربيعة العربية، واختلطوا بالبجة وصاهروهم، ونجح أبو مروان بن بشر بن إسحاق فى تأسيس أول إمارة عربية فى وادى العلاقى، ثم انتقل مقر الإمارة من وادى العلاقى إلى أسوان.
*وادى النطرون وادٍ يقع فى الصحراء الغربية بمصر، قريبًا من حدود الدلتا، فى منتصف الطريق الصحراوى بين القاهرة والإسكندرية.
كان قدماء المصريين منذ فجر تاريخهم يحصلون من بحيراته على ملح النطرون، وتوجد به أطلال حصن داخله معبد، بناه أمنمحات الأول الذى ينتمى إلى الأسرة الثانية عشرة.
اشتهر هذا الوادى فىالعصر القبطى بأديرته الكبيرة التى تخرَّب معظمها الآن، ولم يبقَ منها إلا أربعة ماتزال آهلة برهبانها، وهى: أنبا بشوى، والسوريان والبراموس وأبو مقار.
*القرى (وادى) وادٍ بين بلاد الشام والمدينة المنورة.
يمر به الحجاج وهم فى طريقهم إلى الحج، سُمى بذلك لانتظام القرى وكثرتها به، وقد أصبح معظمه خرابًا.
وكانت عدة قبائل عربية تنزل به، ومنها: قضاعة وجهينة وبنو عذرة، وكان به عاد وثمود، وسكنه كثير من اليهود، وظلوا به حتى سنة (7هـ).
وفى هذه السنة غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل وادى القرى ودعاهم إلى الإسلام فرفض اليهود وحاربوه؛ ففتحها عنوة، وأخذ الأموال والمتاع وترك النخيل والأرض لليهود.
ولما تولى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، الخلافة أجلى اليهود عن وادى القرى، وقسم الأرض بين المسلمين، لكنها أصبحت اليوم من أحياء المدينة المنورة.
*وادى نكور (معركة) جرت بين الموحدين وبنى مرين سنة (613 هـ)؛ حيث كان الضعف قد ضرب بجذوره فى دولة الموحدين، وانشغل زعماء الموحدين بالمؤامرات والدسائس؛ للوصول إلى السلطة، وأتاح هذا الجو الفرصة للقبائل أن تمارس السلب والنهب، ومن هذه القبائل بنو مرين الذين أخذوا فى الإغارة على القرى والمدن وترويع الآمنين وإشاعة الفوضى؛ لذلك قرر الموحدون تأديبهم؛ فجرد الخليفة جيشًا بقيادة أبى على بن وانورين، وانضمت إليه قوات والى فاس بقيادة أبى إبراهيم بن يوسف الذى تولى القيادة، والتقى الجيشان فى وادى نكور، واستطاع بنو مرين هزيمة الموحدين هزيمة ساحقة، وقتل قائد الموحدين.
*وادى القُرَى (غزوة) فى سنة (7هـ) بعد غزوة خيبر انصرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى وادى القرى فدعا سكانها من اليهود إلى الاستسلام، فأبوا وقاتلوا المسلمين فأصاب المسلمون منهم أحد عشر رجلاً، وغنموا منهم مغانم كثيرة، وتم الفتح الإسلامى، وترك لليهود الأرض فى مقابل دفع نصف ما يخرجون منها.
المنادى
أحكام - تابع المنادى - المضاف إلى ياء المتكلم - المرخم - مناديات سماعية - تراكيب الاستغاثة والتعجب - الندبة
أ- أحكام:
يعلم القارئ أن المنادى اسم يذكر بعد أداة نداء استدعاءً لمدلوله مثل: "يا خالد، أيا عبد الله"، وأنه منصوب دائماً سواء أكان مضافاً مثل "يا عبد الله" أو شبيهاً بالمضاف وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه مثل: "يا كريماً فعلُه، يا رفيقاً بالضعفاء، يا أربعة وأربعين "اسماً لرجل"" أو نكرة غير مقصودة مثل: "يا كسولاً الحقْ رفاقك"1.
وإنما يبنى على ما يرفع به، في محل نصب، إذا كان مفرداً معرفة مثل: "
يا عليٌّ" أو نكرة قصد بها معين كقولك لشرطي أمامك ولرجلين ولمسلمين تخاطبهم: "يا شرطيُّ، يا رجلان، يا مسلمون".
وإذا كان الاسم مبنياً سماعاً بقي على حركة بنائه الأصلية مثل: "
يا سيبويه، يا هذا"، وقيل حينئذ إنه مبني على ضم مقدّر، منع من ظهوره اشتغال آخره بحركة البناء الأصلية، في محل نصب.
ولا بأس بتذكيرٍ بالأحكام الآتية:
1-أحرف النداء ثمانية: "
أ" و"أيْ" وتكونان لنداء القريب مثل: "أَخالد، أَيْ أَخي" و"يا، آ، آي، أَيا، هيا" وتكون لنداءِ البعيد
__________
1- المفرد هنا ما كان كلمة واحدة أي ليس مضافا ولا شبيها بالمضاف.

المنادى المضاف الى ياء المتكلم

ألفية ابن مالك

المنادى المضاف الى ياء المتكلّم:
واجعل منادىً صحّ إن يُضف ليا
... كعبدِ عبدي عبد عبدا عبديا
وفتحّ او كسرّ وحذف اليا استمر
... في يا ابن أمِّ يا ابن عمّ لا مفر
وفي النّدا " أبتِ" " أمّتِ" عرض
... واكسر أوافتح ومن اليا التا عوض

375 - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادى بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة، الحافظ العلامة جمال الدين، أبو الفرج ابن الجوزي، القرشي، التيمي البكري، البغدادي، الحنبلي، الواعظ،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

375 - عَبْد الرَّحمن بْن عليّ بْن مُحَمَّد بْن علي بْن عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن حُمّادَى بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن عبد الله بن القاسم بن النضر بْن القاسم بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي قُحَافة، الحافظ العلّامة جمال الدّين، أبو الفَرَج ابن الْجَوْزيّ، القُرَشيّ، التُّيْمِيّ البكْريّ، الْبَغْدَادِيّ، الحنبليّ، الواعظ، [المتوفى: 597 هـ]-[1101]-
صاحب التّصانيف المشهورة فِي أنواع العلوم من التفسير، والحديث، والفقه، والوعْظ، والزُّهْد، والتاريخ، والطّبّ، وغير ذلك.
وُلِد تقريبًا سنة ثمانٍ أو سنة عشْرٍ وخمس مائة، وعُرِف جدُّهم بالجوْزيّ لجوزة في وسط داره بواسط، ولم يكن بواسط جَوْزة سواها.
وأوَّل سماعه سنة ستّ عشرة وخمس مائة، وسمع بعد ذلك فِي سنة عشرين وخمس مائة وبعدها، فسمع من ابن الحصين، وعليّ بْن عَبْد الواحد الدِّينَوَرِيّ، والحسين بْن مُحَمَّد البارع، وأبي السّعادات أَحْمَد بْن أَحْمَد المتوكّليّ، وأبي سعْد إِسْمَاعِيل بْن أَبِي صالح المؤذن، وأبي الحسن علي ابن الزاغوني الفقيه، وأبي غالب ابن البناء، وأخيه يحيى، وأبي بَكْر مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن المزرفي، وهبة الله ابن الطّبر، وقاضي المَرِسْتان، وأبي غالب مُحَمَّد بْن الحسن الماوردي، وخطب إصبهان أَبِي القاسم عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الرّاوي عن ابن شمَّة، وأبي السُّعود أحمد بن المجلي، وأبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، وعلي بن أحمد بن الموحد، وأبي القاسم ابن السمرقندي، وابن ناصر، وأبي الوقت، وخرج لنفسه مشيخة عن سبعةٍ وثمانين نفْسًا، وكتب بخطّه ما لا يوصف، ووعظ وهو صغير جدًّا.
قرأ الوعظ على الشّريف أَبِي القاسم عليّ بْن يَعْلى بْن عِوَض العَلَويّ الهَرَويّ، وأبي الحسن ابن الزّاغونيّ، وتفقَّه على أَبِي بَكْر أَحْمَد بْن مُحَمَّد الدِّينَوَرِيّ، وتخرَّج فِي الحديث بابن ناصر، وقرأ الأدب على أَبِي مَنْصُور موهوب ابن الجواليقيّ.
روى عَنْهُ ابنه محيي الدّين يوسف، وسِبْطه شمس الدّين يوسف الواعظ، والحافظ عَبْد الغنيّ، والشّيخ الموفّق، والبهاء عَبْد الرَّحْمَن، والضّياء مُحَمَّد، وابن خليل، والدُّبيثيّ، وابن النّجّار، واليَلْدانيّ، والزين ابن عبد الدائم، -[1102]- والنّجيب عَبْد اللّطيف، وخلْق سواهم، وبالإجازة: الشّيخ شمس الدّين عَبْد الرَّحْمَن، وأحمد بْن أَبِي الخير، والعزّ عبد العزيز ابن الصَّيْقل، وقُطْب الدّين أحمد بن عبد السلام العصروني، وتقي الدين إسماعيل بن أبي اليسر، والخضر بن عبد الله بن حمويه، والفخر علي ابن البخاري.
وكان الذي حرص على تسميعه وأفاده الحافظ ابن ناصر، وقرا القرآن على أبي محمد سبط الخياط.
وكان فريد عصره في الوعظ، وهو آخر من حدث عن الدينوري والمتوكلي.
ومن تصانيفه:
كتاب المغني فِي عِلم القرآن، كتاب زاد المسير في علم التفسير، تذكرة الأريب في شرح الغريب، مجلد، نزهة النّواظر فِي الوجوه والنّظائر، مجلّد، كتاب عيون علوم القرآن، هو كتاب فنون الأفنان، مجلّد، كتاب النّاسخ والمنسوخ، كتاب منهاج الوصول إِلَى علم الأُصُول، كتاب نفْي التّشبيه، كتاب جامع المسانيد، فِي سبع مجلْدات، كتاب الحدائق، مجلّدان، كتاب نفي النّقْل، كتاب الْمُجْتَبَى، كتاب النّزهة، كتاب عيون الحكايات، مجلّدان، كتاب التّحقيق فِي أحاديث التّعليق، مجلّدان، كتاب كشف مشكل الصّحيحين، أربع مجلّدات، كتاب الموضوعات، كتاب الأحاديث الرائقة، كتاب الضُّعفاء، كتاب تلقيح فهوم أَهْل الأثر فِي عيون التّواريخ والسِّيَر، كتاب المنتظم فِي أخبار الملوك والأمم، كتاب شذور العقود فِي تاريخ العهود، كتاب مناقب بغداد، كتاب المُذْهَب فِي المَذْهب، كتاب الانتصار فِي مسائل الخلاف، كتاب الدّلائل فِي مشهور المسائل، مجلّدان، كتاب اليواقيت فِي الخُطَب الوعْظيَّة، كتاب المنتَخَب، كتاب نسيم السَّحَر، كتاب لُباب زين القصص، كتاب المدهش، كتاب في فضائل أخيار النساء، كتاب المختار في أخبار -[1103]- الأخيار، كتاب صفة الصَّفْوة، كتاب مُثِير العزم السّاكن إِلَى أشرف الأماكن، كتاب المُقْعِد المقيم، كتاب تبصرة المبتدئ، كتاب تحفة الواعظ، كتاب ذمّ الهوى، كتاب تلبيس إبليس، مجلدان، كتاب صيد الخاطر، ثلاث مجلّدات، كتاب الأذكياء، كتاب الحمقى والمغفّلين، كتاب المنافع فِي الطّبّ، كتاب الشَّيْب والخِضاب، كتاب روضة النّاقل، كتاب تقويم اللّسان، كتاب منهاج الإصابة فِي محبَّة الصّحابة، كتاب صَبا نَجْد، كتاب المزعج، كتاب الملهب، كتاب المطرب، كتاب مُنْتَهَى المُشْتَهَى، كتاب فنون الألباب، كتاب الظُّرَفاء والمتحابّين، كتاب تقريب الطّريق الأبعد فِي فضل مقبرة أَحْمَد، كتاب النّور فِي فضائل الأيّام والشُّهور، كتاب العِلَل المتناهية فِي الأحاديث الواهية، مجلّدان، كتاب أسباب البداية لأرباب الهداية، مجلّدان.
كتاب سَلْوة الأحزان، كتاب ياقوتة المواعظ، كتاب منهاج القاصدين، مجلّدان، كتاب اللّطائف، كتاب واسطات العقود، كتاب الخواتيم، كتاب المجالس اليُوسُفيَّة، كتاب المحادثة، كتاب إيقاظ الوَسْنان، كتاب نسيم الرياض، كتاب الثّبات عند الممات، كتاب الوفا بفضائل المصطفى، كتاب مناقب أَبِي بكر، كتاب مناقب علي، كتاب المَعَاد، كتاب مناقب عُمَر، كتاب مناقب عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز، كتاب مناقب سَعِيد بْن المسيّب، كتاب مناقب الحَسَن البصْريّ، كتاب مناقب إِبْرَاهِيم بْن أدهم، كتاب مناقب الفُضَيْل، كتاب مناقب أَحْمَد، كتاب مناقب الشّافعي، كتاب مناقب معروف، كتاب مناقب الثّوريّ، كتاب مناقب بِشْر، كتاب مناقب رابعة، كتاب العُزْلة، كتاب مرافق الموافق، كتاب الرياضة، كتاب النّصر على مصر، كتاب كان وكان فِي الوعظ، كتاب خطب اللآلئ على الحروف، كتاب النّاسخ والمنسوخ فِي الحديث، كتاب مواسم العمر، وتصانيف أُخَر لا يحضُرني ذِكرها. -[1104]-
وجعفر فِي أجداده هُوَ الجوزيّ، منسوبٌ إِلَى فُرْضَة من فُرَض البصْرة يُقَالُ: لها جَوْزة، وفُرْضة النّهر ثُلْمتُه، وفُرْضه البحر مَحَطُّ السُّفُن.
وتُوُفّي والد أَبِي الفَرَج أبو الحَسَن وله ثلاث سِنين، وكانت له عمَّة صالحة، وكان أهله تجّارًا فِي النُّحَاس، ولهذا كتب فِي بعض السّماعات اسمه عَبْد الرَّحْمَن الصّفّار، فلمّا ترعرع حملته عمّته إِلَى ابن ناصر فاعتنى به، وقد رُزق الْقَبُولَ فِي الوعظ، وحضر مجلسّه الخلفاء، والوزراء والكبار، وأقلّ ما كان يحضر مجلس أُلُوف، وقيل: إنّه حضر مجلسه فِي بعض الأوقات مائة ألف، وهذا لا أعتقده أَنَا، على أنّه قد قال: هُوَ ذلك، وقال غير مرَّة: إنّ مجلسه حُزِر بمائة ألف.
قال سِبْطه شمس الدّين أبو المظفّر: سمعته يقول على المِنْبر فِي آخر عُمره: كتبت بإصْبعَيّ هاتين ألفَيْ مجلَّدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهوديّ ونصرانيّ.
قال: وكان يجلس بجامع القصر، والرُّصافة، والمنصور، وباب بدر، وتربة أمّ الخليفة، وكان يختم القرآن فِي كلّ أسبوع ولا يخرج من بيته إلّا إِلَى الجمعة أو المجلس.
ثم قال: ذكر ما وقع إليَّ من أسامي مصنّفاته كتاب المغني أحد وثمانون جزءًا بخطّه، إلّا إنه لم يبيّضه ولم يشتهر، كتاب زاد المسير، أربع مجلدات، فذكر عامة ما ذكرناه، وزاد عليه أيضًا أشياء منها: كتاب درَّة الإكليل في التاريخ، أربع مجلدات، كتاب الفاخر فِي أيّام الْإِمَام النّاصر، مجلّد، كتاب المصباح المضيء بفضائل المستضيء، مجلّد، كتاب الفجر النوري، كتاب المجد الصّلاحيّ، مجلّد، كتاب شُذُور العقود، مجلّد. قال: ومن عِلم العربية: فضائل العرب، مجلّد، كتاب الأمثال، مجلّد، كتاب تقويم اللّسان، جزءان، كتاب لغة الفقه، جزءان، كتاب مُلَح الأحاديث، جزءان. قال: وكتاب المنفعة فِي المذاهب الأربعة، مجلّدان، كتاب منهاج القاصدين، مجلدان، كتاب إحكام الأسفار بأحكام الأشعار، مجلَّدان، كتاب -[1105]- " الْمُخْتَار من الأشعار " عشر مجلّدات، كتاب التَّبصرة في الوعظ، ثلاث مجلدات، كتاب المنتخب في الوعظ، مجلدان، كتاب رؤوس القوارير، مجلّدان. إِلَى أن قال: فمجموع تصانيفه مائتان ونيّف وخمسُون كتابًا.
ومن كلامه فِي مجالس وعْظه: عقاربُ المنايا تلْسع، وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس، وماء الحياة فِي إناء العُمر يرشح بالأنفاس.
وقال لبعض الوُلاة: أذكر عند القُدْرة عدلَ اللَّه فيك، وعند العقوبة، قُدرة اللَّه عليك، وإيّاك أن تشفي غيظك بسقم دِينك.
وقال لصاحبٍ: أنت فِي أوسع العُذْر من التأخير عنّي لثقتي بك، وَفِي أَضْيقَه من شوقي إليك.
وقال له قائل: ما نمْت البارحةَ من شوقي إِلَى المجلس، قال: لأنّك تريد أن تتفرَّج، وإنّما ينبغي أن لا تنام اللّيلة لأجل ما سمعت.
وقال: لا تسمع ممّن يقول الجوهر والعَرْض، والاسم والمسمّى، والتّلاوة والمتْلوّ؛ لأنّه شيء لا تُحيط به أوهام العوامّ، بل قُلْ: آمنتُ بما جاء من عندِ اللَّه، وبما صحَّ عن رسول اللَّه.
وقام إليه رجلٌ فقال: يا سيّدي نشتهي منك تتكلّم بكلمةِ ننقلها عنك، أيّما أفضل: أَبُو بَكْر أو عَلِيّ؟ فقال له: اقعْد، فقعد ثُمَّ قام وأعاد قوله، فأجلسه، ثُمَّ قام فقال له: اجلس فأنت أفضل من كلّ أحد.
وسأله آخر، وكان التّشيُّع تلك المدَّة ظاهرًا: أيُّما أفضل، أَبُو بَكْر أو عَلِيّ؟ فقال: أفضلهما من كَانَت ابنته تحته، ورمّى بالكلمة فِي أودية الاحتمال، ورضي كلٌ من الشّيعة والسُّنَّة بهذا الجواب المدهش.
وقرأ بين يديه قارئان فأطربا الجمع، فأنشد:
ألا يا حماميَ بطن نُعمان هجتما ... عليَّ الهوى لمّا ترَّنتما ليا
ألا أيها القُمريّتان تجاوبا ... بلَحْنَيْكما ثم اسجعا لي علانيا
وقال له قائل: أيما أفضل أسبِّح أو أستغفر؟ قال: الثّوب الوسخ أحوج إِلَى الصّابون من البخور.
وقال فِي قوله عليه السّلام: " أعمار أمتّي ما بين السّتّين إلى السبعين ": -[1106]- إنمّا طالت أعمار القُدماء لطول البادية، فلمّا شارفَ الركبُ بلد الإقامة قيل حُثُّوا المَطِيّ.
وقال: من قنع طاب عَيْشُه، ومَن طمع طال طَيْشُه.
قال: ووعظ الخليفة فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمتُ، خفت منك، وأن سكتُّ، خِفْت عليك، فأنا أقدّم خوفي عليك على خوفي منك، إنّ قول القائل: اتّقِ اللَّه خيرٌ من قول القائل: أنتم أَهْل بيتٍ مغفورٌ لكم.
وقال يومًا: أَهْل البِدَع يقولون: ما فِي السّماء أحد، ولا فِي المُصْحَف قرآن، ولا فِي القبر نبيّ، ثلاث عورات لكم.
وقال فِي قوله: {{أَلَيْسَ لِي مُلْك مصر}}: يفتخر فِرْعَون بنهرٍ، ما أجراه، ما أجراه، وقال وقد طرب الجمع: فهمتم فهمتم.
قال: وقد ذكر العماد الكاتب جدّي فِي " الخريدة "، وأنشد له هَذِهِ الأبيات:
يَودُّ حسودي أن يرى لي زَلَّةً ... إذا ما رَأَى الزّلّات جاءت أكاذيبُ
أردُّ على خصمي وليس بقادرٍ ... على ردّ قولي، فهو موتٌ وتعذيبُ
تُرى أوجه الحُساد صُفرًا لرؤيتي ... فإنْ فُهْتُ عادت وهي سودٌ غرابيبُ
قال: وقال أيضًا:
يا صاحبي إنْ كنتَ لي أو معي ... فعُجْ إِلَى وادي الحِمى نَرْتَعِ
وَسَلْ عنِ الوادي وسُكّانِه ... وانشدْ فؤادي فِي رُبا لعلع
جئ كثيب الرَّمْل رمل الحِمى ... وقِفْ وسَلِّمْ لي على المجمعِ
واسمعْ حديثًا قد روته الصَّبا ... تُسْنِده عن بانِه الأجرعِ
وابْكِ فَمَا فِي العَين من فضلةٍ ... ونُبْ فَدَتك النَّفْسُ عن مدمعي
وانزل على الشّيخ بواديهم ... واشْمِمْ عُشَيْبَ البلد البلقع -[1107]-
رِفقًا بنضوٍ قد براه الأَسَى ... يا عاذلي لو كان قلبي معي
لَهَفي على طِيب ليالٍ خَلَت ... عُودي تعودي مُدْنفًا قد نُعي
إذا تذكرتُ زمانًا مضى ... فَوَيْحَ أجْفاني من أدمُعي
وقد نالتْه محنةٌ في أواخر عمره، وذلك أنّهم وَشَوْا إِلَى الخليفة الناصر به بأمرٍ اختُلِف فِي حقيقته، وذلك فِي الصَّيف، فبينا هُوَ جالسٌ فِي داره فِي السِّرداب يكتب، جاءه مَن أسمعه غليظ الكلام وشَتَمَه، وختم على كتبه وداره، وشتت عياله، فلما كان فِي أوّل اللّيل حملوه فِي سفينةٍ، وأحدروه إِلَى واسط، فأقام خمسة أيّام ما أكلّ طعامًا، وهو يومئذٍ ابن ثمانين سنة، فلمّا وصل إلى واسط أنزل في دار وحبس بها، وجعل عليها بواب، وكان يخدم نفسه، ويغسل ثوبه، ويطبخ، ويستقي الماءَ من البئر، فبقي كذلك خمس سنين، ولم يدخل فيها حمّامًا.
وكان من جملة أسباب القضيَّة أن الوزير ابن يُونُس قُبض عليه، فتتبّع ابنُ القصّاب أصحاب ابن يُونُس، وكان الرُّكْن عَبْد السّلام بْن عَبْد الوّهاب بْن عَبْد القادر الْجِيليّ المتّهم بِسوء العقيدة واصلًا عند ابن القصّاب، فقال له: أَيْنَ أنتَ عن ابن الجوزيّ، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدّي، وأُحرِقت كُتُبي بمشورته، وهو ناصبيّ من أولاد أَبِي بَكْر، وكان ابن القصّاب شيعيًّا خبيثًا، فكتب إِلَى الخليفة، وساعده جماعة، ولبّسوا على الخليفة، فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السّلام، فجاء إِلَى باب الأَزَج إِلَى دار ابن الجوزي، ودخل وأسمعهُ غليظ المقال كما ذكرنا، وأُنزل فِي سفينةٍ، ونزل معه الرّكن لا غير، وعلى ابن الجوزيّ غُلالة بلا سراويل، وعلى رأسه تخفيفه، فأُحدِر إِلَى واسط، وكان ناظرها العميد أحد الشّيعة، فقال له الرّكن: حرسكَ اللَّه، مكِّنّي من عدويّ لأرميه فِي المطمورة، فعزّ على العميد وَزَبَره وقال: يا زِنديق أرميه بقولك؟ هات خطِّ الخليفة، واللهِ لو كان من أَهْل مذهبي لبذلتُ روحي ومالي فِي خدمته، فعاد الرّكن إِلَى بغداد، وكان بين ابن يُونُس الوزير وبين أولاد الشّيخ عَبْد القادر عداوةٌ قديمة، فلمّا ولي الوزارة، ثمّ أستاذيَّة الدّار بدَّد شملهم، وبُعث ببعضهم إِلَى مطامير واسط، فماتوا بها، وأهين الركن بإحراق كتبه النجومية. -[1108]-
وكان السّبب فِي خلاص ابن الجوزيّ أنّ ابنه محيي الدّين يوسف ترعرع وقرأ الوعظ، وطلع صبيًّا ذكيًّا، فوعظ، وتكلَّمت أمُّ الخليفة فِي خلاص ابن الجوزي فأُطلِق، وعاد إِلَى بغداد، وكان يقول: قرأت بواسط مدة مُقامي بها كلّ يومٍ ختمة، ما قرأت فيها سورة يوسف من خزني على ولدي يوسف وشوقي إليه، وكان يكتب إِلَى بغداد أشعارًا كثيرة.
وذكره شيخنا ابن البُزُوريّ، فأطنب فِي وصفه، وقال: فأصبح فِي مذهبه إمامًا يُشار إليه، ويُعقد الخِنْصر فِي وقته عليه، ودرّس بمدرسة ابن الشّمحل، ودرّس بالمدرسة المنسوبة إلى الجهة بنفشا المستضيئية، ودرّس بمدرسة الشّيخ عَبْد القادر، وبنى لنفسه مدرسةَ بدرب دينار، ووقف عليها كُتُبه، بَرَعَ فِي العلوم، وتفرَّد بالمنثور والمنظوم، وفاق على أدباء مصره، وعلا على فُضلاء دهره، له التصّانيف العديدة، سُئِل عن عددها فقال: زيادة على ثلاث مائة وأربعين مصنَّفًا، منها ما هُوَ عشرون مجلّدًا، ومنها ما هُوَ كرّاس واحد، ولم يترك فنًّا من الفنون إلّا وله فِيهِ مُصنَّف، كان أوحد زمانه، وما أظنّ الزّمان يسمح بِمِثْلِهِ، ومن مؤلّفاته كتاب المنتظم، وكتابنا ذيلٌ عليه.
قال: وكان إذا وعظ اختلس القلوب، وشُقّقت النفوسُ دون الجيوب.
إِلَى أن قال: تُوُفّي ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلةٍ خَلَت من رمضان، وصلّى عليه الخلْق العظيم الخارجُ عن الحدّ، وشيّعوه إِلَى مقبرة باب حرب، وكان يومًا شديد الحر، فأفطر من حره خلق كثير، وأوصَى أن يُكتَب على قبره:
يا كثير الصَّفْح عمَّن ... كثُر الذنبُ لديهِ
جاءك المذنب يرجو ال ... عفو عن جرم يديه
أنا ضيفٌ وجزاءُ الضي ... ف إحْسَانٌ إليهِ
وقال سِبْطه أبو المظفَّر: جلس رحمه اللَّه يوم السّبت سابع رمضان تحت تربة أمّ الخليفة المجاورة لمعروف الكَرْخيّ، وكنتُ حاضرًا، وأنشد أبياتًا قطع عليها المجلس، وهي: -[1109]-
اللَّه أسالُ أن يُطوِّلَ مُدَّتي ... وأنَالَ بالأنعام ما فِي نيَّتي
لي همةٌ فِي العِلْم ما من مِثْلها ... وهي الّتي جَنَت النُّحُولَ هِيَ الّتي
كم كان لي من مجلسٍ لو شُبِّهَتْ ... حالاتُه لتشبَّهَتْ بالجنَّةِ
فِي أبيات.
ونزل، فمرض خمسة أيّام، وتُوُفّي ليلة الجمعة بين العشاءين في الثالث عشر من رمضان في داره بقطفتا. وحدثتني والدتي أنها سمعته يقول قبل موته: أيش أعمل بطواويس، يردّدها، قد جبتم لي هَذِهِ الطّواويس، وحضر غسْله شيخنا ضياء الدّين ابن سُكَيْنة، وضياء الدّين ابن الحبير وقت السَّحَر، واجتمع أَهْل بغداد، وغُلِّقت الأسواق، وشدَدنا التّابوت بالحبال، وسلّمناه إِلَى النّاس، فذهبوا به إلى تحت التربة، مكان جلوسه، فصلّى عليه ابنه عليّ اتّفاقًا؛ لأنّ الأعيان لم يقدروا على الوصول إليه، ثُمَّ صلّوا عليه بجامع المنصور، وكان يومًا مشهودًا، لم يصل إِلَى حُفْرته بمقبرة أَحْمَد بْن حنبل إِلَى وقت صلاة الجمعة، وكان فِي تمّوز، فأفطر خلقٌ، ورموا نفوسهم فِي الماء.
قال: وما وصل إِلَى حُفْرته من الكَفَن إلّا قليل.
قلت: وهذا من مجازفة أَبِي المظفّر.
قال: ونزل فِي حُفرته والمؤذّن يقول: اللَّه أكبر، وحزن النّاسُ وبكوا عليه بُكاءً كثيرًا وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات بالقناديل والشَّمْع، ورآه فِي تلك الليلة المحدّث أَحْمَد بْن سلمان الحربيّ الملقب بالسكر -[1110]- على مِنْبرٍ من ياقوت مُرَصَّع بالجوهر، والملائكة جلوسٌ بين يديه والحق سبحانه وتعالى حاضرٌ، يسمع كلامه، وأصبحنا عملنا عزاءهُ، وتكلَّمت يومئذٍ، وحضر خلْقٌ عظيم، وقام عَبْد القادر العلويّ، وأنشد هَذِهِ القصيدة:
الدّهْرُ عن طمعٍ يُغر ويخدع ... وزخارف الدّنيا الدّنيَّة تطمعُ
وأَعِنَّة الآمال يُطلقها الرجا ... طَمَعًا وأسيافُ المنيَّة تقطعُ
والموت آتٍ والحياة مريرة ... والنّاس بعضهم لبعضٍ يتبعُ
واعلم بأنَّك عن قليلٍ صائرٌ ... خبرًا فكن خبرًا لخير يسمعُ
لعُلا أَبِي الفَرَج الَّذِي بعد التُقى ... والعِلم يوم حواه هَذا المضجعُ
حَبْرٌ عليه الشَّرْع أصبح والهًا ... ذا مقلةٍ حَرَّى عليه تدمعُ
مَنْ للفتاوى المشكلات وحلّها ... مَن ذا لخرقِ الشّرعِ يومًا يرقعُ
مَن للمنابر أن يقوم خطيبها ... ولِرَدّ مسألةٍ يقول فيسمعُ
مَن للجدال إذا الشفاهُ تقلّصتْ ... وتأخّر القَرْم الهِزَبْرُ المِصْقَعُ
مَن للدياجي قائمًا دَيْجورَها ... يتلو الكتاب بمقلةٍ لا تهجعُ
أَجَمال دين مُحَمَّدٍ مات التقى ... والعلمُ بعدك واستحم المجمعُ
يا قبره جادتْك كلّ غمامةٍ ... هطالةٍ ركانة لا تقلعُ
فيك الصَّلاة مع الصَّلات فَتِهْ به ... وانظر به باريك ماذا يصنعُ
يا أحمدًا خُذْ أحمدَ الثّاني الّذي ... ما زال عنك مدافعًا لا يرجعُ
أقسمت لو كُشِفَ الغطاء لرأيتمُ ... وَفْدَ الملائك حولَه يتسرّعوا
ومحمدٌ يبكي عليه وآله ... خيرُ البريَّة والبَطِين الأنزعُ
فِي أبيات.
ومن العجائب أنّا كنّا يومئذٍ بعد انقضاء العزاء عند القبر، وَإِذَا بخالي مُحيي الدّين يوسف قد صعِد من الشّطّ، وخلفه تابوت، فقلنا: ترى مَن مات فِي الدّار؟ وَإِذَا بها خاتون والدة محيي الدّين، وعهدي بها ليلة الجمعة فِي عافية، وهي قائمة، فكان بين موتهما يومٌ وليلة، وعَدَّ النّاسُ ذلك من كراماته؛ لأنه كان مغرى بها محبا.
وخلف من الولد علِيًّا، وهو الّذي أَخَذَ مصنَّفات والده وباعها بيعَ العبيد، ومَن يزيد، ولمّا أُحدِر والده إِلَى واسط تحيَّل علي كُتُبه باللّيل، وأخذ منها ما -[1111]- أراد، وباعها ولا بثمن المِداد، وكان أَبُوهُ قد هجره منذ سِنين، فلمّا امتُحنِ صار إلبًا عليه، ومات أبوه ولم يشهد موته. وخلّف محيي الدّين يوسف، وكان قد وُلِد سنة ثمانين وخمس مائة، وسمع الكثير، وتفقَّه، وناظَر، ووعظ تحت تربة والدة الخليفة، وقامت بأمره أحسن قيام، ووُلّي حِسْبة بغداد سنة أربعٍ وستّمائة، ثُمَّ ترسَّل عن الخلفاء، وتقلبت به الأحوال حتّى بلغ أشرف مآل إِلَى سنة أربعين وستّمائة، ثُمَّ وُلّي أستاذ داريَّة الخلافة.
وكان لجدّي ولد اسمُه عَبْد الْعَزِيز، وهو أكبر أولاده، سمع معَه من ابن ناصر، وأبي الوقت، والأرموي، وسافر إلى الموصل، فوعظ بها سنة بضعٍ خمسين، وحصل له الْقَبُولُ التّام، ومات بها شابًّا، وكان له بنات منهن أمّي رابعة، وشَرَف النّساء، وزينب، وجوهرة، وستّ العلماء الكبرى، وستّ العلماء الصُّغرى.
قلت: ومع تبحُّر ابن الجوزيّ فِي العلوم، وكثرة اطّلاعه، وسعَة دائرته، لم يكن مبرّزًا فِي عِلمٍ من العلوم، وذلك شأن كلّ من فرَّق نفسه فِي بحور العِلم، ومع أنّه كان مبرِّزًا فِي التّفسير، والوعظ، والتّاريخ، ومتوسّطًا فِي المذهب، متوسطًا فِي الحديث، له اطّلاع تامٌ على مُتُونه، وأمّا الكلام على صحيحه وسقيمه، فَمَا له فيه ذوق المحدثين، ولا نقْد الحُفاظ المبرّزين، فإنّه كثير الاحتجاج بالأحاديث الضّعيفة، مع كونه كثير السّياق لتلك الأحاديث فِي الموضوعات، والتّحقيق أنّه لا ينبغي الاحتجاج بها، ولا ذِكرها فِي الموضوعات، ورُبّما ذكر فِي الموضوعات أحاديث حِسانًا قويَّة.
ونقلتُ من خط السيف أحمد ابن المجد، قال: صنّف ابن الجوزيّ كتاب الموضوعات، فأصاب فِي ذِكره أحاديث شنيعة مخالفة للنّقل والعقل، ومما لم يصب فيه إطلاق الوضع على أحاديث بكلام بعض النّاس فِي أحد رُواتها، كقوله: فُلان ضعيف، أو ليس بالقويّ، أو ليّن، وليس ذلك الحديث ممّا يشهد القلب ببُطْلانه، ولا فِيهِ مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سُنَّة ولا إجماع، ولا حُجَّة بإنّه موضوع، سوى كلام ذلك الرجل فِي راوية، وهذا عُدْوان ومجازَفَة، وقد كان أَحْمَد بْن حنبل يقدّم الحديث الضّعيف على القياس. -[1112]-
قال: فَمَنْ ذلك أنّه أورد حديث مُحَمَّد بْن حِمْيَر السَّليحي، عن مُحَمَّد بْن زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمامة في فضل قراءة آية الكُرسيّ في الصلوات الخمس، وهو: " مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرسيّ دُبُرَ كُلّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دخول الجنّة إلا الموت "، وجعله في الموضوعات، لقول يعقوب بن سُفيان مُحَمَّد بْن حِمْير ليس بالقويّ، ومحمد هَذَا قد روى الْبُخَارِيّ فِي " صحيحه "، عن رجلٍ، عَنْهُ، وقد قال ابن مَعين: إنّه ثقة، وقال أَحْمَد بْن حنبل: ما عَلِمت إلّا خيرًا.
قال السّيف: وهو كثير الوهْم جدًّا، فإنّ فِي مشيخته مع صِغَرها وَهْمٌ فِي مواضع، قال فِي الحديث التاسع وهو " اهتزاز العرش ": أَخْرَجَهُ البخاريّ، عن مُحَمَّد بْن المثنّى، عن الفضل بن هشام، عن الْأَعْمَشُ. قلت: والفضل إنمّا هُوَ ابن مساور رواه عن أَبِي عَوَانَة، عن الْأَعْمَشُ، لا عن الْأَعْمَشُ نفسه. والحادي والعشرين، قال: أَخْرَجَهُ البخاريّ، عن ابن منير، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن دِينَارٍ، وإنما يرويه ابن منير، عن أَبِي النّضر، عن عبد الرحمن، والسادس والعشرين فيه: أَخْبَرَنَا أبو العبّاس أحمد بن محمد الأثرم، وإنما هو محمد بن أحمد، والثاني والثلاثين، قال: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ، عن الأُوَيْسيّ، عن إبراهيم بن سعْد، عن الزُّهريّ، وإنما هو عن ابن سعْد، عن صالح، عن الزُّهريّ، وفي التاسع والأربعين: حَدَّثَنَا قتيبة، قَالَ: أخبرنا خالد بن إسماعيل، وإنما هو حاتم بن إسماعيل، وفي الثاني والسبعين: أَخْبَرَنَا أبو الفتح مُحَمَّد بْن عليّ العُشاريّ، وإنّما هُوَ أبو طَالِب مُحَمَّد بْن عليّ بْن الفتح، وَفِي الرابع -[1113]- والثّمانين: عن حُمَيْد بْن هلال، عن عفّان بن كاهل، وإنما هو هصان، وفي الحديث الثاني: أخرجه البخاري، عن أَحْمَد بْن أَبِي إياس، وإنّما هُوَ آدم، قال لنا شيخنا أبو عَبْد اللَّه الحافظ: كتبتُ المشيخة من فرعٍ، فإذا فيها أَحْمَد، فاستنكرته، فراجعتُ الأصل، فإذا هُوَ أيضًا على الخطأ، وذكر وَفَيَات بعض شيوخه وقد خُولف كيحيى بن ثابت، وابن خضير، وابن المقرّب، وهذه عدَّة عيوب فِي كراريس قليلة، وسمعتُ أَبَا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد الغنيّ ابن نُقطة، يقول: قيل لأبي مُحَمَّد بْن الأخضر: ألا تجيب ابن الجوزي عن بعض أوهامه؟ قال: إنّما يتتبَّع على مَن قَلّ غَلَطه، فأمّا هَذَا فأوهامه كثيرة، أو نحو هَذَا.
قلت: وذلك لأنّه كان كثير التّأليف فِي كُلّ فنّ فيصنّف الشّيء ويُلقيه، ويتكل على حفظه.
قال السيف: ما رأيت أحدًا يُعتمد عليه فِي دِينه وعلِمه وعقله راضيًا عَنْهُ، قال جدّي رحمه اللَّه: كان أبو المظفّر بْن حَمْدي أحد العدول، والمشار إليهم ببغداد ينكر على ابن الجوزيّ كثيرًا كلماتٍ يخالف فيها السنة.
قال السيف: وعاتبه الشيخ أبو الفتح ابن المَنِّي فِي بعض هَذِهِ الأشياء الّتي حكيناها عَنْهُ، ولمّا بان تخليطه أخيرًا رجع عَنْهُ أعيان أصحابنا الحنابلة، وأصحابه وأتباعه، سمعت أَبَا بَكْر ابن نُقْطَة فِي غالب ظنّي يقول: كان ابن الجوزيّ يقول: أخاف شخصين: أَبَا المظفر بن حمدي، وأبا القاسم ابن الفراء، فإنهما كانا لهما كلمة مسموعة، وكان الشّيخ أبو إِسْحَاق العلثي يكاتبه ويُنكر عليه، سمعت بعضهم ببغداد أنّه جاءه منه كتاب يذمّه فِيهِ، ويَعْتِب عليه ما يتكلّم به فِي السّنَّة.
قلت: وكلامه فِي السُّنَّة مضطّرب، تراه فِي وقتٍ سنياً، وفي وقت متجهمًا محرفًا للنّصوص، والله يرحمه ويغفر له.
وقرأتُ بخطّ الحافظ ابن نُقْطَة قال: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْحَسَن الحاكم بواسط قال: لمّا انحدر الشّيخ أبو الفَرَج ابن الجوزيّ إِلَى واسط قرأ على أَبِي بَكْر ابن الباقِلّانيّ بكتاب الأرشاد لأجلِ ابنهِ، وقرأ معه ابنُه يوسُف.
وقال الموفَّق عَبْد اللّطيف: كان ابن الجوزيّ لطيف الصّورة، حُلْو -[1114]- الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذ المفاكَهَة، يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون، ولا يضيّع من زمانه شيئًا، يكتب فِي اليوم أربعة كراريس، ويرتفع له كلّ سنةٍ من كتابته ما بين خمسين مجلّدًا إِلَى ستّين.
وله فِي كلّ عَلمٍ مشاركة، لكنّه فِي التّفسير من الأعيان، وَفِي الحديث من الحفّاظ، وفي التواريخ من المتوسّعين، ولديه فِقه كافٍ، وأمّا السّجع الوعظي فَلَه فِيهِ مَلَكَة قويَّة، إنِ ارْتجلَ أجاد، وإن روَّى أبدع، وله فِي الطّبّ كتاب اللُّقَط، مجلدّان، وله تصانيف كثيرة، وكان يراعي حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقلَه قوةً، وذهنَه حِدَّة أكثر ممّا يُراعي قوَّة بدنه ونيل لذّته، جُلّ غذائه الفَرَاريج والمزورات، ويعتاض عن الفاكهة بالأشْربة والمعجونات، ولباسه أفضل لباس، الأبيض النّاعم المطيَّب، ونشأ يتيمًا على العفاف والصَّلاح، وله ذِهنٌ وقاد، وجوابٌ حاضر، ومُجُونٌ لطيف، ومُداعبات حُلْوة، وكانت سيرته فِي منزله المواظبةُ على القراءة والكتابة، ولا ينفكّ من جاريةٍ حسناء فِي أحسن زِيّ، لا تُلْهيه عمّا هُوَ فِيهِ، بل تُعينه عليه وتُقَوّيه.
وقرأت بخطّ الموقاني أنّ أبا الفرج كان قد شرب حَبّ البلاذُر - على ما قيل - فسقطت لحيتُه، فكانت قصيرةً جدًّا، وكان يَخْضِبها بالسّواد إِلَى أن مات.
ثُمَّ عظّمه وبالغ فِي وصفه، ثُمَّ قال: ومع هَذَا فهو كثير الغَلَط فيما يصنّفه، فإنّه كان يصنَّف الكتاب ولا يعتبره رحمه اللَّه وتجاوز عَنْهُ.

9 - 9:الإسلام والعروبة فى سودان وادى النيل

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل التاسع *الإسلام والعروبة فى سودان وادى النيل لم تكن بلاد «السودان الشرقى» (النيلى) أو «سودان وادى النيل» مجهولة للعرب قبل الإسلام، فقد مخرت سفنهم عباب البحر الأحمر حتى وصلوا إلى الشاطئ الإفريقى ومنه إلى «السودان» و «الحبشة»، فضلا عن الطريق البرى عبر «سيناء» إلى «مصر»، ومنها جنوبًا إلى «السودان»، والطريق البحرى عبر «باب المندب» إلى «الحبشة» ومنها إلى «السودان»؛ كل ذلك بهدف التجارة بين هذه البلدان وبين عرب «اليمن» و «الحجاز»، وبظهور الإسلام وانتشاره فى «مصر» أصبح وادى النيل معبرًا جديدًا للعرب والإسلام إلى بلاد «السودان النيلى» سلكته الجيوش والقبائل العربية، إما بقصد الغزو والفتح وإما بقصد التسرب السلمى بغرض الإقامة ونشر الإسلام بين أهالى هذه البلاد.
وكانت هناك مملكتان مسيحيتان فى «السودان النيلى»، هما مملكة «مقرة» أو «دنقلة» أو «النوبة» فى شمالى هذا السودان، ومملكة «علوة» فى وسطه، وكانت هذه الممالك تقف فى وجه انتشار الإسلام، وأمام جهود المسلمين للدخول إلى «السودان النيلى» من ناحية «مصر، ولهذا كان انتشار الإسلام يتوقف على إضعاف هذه الدول أو القضاء عليها.
وبدأ اللقاء الأول بين هذه الدول المسيحية وبين المسلمين منذ وقت مبكر، فقد أرسل «عمرو بن العاص»
- رضى الله عنه - والى «مصر» بعض جنده إلى «بلاد النوبة» عام (21هـ = 642م)، لكنه لم يتمكَّن من فتحها، ثم غزاهم «عبدالله بن سعد بن أبى السرح» والى مصر عام (31هـ = 651م)، ووصل فى زحفه حتى «دنقلة» عاصمة مملكة «مقرة» المسيحية، وعقد معهم صلحًا عُرِفَ باسم «البقط»، وتدل نصوص هذا الصلح على أنه يهدف إلى التسامح الدينى وحسن الجوار، ولايعكس تبعية «دنقلة» لمصر الإسلامية، أى لم يكن فى حقيقته إلا تأمينًا للنواحى الاقتصادية والتجارية والدينية، وتشجيعًا للتبادل التجارى، وإقرارًا للسلام على الحدود المشتركة؛ ولذلك ظلت
*الهادى (خليفة عباسي) هو «موسى» ابن الخليفة «المهدى»، تولى الخلافة فى (22 من المحرم سنة 169هـ= 5 من أغسطس سنة 785م).
اتصف الخليفة «الهادى» بالغيرة والشهامة والجرأة، ورفض تدخل أمه «الخيزران» فى سياسة الدولة كما كانت تفعل فى عهد والده «المهدى».
وقد واجه «الهادى» مشاكل خطيرة على رأسها ثورة البيت العلوى بقيادة «الحسين بن على بن الحسن» فى «المدينة» سنة (169هـ= 785م)، إلا أن «الهادى» أرسل جيشًا على وجه السرعة نجح فى القضاء عليها فى (8 من ذى الحجة سنة 169هـ=11من يونيو سنة 786م) وحاول «الهادى» نقل ولاية العهد من أخيه «الرشيد» إلى ابنه «جعفر»، الذى لم يكن قد بلغ الثامنة من عمره مخالفًا وصية والده فى ترتيب ولاية العهد، إلا أن الموت عاجله فلم يتحقق له ما أراد.
تُوفِّى «الهادى» ليلة الجمعة، (نصف ربيع الأول سنة 170هـ= نصف أغسطس 786م) وبذلك تكون مدة خلافته سنة وشهرًا واثنين وعشرين يومًا.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت