|
(الغرب) جِهَة غرُوب الشَّمْس والبلاد الْوَاقِعَة فِيهِ وَهِي مَا تقَابل بِلَاد الشرق وَأول كل شَيْء وَحده يُقَال غرب السَّيْف والسكين والفأس وَنَحْو ذَلِك والنشاط والتمادي فِي الْأَمر والحدة يُقَال فِي لِسَانه غرب وأخاف عَلَيْهِ غرب الشَّبَاب وَسيف غرب قَاطع حاد وَفرس غرب مترام بِنَفسِهِ متتابع فِي ارتفاعه فِي عدوه والدلو الْعَظِيمَة تتَّخذ من جلد ثَوْر والدمع ومسيله ومؤخر الْعين ومقدمها وَكَثْرَة الرِّيق فِي الْفَم وَيُقَال أَصَابَهُ سهم غرب وَسَهْم غرب لَا يدرى راميه (ج) غرُوب
(الغرب) الذَّهَب وَالْفِضَّة والقدح وَالْخمر وَالْمَاء يقطر من الدَّلْو بَين الْحَوْض والبئر وتتغير رِيحه سَرِيعا وَضرب من شجر تسوى مِنْهُ السِّهَام وَيُطلق فِي الشَّام على الْحور وَهُوَ جنس الشّجر من الفصيلة الصفصافية يزرع حول الجداول لخشبه وَفِي مصر نوع من الصفصاف يُسمى شعر الْبِنْت أَو أم الشُّعُور وداء يُصِيب الشَّاة يتساقط مِنْهُ شعر خطمها وعينيها وَيُقَال بِعَيْنيهِ غرب إِذا كَانَت تَدْمَع وَلَا يَنْقَطِع دمعها |
المحيط في اللغة للصاحب بن عباد
|
الغَرْبَلَةُ الفِعْلُ بالغِرْبال. والمُغَرْبَلُ المَقْتُولُ. ومُلْكٌ مُغرْبَلٌ ذاهِبٌ.
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
تُونِسُ الغَرْب:
بالضم ثم السكون، والنون تضم وتفتح وتكسر: مدينة كبيرة محدثة بإفريقية على ساحل بحر الروم، عمّرت من أنقاض مدينة كبيرة قديمة بالقرب منها يقال لها قرطاجنّة، وكان اسم تونس في القديم ترشيش، وهي على ميلين من قرطاجنّة، ويحيط بسورها أحد وعشرون ألف ذراع، وهي الآن قصبة بلاد إفريقية، بينها وبين سفاقس ثلاثة أيام ومائة ميل بينها وبين القيروان ونحو منه بينها وبين المهدية، وليس بها ماء جار إنما شربهم من آبار ومصانع يجتمع فيها ماء المطر، في كل دار مصنع، وآبارها خارج الديار في أطراف البلد، وماؤها ملح، وعليها محترث كثير، ولها غلّة فائضة، وهي من أصح بلاد إفريقية هواء. وقال البكري: مدينة تونس في سفح جبل يعرف بجبل أمّ عمرو، ويدور بمدينتها خندق حصين، ولها خمسة أبواب، باب الجزيرة قبلي ينسب إلى جزيرة شريك ويخرج منه إلى القيروان، ويقابله الجبل المعروف بجبل التّوبة، وهو جبل عال لا ينبت شيئا، وفي أعلاه قصر مبني مشرف على البحر، وفي شرقي هذا القصر غار محني الباب يسمى المعشوق، وبالقرب منه عين ماء، وفي غربي هذا الجبل جبل يعرف بجبل الصيادة، فيه قرى كثيرة الزيتون والثمار والمزارع، وفي هذا الجبل سبعة مواجل للماء أقباء على غرار واحد، وفي غربي هذا الجبل أيضا اشراف بمزارع متصلة بموضع يعرف بالملعب، فيه قصر بني الأغلب، وقد غرس فيه جميع الثمار وأصناف الرياحين، وفي شرقي مدينة تونس الميناء والبحيرة وباب قرطا جنّة، ودونه داخل الخندق بساتين كثيرة وسواق تعرف بسواقي المرج، ويتصل بها جبل أجرد يقال له جبل أبي خفنجة، في أعلاه آثار بنيان وباب أرطة غربي تجاوره مقبرة يقال لها مقبرة سوق الأحد، ودون الباب من داخل الخندق غدير كبير يعرف بغدير الفحامين، وربض المرضى خارج عن المدينة، وفي قبليه ملاحة كبيرة منها ملحهم وملح من يجاورهم، وجامع تونس رفيع البناء مطلّ على البحر ينظر الجالس فيه إلى جميع جواريه، ويرقى إلى الجامع من جهة الشرق على اثنتي عشرة درجة، وبها أسواق كثيرة ومتاجر عجيبة وفنادق وحمّامات، ودور المدينة كلّها رخام بديع، ولها لوحان قائمان وثالث معرض مكان العتبة ومن أمثالهم: دور تونس أبوابها رخام وداخلها سخام وهي دار علم وفقه، وقد ولي قضاء إفريقية من أهلها جماعة ومع ذلك فهي مخصوصة بالتشغّب والقيام على الأمراء والخلاف للولاة، خالفت نحو عشرين مرة وامتحن أهلها أيام أبي يزيد الخارجي بالقتل والسبي وذهاب الأموال قال صاحب الحدثان: فويل لترشيش وويل لأهلها ... من الحبشيّ الأسود المتغاضب! وقال بعض الشعراء: لعمرك ما ألفيت تونس كاسمها، ... ولكنني ألفيتها وهي توحش ويصنع بتونس للماء من الخزف كيزان تعرف بالريحيّة، شديدة البياض في نهاية الرقّة تكاد تشفّ، ليس يعلم لها نظير في جميع الأقطار، وتونس من أشرف بلاد إفريقية وأطيبها ثمرة وأنفسها فاكهة، فمن ذلك اللوز الفريك يفرك بعضه بعضا من رقة قشره ويحت باليد وأكثره حبتان في كل لوزة مع طيب المضغة وعظم الحبة، والرمان الضعيف الذي لا عجم له البتة مع صدق الحلاوة وكثرة المائية، والأترج الجليل الطيب الذكّي الرائحة البديع المنظر، والتين الخارمي أسود كبير رقيق القشر كثير العسل لا يكاد يوجد له بزر، والسفرجل المتناهي كبرا وطيبا وعطرا، والعنّاب الرفيع في قدر الجوزة، والبصل القلوري في قدر الأترج مستطيل سابري القشر صادق الحلاوة كثير الماء، وبها من أجناس السمك ما لا يوجد في غيرها، يرى في كلّ شهر جنس من السمك لا يرى في الذي قبله، يملح فيبقى سنين صحيح الجرم طيب الطعم، منه جنس يقال له النقونس يضربون به المثل فيقولون: لولا النقونس لم يخالف أهل تونس. قال البكاري: بين تونس والقيروان منزل يقال له مجقة، إذا كان أوان طيب الزيتون بالساحل قصدته الزرازير فباتت فيه وقد حمل كلّ طائر منها زيتونتين في مخلبيه فيلقيهما هناك، وله غلّة عظيمة تبلغ سبعين ألف درهم ويقال لبحر تونس رادس، وكذلك يقال لمرساها مرسى رادس، وأهلها موصوفون بدناءة النفس وافتتحها حسان بن نعمان بن عدي بن بكر بن مغيث الأسدي في أيام عبد الملك، نزل عليها فسأله الروم أن لا يدخل عليهم وأن يضع عليهم خراجا يقسطه عليهم، فأجابهم إلى ذلك، وكانت لهم سفن معدّة فركبوها ونجوا وتركوا المدينة خالية، فدخلها حسان فحرّق وخرّب وبنى بها مسجدا وأسكنها طائفة من المسلمين، ورجع حسان إلى القيروان فرجعت الروم إلى المسلمين فاستباحوهم، فأرسل حسان من أخبر عبد الملك بالقضية، فأمدّه بجيش كثير قاتل بهم الروم في قصة طويلة حتى ملكها عنوة، وذلك في سنة سبعين، وأحكم بناءها ومدّ عليه سلسلة وجعلها رباطا للمسلمين تمنع الداخل إليها والخارج منها إلا بأمر الوالي وذكر آخرون من أهل السير أن التي افتتحها حسان بن النعمان قرطا جنّة ولم تكن تونس يومئذ مذكورة، إنما عمرت بحجارة قرطا جنّة وبأنقاضها، وبينهما نحو أربعة أميال، وفي سنة 114 بنى عبيد الله ابن الحبحاب مولى بني سلول والي إفريقية من قبل هشام بن عبد الملك جامع مدينة تونس ودار الصناعة بها وبتونس قبر المؤدّب محرز، يقسم به أهل المراكب إذا جاش عليهم البحر، يحملون من تراب قبره معهم وينذرون له والمنسوب إلى تونس من أهل العلم كثير، منهم: أبو يزيد شجرة بن عيسى، وقيل ابن عبد الله التونسي قاضيها، مات سنة 262 وعبد الوارث بن عبد الغني بن علي بن يوسف بن عاصم أبو محمد التونسي المالكي الأصولي الزاهد، كان عالما بالكلام بصيرا به حسن الاعتقاد فيه، له قدم في العبادة، وكان يتردد بين دمشق وحمص وحلب، وكان له أصحاب ومريدون قال أبو القاسم الحافظ: أنشدني أبو محمد الأصولي: إذا كنت، في علم الأصول، موافقا ... بعقلك قول الأشعريّ المسدّد وعاملت مولاك الكريم، مخالصا، ... بقول الإمام الشافعيّ المؤيّد وأتقنت حرف ابن العلاء مجرّدا، ... ولم تعد في الإعراب رأي المبرّد فأنت على الحقّ اليقين موافق ... شريعة خير المرسلين محمد ومات عبد الوارث سنة خمسين وخمسمائة بحلب. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الغُرَبَاتُ:
بالضم، وبعد الراء باء موحدة، كأنه جمع غربة، يجوز أن يكون سمي عدة مواضع كل واحد منها غربة ثم جمعت: وهي اسم موضع قتل فيه بعض بني أسد، فقال شاعرهم: ألا يا طال بالغربات ليلي ... وما يلقى بنو أسد بهنّه وقائلة: أسيت، فقلت: جير ... أسيّ إنني من ذاك إنّه |
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
الغَرْبُ: المَغْرِبُ، والذَّهابُ، والتَّنَحِّي، وأوَّلُ الشَّيءِ، وحَدَّهُ،كغُرابِهِ، والحِدَّةُ، والنَّشاطُ، والتَّمادِي، والرَّاوِيَةُ، والدَّلْوُ العَظيمَةُ، وعِرْقٌ في العَيْنِ يَسْقي لا يَنْقَطِعُ، والدَّمْعُ، ومَسِيلُهُ، أو انْهِلالُهُ مِنَ العَيْنِ، والفَيْضَةُ مِنَ الخَمْرِ ومِنَ الدَّمْعِ، وبَثْرَةٌ في العَيْنِ، ووَرَمٌ في المآقِي، وكَثْرَةُ الرِّيقِ، وبَلَلُهُ ومَنْقَعُهُ، وشَجَرَةٌ حِجازِيَّةٌ ضَخْمَةٌ شاكَةٌ، قِيلَ: ومنه: "لا يزالُ أهْلُ الغَرْبِ ظاهِرِينَ على الحَقِّ"،و= يومُ السَّقْيِ، والفَرَسُ الكثيرُ الجَرْيِ، ومُقْدِمُ العَيْنِ، ومُؤْخِرُها، والنَّوَى والبُعْدُ،كالغَرْبَةِ وقد تَغَرَّبَ. وبالضم: النُّزُوحُ عنِ الوَطَنِ،كالغُرْبَة والاغْترابِ والتَّغَرُّبِ، وبالتَّحْريكِ: شَجَرٌ، والخَمْرُ، والفِضَّةُ، أو جامٌ منها، والقَدَحُ، وداءٌ يُصيبُ الشَّاةَ، والذَّهَبُ، والماءُ يَقْطُرُ مِنَ الدَّلْوِ بينَ الحَوْضِ والبِئْرِ، وريحُ الماءِ والطِّينِ، والزَّرَقُ في عَيْنِ الفَرَسِ.والغُرابُ: م، ج: أغْرُبٌ وأغْرِبَةٌ وغِرْبانٌ وغُرْبٌ،جج: غَرابِينُ، واسْمُ فَرَسٍ لِغَنِيٍّ،وـ منَ الفَأسِ: حَدُّها، والبَرَدُ والثَّلْجُ، ولَقَبُ أحمدَ بنِ محمدٍ الأَصْفَهانِيِّ، وجَبَلٌ،وع بِدمَشْقَ، وجَبَلٌ شاهِقٌ بالمدينةِ، وقَذالُ الرَّأسِ،وـ منَ البَرِيرِ: عُنْقُودُهُ.والغُرَابانِ: طَرَفا الوَرِكَيْنِ الأَسْفَلانِ يَلِيانِ أعالي الفَخِذِ، أو عَظْمانِ رَقيقانِ أسْفَلَ من الفَرَاشَةِ.ورِجْلُ الغُرابِ: ضَرْبٌ من صَرِّ الإِبِلِ، لا يَقْدِرُ معهُ الفَصيلُ أن يَرْضَعَ أُمَّهُ، وحَشِيشَةٌ تُسَمَّى بالبَرْبَرِيَّةِ: آطْرِيلالَ، كالشَّبَثِ في ساقِهِ وجُمَّتِهِ وأصْلِهِ، غيرَ أنَّ زَهْرَهُ أبْيَضُ ويَعْقِدُ حَبًّا كحَبِّ المَقْدُونِسِ، ودِرْهَمٌ من بِزْرهِ مَسْحُوقاً مَخْلوطاً بالعَسَلِ مُجَرَّبٌ في اسْتِئْصالِ البَرَصِ والبَهَقِ شُرْباً، وقد يُضافُ إليه رُبْعُ دِرْهَمٍ عاقِرِ قَرْحا، ويَقْعُد في شَمْسٍ حارَّةٍ مَكْشوفَ المَواضِعِ البَرِصَةِ.وصُرَّ عليه رِجْلُ الغُرابِ: ضاقَ الأَمْرُ عليه.والغُرابِيُّ: ثَمَرٌ، وحِصْنٌ باليَمنِ،وع بطَرِيق مِصْرَ. ومحمدُ بنُ (أبي) مُوسَى الغَرَّابُ، كشَدَّادٍ: شيخٌ لأَبِي عَلِيٍّ الغَسَّانِي.وأغْرِبَةُ العَرَبِ: سُودانُهُمْ.والأَغْرِبَةُ في الجاهِلِيَّةِ: عَنْتَرَةُ، وخُفافُ بنُ نُدْبَةَ، وأبو عُمَيْرِ بنُ الحُبابِ، وسُلَيْكُ بنُ السُّلَكَةِ، وهشامُ بنُ عُقْبَةَ بنِ أبيمُعَيْط، إلا أنَّه مُخَضْرمٌ قد ولي في الإِسلام،وـ من الإِسلاميين: عبدُ اللَّهِ بنُ خازِمٍ، وعُمَيْرُ بنُ أبي عُمَيْرٍ، وهَمَّامُ بنُ مُطَرِّفٍ، ومُنْتَشِرُ بنُ وهْبٍ، ومَطَرُ بنُ أوْفَى، وتَأَبَّطَ شَرًّا، والشَّنْفَرَى، وحاجِزٌ غيرُ مَنْسوبٍ.والإِغْرابُ: إتْيانُ الغَرْبِ، والإِتْيانُ بالغَرِيبِ، والمَلْءُ، وكَثْرَةُ المالِ، وحُسْنُ الحالِ، وإكْثارُ الفَرَسِ منْ جَرْيِهِ، وإجْراءُ الرَّاكِبِ فَرَسَهُ إلى أن يَمُوتَ، والمُبالَغَةُ في الضَّحِكِ، والإِمْعانُ في البِلادِ،كالتَّغْرِيب، وبَياضُ الأَرْفاغِ.ومَغْرِبانُ الشَّمْسِ: حيث تَغْرُبُ. ولَقِيتُهُ مَغْرِبَها ومُغَيْرِبانَها ومُغَيْرِباناتِها: عندَ غُرُوبها.وتَغَرَّبَ: أتَى من الغَرْبِ.والغَرْبِيُّ منَ الشَّجَرِ: ما أصابَتْهُ الشَّمْسُ بِحَرِّها عندَ أُفُولِها، ونَوْعٌ منَ التَّمْرِ، وصِبْغٌ أحْمَرُ، والفَضيخُ منَ النَّبِيذِ.وغَرَبَ: غابَ،كغَرَّبَ، وبَعُدَ.واغْتَرَبَ: تَزَوَّجَ في غيرِ الأَقارِبِ. وكسُكَّرٍ: جَبَلٌ بالشَّامِ، وبهاءٍ: ماءٌ عنده، (وقد يُخَفَّفُ) .واسْتَغْرَبَ واسْتُغْرِبَ وأغْرَبَ: بالَغَ في الضَّحِكِ.والعَنْقاءُ المُغْرِبُ، بالضم، وعَنْقاءُ مُغْرِبٌ ومُغْرِبَةٌ ومُغْرِبٍ، مُضافَةً: طائِرٌ مَعْروفُ الاسمِ لا الجِسْمِ، أو طائِرٌ عظيمٌ يُبْعِدُ في طَيَرانهِ، أو منَ الأَلْفاظِ الدَّالَّةِ على غيرِ مَعْنىً، والدَّاهِيَةُ، ورأسُ الأَكَمَةِ، والتي أغْرَبَتْ في البِلادِ فَنَأَتْ، فلم تُحَسَّ ولم تُرَ.والتَّغْريبُ: أن يأتِيَ ببنينَ بِيضٍ، وبَنينَ سُودٍ، ضِدُّ، وأن تَجْمَعَ الثَّلْجَ والصَّقيعَ فَتَأْكُلَهُ.والمُغْرَبُ، بفتح الرَّاءِ: الصُّبْحُ، وكُلُّ شيءٍ أبْيَضَ، أو ما كُلُّ شَيءٍ منْهُ أبْيَضُ، وهو أقْبَحُ البَياضِ، أوْ ما ابْيَضَّ أشْفارُهُ.والغِرْبيبُ، بالكسر: مِنْ أجْوَدِ العِنَبِ، والشيْخُ يُسَوِّدُ شَيْبَهُ بالخِضابِ. ـ وأَسْوَدُ غِرْبيبٌ: حالِكٌ.وأمَّا {{غَرابيبُ سُودٌ}} : فالسُّودُ بَدَلٌ، لأَنَّ تَوْكِيدَ الأَلْوانِ لا يَتَقَدَّمُ.وأُغْرِبَ، بالضمِّ: اشْتَدَّ وجَعُهُ،وـ عليهِ: صُنِعَ به صَنِيعٌ قَبِيحٌ،وـ الفَرَسُ: فَشَتْ غُرَّتُهُ.والغُرُبُ، بِضَمَّتَيْنِ: الغَريبُ.والغُرَاباتُ والغُرابِيُّ والغُرُباتُ وغُرْبُبُ، ونِهْيُ غُرابٍ وغُرُبٍ، بضمهِنَّ: مَواضِعُ.والغَرِيبَةُ: رَحَى اليَدِ، لأَنَّ الجِيرانَ يَتَعَاوَرُونَها.والغارِبُ: الكاهِلُ، أو مابَيْنَ السنَّامِ والعُنُقِ، ج: غَوارِبُ.و"حَبْلُكِ على غارِبِكِ" أي: اذْهَبِي حيثُ شِئْتِ.وغَوارِبُ الماءِ: أَعالي مَوْجِهِ.وأصابَهُ سَهْمُ غَرْبٍ، ويُحَرَّكُ،وسَهْمٌ غَرْبٌ، نَعْتاً، أي: لا يُدْرَى رامِيهِ.وغَرِبَ، كَفَرِحَ: اسْوَدَّ. وككَرُمَ: غَمُضَ وخَفِيَ.و"المُغَرِّبونَ"، بكسرِ الرَّاءِ المُشَدَّدَةِ، في الحَديثِ: الذينَ تَشْرَكُ فيهِمُ الجِنُّ، سُمُّوا بِهِ لأَنَّهُ دَخَلَ فيهِمْ عِرْقٌ غَريبٌ، أو لِمَجيئِهِمْ مِنْ نَسَبٍ بَعيدٍ.
|
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
سِنينَ الغربةالجذر: س ن
مثال: قَضَى سنينَ الغربة في شقاءالرأي: مرفوضةالسبب: لبقاء النون في كلمة «سنين» (مع أنها مضافة) وإعرابها بالحركات. الصواب والرتبة: -قَضَى سِنِي الغربة في شقاء [فصيحة]-قَضَى سنينَ الغربة في شقاء [صحيحة] التعليق: تحذف نون جمع المذكر السالم وما ألحق به عند الإضافة، لكن من العرب من يعرب سنين إعراب «حين» فتلازمه الياء والنون وتظهر الحركات على النون، وتنون في التنكير، كأنها من أصول الكلمة، وعليها جاء قوله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف». |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الغَرْب: الدَلْو العظيمة.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
آداب الغرباء
لأبي الفرج: علي بن الحسين الأصبهاني. المتوفى: سنة ست وخمسين وثلاثمائة. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
المخصص
|
ابْن السّكيت نخلت الطَّعَام وَغَيره أنخله نخلا وانتخلته أبوعبيد تنخلته ونخالته - مَا انتخلت مِنْهُ أونقيته عَنهُ ابْن السّكيت المنخل والمنخل - مَا نخلته بِهِ ومنخل أحد الْحُرُوف الَّتِي أشذها سيبوبه من هَذَا الضَّرْب قَالَ وَمن الْعَرَب من يَقُول منغل ومنخل والغربلة - الانتحال صَاحب الْعين السفسفة - انتحال الدَّقِيق
|
سير أعلام النبلاء
|
4579- صاحب الغَرْب 1:
أَمِيْرُ المُسْلِمِين، السُّلْطَان أَبُو يَعْقُوْبَ يُوْسُفُ بنُ تَاشفِيْن اللَّمتونِي، البَرْبَرِي المُلَثَّم، وَيُعْرَفُ أَيْضاً بِأَمِيْر المرَابطين، وَهُوَ الَّذِي بَنَى مَرَّاكُش، وَصَيَّرَهَا دَارَ مُلْكِهِ. وَأَوّل ظُهُوْر هَؤُلاَءِ المُلَثَّمِين مَعَ أَبِي بَكْرٍ بنِ عُمَرَ اللَّمتونِي، فَاسْتولَى عَلَى البِلاَد مِنْ تِلِمسَان إِلَى طرف الدُّنْيَا الغربِي، وَاسْتنَاب ابْنَ تَاشفِيْن، فَطَلَعَ بَطَلاً شُجَاعاً شَهْماً عَادِلاً مهيبًا، فاختط مراكش في سنة "465"، اشْتَرَى أَرْضهَا بِمَاله الَّذِي خَرَجَ بِهِ مِنْ صحرَاء السُّودَان، وَلَهُ جبلُ الثَّلج، وَكثرت جيوشُه، وَخَافته المُلُوْكُ، وَكَانَ بَربرِيّاً قُحّاً، وَثَارَتِ الفِرَنْجُ بِالأَنْدَلُسِ، فَعَبَرَ ابْنُ تَاشفِيْن يُنْجِدُ الإِسْلاَمَ، فَطحن العَدُوَّ، ثُمَّ أَعْجَبته الأَنْدَلُسُ، فَاسْتولَى عَلَيْهَا، وَأَخَذَ ابْنَ عَبَّادٍ وَسَجَنَهُ، وَأَسَاءَ العِشْرَةَ. وَقِيْلَ: كَانَ ابْنُ تَاشفِيْن كَثِيْرَ الْعَفو، مُقَرّباً لِلْعُلَمَاءِ، وَكَانَ أَسْمَرَ نَحِيْفاً، خفِيفَ اللِّحْيَة، دقيقَ الصَّوْت، سَائِساً، حَازِماً، يَخطُبُ لِخَلِيْفَة العِرَاق، وَفِيْهِ بُخْلُ البَرْبَرِ، تَمَلَّكَ بِضْعاً وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً، وَهُوَ وَجَيْشُهُ مُلاَزِمُوْنَ لِلِّثَامِ الضَّيِّقِ، وَفِيْهِم شَجَاعَة وَعُتُوٌّ وعسفٌ، جَاءته الخلع من المستظهر، وَوَلِيَ بَعْدَهُ وَلدُهُ عليّ. مَاتَ فِي أَوّل سَنَةِ خَمْس مائَة، وَلَهُ بِضْعٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً، وَتَمَلَّكَ مَدَائِنَ كِباراً بِالأَنْدَلُسِ، وَبَالعُدوَة، وَلَوْ سَارَ، لتملك مصر والشام. __________ 1 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "7/ 112"، والعبر "3/ 356"، وشذرات الذهب لابن العماد "3/ 412". |
سير أعلام النبلاء
|
5649- صاحب الغرب:
السُّلْطَانُ أَبُو عَبْدِ اللهِ المَلِكُ النَّاصِرُ مُحَمَّدُ ابن السلطان يعقوب ابن السُّلْطَانِ يُوْسُفَ بنِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بنِ عَلِيٍّ القَيْسِيُّ. وَأُمُّه، رُومِيَّة اسْمهَا زهر. تَمَلَّكَ البِلاَد بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيْهِ مُتَقَدِّم. وَكَانَ أَشقر، أَشهل، أَسِيْل الخدّ، مليح الشّكل، كَثِيْر الصَّمْت وَالإِطْرَاق، شُجَاعاً، مَهِيْباً، بعيد الغَوْر، حليماً، عَفِيْفاً عَنِ الدِّمَاء، وَفِي لِسَانه لثغَة، وَكَانَ يُبَخَّل، وَلَهُ عِدَّةُ أَوْلاَد. اسْتَوْزَر أَبَا زَيْد بن يُوجَّان، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَوْزَرَ الأَمِيْر إِبْرَاهِيْم أَخَاهُ، وَكَتَبَ سرَّه ابْنُ عَيَّاشٍ، وَابْن يَخْلَفتنَ الفَازَازِي، وَوَلِيَ قَضَاءهُ غَيْر وَاحِد. حَارَبَه ابْن غَانِيَة، وَاسْتَوْلَى عَلَى فَاس. وَخَرَجَ عَلَيْهِ بِالسُّوس الأَقْصَى يَحْيَى بن الجَزَّارَة، وَاسْتفحل أَمره، وَهَزَمَ الموحِّدين، مَرَّات، وَكَادَ أَنْ يَملك المَغْرِب، ثُمَّ قتل. وَيُلَقَّبُ بِأَبِي قصبَة. وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتّ مائَةٍ: سَارَ السُّلْطَان وَحَاصَرَ المَهْدِيَّة أَشْهُراً، وَأَخَذَهَا بِالأَمَان مِنْ نُوَّاب ابْن غَانِيَة، وَانْحَازَ إِلَى السُّلْطَانِ أَخُو ابْن غَانِيَة سِيْر، فَاحْتَرَمه. قَالَ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ عَلِيٍّ فِي تَارِيْخِهِ: بَلَغَنِي أَن جُمْلَةَ مَا أَنفقه أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي هَذِهِ السَّفرَة مائَة وَعِشْرُوْنَ حِمْلاً مِنَ الذَّهب، وَردّ إِلَى مَرَّاكُش سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّ مائَةٍ، وَفرغت هُدنَة الفِرَنْج، فَعبر السُّلْطَان بِجُيوشه إِلَى إِشْبِيْلِيَة. ثُمَّ تَحَرَّك فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّ مائة لجهاد العدو، فنازل حصنًا لهم، فَأَخَذَهُ، فَسَارَ الفُنْشُ، فِي أَقَاصي المَمَالِك يَسْتَنفر عُبَّاد الصَّلِيب، فَاجتمعت لَهُ جُيُوش مَا سُمِعَ بِمِثْلِهَا، وَنجدته فِرَنْج الشَّام، وَعَسَاكِر قُسْطَنْطِيْنِيَّة، وَملك أَرغُن البَرْشَلُوْنِيّ، وَاسْتنفر السُّلْطَان أَيْضاً النَّاس، وَالتَقَى الجَمْعَان، وَتعرف بوقعَة العِقَاب، فَتحمَّل الفُنْشُ حَملَةً شَدِيْدَة، فَهَزم المُسْلِمِيْنَ، وَاسْتُشْهِدَ خلق كَثِيْر. وَكَانَ أَكْبَر أَسبَاب الكسرَة غَضَب الجُنْد مِنْ تَأَخُّرِ عَطَائِهِم، وَثبت السُّلْطَان ثبَاتاً كُلِّياً، لولاَهُ لاَستُؤصل جَيْشُه، وَكَانَتِ المَلْحَمَة فِي صَفَرٍ سَنَة تِسْعٍ وَسِتِّ مائَةٍ، وَرجع العَدُوّ بغَنَائِم لاَ تُوصَفُ، وَأَخَذُوا بيَّاسَة عَنْوَةً، فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ. مرض السُّلْطَان أَيَّاماً بِالسكتَة، وَمَاتَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ عَشْرٍ وَسِتِّ مائَةٍ، وَكَانَتْ أَيَّامه خَمْسَةَ عَشَرَ عَاماً، وَقَامَ بَعْدَهُ ابْنه المُسْتَنْصِر يُوْسُف عَشْرَة أَعْوَام. وَيُقَالُ: تَنَكَّر مُحَمَّد ليلاً، فوقع بع العَسَسُ، فَانْتظمُوْهُ، بِرمَاحهِم، وَهُوَ يَصيح: أَنَا الخَلِيْفَة، أنا الخليفة. |
سير أعلام النبلاء
|
صاحب تونس، صاحب الغرب:
5804- صاحب تونس: المَلِكُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى ابْنُ الأَمِيْرِ عَبْدِ الواحد ابن الشيخ عمر الهنتاني، الموحدي. كَانَ أَبُوْهُ متولِّياً لِمَدَائِنِ إِفْرِيْقِيَةَ لآلِ عَبْدِ المُؤْمِنِ، فَمَاتَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ الأَمِيْرُ عَبُّو، فَولِي مُدَّةً، ثُمَّ تَوثَّب عَلَيْهِ يَحْيَى هَذَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى إِفْرِيْقِيَة وَتَمَكَّنَ، وَامتدت دَوْلَته بِضْعاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، وَاشْتَغَل عَنْهُ بَنُوْ عَبْد المُؤْمِنِ بِأَنْفُسِهِم، وَقَوِيَ أَيْضاً عَلَيْهِم يَغَمْرَاسَنُ صَاحِبُ تِلِمْسَانَ. مَاتَ الْملك يَحْيَى بِمدينَةِ بُوْنَةَ مِنْ إِفْرِيْقِيَة، فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ. وَقِيْلَ: بَعْدَ ذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ. وَتَمَلَّكَ بَعْدَهُ ابْنه. وَهِيَ مَمْلَكَةٌ كَبِيْرَةٌ فِي قدرِ مَمْلَكَةِ اليَمَن بَلْ أَكْبَر، وَعَسْكَره نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةِ آلاَفِ فَارِسٍ، وَسُلْطَانهَا اليَوْمَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الهَنْتَانِيُّ أَحَد الشُّجعَانِ مُصَالِحٌ لِلسُّلْطَانِ أَبِي الحَسَنِ المريني ومصاهر له. 5805-صاحب الغرب 1: السُّلْطَانُ السَّعِيْدُ، وَيُقَالُ لَهُ: المُعْتَضِدُ بِاللهِ، -عَلِيُّ ابن المأمون إدريس بن يعقوب المؤمني. تَملَّكَ المَغْرِبَ سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ بَعْدَ أَخِيْهِ الرَّشِيْدِ عَبْدِ الوَاحِدِ، وَكَانَ أَسوَدَ الجِلدَةِ. قُتِلَ فِي صَفَرٍ، سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، فَقَامَ بَعْدَهُ المُرْتَضَى عُمَرُ بنُ أَبِي إِبْرَاهِيْمَ بنِ يُوْسُفَ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو دَبوس، وَقتلَه سنة خمس وسين وست مائة. قال ابن خالكان: سَارَ السَّعِيْدُ، وَحَاصَرَ قَلْعَةً بِقُرْبِ تِلِمْسَانَ، وَقُتِلَ هناك على ظهر جواده. __________ 1 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "7/ 17، 18"، وشذرات الذهب "5/ 236". |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
(اليهود الغربيون) مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى اليهود الذين هاجروا من العالم الغربي إلى إسرائيل.
ولما كانت أغلبيتهم من الإشكناز، أي من يهود بولندا ذوي الأصول الألمانية، فإن مصطلح (اليهود الغربيون) أصبح مرادفاً لمصطلح (الإشكناز). ولكن مصطلح (اليهود الغربيون) يظل (مقابل اليهود الشرقيون) هو المصطلح الأدق والأشمل لأنه يشير إلى الانتماء العرْقي والحضاري والإثني لهؤلاء اليهود، في حين نجد أن مصطلح (الإشكناز) تداخله أبعاد دينية تطمس معالمه وتجعله أداة غير دقيقة. فيهود هولندا يُشار إليهم بلفظ (إشكناز)، مع أن بعضهم يتبع التقاليد السفاردية في العبادة. وأغلبية اليهود الغربيين من يهود اليديشية (يهود شرق أوربا)، إلا أنهم فقدوا هويتهم اليديشية هذه وأصبحت أغلبيتهم تتحدث الإنجليزية (في الولايات المتحدة وإنجلترا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا) وبقيتهم تتحدث لغات بلادهم. كما أن هناك جماعات من يهود الغرب، مثل: يهود اليونان (الرومانيوت أو الجريجوس)، ويهود إيطاليا، ويهود جورجيا. لكن هؤلاء الغربيين لا ينتمون إلى التشكيل الإشكنازي (إن صح التعبير) من قريب أو بعيد. واليهود الغربيون في إسرائيل هم الأقلية العرْقية والحضارية المسيطرة على الحكومة والجيش والأحزاب والاقتصاد وعلى التوجه الحضاري العام، وهو ما يسبب حالة اغتراب شديدة لليهود الشرقيين، ويعمق الفوارق الاجتماعية. ويُلاحَظ أن مصطلح (اليهود الغربيون) مصطلح حضاري ثقافي، ومن ثم يُشار إلى يهود جنوب أفريقيا بوصفهم غربيين، مع أن أفريقيا جزء من الشرق. ¤ موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – لعبد الوهاب المسيري - موقع المسيري |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
- مع إقرار الكنيسة بفصل الدين عن السياسة داخل أوروبا، فإن مجلس الكنائس العالمي يقرر في مؤتمر سالونيك باليونان عام (1956) م: (أن السياسة هي المجال الذي يتحتم على الكنيسة في دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أن تعمل فيه، وأن على الكنائس أن تراقب خطط التنمية في تلك الدول؛ لتميز بين ما يتفق مع إرادة الله – الزراعة والفلاحة فقط – وبين عمل الشيطان – الصناعة والتقدم العلمي – لتعلن للقوم أين يقف الله، ومن أين يطل الشيطان)، ويقرر في مؤتمر نيودلهي عام (1961) م: (إن على الكنيسة أن تكون متأهبة للصراع مع الدولة في أي وضع وتحت أي نظام سياسي) وما ذلك إلا لتسخير تلك الشعوب ومقدراتها، وضمان تبعيتها باستمرار للمستعمر الغربي؛ حيث تشيع بينهم أن التقدم الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة سيأتي دائماً معه بكثرة الخطايا والشرور.
¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الإبادة النازية ليهود أوربا: مشكلة المصطلح
Nazi Extermination of Western Jewry: The Problem of Terminology يُستخدَم مصطلح «الإبادة» في العصر الحديث ليدل على محاولة القضاء على أقلية أو طائفة أو شعب قضاء كاملاً. ويُطلَق مصطلح «إبادة اليهود» (بالإنجليزية: إكستيرمينيشن أوف ذا جوز extermination of the Jews) في الخطاب السياسي الغربي على محاولة النازيين التخلص أساساً من أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا وفي البلاد الأوربية (التي وقعت في دائرة نفوذ الألمان) عن طريق تصفيتهم جسدياً (من خلال أفران الغاز) . وتُستخدَم أيضاً كلمة «جينوسايد» genocide وهي من مقطعين «جينو» من الكلمة اللاتينية «جيناس» genus» بمعنى «نوع» و «كايديس» caedes بمعنى «مذبحة» . وتُستخدَم أيضاً عبارة «الحل النهائي» للإشارة إلى «المخطط الذي وضعه النازيون لحل المسألة اليهودية بشكل جذري ونهائي ومنهجي وشامل عن طريق إبادة اليهود، أي تصفيتهم جسدياً» . ويُشار إلى الإبادة في معظم الأحيان بكلمة «هولوكوست» وهي كلمة يونانية تعني «حرق القربان بالكامل» (وتُترجم إلى العبرية بكلمة «شواه» ، وتُترجم إلى العربية أحياناً بكلمة «المحرقة» ) . وكانت كلمة «هولوكوست» في الأصل مصطلحاً دينياً يهودياً يشير إلى القربان الذي يُضحَّى به للرب، فلا يُشوى فقط بل يُحرق حرقاً كاملاً غير منقوص على المذبح، ولا يُترك أي جزء منه لمن قدَّم القربان أو للكهنة الذين كانوا يتعيشون على القرابين المقدمة للرب. ولذلك، كان الهولوكوست يُعّدُّ من أكثر الطقوس قداسة، وكان يُقدَّم تكفيراً عن جريمة الكبرياء. ومن ناحية أخرى، كان الهولوكوست هو القربان الوحيد الذي يمكن للأغيار أن يُقدِّموه. ومن العسير معرفة سر اختيار هذا المصطلح، ولكن يمكننا أن نقول إن المقصود عموماً هو تشبيه «الشعب اليهودي» بالقربان المحروق أو المشوي وأنه حُرق لأنه أكثر الشعوب قداسة. كما أن النازيين، باعتبارهم من الأغيار، يحق لهم القيام بهذا الطقس. أو ربما وقع الاختيار على هذا المصطلح ليعني أن يهود غرب أوربا أُحرقوا كقربان الهولوكوست في عملية الإبادة النازية ولم يبق منهم شيء، فهي إبادة كاملة بالمعنى الحرفي. ولكن حينما تستخدم الجماعات المسيحية الأصولية (الحرفية) في الولايات المتحدة كلمة «هولوكوست» فهي تركز على جريمة الكبرياء، إذ ترى أن الإبادة عقاب عادل حاق باليهود بسبب صلفهم وغرورهم وكبريائهم. ويُشار إلى الإبادة أحياناً بأنها «حُربان» وهي كلمة عبرية تُستخدَم للإشارة إلى «هدم الهيكل» ، فكأن الشعب اليهودي هنا هو الهيكل، أو البيت الذي يحل فيه الإله، والإبادة هي تهديم بيت الإله. وهذه الكلمة تُدخل حادثة الإبادة التاريخ اليهودي المقدَّس. وفي الوقت الراهن، تُستخدَم كلمة «هولوكوست» في اللغات الأوربية للإشارة إلى أية كارثة عظمى. فيشير الصهاينة، على سبيل المثال، إلى «الزواج المختلط» بين اليهود بأنه «الهولوكوست الصامت» (بالإنجليزية: سايلانت هولوكوست silent Holocaust) . وحينما يُصعِّد العرب من مقاومتهم للمستوطنين الصهاينة فإنهم ـ حسب المصطلح الصهيوني ـ يهددونهم بالهولوكوست. واستخدمت إحدى الصحف هذا المصطلح للإشارة إلى إحدى صفقات أسلحة الميراج بين ليبيا وفرنسا. كما استخدم أحد المتحدثين الصهاينة كلمة «هولوكوستي» وهي اسم صفة مشتق من هولوكوست فأشار إلى أحد الأفلام بأنه ليس «هولوكوستيHolocausty» بما فيه الكفاية. وهذا الاستخدام المستمر والممجوج للمصطلح يؤدي إلى نتائج كوميدية أحياناً. إذ تساءل أحد دعاة حماية البيئة في نبرة جادة قائلاً: «كيف يمكن أن نستنكر الهولوكوست ضد اليهود، ونحن نذبح ستة مليون دجاجة يومياً؟» ، أي أنه ساوى بذلك بين الطبيعي والإنساني، وبين الدجاجة واليهودي، ودفع بالنموذج العلماني الشامل إلى نتيجته المنطقية وأطلق استنكاره هذا. ويتم في الوقت الحاضر الاتجار بالهولوكوست وتوظيفها بشكل ممجوج لخدمة الأهداف الصهيونية والتجارية. وقد ظهرت مجموعة من المصطلحات المشتقة من كلمة «هولوكوست» والتي تُعبِّر عن الاستياء العميق من عملية التوظيف هذه. فنحت أحد الكُتَّاب كلمة «هولوكيتش Holokitsch» لوصف الكُتب والأفلام عن موضوع الهولوكوست والتي تُنتَج وتُنشَر بهدف تحقيق الربح، حيث إنها تحاول إثارة العواطف واستغلالها على أسوأ وجه. وكلمة «كيتش» في اللغة الألمانية تعني الأعمال الفنية الشعبية الرديئة. كما ظهرت عبارة «هولوكوست بيزنس Holocaust business» أي «مشروع الهولوكوست التجاري» ، بمعنى توظيف الهولوكوست تجارياً لتحقيق الأرباح العالية. ومن العبارات الأخرى المتواترة عبارة «هولوكوست مانيا Holocaust mania» ، أي «الإنشغال الجنوني أو المرضي بالإبادة» . ومن المعروف أن هناك عدة شعوب قامت من قبل بإبادة شعوب أخرى أو على الأقل بإبادة أعداد كبيرة منها. ووردت في العهد القديم أوامر عديدة بإبادة سكان أرض كنعان وطردهم. ولكن من الثابت تاريخياً أن العبرانيين والكنعانيين تزاوجوا، وأن معظم ادعاءات الإبادة قد تكون من قبيل التهويلات التي تتواتر في كثير من الوثائق القديمة أو تكون ذات طابع مجازي. وربما يكون قد تم فعلاً إبادة سكان مدينة أو اثنتين، لكن هذا لم يكن النمط السائد نظراً لتدني المستوى العسكري لدى العبرانيين، كما أن استيطان العبرانيين لم يتم عن طريق الغزو دفعة واحدة وإنما عن طريق التسلل أيضاً. ويستند الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الغربي إلى الإبادة، فهذا ما فعله سكان أمريكا الشمالية البيض بالسكان الأصليين، وهي عملية استمرت حتى أواخر القرن التاسع عشر. وفي تصوُّرنا أن ما يميِّز تجربة الإبادة النازية عن التجارب السابقة أنها تمت بشكل واع ومخطط ومنظَّم وشامل ومنهجي ومحايد، عن طريق استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية وأساليب الإدارة الحديثة (أي أنها تجربة حديثة تماماً، منفصلة عن القيمة) . وهذه السمات مرتبطة بتزايد معدلات الترشيد والعلمنة الشاملة وتحييد الواقع كله (الإنسان والطبيعة) وتحويله إلى مادة استعمالية ليست لها قداسة خاصة، وذلك حتى يمكن التحكم (الإمبريالي) فيه وإخضاعه للتجريب بلا تمييز بين الإنسان والحيوان أو بين الألماني واليهودي، وهو ما نسميه في مصطلحنا «الحوسلة» ، أي تحويل كل شيء، وضمن ذلك الإنسان، إلى وسيلة. ومن ثم فهناك فارق ضخم بين الإبادة (الحديثة) وبين المذابح في المجتمعات التقليدية، إذ كانت المذابح تتم عادةً بشكل تلقائي غير منظم وغير منهجي وغير مخطط. ويمكن في هذا المضمار أن نذكر «ليلة الزجاج المحطم» (بالألمانية: كريستال ناخت Kristallnacht) حينما قامت الجماهير الألمانية في العديد من مدن ألمانيا بالهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية. ويُقال إن الغضب الشعبي لم يكن تلقائياً وإنما تم بتخطيط من القيادات النازية التي كانت مجتمعة في ميونخ. كما أن إلقاء القبض على أعداد من اليهود بعد الحادث يدل على أن الأمر لم يكن تلقائياً تماماً. ويصف بعض الدارسين ليلة الزجاج المحطم بأنها هجوم شعبي شبه منظَّم على اليهود (بوجروم) ، ولكن نظراً لضآلة عدد الضحايا، لم يكن بوسع الدولة النازية أن تتخلص من ملايين اليهود باستخدام هذه الآلية البدائية التقليدية التي تعتمد على إثارة غضب الجماهير. ولذا، كان لابد من اللجوء إلى آليات أخرى أكثر حداثة، ووجد النازيون ضالتهم في مؤسسات الدولة الحديثة مثل التكنولوجيا المتقدمة التي تمتلكها، وأجهزة الإعلام التابعة لها، وأساليب الإدارة الحديثة الرشيدة. ويذهب هؤلاء الباحثون إلى أن الدولة النازية ما كان بوسعها أن تحقق غرضها بهذه السرعة وبهذه الكفاءة بدون هذه الآليات المتقدمة! ونستخدم في هذه الموسوعة مصطلح «الإبادة النازية ليهود أوربا» ، وهو ـ في تصوُّرنا ـ مصطلح أكثر تفسيرية وحياداً من المصطلحات المستخدمة في اللغات الأوربية والعبرية، فكلمتا «هولوكوست» و «شواه» تحملان إيحاءات دينية. ومصطلح «الحل النهائي» يحدد مجاله الدلالي بشكل قاطع لا يتفق مع مضمونه الحقيقي. أما مصطلحنا فقد حَدَّد الظاهرة النازية من حيث هي ظاهرة أوربية داخل سياق التاريخ الألماني والأوربي، ومن حيث هي ظاهرة لم تحدث في سياق التاريخ العالمي. كما أنها تُضمر الإشارة للإبادة النازية للأقليات والشعوب الأخرى. وكلمة «إبادة» كما نستخدمها لا تعني بالضرورة التصفية الجسدية، وإنما تعني «استئصال شأفة اليهود» بجميع الطرق وضمنها التهجير القسري (الترانسفير) وغيره من الطرق. ولذلك فنحن نشير أحياناً «للإبادة بالمعنى الخاص والمحدد للكلمة» ، أي «التصفية الجسدية المتعمَّدة» ، كما نشير «للإبادة بالمعنى العام للكلمة» وهي عملية "إبادة اليهود من خلال التهجير والتجويع وأعمال السخرة، وأخيراً التصفية الجسدية المتعمَّدة". ويمكننا هنا أن نقتبس كلمات أحد أهم خبراء الإبادة في التاريخ، أي الزعيم النازي أدولف هتلر. فقد عبَّر عن إعجابه بإبادة الهنود الحمر (على يد المستوطنين البيض) عن "طريق التجويع أو القتال غير المتكافئ". (انظر: «إشكالية الحل النهائي ومؤتمر فانسي» ) . كما أننا لا نهمل ما نسميه «اختفاء اليهود» من خلال عوامل طبيعية مختلفة تقع خارج نطاق الإبادة النازية، بالمعنى العام أو الخاص (انظر: «موت الشعب اليهودي» ) . الهولوكوست (الإبادة ( Holocaust (Extermination) «هولوكوست» كلمة يونانية تعني «حرق القربان بالكامل» وهي بالعبرية «شواه» ، وتُترجَم إلى العربية أحياناً بكلمة «المحرقة» . وتُستخدَم كلمة «هولوكوست» في العصر الحديث عادةً للإشارة إلى إبادة اليهود، بمعنى تصفيتهم جسدياً، على يد النازيين. المحرقة Shoah «المحرقة» ترجمة عربية للمصطلح العبري «شواه» ، وهو بدوره ترجمة للمصطلح اليوناني «هولوكوست» . ويُستخدَم المصطلح للإشارة إلى الإبادة النازية لليهود. الإبادة وتفكيك الإنسان كإمكانية كامنة في الحضارة الغربية الحديثة Extermination and Deconstruction of Man as a Potentiality in Modern Western Civilization لابد أن نؤكد ابتداءً أن التحولات الاقتصادية والسياسية في أي مجتمع لا تتم في فراغ مهما يكن مستوى هذه التحولات عمقاً أو ضحالة. فالمناخ الفكري والثقافي والنفسي يساعد على تحقيق بعض الإمكانات الكامنة في الواقع المادي وإجهاض البعض الآخر، وعلى تحديد المسار النهائي لهذا الواقع إلى حدٍّ كبير. وتبني ألمانيا النازية لسلاح الإبادة كوسيلة لحل بعض المشاكل التي واجهها المجتمع الألماني لم يكن لينبع من الاعتبارات الاقتصادية أو السياسية وحدها، فهو أمر مرتبط تماماً بإطار ثقافي وحضاري ونفسي أوسع. ويمكننا القول بأن ثمة عناصر تسم التشكيل الحضاري الغربي الحديث جعلت الإبادة احتمالاً كامناً فيه وليست مجرد مسألة عَرَضية، وولَّدت داخله استعداداً للتخلص من العناصر غير المرغوب فيها عن طريق إبادتها بشكل منظم ومخطط. وتحققت هذه الإمكانية بشكل غير متبلور في لحظات متفرقة، ثم تحققت بشكل شبه كامل في اللحظة النازية النماذجية. وقد قام الإنسان الغربي بعملية الإبادة النازية وغيرها من عمليات الإبادة لا رغم حضارته الغربية وحداثته، وإنما بسببها. ولكن قبل أن نتوجه لقضية النزعة الإبادية في الحضارة الغربية، لابد أن نشير إلى وضع اليهود داخل الحضارة الغربية حتى عصر النهضة. فالمسيحية الغربية لم تُطوِّر مفهوماً واضحاً خاصاً بالأقليات في المجتمع الغربي ولم تُشرِّع لهم ولم تحدد وضعهم القانوني، واكتفت بمفهوم المحبة إطاراً عاماً. وقد صنَّفت الكاثوليكية الغربية اليهود باعتبارهم شعباً شاهداً، يقف في تدنيه وضِعَته «شاهداً» على عظمة الكنيسة وانتصارها. ولم يكن الأمر مختلفاً كثيراً على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، حيث تحوَّل اليهود إلى جماعة وظيفية، وهي جماعة تُعرَّف في ضوء وظيفتها وفائدتها ونفعها (فهي مادة استعمالية) لا قداسة لها. وهذه الرؤية تعني «حوسلة» اليهود، ولكنها في الوقت نفسه تعني ضرورة الحفاظ عليهم وحمايتهم من الهجمات الشعبية. فالكنيسة الكاثوليكية كانت تحتاج إلى هذا الشاهد الأزلي على عظمتها. كما أن الطبقات الحاكمة (النبلاء الإقطاعيون والملوك) كانت في حاجة إلى اليهود كأداة طيعة من أدوات الاستغلال وامتصاص فائض القيمة من الجماهير (كان يُطلَق على اليهود كلمة «الإسفنجة» ، لأنهم يمتصون فائض القيمة من الجماهير ثم يقوم الحاكم الإقطاعي باعتصار ما جمعوه من ثروة من خلال الضرائب) . ولذا، وعلى عكس ما يتصور البعض، كان العداء لليهود حركة شعبية موجهة ضد الطبقات الحاكمة وضد الكنيسة مُمثَّلين في الرمز المحسوس المباشر اليهود، وكانت الكنيسة الكاثوليكية ومعها النبلاء هم حماة اليهود. وتغيَّر الوضع مع ظهور عصر النهضة وبداية التشكيل الحضاري الغربي الحديث بشكل جوهري. إذ ظهرت البروتستانتية التي رفضت فكرة الشعب الشاهد ولكنها تبنت بدلاً منها العقيدة الألفية الاسترجاعية التي ترى أن المسيح سيعود مرة أخرى للأرض ويؤسس مملكته على الأرض لمدة ألف عام، وكان كل هذا مشروطاً بعودة اليهود إلى أرض الميعاد وتنصيرهم. فكأن اليهودي ظل مجرد أداة (كما هو الحال في الرؤية الكاثوليكية) ولكنه أداة لا يتم الحفاظ عليها وإنما لابد من نقلها (ترانسفير) إلى فلسطين وتذويبها في المنظومة المسيحية. وتزامن هذا مع ظهور البورجوازيات المحلية والدولة القومية التي اضطلعت بكثير من وظائف الجماعة الوظيفية اليهودية التي لم يعد لها نفع. ولذا، كانت المسألة اليهودية في أوربا تُناقش في إطار مدى نفع اليهود، فكان أعداء اليهود يبينون أنهم لا فائدة لهم، أما المدافعون عنهم (ومنهم المتحدثون باسم اليهود) فكانوا يركزون على «فائدة» اليهود ونفعهم. وطُرح تصور مفاده أنه يجب زيادة حقوق اليهود زيادة طردية مع زيادة نفعهم، فإن زاد الواحد زاد الآخر (وهو ما يعني أن تَناقُص نفعهم يعني تفاقم مشاكلهم) . وقد قُسِّم اليهود إلى أقسام مختلفة تم تنظيمها بشكل هرمي. ففي أعلى الهرم كان يوجد أكثر اليهود نفعاً، وهؤلاء كانوا يتمتعون بكافة الحقوق التي يتمتع بها أي مواطن ألماني، وفي قاعدة الهرم كان يوجد اليهود غير النافعين الذين لا يتمتعون بأية حقوق ولذا كانوا يُصنَّفون ضمن من يجب التخلص منه وذلك بترحيلهم (بالإنجليزية: ديسبوزابل ترانسفيرابل disposable transferable) . وساهمت كل هذه العناصر ولا شك في خلق الاستعداد الكامن والتربة الخصبة والتبادل الاختياري (بالإنجليزية: اليكتيف أفينيتي elective affinity في مصطلح ماكس فيبر) بين الحضارة الغربية وعملية إبادة اليهود. ولكن العنصر الحاسم ـ في تصورنا ـ في ظهور النزعة الإبادية (ضد اليهود وغيرهم من الأقليات والجماعات والشعوب) هو الرؤية الغربية الحديثة للكون. وهي رؤية يمكن وصفها بإيجاز شديد بأنها رؤية مادية واحدية (حلولية كمونية) تعود جذورها إلى عصر النهضة في الغرب. وقد اتسع نطاقها وازدادت هيمنتها إلى أن أصبحت هي النموذج التفسيري الحاكم مع منتصف القرن التاسع عشر، عصر الإمبريالية والداروينية والعنصرية. وقد بدأت هذه الرؤية بمرحلة إنسانية هيومانية وضعت الإنسان في مركز الكون وتبنت منظومات أخلاقية مطلقة، تنبع من الإيمان بالإنسان باعتباره كائناً مختلفاً عن الطبيعة/المادة، سابقاً عليها، له معياريته ومرجعيته وغائيته الإنسانية المستقلة عنها (وهذا شكل من أشكال العلمانية الجزئية) . ولكن هذه الرؤية الإنسانية المادية تطورت من خلال منطق النسق المادي الذي يساوي بين الإنسان والطبيعة ومن خلال تَصاعُد معدلات الحلولية والعلمنة وانفصال كثير من مجالات النشاط الإنساني (الاقتصاد ـ السياسة ـ الفلسفة ـ العلم) عن المعيارية والمرجعية والغائية الإنسانية إلى أن فقد الإنسان مركزيته ومطلقيته وأسبقيته على الطبيعة/المادة وتحوَّل إلى جزء لا يتجزأ منها وأصبح هو الآخر مادة، منفصلة عن المرجعية والغائية والمعيارية الإنسانية (وهذه هي العلمانية الشاملة) . وفي هذا الإطار ظهرت الأخلاق النفعية المادية التي تُعفي الإنسان من المسئولية الأخلاقية، فهي مستمدة من الطبيعة/المادة ومن قوانينها المتجاوزة للعواطف والغائيات والأخلاقيات الإنسانية. ومن ثم تَحرَّر الإنسان الغربي من أية مفاهيم متجاوزة مثل مفهوم «الإنسان ككل» أو «الإنسانية جمعاء» أو «صالح الإنسانية» ، كما تحرر من القيم المطلقة مثل «مستقبل البشرية» و «المساواة» و «العدل» ، وجعل من نفسه المركز والمطلق المنفصل تماماً عن كل القيم والغائيات الإنسانية العامة، وأصبح هو نفسه تجسيداً لقانون الطبيعة ولحركة المادة وتحول إلى مرجعية ذاته، وقانون ذاته، ومعيارية ذاته، وغائية ذاته، ومن ثم أصبح من حقه أن يحوسل العالم كله وجميع شعوب الأرض لخدمة صالحه كما عرَّفه هو. وبذا تحوَّلت الإنسانية (الهيومانية) الغربية إلى إمبريالية وأداتية ثم إلى عنصرية، وانقسم البشر إلى سوبرمنsupermen إمبرياليين يتحكمون في كل البشر والطبيعة، وإلى سبمنsubermen دون البشر أداتيين يذعنون لإرادة السوبرمن ولقوانين الطبيعة والمادة. وهذا ما نسميه «النفعية الداروينية» وهي المنظومة التي تذهب إلى أن من يملك القوة له «الحق» في أن يوظِّف الآخرين لخدمة مصالحه، مستخدماً في ذلك آخر المناهج العلمية وأحدث الوسائل التكنولوجية، متجرداً من أية عواطف أو أخلاق أو أحاسيس كلية أو إنسانية باعتبار أن الإنسان إن هو إلا مادة في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، ومن ثم فمثل هذه الأحاسيس هي مجرد أحاسيس ميتافيزيقية أو قيم نسبية مرتبطة بالزمان والمكان، وليس لها أية ثبات أو عالمية. وتتبدَّى مادية هذه المنظومة وواحديتها في عدد من المصطلحات التي حققت قدراً من الذيوع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين أخذت المنظومة في التبلور وحينما تحددت معالم المشروع الإمبريالي الغربي والنظرية العرْقية الغربية. ومن أهم هذه المصطلحات، من منظور هذه الدراسة، ما يلي: «المادة البشرية» (بالإنجليزية: هيومان ماتيريال human material) - «الفائض البشري» (بالإنجليزية: هيومان سيربلاس human surplus) - «مادة استعمالية» (بالإنجليزية: يوسفول ماتر useful matter) . فكان يُشار إلى البشر باعتبارهم «مادة بشرية» يمكن توظيفها، أما من لا يمكن توظيفه فكان يُشار إليه باعتباره «مادة بشرية فائضة» (وأحياناً «غير نافعة» ) . وهذه المادة الفائضة كان لابد وأن تُخضع لشكل من أشكال المعالجة، فكانت إما أن تُصدَّر (ترانسفير) أو تُعاد صياغتها أو تُباد إن فشلت معها كل الحلول السابقة. وترد هذه المصطلحات (وغيرها) في كتابات مفكري العنصرية الغربية مثل ماكس نوردو (قبل اعتناقه الصهيونية) وفي الأدبيات النازية (كان أيخمان يشير إلى اليهود المرحلين إلى فلسطين باعتبارهم «من أفضل المواد البيولوجية» ) . وفي الأدبيات الصهيونية (كتاب هرتزل دولة اليهود) . ولنلاحظ أن كل المصطلحات تُضمِر البُعدين الإمبريالي والأداتي، الدارويني والبرجماتي، فالإنسان مادة تُوظَّف، مجرد موضوع، ولكن هناك أيضاً من يُوظِّف، فهو ذات نشطة فعالة. لكن كلاً من الذات الإمبريالية والموضوع الأداتي يدوران في إطار الرؤية المادية الواحدية. فالسوبرمن والسبمن ينتميان إلى عالم وثني حلولي كموني. ولا يزال هذا هو المفهوم السائد للنفس البشرية، رغم تواري المصطلحات التي تُعبِّر عن المفهوم بشكل متبلور. ومع هذا يُفصح النموذج عن نفسه بشكل فاضح، وتعاود المصطلحات الشفافة الظهور. ففي عام 1996 تكشفت فضيحة تخلي حكومة الولايات المتحدة عن بعض عملائها من الفيتناميين ممن تم تجنيدهم ليعملوا كجواسيس لحسابها. وممن قبضت عليهم المقاومة الفيتامينية، إذ أنها بدلاً من أن تحاول العمل على الإفراج عنهم، آثرت الراحة وأعلنت أنهم لاقوا حتفهم حتى يُغلَق ملفهم تماماً ولا تُصدع رأسها. وقد برَّر أحد الجنرالات الأمريكيين موقف حكومته بقوله إن هؤلاء العملاء أصبحوا بعد القبض عليهم مجرد «ممتلكات لا قيمة لها» (بالإنجليزية: أن فايابل أستس unviable assets) ، أي مادة بشرية فائضة لم يعد لها نفع بالنسبة للسوبرمان الذي قام باستخدامها. وهذه هي النواة المعرفية والأخلاقية الأساسية للحضارة الغربية الحديثة. وهي نواة نمت وترعرعت وعبَّرت عن نفسها من خلال ثنائية الإمبريالي والأداتي، والسوبرمان والسبمان، فتزايدت معدلات اليقينية العلمية من ناحية، الأمر الذي أدَّى إلى تَزايُد إحساس الإنسان الغربي بذاته وبقوة إرادته ومقدرته على البطش (خصوصاً بين النخبة الإمبريالية الحاكمة) . كما تزايدت في الوقت نفسه معدلات النسبية المعرفية والأخلاقية، الأمر الذي أدَّى إلى ضمور حس الإنسان الغربي الخُلقي وضمور قدرته على اتخاذ القرار، كما عَمَّقت قابليته للإذعان للقانون الموضوعي العام المجرد (اللاإنساني) كقيمة مطلقة لابد من العمل بمقتضاها والسير بهديها دون تساؤل (خصوصاً بين الجماهير) . وسنورد فيما يلي بعض العناصر التي ساعدت على تعميق هذا الاتجاه العام في الحضارة الغربية. وتجدر ملاحظة أن كثيراً من العناصر التي سنوردها قد يكون لها وجهان أحدهما إمبريالي (بالنسبة للسوبرمن) والآخر أداتي (بالنسبة للسبمن) ، فالوجهان متداخلان، وإن كان هناك من يُوظِّف فلابد أن يوجد من يُوظَّف: 1 ـ تصاعدت معدلات المشيحانية (أو المهدوية) العلمية أو العلموية، أي التبشير بأن التراكم المعرفي العلمي والتقدم التكنولوجي والتنظيم التكنوقراطي الدقيق (المنفصل عن القيمة) سيجعل الإنسان قادراً على التحكم في ذاته وفي واقعه تماماً، وعلى التوصل إلى الحلول النهائية لمشاكله كافة (الاقتصادية والسياسية والفلسفية والنفسية) ، وإلى فرض هذه الحلول النهائية المجردة العلمية الدقيقة (المستمدة من عالم الطبيعة/المادة البسيطة) على الواقع الاجتماعي والإنساني، فيتخلص الإنسان من مشاكله (دفعة واحدة أو تدريجياً) ويستأصل كل ما يقع خارج حدود الحل النهائي أو يعوقه عن التحقق أو يعوق ظهور الإنسان الجديد الكامل (الذي يختلف عن الإنسان كما نعرفه) . فهذا الإنسان الكامل يتحكم في نفسه تماماً، ويبرمجها، أو يمكن برمجته. ومن هنا ظهر الاهتمام بعلوم جديدة مثل تحسين النسل (والهندسة الوراثية) . ومن هنا العداء الشديد للتشوهات الخلقية وللأمراض النفسية، بل فكرة المرض نفسها باعتبارها تعبيراً عن الانحراف عن المعيار الطوباوي النهائي. ولكن حينما يُهيمن هذا المعيار يتم تأسيس الفردوس الأرضي، اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية، دولة النعيم المقيم في الأرض المؤسس على العلم والتكنولوجيا، وتُعلَن نهاية التاريخ والإنسان كما نعرفه. وهذا الحل النهائي سيعفي الإنسان من مسئولية الاختيار الأخلاقي إذ أن كل شيء سيكون مخططاً مبرمجاً، خاضعاً لهندسة اجتماعية صارمة، وتحت السيطرة السياسية والتكنوقراطية الكاملة. ولنا أن نلاحظ أنه سيكون هناك دائماً نخبة من السوبرمن تقرر طبيعة الحل أو البرنامج النهائي ومتى يمكن إعلان نهاية التاريخ وكيفية اتخاذ الإجراءات اللازمة للوصول لتلك اللحظة، وإلى جانب النخبة ستوجد قاعدة عريضة من السبمن يُدْفَع بها دفعاً نحو اليوتوبيا. 2 ـ ظهور أيديولوجيات علمانية شاملة (مثل الماركسية أو الاشتراكية العلمية والفاشية والنازية) ذات طابع مشيحاني قوي وذات رؤية خلاصية تدور حول مطلق علماني مادي شامل، وتنطلق من الإيمان بالعلم والتكنولوجيا والتنظيم. هذا لا يعني أن الأيديولوجيات العلمانية الأخرى ترفض العلم مصدراً وحيداً للوصول إلى المعرفة ولتوليد القيم فهذا هو إطارها المرجعي الوحيد، ولكن ما يحدث مع أيديولوجيات مثل النازية والماركسية (في نزعتها الستالينية) أن منطق العلمانية الشاملة يُعبِّر عن نفسه بشكل كامل يتسم بدرجة عالية من التبلور، خصوصاً حينما يسانده جهاز الدولة المركزية الحديثة. 3 ـ مع تَزايُد معدلات العلمنة الشاملة، لم يَعُد من الممكن تصنيف البشر على أساس ديني (متجاوز للقوانين الطبيعية/المادية) ، فلم يكن ثمة مفر من تصنيفهم على أساس مادي موضوعي طبيعي كامن (حالّ) فيهم، وليس مفارقاً لهم. ولهذا، طُرح الأساس البيولوجي العرْقي أساساً وحيداً وأكيداً لتصنيفهم. وتم المزج بين هذه النظرية شبه العلمية ونظرية أخرى شبه علمية وهي الداروينية الاجتماعية، وكانت الثمرة هي النظرية الغربية في التفاوت بين الأعراق ذات الطابع الدارويني. وتُقسِّم هذه النظرية الجنس البشري بأسره إلى أعراق لكلٍ منها سماته التي يمكن تحديدها علمياً. ومن ثم يمكن تصنيف البشر إلى أعراق راقية عليا: الآريون وبخاصة النورديون، وأعراق دنيا: الزنوج والعرب واليهود. وتَفوُّق العنصر الآري الأبيض على كل الشعوب الأخرى يعطيه حقوقاً مطلقة كثيرة تتجاوز أية منظومات قيمية وأي حديث عن المساواة. وكلمة «آريان Aryan» ، أي «آري» ، مشتقة من اللغة السنسكريتية ومعناها «سيِّد» . وقد استُخدم المصطلح في بداية الأمر للإشارة إلى مجموعة من اللغات الإيرانية ثم الهندية الأوربية، إذ طرح العالم الألماني ماكس مولر (1823 ـ 1900) نظرية مفادها أن هناك جنساً يُسمَّى «آرياس» كان يتحدث اللغة الهندية الأوربية التي تفرعت عنها اللغات الهندية الأوربية الأخرى جميعاً ابتداءً بالهندوستانية وانتهاء بالإنجليزية. كما استُخدم المصطلح للإشارة إلى الشعوب الهندية الأوربية التي انتشرت في جنوب آسيا وشمال الهند في العصور القديمة. وكان جوزيف جوبينو (1816 ـ1882) من أهم المفكرين الذين أشاعوا هذه الفكرة، فكان عادةً ما يضع الآريين مقابل الساميين، وكان ثمة تَرادُف مُفترَض بين الآرية والهيلينية مقابل السامية. وقام المفكرون العرْقيون الغربيون بتطوير المفهوم فذهبوا إلى أن هذا الجنس الآري انتشر من شمال الهند وإيران عبر الإستبس، إلى أوربا، وهو جنس يتسم ـ حسب نظريتهم ـ بالجمال والذكاء والشجاعة وعمق التفكير والمقدرة على التنظيم السياسي، وبأنه المؤسس الحقيقي للحضارة وبتفوقه على الساميين والصفر والسود. ونبه هيوستون ستيوارت تشامبرلين (1855 ـ 1927) إلى أن النورديين هم أرقى الآريين، فهم الجنس السيد، أما اليهود والسود والعرب فيشغلون أدنى درجات السلم العرْقي. بينما ذهب دعاة النظرية العرْقية إلى أن التزاوج بين أعضاء الأجناس المختلفة يؤدي إلى تدهور العرْق الأسمى الذي يجب أن يحتفظ بنفسه قوياً نقياً حتى يضمن لنفسه البقاء والتماسك العضوي. وبطبيعة الحال، صُنِّف أعضاء الأجناس الأدنى باعتبارهم غير نافعين من منظور المطلق العرْقي (الشعب العضوي) لأنهم خطر على تماسك الشعب (أو العرْق) وعلى تجانسه، وعدم التماسك يؤذي المصلحة العليا للدولة لأن التماسك يؤدي إلى زيادة الكفاءة الإنتاجية، وإلى زيادة قوة الدولة في مقدرتها على البقاء والانتشار والهيمنة. 4 ـ مع تَصاعُد معدلات العلمنة ظهرت كذلك فكرة الفولك أو الشعب العضوي الذي تربطه بأرضه وثقافته رابطة عضوية حتمية لا تنفصم عراها، وهنا تحل الرابطة الإثنية محل الرابطة العرْقية، ولكنها لا تختلف عنها في كمونيتها وحتميتها وفي تحولها إلى أساس تأكيد التفاوت بين الشعوب. ويُلاحَظ أن الشعب العضوي باعتباره قيمة مطلقة ومرجعية ذاته يتجاوز كل القيم، ولكن صفة المطلق هنا لا تنسحب على الإنسان باعتباره فرداً قادراً على الاختيار الأخلاقي الحر وإنما على مجموعة من البشر لها سماتها الجماعية ومصالحها المشتركة وحقوقها المطلقة! 5 ـ تزايدت معدلات النسبية المعرفية، فعالم الطبيعة/المادة هو عالم حركي لا ثبات فيه ولا حدود، بحيث أصبح الإنسان يشك في وجود أية حقيقة يقينية. وهذا الشك لا ينصرف إلى الحقيقة وحسب وإنما إلى الموضوع ثم إلى الذات. وقد انتهى الأمر بالفلسفة الغربية إلى إنكار الكليات والميتافيزيقا وظهرت الفلسفة المعادية للفلسفة والميتافيزيقا وأي شكل من أشكال الثبات، بما في ذلك ثبات الطبيعة البشرية. وهي فلسفة النسبية المعرفية الكاملة التي تصل إلى حالة من السيولة الكاملة وتنكر الذات والموضوع والمركز ومفهوم الطبيعة البشرية وإمكانية المعرفة والأخلاق وأي شكل من أشكال المعيارية (ما بعد الحداثة) . ورغم أن النازية تسبق ظهور ما بعد الحداثة بعدة أجيال إلا أن كثيراً من العناصر التي أدَّت إلى ظهور ما بعد الحداثة كانت قد تشكلت وتبلورت وكانت الفلسفة الغربية قد دخلت عصر السيولة. ولعله ليس من قبيل الصدفة أن هايدجر، بنزعته النيتشوية، والذي خرجت ما بعد الحداثة من تحت عباءته، أيَّد النازية بلا تحفظ، وكان النازيون يعتبرونه فيلسوفهم. 6 ـ تَزايُد معدل انفصال الحقائق والعلم الطبيعي عن القيمة، والتجريب عن العقل، بحيث أصبح التجريب، المنفصل عن أية غائيات إنسانية أو أخلاقية، هدفاً في حد ذاته. وترجم هذا نفسه إلى ما يُسمَّى العلم المحايد، المتجرد تماماً من القيمة. ولكن هناك دائماً من يقرر القيمة ونوعية التجارب التي ستُجرى. 7 ـ تعاظمت قوة الدولة المركزية وهيمنتها وتحويلها ذاتها إلى مطلق، ومن ثم أصبح الدفاع عن مصلحة الدولة القومية (ظالمة كانت أم مظلومة) مسألة لا تقبل النقاش ولا تخضع لأية معيارية، والانحراف عن هذا الهدف النهائي المطلق هو الخيانة العظمى وعقوبتها الإعدام. ويُلاحَظ أن مصطلحات مثل «مصلحة الدولة العليا» ليس لها مضمون أخلاقي، وتَقبُّلها يعني تَقبُّل المجردات غير الإنسانية. 8 ـ ظهرت مؤسسات بيروقراطية قوية (حكومية وغير حكومية) تولت كثيراً من الوظائف التي كانت تتولاها الأسرة في الماضي، وتقوم بعملية الاختيار بالنيابة عن الإنسان الفرد الأمر الذي يعني تَزايُد ضمور الحس الخلقي وانكماش ما يُسمَّى «رقعة الحياة الخاصة» . 9 ـ كانت هذه المؤسسات ترى نفسها ذاتاً مطلقةً تُعبِّر عن مصلحة الدولة (التي تُعبِّر عن إرادة الشعب) وقد جعلت جل همها أن تنفِّذ المطلوب منها تنفيذه بأقل التكاليف وأكثر الوسائل كفاءة، دون أخذ أية اعتبارات خُلقية في الاعتبار. 10ـ تزايدت معدلات الترشيد والتنميط والميكنة وهيمنة النماذج الكمية والبيروقراطية على المجتمع بكل ما ينجم عن ذلك من ترشيد للبيئة المادية والاجتماعية وترشيد للإنسان من خارجه وداخله. 11 ـ تَصاعَد نفوذ مؤسسات الدولة المركزية «الأمنية» البرانية والجوانية وزادت مقدرتها على قمع الأفراد وتوجيههم «وإرشادهم» من الداخل والخارج. ورغم أهمية مؤسسات القمع المباشر البراني مثل المخابرات والبوليس السري، إلا أن المؤسسات الأمنية الجوانية، مثل المؤسسات التربوية والإعلام، كانت تفوقها في الأهمية. فإذا كانت المؤسسات البرانية تقوم بتوجيه الفرد بغلظه من الخارج، فالمؤسسات الثانية تقوم بترشيده من الداخل ببطء وبشكل روتيني يومي لا يشعر هو به حتى يصل به الأمر إلى تَمثُّل، ثم استبطان، رؤية الدولة تماماً، فينظر إلى الواقع من خلال عيونها دون حاجة إلى قمع خارجي، ويحيِّد ذاته وحسه الخلقي، ويصبح المجتمع أو الدولة أو العلم الطبيعي المصدَر الوحيد للقيمة المطلقة، وفي نهاية الأمر ينظر إلى نفسه باعتباره جزءاً من آلة كبرى، وتصبح مهمته الأساسية، وربما الوحيدة، هي التكيف البرجماتي مع دوران الآلة. 12 ـ تزايدت معدلات التجريد في المجتمع، ومن المعروف أن عمليتي التجريد والترشيد هما عمليتان متلازمتان، إذ لا يمكن الترشيد دون تجريد، أي نزع الصفات الخاصة عن الشيء والتركيز على الصفات العامة فيه والتي تجمع بينه وبين الأشياء الأخرى حتى يتسنى استيعابه داخل الآلة الاجتماعية. ويؤدي التجريد إلى ابتعاد الواقع الحي بحيث لا يدركه المرء بشكل مباشر متعين له قيمة، إذ يصبح شيئاً له مواصفات محددة يمكن تقسيمه إلى أجزاء يمكن استبدال بعضها، وينطبق هذا على البشر انطباقه على الأشياء. ويرى أورتيجا جاسيت أن عملية التجريد مرتبطة تمام الارتباط بعملية نزع الصبغة الإنسانية (بالإنجليزية: دي هيومانايزيشن dehumanization) . وقد نجحت عمليات التجريد المتزايدة في جعل القيمة الأخلاقية شيئاً بعيداً للغاية لا علاقة له بفعل الإنسان المباشر. ولنضرب مثلاً من صناعة الأسلحة الكيماوية الفتاكة: تُقسَّم عملية إنتاج المبيد البشري إلى عدة وظائف صغيرة، كل وظيفة تُشكِّل حلقة تؤدي إلى ما بعدها وحسب. ولأنها مجرد حلقة، فهي محايدة تماماً ولا معنى لها، إذ لا يوجد أي مضمون خلقي لعملية إضافة محلول لآخر. ومن ثم، تظل النهاية الأخلاقية (حرق البشر وإبادتهم) بعيدة للغاية. والعامل أو الموظف المسئول عن هذه الحلقة سيبذل قصارى جهده في أداء عمله الموكل إليه دون أية أعباء أخلاقية، ومن ثم تستمر الآلة الجهنمية في الدوران من خلال الحلقات والتروس، ولا يتحمل أي شخص مسئولية إبادة البشر، إذ أن مسئولية العامل أو الموظف مسئولية فنية تكنوقراطية وليست مسئولية أخلاقية. 13 ـ ومن المظاهر الأخرى للتجريد في المجتمع الحديث ممارسة العنف عن طريق مؤسسات متخصصة تقوم بتحقيق أهدافها بشكل مؤسسي رشيد (أي مقنن) ومنظم لا دخل فيه للعواطف. وعادةً ما تتم عمليات التعذيب وغيرها من أعمال العنف بعيداً عن الناس في أطراف المدينة، داخل مكاتب أنيقة تم تقسيمها بعناية فائقة. وعادةً ما يتم التعذيب بأساليب علمية بحيث لا يترك أثراً على جسد الضحايا. وإن تم قتلهم فعادةً ما يمكن التخلص من جثثهم بطريقة نظيفة عالية الكفاءة. 14 ـ تظهر عمليتا التجريد والترشيد في استجابة البشر للعنف والإبادة، إذ تحل الحسابات الرشيدة محل الاستجابة التلقائية والعواطف بحيث يمكن للإنسان أن يكبت أية أحاسيس بالشفقة أو الانفعال الغريزي داخله أو الإحساس التلقائي المباشر ويَحل محل ذلك كله قدر عال من الانضباط والتخطيط. ويمكن القول بأن ما تم إنجازه في الحضارة الغربية الحديثة هو القضاء على الشخصية التقليدية ذات الولاء لمطلق خُلقي ثابت يتجاوز عالم المادة والتاريخ (ومن ثم فهي شخصية تعيش في ثنائيات وتعددية) وحلَّت محلها الشخصية الحركية المتغيرة والمتقلبة مع حركة المادة، التي لا ولاء عندها لأية ثوابت أو مطلقات والتي تحررت من أية قيم أو غائية، فهي تعيش في عالم الواحدية المادية المعقم من القيم المتجاوزة. هذه الشخصية يمكن أن تتبدَّى من خلال إمبريالية داروينية مليئة باليقينية العلمية توظِّف الكون (الطبيعة والإنسان) لصالحها، ويمكن لها أن تتبدَّى من خلال إذعان أداتي فتصبح شخصية نمطية تعاقدية برجماتية ذات بُعد واحد، تستبطن تماماً النماذج السائدة في المجتمع والتي تروجها الأجهزة الأمنية للمجتمع وضمن ذلك الإعلام، وهي شخصية نسبية هزيلة مهتزة لا تثق في ذاتها ولا رؤيتها ولا هويتها ولا منظوماتها ولذا يتحدد تَوجُّهها حسب ما يصدر لها من أوامر تأتي لها من عل، ويتحدد ولاؤها استناداً إلى المصلحة المادية المتغيرة التي يتم تعريفها مدنياً وقومياً وعلمياً وموضوعياً (من خلال الجهات المسئولة واللجان المتخصصة والسوبرمن) ومن ثم يمكنها أن تطيع الأوامر البرانية وتنفذ التعليمات بدقة متناهية. وهي شخصية ذات عقل أداتي لا تفكر في الغايات وإنما في الوسائل والإجراءات وحسب، وفي أحسن السبل لإنجاز ما أوكل لها من مهام دون تساؤل عن مضمونها الأخلاقي أو هدفها الإنساني. وحينما ظهرت هذه الشخصية، أصبح من الممكن أن تقرر الدولة وأعضاء النخبة إبادة عناصر غير نافعة في المجتمع (الفائض البشري) أو في وطن آخر أو قارة بأسرها تشكل مجالاً حيوياً للدولة صاحبة القرار. ولم يعد هذا جريمة إذ لا توجد قوانين مطلقة خارجة عن الدولة، أو هي «جريمة قانونية مشروعة» ،إن صح القول، تكتسب مشروعيتها من أن الدولة توافق عليها وتباركها، بل تشجع عليها وتضرب على يد كل من يعارضها أو يحجم عن اقترافها. وهناك على كلٍّ المؤسسات المتخصصة لتنفيذ الجريمة، وهي مؤسسات بيروقراطية منفصلة عن القيمة، تتجاوز الخير والشر، ولا تسأل عن السبب وإنما عن الوسيلة (أي أنها ملتزمة بالترشيد الإجرائي وأخلاقيات الصيرورة) ، والعاملون في مثل هذه المؤسسات لا يتخذون قرار قتل الأطفال، على سبيل المثال، بأنفسهم، ولا ينفذون جريمة القتل بأيديهم فاللجان المتخصصة التي تضم السوبرمن تجتمع على أعلى مستوى وتناقش المسألة بطريقة علمية وبيروقراطية وفي لغة محايدة وتتخذ القرارات في ضوء ما تراه هي الصالح العام. ثم يصدر الأمر في نهاية الأمر، لا بالقتل أو التصفية الجسدية وإنما بالقيام بعمليات «التطهير العرْقي» أو «الحل النهائي» أو خدمة «مصلحة الدولة العليا» . ثم يُقسَّم القرار إلى مئات التفاصيل التي يقوم بها آلاف الموظفين التنفيذيين من الجنود والعمال والفلاحين والمهنيين الذين لن يشعروا بهذا الطفل الذي سيُقتَل في غابات فيتنام أو في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أو في معسكرات الاعتقال النازية. وحتى إذا شعر الإنسان في أعماق أعماقه بلا أخلاقية القرار، فسوف يكون قد تعلم من الآليات ما يجعله قادراً على إسكات حسه الخُلقي. فالإنسان الحديث أصبح بوسعه، بحسه العملي، ومن خلال الحسابات الرشيدة والتسويغ العلمي الموضوعي المحايد الصارم والنسبية الكاملة التي تجعل الأمور متساوية، تبرير أي شيء وقبول أي وضع، فتمكن التضحية بالجزء في سبيل الكل، والأقلية في سبيل الأغلبية، والمرضى في سبيل الأصحاء، والعجزة في سبيل الشباب. ومع سيطرة حب البقاء، باعتبار أن البقاء قيمة مطلقة، فإن الجميع يمكن أن يتعاونوا مع الدولة من قبيل تقليل الخسائر (إذ لا توجد قيم مطلقة أو مرجعية متجاوزة يمكن للفرد أن يؤمن بها ويموت من أجلها ويحاكم البشر والأمم كافة من منظورها) . ثم تتكفل المؤسسات الإعلامية للدولة بتصفية كل ما تبقى من أحاسيس إنسانية أو أخلاقية "متخلفة" تشكل ثنائية لا تريد أن تختفي. وبهذا المعنى يمكن القول بأن الحضارة الغربية الحديثة (في جانب هام من جوانبها) هي تعبير عن التراجع التدريجي والمستمر للفلسفة الإنسانية الهيومانية التي تؤكد استقلالية الإنسان عن الطبيعة/المادة ومقدرته على تجاوزها وعلى تطوير منظومات قيمية ومعرفية تضعه في مركز الكون. هذا التَراجُع يقابله تَصاعُد مستمر ومطرد للحلولية الكمونية المادية (أي الواحدية المادية أو وحدة الوجود المادية أو العلمانية الشاملة) التي تُهمِّش الإنسان ومنظوماته المعرفية والأخلاقية جميعاً وتُسوِّيه بالظواهر الطبيعية وترده إلى عناصره الأولية المادية، أي تقوم بتفكيكه وتذويبه تماماً في الطبيعة/المادة، فتلغيه وتبيده ككائن له قيمة مطلقة، مستقل عن قوانين الحركة الطبيعية/المادية. وقد يكون من المفيد والطريف في الوقت نفسه أن نربط مصطلحي «الإبادة» (بالإنجليزية: إكسترمينيشن extermination) و «التفكيك» (بالإنجليزية: دي كونستراكشن deconstruction) بمجموعة من المصطلحات الأخرى التي استخدمها علم الاجتماع الغربي لوصف بعض الجوانب السلبية للحداثة الغربية، وكلها ت فيد تهميش وتفكيك وتَراجُع وضمور وذبول وغياب الإنساني والأخلاقي لصالح ما هو غير إنساني ومحايد ومتشيئ: 1 ـ «دي سنترينج مان decentering man» أي «إزاحة الإنسان عن المركز» ، بمعنى «إفقاد الإنسان مركزيته في الكون» . 2 ـ «دي برسونالايزيشن depersonalization» أي «إسقاط السمات الشخصية» . 3 ـ «ديس انتشانتمنت أوف ذي ورلد disenchantment of the world» أي «تحرير العالم من سحره وجلاله» ، بمعنى أن يصبح العالم مادة محضة لا أسرار فيها، يمكن للعقل الإحاطة بها ومعرفة قوانينها والتحكم فيها. 4 ـ «دي سانكتيفيكيشن desanctification» أو «دي ساكرالايزيشن desacralization» أي «نزع القداسة عن الظواهر كافة [ومنها الإنسان] بحيث تصبح لا حرمة لها وينظر لها نظرة مادية لا علاقة لها بما وراء الطبيعة» . 5 ـ «دي ميستفيكيشن demystification» أي «نزع السر عن الظواهر [بما في ذلك الإنسان] » . 6 ـ «دي نيودينج denuding» أي «تعرية كل الظواهر من أية مثاليات [ومنها الإنسان] حتى تظهر على حقيقتها المادية» . 7 ـ «دي هيومانايزيشن dehumanization» أي «تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية» . وهكذا تبدأ عملية العلمنة الشاملة (بعد المرحلة الإنسانية الهيومانية الأولى) بإزاحة الإنسان عن المركز ثم نزع الجوانب الشخصية عنه بحيث يصبح شيئاً ليست له خصوصية أو تفرُّد. ثم «يُحرَّر» العالم من سحره وجماله فيصبح الإنسان والطبيعة مادة محضة، ثم تنزع عنه كل قداسة وتُهتَك كل أسراره، ويُعرَّى من أية مثاليات لنصل إلى نوع من أنواع الإباحية الأخلاقية المعرفية إذ يصبح الإنسان لحماً يُوظَّف في مزارع البيض في الجنوب الأمريكي أو مصانع الرأسماليين في لندن أو يُرسل إلى معسكرات السخرة والإبادة في ألمانيا أو يُصوَّر في مجلات إباحية في كل أو أي مكان. والمحصلة النهائية لكل هذا هي نزع الصفة الإنسانية عن الإنسان وتحويله إلى مادة محضة، قابلة للحوسلة. وهذه هي قمة العلمنة الشاملة والتفكيك الكامل. ونحن نربط كل هذه المصطلحات وغيرها بمصطلح «نهاية التاريخ» باعتبار أن نهاية التاريخ هي النقطة التي يتم التحكم فيها في كل شيء وينتهي الإنسان كما نعرفه، أي الإنسان الذي يشغل مركز الكون متجاوزاً النظام الطبيعي. ونحن لا نزعم أن الرؤية الواحدية المادية تؤدي حتماً وبشكل مطلق إلى الإبادة والتفكيكية. كل ما نؤكده أن مثل هذه الرؤية تخلق التربة الخصبة لانتشار الآراء النفعية الداروينية المادية التي تترعرع فيها الاتجاهات والأفكار الإبادية والتفكيكية وتتحقق. الآريون Aryans انظر: «الإبادة وتفكيك الإنسان كإمكانية كامنة في الحضارة الغربية الحديثة» . تحول الإمكانية الإبادية إلى حقيقة تاريخية Historical Realization of the Genocidal Potential هذه القابلية أو الإمكانية الكامنة للإبادة، ولتفكيك الإنسان لعناصره المادية الأساسية لاستخدامها على أكمل وجه، تحققت أول ما تحققت بشكل جزئي وتدريجي في التجربة الاستعمارية الغربية بشقيها الاستيطاني والإمبريالي. فقد خرجت جيوش الدول الغربية الإمبريالية تحمل أسلحة الدمار والفتك والإبادة، وحَوَّل الإنسان الغربي نفسه إلى سوبرمان له حقوق مطلقة تتجاوز الخير والشر، ومن أهمها حق الاستيلاء على العالم وتحويله إلى مجال حيوي لحركته ونشاطه وتحويل العالم بأسره إلى مادة خام، طبيعية أو بشرية. فاعتُبرت شعوب آسيا وأفريقيا (الصفراء والسوداء المتخلفة) مجرد سبمن، مادة بشرية تُوظَّف في خدمته، كما اعتُبر العالم مجرد مادة طبيعية تُوظَّف في خدمة دول أوربا وشعوبها البيضاء المتقدمة، واعتُبرت الكرة الأرضية مجرد مجال حيوي له يصدِّر له مشاكله. بل لم تفرق الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الشاملة في نهاية الأمر بين شعوب آسيا وأفريقيا وشعوب العالم الغربي، فالجميع مادة بشرية، نافعة أو غير نافعة، ضرورية أو فائضة. فكان العمال يُنظر لهم باعتبارهم مادة بشرية نافعة، ومصدراً لفائض القيمة، أما المتعطلون فهم مادة بشرية فائضة. وصُنِّف المجرمون (وفي مرحلة أخرى، المعوقون والمسنون) مادةً بشريةً غير نافعة. وهذه المادة يجب أن «تُعالج» ، وكانت الوسيلة الأساسية للمعالجة هي تصدير المادة البشرية الفائضة إلى مكان آخر لتحويلها إلى مادة نافعة إن أمكن (مع عدم استبعاد «الحلول الأخرى» إن استلزم الأمر) . وكانت أولى عمليات " المعالجة " هي نقل الساخطين سياسياً ودينياً (البيوريتان) إلى أمريكا، والمجرمين والفاشلين في تحقيق الحراك الاجتماعي في أوطانهم إلى أمريكا وأستراليا. وتبعتها عمليات ترانسفير أخرى تهدف جميعاً إلى تحقيق صالح الإنسان الغربي: ـ نقْل سكان أفريقيا إلى الأمريكتين لتحويلهم إلى مادة استعمالية رخيصة. ـ نقْل جيوش أوربا إلى كل أنحاء العالم، وذلك للهيمنة عليها وتحويلها إلى مادة بشرية وطبيعية تُوظَّف لصالح الغرب. ـ نقْل الفائض البشري من أوربا إلى جيوب استيطانية غربية في كل أنحاء العالم، لتكون ركائز للجيوش الغربية والحضارة الغربية (فيما يُعَد أكبر حركة هجرة في التاريخ) . ـ نقْل كثير من أعضاء الأقليات إلى بلاد أخرى (الصينيين إلى ماليزيا ـ الهنود إلى عدة أماكن ـ اليهود إلى الأرجنتين) كشكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني، إذ أن هذه الأقليات تشكل جيوباً استيطانية داخل البلاد التي تستقر فيها. ـ نقْل كثير من العناصر المقاتلة من آسيا وأفريقيا وتحويلهم إلى جنود مرتزقة في الجيوش الغربية الاستعمارية، مثل الهنود (خصوصاً السيخ) في الجيوش البريطانية. وفي الحرب العالمية الأولى، تم تهجير 132 ألفاً من مختلف أقطار المغرب لسد الفراغ الناجم عن تجنيد الفرنسيين، بالإضافة إلى تجنيد بعضهم مباشرةً للقتال (وهذه هي أول «هجرة» لسكان المغرب العربي، وقد استمرت بعد ذلك تلقائياً) . ـ مع ظهور فكر حركة الاستنارة في الغرب تم تعريف الناس حسب نفعهم للمجتمع والدولة وقد طُبِّق هذا المعيار على كل المواطنين وبخاصة أعضاء الأقليات. فتم تقسيم اليهود في كثير من البلاد الغربية ـ كما أسلفنا ـ بحيث أصبح غير النافعين قابلين للترحيل. ـ في هذا الإطار المعرفي الترانسفيري، تمت عملية الاستيطان الصهيونية التي هي في جوهرها تصدير لإحدى مشاكل أوربا الاجتماعية (المسألة اليهودية) إلى الشرق. فيهود أوربا هم مجرد مادة (فائض بشري لا نفع له داخل أوربا يمكن توظيفه في خدمتها في فلسطين) ، والعرب أيضاً مادة (كتلة بشرية تقف ضد هذه المصالح الغربية) ، وفلسطين كذلك مادة، فهي ليست وطناً وإنما هي جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة تُطلَق عليه كلمة «الأرض» . فتم نقل العرب من فلسطين ونُقل اليهود إليها، وتمت إعادة صياغة كل شيء بما يتلاءم مع مصالح الإنسان الغربي. ـ تمت عمليات ترانسفير ضخمة بعد الحرب العالمية الأولى، فنُقل سكان يونانيون من تركيا إلى اليونان، وسكان أتراك من اليونان إلى تركيا، كما نُقل سكان ألمان من بروسيا الشرقية بعد ضمها إلى بولندا. وهذه العمليات هي التي أوحت لهتلر بعمليات نقل اليهود خارج الرايخ. بل إنه في السنين الأخيرة من حكم الرايخ طوَّر هملر جنرال بلان أوست Generalplan Ost لنقل 31 مليوناً «غير ألمان» من أوربا الشرقية وتوطين ألمان بدلاً منهم. وما يهمنا في هذا كله هو نزع القداسة عن البشر كافة (في الشرق والغرب) وتحويلهم إلى مادة استعمالية ليست لها قيمة مطلقة، ولا علاقة لها بأية معيارية. ولكن لنركز على التجربة الاستيطانية الغربية في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في أمريكا الشمالية، وهي تجربة كانت تفترض ضرورة إبادة تلك العناصر البشرية الثابتة التي كانت تقف عقبة كأداء في طريق الإنسان الغربي وتحقيق مشروعه الإمبريالي. وقد قبلت الجماهير الأوربية عملية الإبادة الإمبريالية وساهمت فيها بحماس شديد، لأن هذه العملية كانت تخدم مصالحها، كما أوهمتها الدول الإمبريالية ذات القبضة الحديدية في الداخل والخارج. وتُعدُّ العقيدة البيوريتانية (أو التطهرية) ، عقيدة المستوطنين البيض في أمريكا الشمالية، هي أولى الأيديولوجيات الإمبريالية الإبادية التي كانت تغطيها ديباجات دينية كثيفة. فكان هؤلاء المتطهرون يشيرون إلى هذا الوطن الجديد باعتباره «صهيون الجديدة» أو «الأرض العذراء» فهي «أرض بلا شعب» . وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم باعتبارهم «عبرانيين» ، وللسكان الأصليين باعتبارهم «كنعانيين» أو «عماليق» (وكلها مصطلحات توراتية إبادية، استخدمها معظم المستوطنين البيض فيما بعد في كل أرجاء العالم متجاهلين تماماً القيم المسيحية المطلقة مثل المحبة والإخاء) . وكان كل هذا يعني في واقع الأمر إبادة السكان الأصليين حتى يمكن للمستوطنين البيض الاستقرار في الأرض الخالية الجديدة! وقد تم إنجاز هذا من خلال القتل المباشر، أو نقل الأمراض المختلفة (كأن تُترَك أغطية مصابة بالجدري كي يأخذها الهنود فينتشر الوباء بينهم ويتم إبادتهم تماماً) . وكانت الحكومة البريطانية في عصر الملك جورج الثالث تعطي مكافأة مالية لكل من يحضر فروة رأس هندي قرينة على قتله. واستمرت هذه التقاليد الغربية الإبادية بعد استقلال أمريكا، بل تصاعدت بعد عام 1830 حين أصدر الرئيس جاكسون قانون ترحيل الهنود، والذي تم بمقتضاه تجميع خمسين ألفاً من هنود الشيروكي من جورجيا وترحيلهم (ترانسفير) أثناء فصل الشتاء سيراً على الأقدام إلى معسكر اعتقال خُصِّص لهم في أوكلاهوما. وقد مات أغلبهم في الطريق (وهذا شكل من أشكال الإبادة عن طريق التهجير [ترانسفير] ، فهو شكلاً ترانسفير من مكان لآخر ولكنه فعلاً ترانسفير من هذا العالم للعالم الآخر) . ووصلت العملية الإبادية إلى قمتها في معركة ونديد ني Wounded Knee (الركبة الجريحة) عام 1890. وكانت الثمرة النهائية لعمليات الإبادة هذه أنه لم يبق سوى نصف مليون من مجموع السكان الأصليين الذي كان يُقدر بنحو 6.5مليون عام 1500 لدى وصول الإنسان الأبيض، أي أنه تمت إبادة ستة مليون مواطن أصلي (وهو رقم سحري لا يذكره أحد هذه الأيام) ، إذا لم نحسب نسبة التزايد الطبيعي (يُقدر البعض أن العدد الفعلي الذي تم إبادته منذ القرن السادس عشر حتى بداية القرن العشرين قد يصل إلى عشرات الملايين) . وقد تكرر نفس النمط في أستراليا التي كان يبلغ عدد سكانها الأصليين 2 مليون عند استيطان البيض للقارة في عام 1788 لم يبق منهم سوى 300 ألف. ولا تزال عملية إبادة السكان الأصليين مستمرة في البرازيل وأماكن أخرى (وإن كان بشكل أقل منهجية وخارج نطاق الدولة) . وترتبط بالتجربة الاستيطانية في أمريكا الشمالية عمليات نقل ملايين الأفارقة السود للأمريكتين لتحويلهم إلى عمالة رخيصة. وقد تم نقل عشرة ملايين تقريباً، ومع هذا يجب أن نتذكر أن كل أسير كان يقابله بوجه عام عشرة أموات كانوا يلقون حتفهم إما من خلال أسباب «طبيعية» بسبب الإنهاك والإرهاق وسوء الأحوال الصحية أو من خلال إلقائهم في البحر لإصابتهم بالمرض. وكانت أعمال السخرة الاستعمارية في أفريقيا ذاتها لا تقل قسوة. ففي كتابه رحلة إلى الكونغو (1927) ، يُبيِّن أندريه جيد كيف أن بناء السكة الحديد بين برازفيل والبوانت السوداء (مساحة طولها 140 كيلو متر) احتاجت إلى سبعة عشر ألف جثة. ويمكن أن نتذكر أيضاً حفر قنال السويس بنفس الطريقة وتحت نفس الظروف وبنفس التكلفة البشرية. وقد ورد في إحدى الدراسات أن عدد المواطنين الأوربيين الذين لهم علاقة بعمليات التطهير العرْقي والإبادة داخل أوربا (إما كضحايا أو كجزارين) يصل إلى مائة مليون، فإذا أضفنا إلى هذا عدد المتورطين في عمليات القمع والإبادة الاستعمارية في الكونغو وفلسطين والجزائر وفيتنام وغيرها من البلدان فإن العدد حتماً سوف يتضاعف. ولكن الإمكانية الإبادية الكامنة التي تحققت بشكل غير متبلور وجزئي في التجربة الإمبريالية والاستيطانية الغربية، تحققت بشكل نماذجي كامل في الإبادة النازية أو في «اللحظة النازية النماذجية» في الحضارة الغربية، أي اللحظة التي تبلور فيها النموذج وأفصح عن نفسه بشكل متبلور فاضح، دون زخارف أو ديباجات (ولذا أذهلت الجميع، وضمنهم المدافعون عن النموذج في صوره الأقل تبلوراً وأكثر اعتدالاً) . وكان النازيون يُدركون تمام الإدراك أن نظامهم النازي وممارساته الإبادية هما ثمرة طبيعية للتشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي الحديث. وقد بيَّن كاتبو سيرة حياة هتلر أن أولى تجارب الإنسان الغربي الاستعمارية الاستيطانية، أي تجربته في أمريكا الشمالية، كانت تجربة مثالية أوحت له بكثير من أفكاره التي وضعها موضع التنفيذ فيما بعد. وكما يقول المؤرخ جون تولاند إن هتلر، في أحاديثه الخاصة مع أعضاء الحلقة المقرَّبة إليه، كثيراً ما كان يعبِّر عن إعجابه بالمستوطنين الأمريكيين وطريقة " معالجتهم " لقضية الهنود الحمر. فقد قاموا بمحاولة ترويضهم عن طريق الأسر، أما هؤلاء الذين رفضوا الرضوخ فكان يتم إبادتهم من خلال "التجويع أو القتال غير المتكافئ ". ويقول يواقيم فست إن حروب هتلر القارية المستمرة كانت محاكاة للنموذج الاستعماري الغربي في أمريكا الشمالية. وبالفعل صرح هتلر في إحدى خطبه بأنه حين قام كورتيز وبيزارو (وهما من أوائل القواد الاستعماريين الإسبان) بغزو أمريكا الوسطى والولايات الشمالية من أمريكا الجنوبية، فهم لم يفعلوا ذلك انطلاقاً من أي سند قانوني وإنما من الإحساس الداخلي المطلق بالتفوق. فاستيطان الإنسان الأبيض لأمريكا الشمالية، كما أكد هتلر، لم يكن له أي سند ديموقراطي أو دولي، وإنما كان ينبع من الإيمان بتفوق الجنس الأبيض. ولذا في مجال تبريره للحرب الشرسة التي شنها على شرق أوربا قال هتلر: " إن هناك واجباً واحداً: أن نؤلمن هذه البلاد من خلال هجرة الألمان الاستيطانية وأن ننظر إلى السكان الأصليين باعتبارهم هنوداً حمراً ". وأكد هتلر أن الحرب التي تخوضها ألمانيا ضد عناصر المقاومة في شرق أوربا لا تختلف كثيراً عن كفاح البيض في أمريكا الشمالية ضد الهنود الحمر. ومن هنا كان هتلر يشير إلى أوربا الشرقية باعتبارها "أرضاً عذراء" و"صحراء مهجورة " ("أرض بلا شعب" في المصطلح الصهيوني) . وقد بيَّن ألفريد روزنبرج، أثناء محاكمته في نورمبرج، هذه العلاقة العضوية بين العنصرية النازية والمشروع الغربي الإمبريالي، فأشار مثلاً إلى أنه تعرَّف لأول مرة على مصطلح «الإنسان الأعلى» (السوبرمان) في كتاب عن الاستعماري الإنجليزي كتشنر، وأن مصطلح «الجنس المتفوق» أو «الجنس السيد» مأخوذ من كتابات العالم الأمريكي الأنثروبولوجي ماديسون جرانت والعالم الفرنسي لابوج، وأن رؤيته العرْقية هي نتيجة أربعمائة عام من البحوث العلمية الغربية، فالنازية - كما أكد روزنبرج لمحاكميه - جزء من الحضارة الغربية. ولعل أكبر دليل على أن الإبادة إمكانية كامنة، تضرب بجذورها في الحضارة الغربية الحديثة، أنها لم تكن مقصورة على النازيين وإنما تشكل مرجعية فكر وسلوك الحلفاء، أعداء النازيين الذين قاموا بمحاكمتهم بعد الحرب! فإرنست همنجواي، الكاتب الأمريكي، كان يُطالب بتعقيم الألمان بشكل جماعي للقضاء على العنصر الألماني. وفي عام 1940 قال تشرشل إنه ينوي تجويع ألمانيا وتدمير المدن الألمانية وحرقها وحرق غاباتها. وقد عبَّر كاتب يُسمَّى كليفتون فاديمان عن هذا الموقف الإبادي بشكل متبلور. ولم يكن فاديمان هذا شخصية ثانوية في المؤسسة الثقافية الأمريكية فقد كان محرر مجلة النيو يوركر (وهي من أهم المجلات الأمريكية) ورئيس إحدى الوكالات الأدبية التي أنشأتها الحكومة الأمريكية إبَّان الحرب بغرض الحرب النفسية. وقد شن حملة كراهية ضارية ضد الألمان (تشبه في كثير من الوجوه الحملة التي شنها الغرب ضد العرب في الستينيات والتي يشنها ضد المسلمين والإسلام في الوقت الحاضر) وجعل الهدف منها "إضرام الكراهية لا ضد القيادة النازية وحسب، وإنما ضد الألمان ككل ... فالطريقة الوحيدة لأن يفهم الألمان ما نقول هو قتلهم ... فالعدوان النازي لا تقوم به عصابة صغيرة ... وإنما هو التعبير النهائي عن أعمق غرائز الشعب الألماني، فهتلر هو تَجسُّد لقوى أكبر منه، والهرطقة التي ينادي بها هتلر عمرها 2000 عام". ومثل هذا الحديث لا يختلف كثيراً عن الحديث عن عبء الرجل الأبيض وعن الخطر الإسلامي ومن قبله الخطر الأصفر. وقد اشترك بعض الزعماء والكُتَّاب اليهود في هذه الحملة، فصرح فلاديمير جابوتنسكي عام 1934 بأن مصلحة اليهود تتطلب الإبادة النهائية لألمانيا، «فالشعب الألماني بأسره يُشكِّل تهديداً لنا» . ولكن يمكن القول بأن كتاب الكاتب الأمريكي اليهودي تيودور كاوفمان بعنوان لابد من إبادة ألمانيا هو من أهم الكتب المحرضة على الإبادة، وقد استفادت منه آلة الدعاية النازية وبيَّنت أبعاد المؤامرة الإبادية ضد الألمان، وهو ما شكَّل تبريراً لفكرة الإبادة النازية نفسها. وقد ورد في هذا الكتاب أن كل الألمان، مهما كان توجههم السياسي (حتى لو كانوا معادين للنازية، أو شيوعيين، أو حتى محبين لليهود) لا يستحقون الحياة، ولذا لابد من تجنيد آلاف الأطباء بعد الحرب ليقوموا بتعقيمهم حتى يتسنى إبادة الجنس الألماني تماماً خلال ستين عاماً! وكان هناك حديث متواتر عن ضرورة «هدم ألمانيا» ، وعن «تحويل ألمانيا إلى بلد رعوية» (بالإنجليزية: باستوراليزيشن patsoralization) ، أي هدم كل صناعاتها ومؤسساتها الحديثة (كما حدث لمحمد علي) . ونجحت غارات الحلفاء على المدن الألمانية في إبادة مئات الألوف من المدنيين (من الرجال والأطفال والنساء والعجائز) وتحطيم كل أشكال الحضارة والحياة. وقد بلغ عدد ضحايا الغارات على مدينة درسدن الألمانية وحدها 200 ألف قتيل. كما استمرت النزعة الإبادية بعد الحرب، فقامت قوات الحلفاء بوضع مئات الألوف من الجنود الألمان في معسكرات اعتقال وتم إهمالهم عن عمد، فتم تصنيفهم على أساس أنهم DEFS وهي اختصار عبارة «ديس آرميد إنيمي فورسيز disarmed enemy forces» أي «قوات معادية تم نزع سلاحها» بدلاً من تصنيفهم «أسرى حرب» . وإعادة التصنيف هذه كانت تعني في واقع الأمر حرمانهم من المعاملة الإنسانية التي تنص عليها اتفاقيات جنيف الخاصة بأسرى الحرب، وبالفعل قضى 793.239 جندي ألماني نحبهم في معسكرات الاعتقال الأمريكية عام 1945،كما قضى 167 ألف نحبهم في معسكرات الاعتقال الفرنسية نتيجةً للجوع والمرض والأحوال الصحية السيئة (حسبما جاء في دراسة لجيمس باك James Bacque) ، وفي الوقت ذاته كان يوجد 13.5 مليون طرد طعام في مخازن الصليب الأحمر، تعمدت سلطات الحلفاء عدم توزيعها عليهم. ولم تقتصر الإبادة على التصفية الجسدية بل كانت هناك إبادة ثقافية، فقد قام الحلفاء بما سُمِّي «عملية نزع الصبغة النازية عن ألمانيا» (بالإنجليزية: دي نازيفيكيشن denazification) للقضاء على النازيين في الحياة العامة، فأُقيمت 545 محكمة دائمة على الأقل يتبعها طاقم من الفنيين والسكرتارية عددهم اثنان وعشرون ألفاً. وقام الأمريكيون بتغطية ثلاثة عشر مليون حالة (أي معظم الذكور الألمان البالغين) ، وتم توجيه الاتهام إلى ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف، أُجريت لهم محاكمات عاجلة. وأدين تسعمائة وثلاثون ألفاً منهم، وصدرت أحكام بشأنهم من بينها 169.282حكماً بتهمة ارتكاب جرائم نازية لا مجرد التعاون مع النظام النازي. وأصدر البريطانيون 22.296 حكماً والفرنسيون 17.353 حكماً، والروس ثمانية عشر ألف حكم. وبحلول عام 1945، كان قد تم طرد 141 ألف ألماني من وظائفهم، من بينهم معظم المدرسين في منطقة الاحتلال الأمريكية، وزُج بعدد أكبر من هؤلاء في السجن. وتظهر نفس النزعة الإبادية في استجابة الحلفاء لليابان، فقبل اكتشاف القنبلة الذرية، كان الجنرال الأمريكي كورتيس لي ماي يقوم بتحطيم مدن اليابان الواحدة تلو الأخرى بشكل منهجي لم يسبق له مثيل في التاريخ. فخلال عشرة أيام في مارس 1945، قامت الطائرات الأمريكية بطلعات جوية بلغ عددها 11.600، تم خلالها إغراق 32 ميل مربع من أكبر أربع مدن يابانية بالقنابل، وهو ما أدَّى إلى محو هذه المساحات وكل ما عليها من الوجود وتسببت في مقتل150.000. أما الغارات الجوية على طوكيو يوم 25 مايو 1945، فتسببت في اندلاع عاصفة نارية ضخمة حتى أن قائدي الطائرات المقاتلة كانوا يشمون رائحة لحم البشر المحترق وهم على ارتفاع آلاف الأقدام. وأدَّت هذه الغارات إلى مقتل الآلاف وتشريد مليون شخص على الأقل. وكانت عملية الإبادة من الشمول لدرجة أن الجنرال جروفز المسئول عن مشروع مانهاتن لإنتاج القنبلة النووية كان «يخشى» ألا يجد أي هدف سليم يمكن أن يُلقي عليه بقنابله ويدمره. ورغم أن الولايات المتحدة كانت تعرف أن اليابانيين كانوا قد بدأوا يفكرون بشكل جاد في إنهاء الحرب، فقد رأى الجنرال جروفز ضرورة استخدام القنبلة مهما كان الأمر (بعد أن تم إنفاق 2 بليون دولار في تطويرها وهو ما يُعادل 26 بليون دولار بحسابات اليوم) . كما أن ترومان كان يشعر بعدم الثقة في نفسه أمام تشرشل وستالين، ولذا كان يود أن يذهب للاجتماع بهم وهو في موقع قوة، خصوصاً وأن الدب الروسي كان قد بدأ في التضخم. ومن ثم، كان لابد من إلقاء القنبلة الذرية بغض النظر عن عدد الضحايا أو حجم التدمير. وكان الجنرال جروفز «محظوظاً» (كما تقول بعض الدراسات) إذ وجد ضالته المنشودة في هيروشيما التي كان يقطنها 280 ألف نسمة ووجد أنها محاطة بتلال يمكن أن تُحوِّل المدينة إلى جهنم حقيقية بعد الانفجار إذ أنها ستركز الحرارة. وبالفعل قُتل فور وقوع الانفجار 70 ألف مدني ومات 130 ألف آخرون بعد عدة شهور متأثرين بحروقهم من الإشعاع. وكأن هيروشيما لم تكن كافية، فأُلقيت قنبلة أخرى على ناجازاكي، أدَّت هي الأخرى إلى مقتل 70 ألف آخرين، غير مئات الألوف الآخرىن الذين لقوا مصرعهم فيما بعد. فما بين ألمانيا واليابان تم إبادة وإصابة حوالي مليوني شخص معظمهم من المدنيين. كما يجب أن نتذكر عمليات الإبادة التي قام بها النظام الستاليني ضد الشعوب الإسلامية في الخانات التركية (التي أصبحت الجمهوريات السوفيتية الإسلامية) . وكان عدد شعب التتار وحده يساوي عدد سكان روسيا، أما الآن فهو لا يُكوِّن سوى نسبة مئوية ضئيلة، ومصيره بهذا لا يختلف كثيراً عن مصير السكان الأصليين في أستراليا وأمريكا الشمالية. وقد استمر النظام الستاليني في عمليات الإبادة المنهجية والمنظمة لأعدائه الطبقيين مثل الكولاك الذين قاوموا تحويل مزارعهم إلى مزارع جماعية، بل تم إبادة كثير من أعضاء الحزب الشيوعي ممن عارضوا الديكتاتور. وكانت الإبادة تأخذ أشكالاً مختلفة مثل الإعدام والعمل في معسكرات السخرة. وقد بلغ عدد الضحايا 20 مليون مات منهم 12 مليون على الأقل في معسكرات الجولاج: هذا حسب التقديرات المحافظة، أما أعداء النظام الستاليني فيقولون إن عدد الضحايا بلغ 50 مليوناً! وبعد حوالي نصف قرن لا تزال عمليات الإبادة والتطهير العرْقي على قدم وساق في البوسنة والهرسك والشيشان ولا تزال بعض الدول الغربية تراقب هذا بحياد غير عادي. إبادة الآخر إذن آلية أساسية استخدمها التشكيل الحضاري الإمبريالي الغربي في تحقيق رؤيته ومثالياته الداروينية، ومع هذا تظل الإبادة النازية لليهود لها مركزية خاصة، فكيف نفسِّر هذا؟ تعود هذه المركزية، فيما أعتقد، إلى حداثة الإبادة النازية ومنهجيتها، الأمر الذي جعلها تقض مضجع الإنسان الغربي، فمشروعه الحضاري يستند إلى العلم المتجرد من القيمة وعبقرية حضارته تكمن في الترشيد المتزايد. كما أن الإبادة الاستعمارية كانت تتم دائماً "هناك" بعيداً عن أوربا، في آسيا وأفريقيا، أما الإبادة النازية فتمت «هنا» على أرض الحضارة الغربية، وعلى بُعد أمتار من منازل المواطنين العاديين. كما أن العناصر التي أُبيدت لم تكن داكنة اللون أو صفراء، وإنما «مثلنا تماماً» . وأخيراً يشغل اليهود مكانة خاصة في الوجدان الغربي الديني والحضاري، فاليهودي يقف دائماً على الهامش، موضع تقديس وكُره عميقين، وحينما صرعته الإبادة النازية تنبه الإنسان الغربي إلى الإمكانية الكامنة، التي تقف فاغرة فاهها، في قلب حضارته الحديثة. السياق الحضاري الألماني للإبادة German Cultural Context of the Extermination تناولنا في المدخل السابق الإطار الحضاري الغربي العام للإبادة، ويمكننا الآن أن نترك المنظور العام لنركز على حالة محددة وهي الإبادة الألمانية النازية ليهود أوربا. ويمكن القول بأن المنظومة المعرفية العلمانية الإمبريالية اكتسبت حدةً خاصة في ألمانيا لأسباب عديدة من بينها تقاليد وحدة الوجود (الحلولية الكمونية) القوية التي تعود إلى جيكوب بومه والمعلم إيكهارت، وهي تقاليد ورثتها الفلسفة المثالية الألمانية وعمّقتها ووصلت إلى ذروتها في فلسفة فخته الذي جعل من الذات مركز الكون وتصورها قادرة على خلق العالم. ولكن فخته في الوقت نفسه طالب بالقضاء على الفرد (الشخص الإمبريقي) وكان يحلم «بجمهورية الألمان» التي يُجنَّد كل ذكر فيها من سن العشرين حتى موته، فهي جمهورية جنود لا مواطنين. وقد ربطت الفلسفة الألمانية المثالية الإنسان الفرد بالمطلق الذي يمكن أن يتجسد في الفرد، كما يمكن للفرد أن يذوب فيه. وحتى يصل الفرد إلى المطلق أُعيد تعريف العقل وتم توسيع نطاقه ولم تَعُد هناك حدود تفصل بين عقل الفرد والعقل المطلق، ففقد العقل هويته وأصبح لاعقلانياً. وقد وصلت الحلولية الألمانية إلى قمتها في منظومة هيجل الشاملة التي تساوي بين المقدَّس والزمني، ثم يبلغ الحلول منتهاه في فلسفة نيتشه وفلسفات الحياة. في هذا الإطار تم تعيين "مطلقات" مختلفة تكون هي موضع الحلول والكمون. وكان أول المطلقات هو الشعب الألماني العضوي (فولك) موضع الحلول والكمون، وصاحب الرسالة. وقد وُلدت القومية الألمانية في أتون الحروب وتحت شعار الوحدة والمركزية، وصاحب ذلك تعميق مفهوم الشعب العضوي، والإصرار على الانتماء الكامل غير المشروط مقياساً وحيداً للولاء، وطُرح شعار «ألمانيا فوق الجميع» الذي تبناه أعضاء الشعب الألماني، وبُذلت المحاولات لإعادة صياغة الشخصية الألمانية لضمان ولائها للدولة المطلقة. وقد بلغت سطوة هذا المفهوم حداً جعلته يبتلع المنظومة الدينية نفسها، فاختلطت الديباجات الدينية بالقيم القومية بحيث تطلب الانتماء للشعب العضوي الألماني الانتماء إلى المسيحية البروتستانتية. ولكن مما يجدر ذكره أن هذه البروتستانتية كانت بروتستانتية ثقافية أو إثنية ( «عقيدة أبائنا» ) تركز على المشاعر الدينية دون العقيدة الدينية، ولذا كان بوسعها أن تتصالح ببساطة مع النيتشوية والداروينية (يشير المفكر البروتستانتي الألماني بول تيليخ إلى نيتشه باعتباره مفكراً بروتستانتياً كبيراً) . وقد نتج عن ذلك تَنصُّر أعداد هائلة من يهود ألمانيا حتى يندمجوا " ثقافياً " في مجتمعهم الألماني. ووصلت نسبة هؤلاء أحياناً إلى ما يزيد عن 50% من مجموع يهود برلين (الذين كانوا يشكلون معظم يهود ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر) . ولكن في إطار مفهوم الشعب العضوي يصبح مثل هذا التنصر عملية "تسلل" و"تآمر"، فصفات الشعب العضوي صفات موروثة تجري في العروق وفي أرض الأجداد. وبالفعل لوحظ تصاعد معدلات العداء لليهود في الفكر الألماني العلماني. فكتب ولهلم مار (1818 ـ 1904) كتابه المهم انتصار اليهودية على الألمانية: من منظور غير ديني (1862) . كما نشر فاجنر وبول أنطون دي لاجارد وهنريش فون تراتيشكة كتاباتهم المعادية لليهود. ثم نأتي لأهم المفاهيم في الحلولية الكمونية المادية وهو مفهوم الدولة، التي تشغل مكاناً خاصاً في التفكير الرومانسي الألماني. وكما تم ربط الفرد بالمطلق، ثم ربط مفهوم الحرية بالدولة، بحيث لا تتحقق الحرية إلا من خلال الدولة (ومن هنا جنود فخته الأحرار!) . ويصل هذا الاتجاه إلى ذروته (أو هوته) في فلسفة هيجل حيث تصبح الدولة هي المطلق، بل تجسيداً له، وهي الإطار السياسي الذي يمكن للشعب العضوي أن يُعبِّر عن نفسه من خلاله. إن الدولة أصبحت هي المطلق مجازياً وحرفياً ولذا طالب هيجل الإنسان بأن يعبد الدولة كما لو كانت إلهاً سماوياً، وهذه هي قمة الحلولية الوثنية (التي ستُعبِّر عن نفسها بشكل سوقي من خلال النازية والصهيونية فيما بعد) . وقد تزامن هذا مع تزايد النزعة التاريخانية (تحت تأثير هيجل وغيره) بحيث لم يعد من الممكن أن يسأل الإنسان هل هذا الفعل خيِّر أم شرير، إذ أصبح السؤال الوحيد الممكن هو: هل يتفق هذا مع اللحظة التاريخية أو لا؟ كما انتشرت الأفكار الداروينية بشكل متطرف، التي تُهمِّش الإنسان الفرد تماماً. وقد واكب هذه النسبية الأخلاقية تزايد الإيمان بالعلم المنفصل عن القيمة والغائية الإنسانية، فتعقيم المعوقين كان أمراً مقبولاً في الطب الألماني مع بداية القرن العشرين (الأمر الذي يعني أن أعداداً كبيرة من الأطباء الألمان اليهود كانوا متورطين في هذه الرؤية. ومن المعروف أن الأطباء اليهود لم يُطردوا من مهنة الطب في ألمانيا إلا في عام 1933) .كما عرف الألمان أسلوب الانتفاع من الجثث البشرية قبل ظهور النازي، أي أن تزايد إطلاق الدولة واكبه تهميش الفعل الأخلاقي الفردي والمسئولية الفردية فتم استيعاب الفرد في الكل الشامل. وكان الشاعر هايني من أكثر المفكرين إدراكاً لخطر الحلولية الكمونية التي تجعل الإنسان إلهاً على الأرض، وفي الوقت نفسه تجعل الدولة إلهاً على الأرض. فقال إن فيلسوف الطبيعة سيعقد تحالفاً مع قوى الطبيعة الكونية وسيوقظ القوى الشيطانية لوحدة الوجود الألمانية التي ستضرم الشهوة للحرب (التي تسم الألمان القدامى) حيث لا يحارب الجندي ليدمر ويكسب المعركة، وإنما يحارب من أجل الحرب. هذه هي بعض مكونات السياق الحضاري الألماني للنازية وللإبادة النازية لليهود (ولغيرهم) . وقد تشابكت هذه المكونات وتصاعدت حدتها وبلغت حداً عالياً من التبلور في العقيدة النازية، التي تشكل تعبيراً صافياً ونماذجياً عن المُثُل العليا للحضارة العلمانية الغربية وعن النموذج الحاكم الكامن فيها. والعقيدة النازية لم تفعل أكثر من وضع هذه المُثُل موضع التنفيذ بشكل أكثر تطرفاً من المعتاد، إذ طبقت الأفكار بشكل أكثر ثورية وأكثر منهجية وشمولاً على البشر كافة. النازية والحضارة الغربية Nazism and Western Civilization كلمة «نازي» مأخوذة بالاختصار والتصرف (بهدف التهكم) من العبارة الألمانية «ناشيونال سوشياليستيش دويتش أربايتربارتي National Sozialistische Deutsche Arbeiterpartei» (NSDAP) ، أي «الاشتراكية القومية» ، وهي حركة عرْقية داروينية شمولية، قادها هتلر وهيْمنت على مقاليد الحكم في ألمانيا، وعلى المجتمع الألماني بأسره. والحركة النازية هي حركة سياسية وفكرية، ضمن حركات سياسية فكرية أخرى تحمل نفس السمات، ظهرت داخل التشكيل الحضاري الغربي بعد الحرب العالمية الأولى. كانت النواة الأساسية للحركة النازية هي حزب صغير يُسمَّى «حزب العمال الألمان» أُسِّس في جو البطالة والثورة الاجتماعية عام 1918 بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وإذلالها على يد الدول الغربية المنتصرة. وكان المنظِّر الأساسي للحزب هو جوتفريد فيدر الذي نادى بعقيدة لها صبغة قومية قوية وطابع اشتراكي، تدعو إلى ملكية الدولة للأرض وتأميم البنوك. وكان من أوائل من انضم لعضوية هذا الحزب محاربون قدامى مثل رودولف هس وهرمان جورنج، ومثقفون محبطون مثل ألفريد روزنبرج وب. ج. جوبلز وهتلر نفسه، وشخصيات أخرى مثل يوليوس سترايخر. وقد ازدادت عضوية الحزب لأنه توجه إلى المخاوف الكامنة لدى قطاعات كبيرة من الألمان من الشيوعيين والبلاشفة، وإلى حنقها على معاهدة فرساي التي أذلت ألمانيا وحولتها إلى ما يشبه المستعمرة، وعلى جمهورية وايمار المتخاذلة التي قبلت هذا الوضع، وإلى إحساس الجماهير بالضياع في المجتمع الحديث وإحساسهم بالقلق وعدم الطمأنينة نتيجة تآكل المجتمع التقليدي. ورغم أن الحزب كان يُسمَّى «حزب العمال» ، فإنه لم يضم كثيراً من العمال بين أعضائه، ولم ينضم له من العمال سوى العاطلين عن العمل. وأُعيد تنظيم الحزب عام 1920 وسُمِّي «حزب العمال الألماني الاشتراكي القومي» وترأسه هتلر الذي حصل على تأييد لودندورف (بطل الحرب العالمية الأولى) وعديد من رجال الصناعة الذين رأوا أن بإمكان هتلر تقويض دعائم النظام السياسي القائم، الذي لم يكن يسمح لهم باتباع سياسة رأسمالية حرة تماماً، كما أنهم رأوا أن وجوده يمثل الفرصة الوحيدة أمامهم لوقف تقدم الشيوعيين. وقد تزايد نفوذ الحزب مع اتساع نطاق الكساد الاقتصادي. وحل كتاب هتلر كفاحي محل برنامج جوتفريد فيدر (الذي تحول إلى مجرد ناطق بلسان هتلر) ، كما تراجع الخطاب الاشتراكي وحل محله خطابٌ نازيٌ أكثر تبلوراً ومادية. وسار الحزب النازي بخطى واسعة في الفترة من 1930 حتى 1932، ووصلت عضويته إلى مليونين بحيث أصبح الحزب الثاني في ألمانيا أثناء فترة الكساد الكبير الذي بدأ عام 1929، وهي فترة شهدت تآكل مدخرات الطبقة الوسطى الألمانية وانتشار الحركات الإباحية والبغاء والفوضوية وتَعاظُم نفوذ الشيوعيين. ورغم أن هتلر خسر انتخابات الرئاسة عام 1932 أمام هندنبرج، إلا أن حزبه النازي أصبح أكبر حزب ألماني على الإطلاق. وقد فشل المستشار فون بابن في الاحتفاظ بأغلبية تمكنه من الحكم في البرلمان، فأُجريت انتخابات أخرى. وكان هتلر قد حصل إبَّان ذلك على الدعم المالي من رجال المال والصناعة في وادي الراين الذين كانوا يهدفون إلى احتوائه واستخدامه كأداة. وكان هتلر يستخدم خطابين مختلفين: أحدهما للجماهير، والآخر لرجال المال. وقد احتجت بعض العناصر الاشتراكية في الحزب على الاتجاه المتزايد نحو اليمين، ولكن هتلر نجح في القضاء على هذه العناصر. وفي عام 1933، قام الرئيس هندنبرج بتعيين هتلر مستشاراً. وحينما اندلع حريق في مبنى البرلمان، قام هتلر بطرد النواب الشيوعيين بعد أن ألقى التبعة عليهم. ثم اقترع البرلمان على منح هتلر سلطات شاملة، ومن ثم أنجز هتلر ثورته القانونية. وفي يونيه 1934، أصبح الحزب النازي هو الحزب الأوحد، وقام هتلر بتصفية البقية الباقية من العناصر العسكرية في حزبه بطريقة دموية، وكان من بينهم إرنست روم رئيس قوات العاصفة. كما قام هتلر بضرب اليمين، فأثبت بذلك أنه لم يكن مجرد أداة في يد المموِّلين أو بقايا النظام الملكي فأمم المصارف وبعض الصناعات. ومع هذا، استفادت العناصر الرأسمالية من خلال سيطرة الدولة على كثير من القطاعات الاقتصادية، وأُلغيت اتحادات العمال، وفقد العمال حقوقهم، وتم استيعابهم في مؤسسات الحزب، وتم التنسيق بين جميع مؤسسات الدولة والحزب. كما أصبحت الخدمة العامة إجبارية، ثم فُرض التجنيد الإجباري وأُخضعت ألمانيا كلها لنظام مركزي قوي. وأُلغي استقلال الولايات، وأُخضعت لهيمنة الفوهرر وأجهزته مباشرة، بل أسس الحزب كنيسة ألمانية بهدف السيطرة على الكنائس البروتستانتية. وفي عام 1936، بدأت خطة السنوات الأربع لإعادة تسليح ألمانيا، وإعادة تنظيم الاقتصاد انطلاقاً من الاعتماد على الذات. وقد حقق النازيون نجاحاً اقتصادياً باهراً، الأمر الذي زاد من التفاف الجماهير حولهم، حيث تم القضاء على البطالة وبُنيت منشآت عامة عديدة، ثم سيطر هتلر على حزبه سيطرة كاملة، وتولى هملر رئاسة الجستابو (البوليس السري) عام 1936. وبعد موت هندنبرج، أصبح هتلر رئيساً للدولة لا يقاسمه السلطة أحد. ونجح في استصدار قرار عام 1934 بتأسيس الرايخ الثالث الذي سيدوم ألف عام (والرايخ هو ألمانيا أو الإمبراطورية الألمانية المقدَّسة حيث يمتد الرايخ الأول من تاريخ تأسيس الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة عام 962 حتى انحلالها عام 1806، والرايخ الثاني هو الإمبراطورية الألمانية منذ 1871 وحتى 1918، أما الرايخ الثالث فهو الدولة النازية من 1933) ، وأصبح هو حاكم (فوهرر) ألمانيا بلا منازع. وبدأ هتلر في تنفيذ مخططه الإمبريالي في الداخل والخارج صدوراً عن الرؤية النازية للعالم التي استمدت ملامحها الأساسية من الحضارة الغربية: 1 ـ السمة الأساسية للمنظومة النازية هي علمانيتها الشاملة وواحديتها المادية الصارمة. وقد هاجم ألفريد روزنبرج (أهم «الفلاسفة» النازيين) المسيحية باعتبارها عقيدة يهودية تدافع عن المطلقات. وفي كتابه أسطورة القرن العشرين حاول أن يُبيِّن بعض الأطروحات الأساسية للنازية، فالروح والعرْق هما شيء واحد، فالعرْق إن هو إلا التعبير البراني عن الروح، والروح إن هي إلا التعبير الجواني عن العرْق (وهذا لا يختلف كثيراً عن تصور الفلسفة الألمانية المثالية عن تماثل الروح والطبيعة) ، والروح العرْقية هي التي تحرك التاريخ. بل إن روزنبرج كان مدركاً للحلولية كنمط نهائي، إذ يؤكد أن الروح الألمانية تُعبِّر عن انتصار فكرة الحرية وعن التصوف الحقيقي، تصوف المعلم إيكهارت، وهي صوفية مسيحية اسماً ومظهراً وحسب، ولكن يجب أن تُفهم باعتبارها تزايد حرية الروح إلى أن تصل إلى المرحلة التي تتحرر فيها تماماً من الإله نفسه. وكان روزنبرج، انطلاقاً من عقيدته العرْقية هذه، يعطي مواعظ نارية عن أسطورة الدم. ولكن هتلر، بذكائه الشديد، حاول أن يُبقي هذه النقطة من برنامجه غامضة حتى لا يستفز الجماهير ولا يواجه الكنيسة بشكل علني. وقد عقد اتفاقاً مع الكنيسة الكاثوليكية غير أنه لم يلتزم به وأرسل بكثير من رجال الدين إلى المحرقة. وقد أسس هتلر "كنيسة" ألمانية بهدف السيطرة على الكنائس البروتستانتية، وتطهير فكرة القومية الألمانية من العناصر المسيحية التي دخلت عليها. وكان الالتحاق بهذه الكنيسة القومية ـ ومن ثم الانفصال عن المنظومة المسيحية ـ شرطاً أساسياً للانضمام إلى فرق الحرس الخاص المعروفة بالإس. إس. وفي السنوات الأخيرة من حكم النازي، وضع هتلر مخططاً شاملاً للقضاء على الكنائس المسيحية بشكل كامل، حتى تسود الواحدية المادية وقيم القومية العضوية والولاء الكامل لألمانيا ولدولة الرايخ الثالث. وكل سمات النازية الأخرى تنبع من رؤيتها العلمانية الإمبريالية الشاملة. 2 ـ تتضح مادية النازيين الصارمة في إنكارهم للطبيعة البشرية وثباتها فكل شيء من منظورهم خاضع للتغير والحوسلة. ويمكن القول بأن ثمة نزعة مشيحانية علموية مادية قوية هي التي تعطي النازية تفردها واختلافها عن الأيديولوجيات العلمانية الأخرى. فالنازية دفعت بكثير من المقولات الكامنة في الرؤية العلمانية الشاملة إلى نتيجتها المنطقية، ولم تعد تَقْنَع بتغيير العالم وإنما كانت تطمح إلى تغيير النفس البشرية ذاتها (وعلى كلٍّ، هذا الاتجاه أمر كامن في كل الطوباويات التكنولوجية التي تعود بداياتها إلى بداية عصر النهضة في الغرب) . ومن هنا اهتمام النازيين بعلم مثل علم تحسين النسل (بالإنجليزية: إيوجينكس eugenics) وإعادة تنظيم العالم من خلال سياسات بيولوجية وضعية. ومن هنا حربهم الشديدة ضد الأمراض النفسية والجسمانية وضد كل انحراف عن المعيارية العلمية الصارمة (ومن هنا نجد أنهم قاموا بإبادة الأقزام!) . 3 ـ آمن النازيون بفكرة الدولة باعتبارها مطلقاً علمانياً متجاوزاً للخير والشر. وحدَّد هتلر المطلق الأول والأوحد (الدولة) بدقة غير عادية حين قال إنه لابد من تحقيق العدالة وتوظيفها في خدمة الدولة، أي أنه لا يوجد مفهوم مطلق للعدالة، وإنما تتحدد العدالة بمقدار تحقيق نفع الدولة. والدولة كمطلق هي الإطار الذي يُعبِّر الشعب العضوي (فولك) الألماني من خلاله عن إرادته. 4 ـ تبنت النازية النظرية العرْقية الداروينية الغربية، وأكدت التفوق العرْقي للشعب الألماني على كل شعوب أوربا، ولشعوب أوربا على كل شعوب العالم. ورفض هتلر فكرة المساواة بين البشر باعتبارها فكرة دينية ("حيلة يهودية مسيحية"، "نوع من التنويم المغناطيسي تمارسه اليهودية الغازية للعالم بمساعدة الكنائس المسيحية" (. 5 ـ من الأفكار الأساسية في الفكر النازي فكرة الشعب العضوي (فولك) الذي تُوجَد وحدة عضوية بين أعضائه من جهة، وبين حضارتهم والأرض التي يعيشون عليها من جهة أخرى، وهي وحدة لا تنفصم عراها. ولا يمكن لهذا الشعب أن يحقق كل إمكانياته إلا بعد أن يضم إليه مجاله الحيوي (الأرض في الثالوث الحلولي العضوي) حتى تكتمل الدائرة العضوية. أما العناصر الغريبة الأجنبية فهي تؤدي إلى إعاقة هذا التكامل العضوي الصارم، وبالتالي فهي عناصر ضارة لابد من استبعادها. 6 ـ من العبارات المتواترة في الخطاب العضوي النازي عبارة «الدم والتربة» ، وهي ترجمة للعبارة الألمانية «بلوت أوند بودين Blut und Boden» ، وهي من الشعارات الأساسية للنازية والمرتبطة بفكرة الشعب العضوي. وهذه العبارة النيتشوية تمجد آداب الفلاحين وعواطفهم باعتبارها تجسيداً للصفتين الأساسيتين اللتين يستند إليهما رقي الجنس الألماني؛ الدم الألماني والتربة الألمانية. وهي تحول الدم والتربة إلى المرجعية أو الركيزة النهائية التي يستند إليها النسق المعرفي والأخلاقي. وشعار «الدم والتربة» هو مثل جيد على ما نسميه «الواحدية المادية الكونية» التي تسم الأنساق الحلولية الكمونية، حيث يصبح المطلق كامناً في المادة لا متجاوزاً لها، ويُنصِّب شعبٌ من الشعوب نفسه إلهاً على بقية الشعوب، فدمه وتربته يحويان كل القداسة ويعطيانه حقوقاً مطلقة لا يمكن النقاش بشأنها. ولكن هذه الحلولية هي حلولية بدون إله، فثالوث القومية العضوية: الدم ـ التربة ـ الشعب، ليس إلا صدىً للثالوث الحلولي الوثني: الإله ـ الطبيعة ـ الإنسان. ويبدو أن الدم، باعتباره حامل القداسة وباعتباره الصلة التي تربط الإنسان والأرض، يحل محل الإله. (وقد وجدت هذه العبارة طريقها إلى الفكر والخطاب الصهيوني (. 7 ـ وقد ترجم كل هذا نفسه إلى مفهوم العرْق السيد، وهو العرْق الآري الألماني التيوتوني الذي سيحتفظ بنقائه العرْقي ويؤسس أمة تتألف من الحكام المحاربين والمفكرين، قدرها المحتوم أن تحكم الأعراق الدنيا وتعيش على عملها وتحقق السيادة على العالم. وهذه الأمة ستنظم نفسها على شكل هرمي تقف على قمته نخبة تتسم بالصفات العرْقية الأكثر تفوقاً، وعلى قمة الهرم يقف الفوهرر: التجسد المادي والمحسوس والتاريخي للمطلق العلماني (الشعب العضوي والدولة) . وكان تنظيم الحزب النازي تعبيراً عن نفس الرؤية، فقد استعار هتلر من التنظيمات الشيوعية فكرة الخلية والتنظيم الهرمي للحزب والانضباط الداخلي، واستعار من الفاشية الإيطالية فكرة ميليشيا الحزب ذات الزي الموحَّد، وهؤلاء هم مرتدو القمصان البُنيَّة وكان يُشار إليهم بالحرفين إس. آيه S. A..، وهما اختصار عبارة «شتورم أبتايلونج Sturm Abteilung» أي «قوات العاصفة» . أما «النخبة» ، فهم فرق الإس. إس S. S. وهما اختصار للعبارة الألمانية «شوتس ستافل Schutz Staffel» ومعناها «نخبة الأمن» أو «الحرس الخاص» ، وكانوا يرتدون قمصاناً سوداء وشارة الموت. وكان للحزب تحيته الخاصة بأن يرفع العضو ذراعه اليمنى ويقول: "هايل هتلر". وأصبح الصليب المعقوف رمزه، كما كان له نشيده الخاص. 8 ـ رأت العقيدة النازية أن هذا الهرم الألماني المنظم، لابد أن يسيطر على العالم بأسره. وقد استفادت هنا من الفكر الجغرافي السياسي (الجيوبولوتيكي) الغربي. إذ رأى النازيون أن ألمانيا أمة حركية من حقها أن تحصل على مجال يتناسب مع قوتها وحيويتها، وهو مجال أوسع مما سمحت به معاهدة فرساي. 9 ـ انطلاقاً من كل هذا وُضعت ألمانيا فوق الجميع وأصبح للألمان حقوق مطلقة فيما تصوروا أنه مجالهم الحيوي. وقد رأى النازيون أنه يجب على الشعب الألماني أن يستيقظ من سباته ويتنبه للخطر، وأن يغزو مجاله الحيوي حتى يصبح مجالاً ألمانياً صرفاً خالياً من السلاف. 10 ـ لكن الشعوب العضوية (فولك) تحتاج دائماً إلى آخر تستمد منه هويتها. والآخر هنا هو كل من يقف في طريق تحقيق الأطروحات النازية، وهم في هذه الحالة السلاف بالدرجة الأولى، الذين يشغلون المجال الحيوي في الخارج. أما في الداخل، فكانت توجد عناصر عديدة غير نافعة مستهلكة دون أن تكون منتجة، وأحياناً ضارة، من بينها المعوقون والشواذ جنسياً والشيوعيون والغجر والمصابون بأمراض وراثية مزمنة، بل الأقزام. ولذا كان النازيون يرون ضرورة إبادة العناصر الضارة في الداخل والخارج: السكان السلاف الذين يعيشون داخل المجال الألماني الحيوي، والغجر ممن لا نفع لهم، واليهود خصوصاً الأقلية المالية اليهودية. 11 ـ ولكن لنركِّز على أعضاء الجماعة اليهودية وحدهم، لا بسبب أهميتهم المطلقة ولكن بسبب أهميتهم من منظور هذه الموسوعة. كان اليهود ـ حسب التصور النازي ـ من أهم القطاعات غير النافعة، بل الضارة، فهم يتركزون في القطاعات الهامشية للاقتصاد، مثل تجارة الرقيق الأبيض. ورغم أنهم مثل البكتريا والطفيليات التي تعيش على الآخرين، إلا أنهم يدَّعون أنهم يُشكِّلون عرْقاً سامياً وشعباً مختاراً، ولذا فهم يحاولون دائماً الهيمنة على الحياة السياسية والاقتصادية للشعوب الأخرى. ويشير هتلر إلى أن اليهود سيطروا على عالم المال في ألمانيا، وأنهم يحيكون مؤامرة عالمية للسيطرة ولذا فهم يحاولون إشعال الحروب والثورات (وهذه هي الأفكار الأساسية في بروتوكولات حكماء صهيون، وفي كتاب إدموند دروموند فرنسا اليهودية، وهما من أكثر الكتب شيوعاً في أوربا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر) . كما بيَّن هتلر أن الماركسية والماسونية ليستا إلا مجرد حيل يهودية للسيطرة على العالم. وقد صُنِّف اليهود أحياناً باعتبارهم سلافيين، لأن كثيراً منهم كانوا «أوست يودين Ostjuden» «، أي من يهود شرق أوربا. وأُلقي اللوم على اليهود باعتبارهم مسئولين عن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وعن إذلالها. ولذا قرر الألمان أن يجعلوا المجال الحيوي الألماني خالياً من اليهود بالألمانية: يودين راين (Judenrein) . وقد بدأ النظام النازي حملته على اليهود عقب تعيين هتلر مستشاراً في 30 يناير عام 1933. ففي أبريل عام 1933 نُظِّمت مقاطعة للأعمال التجارية اليهودية، ثم استُبعد اليهود من كثير من الوظائف العامة. وفي أبريل 1935، استُبعد الأطفال اليهود من النظام التعليمي. وفي سبتمبر من نفس العام، صدرت قوانين نورمبرج التي نزعت عن أعضاء الجماعة اليهودية حقهم في أن يكونوا مواطنين بالرايخ، تنفيذاً لفكرة الشعب العضوي والشعب العضوي المنبوذ، ومُنعت الزيجات المُختلَطة بين اليهود والآريين. وفي عام 1938، مُنع اليهود من العمل في الوظائف الوسيطة كأن يكونوا وكلاء وبائعين ومديري عقارات ومستشارين في الأعمال التجارية. وأدَّى اغتيال عضو في السفارة الألمانية في باريس على يد يهودي بولندي في 9 ـ 10 نوفمبر 1938 إلى قيام ثورة شعبية ضد اليهود تُعرف باسم «كريستال ناخت « «أي ليلة الزجاج المحطم» أُحرق خلالها أربعمائة معبد ونُهب كثير من المتاجر والمنازل الخاصة، وتم القبض على الألوف منهم وفُرضت غرامة على اليهود (ككل) . وبعد ذلك بدأ النظام النازي في عملية الإبادة والحل النهائي النازي للمسألة اليهودية والتي استمرت حتى نهاية الحرب. وكما سنبين فيما بعد لم يكن النظام النازي عشوائياً لاعقلانياً في اضطهاده لأعضاء الجماعات اليهودية، بل إن كلمة «اضطهاد» ذاتها قد لا تنطبق على علاقة النازيين بأعضاء الجماعات اليهودية إذ أن ما حدد هذه العلاقة هو مدى نفع اليهودي وإمكانية توظيفه. 12 ـ أشرنا من قبل إلى تَراجُع الجوانب الاشتراكية (الإنسانية) في برنامج الحزب النازي الذي كان يحوي بلا شك بعض المطلقات الإنسانية (مثل فكرة العدل وضرورة التكافل) ، وظهور رؤية مادية واحدية صارمة في ماديتها وواحديتها تنفي المطلقات والثوابت والماهيات كافة، رؤية علمانية شاملة تنزع القداسة عن كل شيء بحدة وشراسة وتُسقط تماماً فكرة الحرمات. وهذا التحول عن الإنسانية (الهيومانية) والسقوط التدريجي والمطرد في الواحدية المادية هو نمط التطور الأساسي في الحضارة الغربية الحديثة، حيث تطورت من رؤية إنسانية (علمانية جزئية) تحوي مطلقات إلى رؤية علمانية إمبريالية شاملة تنفي المطلقات والثوابت والكليات كافة. 13 ـ تنطوي الرؤية النازية للكون، شأنها شأن كل الرؤى المادية، على إشكالية أساسية داخلها، وهي مشكلة الأساس الفلسفي والمعرفي الذي تستند إليه منظومات الإنسان الأخلاقية. وقد حسم النازيون هذه القضية بتصورهم أن العلم (الطبيعي) قادر على مساعدة الإنسان على التوصل إلى حلول لجميع المشاكل، وضمن ذلك المشاكل الإنسانية والأخلاقية والروحية. ومن ثم فالعلم هو وحده القادر على تحديد الصالح والطالح والخيِّر والشرير وهو وحده المرجعية النهائية. ولذا طالب النازيون بضرورة تطبيق قيم العلم والمنفعة المادية على الإنسان والمجتمع، وآمن النازيون بالمنفعة المادية كمعيار أخلاقي للحكم على الواقع. وبالفعل، اتسم النازيون بالحياد العلمي الشديد في تعاملهم مع الواقع ومع البشر، واستخدموا مقاييس علمية رشيدة لا تشوبها أية قيم أخلاقية أو عاطفية أو غائية، وتحوَّل كل البشر، وضمن ذلك الألمان، إلى مادة بشرية. ومن ثم، قُسِّم العالم كله إلى نافعين وغير نافعين (وهو تقسيم يعود إلى القرن الثامن عشر، عصر العقل المادي والعقلانية المادية) . وتقرر أنه لا يستحق الحياة إلا من ينتج ويستهلك، أما من لا ينتج ويستهلك (بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters حرفياً «من يأكلون ولا نفع لهم» ) فمصيره أمر مفروغ منه، فقد صُنِّف على أن حياته لا قيمة لها (بالألمانية: بالاست إكسستينزن Ballastexistenzen) ، وتشكل عبئاً على الاقتصاد الوطني بطبيعة الحال. 14 ـ ولكن كما هو الحال دائماً تخبئ الرؤيةُ العلمية النفعية المحايدة أخلاقياً الرؤيةَ الداروينية النيتشوية، بتأكيدها على فكرة البقاء باعتباره القيمة المطلقة والصراع باعتباره الآلية الوحيدة للبقاء، وهي عملية مادية محضة. فالبقاء هو البقاء المادي، والصراع صراع مادي، والبقاء في هذه الغابة الداروينية الواحدية المادية التي لا تعرف الرحمة أو العدل ليس من نصيب الأرق قلباً أو الأرقى خُلقاً أو الأكثر تراحماً وإنما هو من نصيب الأصلح والأقوى مادياً (فالقوة هي المطلق النهائي) ، والأقوى هو الذي لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه والذي يتحلى بأخلاق الأقوياء ويضرب بيد من حديد على الضعفاء بدلاً من أن يأخذ بأيديهم. بعد تَقبُّل النازيين النفع المادي والقوة، باعتبارهما المعيار الأخلاقي الأوحد في منظومة معرفية علمانية مادية شاملة لا تعرف المطلقات الإنسانية أو الأخلاقية أو الدينية، قام المفكرون والعلماء النازيون بتقييم الواقع المحيط بهم من خلال هذه المنظومة الفكرية المادية وصنفوا كثيراً من العناصر باعتبارها غير نافعة (السلاف ـ الغجرـ اليهود ـ المعوقين ... إلخ) ولا يمكن الدفاع عن كل هؤلاء من منظور أخلاقي مطلق، فهذا أمر مرفوض من منظور علماني شامل، نفعي نسبي، مستنير رشيد، ينطلق من حساب دقيق للمدخلات والمخرجات. ومن يريد الدفاع عن نفسه عليه أن يفعل ذلك من داخل المنظور العلمي النفعي المستنير لا من خارجه. وكان قد تم إعداد الآلة المادية النفعية ذات الكفاءة العالية، كما تم تحويل العالم بأسره، على المستويين المعرفي والوجداني، إلى مادة استعمالية خام. ومن جهة أخرى، تم استئناس الشعب الألماني وترشيده وتحييد حسه الخلقي تماماً وإسكات عواطفه، ليكون في انتظار التعليمات والحلول الواقعية العلمية العملية (المادية) النهائية لمشاكله، وهي حلول ستأتيه من مجموعة من رجال الحزب والعلماء وأهل التخصص. وحينما بدأت آلة الإبادة المادية النفعية الموضوعية الجهنمية ذات الكفاءة العالية منقطعة النظير، في الدوران، كانت الإبادة قد تحقَّقت معرفياً ووجدانياً ونظرياً، من خلال النموذج الواحدي المادي، قبل أن تتحقق فعلياً من خلال معسكرات الاعتقال والسخرة والإبادة. إن الأطروحات الأساسية للنازية هي ذاتها الأطروحات الأساسية للحضارة الغربية الحديثة والتشكيل الإمبريالي الغربي. وبالفعل حظيت الحركة النازية في البداية بتأييد رأسمالي غربي لأنها كانت تنظر إلى الاتحاد السوفيتي باعتباره العدو الأكبر (السلافي) للحضارة الآرية، ومن ثم كان الرايخ الثالث من هذا المنظور يشكل قلعة ضد الزحف السلافي الشيوعي. ولكن ستالين كان أكثر دهاءً، حيث عقد حلفاً مع هتلر اقتسما بمقتضاه بولندا والمجال الحيوي المحيط بهما. ثم تحالف الغرب الرأسمالي مع الشرق الاشتراكي ضد هتلر، لا دفاعاً عن المبادئ ولكن لأنه بدأ يهدد مصالحهما معاً. النازية هي وليدة الحضارة الغربية إذن، ومع هذا يتساءل بعض الدارسين الغربيين للإبادة النازية عن الكيفية التي أمكن بها لمجتمع غربي يُقال إنه «متحضر» مثل المجتمع الألماني (مجتمع هيجل وفاجنر وهايدجر) أن يفرز حركة بربرية تماماً كالحركة النازية ثم يُخضع كل أعضاء المجتمع لها. وفي محاولة الإجابة على هذا السؤال، ذهب بعضهم إلى القول بأن النازية هي مجرد انحراف لا عن مسار التاريخ الألماني وحسب وإنما عن مسار التاريخ الغربي ككل. ويذهب المؤرخ الألماني إرنست نولتErnest Nolt (وهو أستاذ في جامعة برلين الحرة يمثل تياراً مراجعاً داخل علم التاريخ في ألمانيا) إلى أن المرحلة النازية ليست مرحلة نماذجية، أي لا ترقى إلى مستوى النموذج والنمط، وإنما هي مرحلة عرضية غير مُمثِّلة لمسار التاريخ في ألمانيا. وهم يُقارنونها بروسيا الستالينية. ويذهب نولت إلى القول بأن النازيين قاموا بعمليات الإبادة خوفاً من أن تُطبَّق عليهم سياسات الإبادة التي كان يطبقها السوفييت منذ عام 1917 على الطبقات والشعوب غير المرغوب فيها، بل يؤكد أن النازيين تعلموا الإبادة والتصفية الجسدية ومعسكرات السخرة من الشيوعية السوفيتية ومن ممارسات ستالين الإبادية؛ فالأصل هو الجولاج، وأوشفيتس هي النسخة. وهناك كثيرون داخل ألمانيا وخارجها يعارضون هذا الرأي ويؤكدون أن سلوك الألمان هو جزء لا يتجزأ من تاريخهم الحضاري (بل هناك من يتطرف إلى درجة القول بأن سلوك الألمان هو في واقع الأمر تعبير عن طبيعتهم الثابتة) . والحوار هنا يتعلق بدلالة الإبادة: هل هي جريمة نازية ضد اليهود، أم جريمة غربية متكررة (نمط متكرر) يُعبِّر عن نموذج معرفي كامن، أم أنها مجرد حادثة؟ ونحن نذهب ـ كما أسلفنا ـ إلى أن الحضارة التي أفرزت الإمبريالية والشمولية والمنفعة المادية والداروينية، وفلاسفة العرْقية الحديثة، هي الحضارة التي أفرزت رؤية إبادية وصلت إلى قمتها في اللحظة النازية. ومن ثم، فإن الإبادة النازية تُعبِّر عن شيء حقيقي أصيل لا في التشكيل الحضاري الألماني وحده وإنما في الحضارة الغربية، وليست مجرد انحراف عن تاريخ ألمانيا أو تاريخ الغرب الحديث. إن جوهر الفكر النازي، متمثلاً في كتابات أدولف هتلر (وغيره من المفكرين النازيين) ، لا يختلف كثيراً عن فكر سير آرثر بلفور صاحب الوعد المشهور (وغيره من الساسة والمفكرين الاستعماريين) . فكلٌ من هتلر وبلفور يدور داخل الإطار الإمبريالي العِرقي المبني على الإيمان بالتفاوت بين الأعراق، وعلى حل مشاكل أوربا عن طريق تصديرها. وكلاهما يؤمن بفكرة الشعب العضوي، وكلاهما يرى في اليهود عنصراً غير مرغوب فيه ويؤكد، من ثم، ضرورة وضع حل نهائي للمسألة اليهودية في أوربا، وكلاهما لا يلتزم بأية منظومة أخلاقية سوى منظومة المنفعة المادية ومنظومة الصراع الداروينية. وقد تم الحل النهائي في حالة بلفور بنقل (ترانسفير) اليهود خارج إنجلترا وأوربا إلى فلسطين. وقد حاول هتلر، في بداية الأمر، أن يحل مسألته اليهودية بشكل نهائي أيضاً، بالطرق الاستعمارية السلمية البلفورية التقليدية، أي التخلص من الفائض البشري اليهودي عن طريق تصديره (ترانسفير) إلى رقعة أخرى خارج ألمانيا. وكان هتلر يدرك أن الترانسفير (تفريغ الأراضي من سكانها ونقلهم) هو جزء من المنظومة الغربية وطريقة حلها للمشاكل. فقد أشار (في أغسطس 1940) إلى أنه تم إفراغ بروسيا الشرقية من سكانها الألمان بعد الحرب العالمية الأولى، وتساءل عن وجه الضرر في نقل 600 ألف يهودي من أراضي الرايخ (وكان هناك مشروع نازي ترانسفيري أكبر وهو نقل 31 مليون «غير ألماني» من شرق أوربا، وهي عبارة بلفورية لا تختلف عن تلك العبارة التي وردت في وعد بلفور حيث تمت الإشارة لسكان فلسطين العرب على أنهم «الجماعات غير اليهودية» ) . وداخل هذا التصور الترانسفيري البلفوري الغربي تحرَّك هتلر لتنفيذ خطته: 1 ـ قام هتلر بشحن عشرة آلاف يهودي وأرسلهم عبر الحدود إلى بولندا في 28 أكتوبر 1938، ولكن الحدود البولندية كانت موصدة دونهم (فبولندا هي الأخرى كانت تود الدفاع عن مصالحها المادية) . 2 ـ استمرت المحاولات النازية التي تستهدف تهجير اليهود حتى نهاية الحكم النازي. فبُذلت المحاولة تلو الأخرى لتوطينهم في سوريا وإكوادور وتم تشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين. وكان هناك مشروع صهيوني نازي يُسمَّى «مشروع مدغشقر» يهدف إلى تأسيس دولة يهودية في تلك الجزيرة الأفريقية. ولكن معظم هذه المشروعات فشلت. ولم تُطرح بدائل أخرى، فالمجال الاستعماري الحيوي لألمانيا، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، كان محدوداً. 3 ـ لم تكن الدول الغربية (التي تتباكى حتى الآن على ضحايا الإبادة) ترحب هي الأخرى بالمهاجرين اليهود أو غيرهم (بسبب حالة الكساد الاقتصادي) . وكان هتلر يسمي خطة الترانسفير هذه «الحل الشامل» و «الحل النهائي» ولكن هذا الحل النهائي البلفوري لم يكن متاحاً لهتلر، ولذا لم يكن أمامه سوى استبعاد اليهود بطريقة غير بلفورية، وتتميَّز بكونها أكثر حدة ومنهجية وتبلوراً وسوقية. ومع هذا يميل كثير من العلماء إلى القول بأن «الحل النهائي النازي للمسألة اليهودية» ظل ذا طابع بلفوري حتى النهاية، أي حل نهائي من خلال الترانسفير، أو التهجير القسري إما إلى المستعمرات في آسيا وأفريقيا أو إلى معسكرات العمل والسخرة في ألمانيا، التي لم تكن الأوضاع فيها تختلف كثيراً عن الأوضاع السائدة في المستعمرات. وإذا كان فكر هتلر هو نتاج لحضارة الغرب، خصوصاً في القرن التاسع عشر، والتي تدور داخل الإطار العرْقي العلماني الإمبريالي الدارويني، فلابد أن تكون هناك نقط اتفاق بين هذا الفكر والفكر الصهيوني الذي هو أيضاً نتاج المعطيات الفكرية نفسها. وبالفعل، نجد أن الفكر الصهيوني يتحدث عن اليهود باعتبارهم عناصر بكتيرية. والواقع أن تعبير البكتريا المجازي (وهو تعبير دارويني لا علاقة له بقيم " بالية " مثل المحبة والمساواة والعدل) يستخدمه كل من هتلر ونوردو وهرتزل، الذين يتحدثون عن اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً (قارن هذا بكلمات بوبر حيث يتحدث عن اليهود بوصفهم شعباً آسيوياً طُرد من آسيا ولكنها لم تُطرد منه، أي أن آسيا تجري في دمه) . كما أن الصهيونية ترى ضرورة إخلاء أوربا من اليهود، ولعل الخلاف الوحيد هو أن الصهاينة يفضلون الطريقة البلفورية على الطريقة الهتلرية. ويتضح مدى انتماء المنظومة النازية للحضارة الغربية الحديثة في معلومة مخيفة وغريبة ولكنها نماذجية وممثِّلة في ذات الوقت، وهي أن النازيين كانوا يطلقون عبارة «مسلم» على اليهودي الذي تقرر إبادته. فكأن النازيين هم حملة عبء الرؤية الأوربية في مجابهتها مع أقرب الحضارات الشرقية لهم، وهي الحضارة الإسلامية، وهم لم ينسوا قط هذا العبء وهم يبيدون بعضاً من سكان أوربا غير النافعين والذين يقلون تقدماً عن الآخرين. السياق السياسي والاجتماعي الألماني للإبادة German Political and Social Context of the Extermination بعد أن درسنا الإبادة كإمكانية كامنة داخل الحضارة الغربية الحديثة وداخل المجتمع الألماني الحديث، وبعد أن درسنا العناصر الحضارية التي ساعدت على تَحقُّق الإمكانية، بوسعنا أن ندرس العناصر السياسية والاجتماعية الألمانية العامة والعناصر الألمانية اليهودية الخاصة، التي ساهمت بدورها في تحقيق الإمكانية الإبادية. وقد يكون من المنطقي أن نبدأ بتناول أهم العناصر التاريخية في القرن العشرين وأثرها على ألمانيا، أي عملية التحديث أو تحول المجتمع الغربي من النمط التقليدي إلى ما يُسمَّى «النمط العقلاني (المادي) أو الرشيد» في الإنتاج والإدارة، والذي يخضع لعمليات الترشيد. ونحن لا نشير عادةً إلى التحديث إلا عندما نتناول العالم الثالث، وذلك بسبب وضوح هذه العملية فيه، وبسبب كونها عملية مازلنا نعيشها في وقتنا الحاضر. لكن عملية التحديث هي المدخل الأساسي لفهم كثير من الظواهر في العالم الغربي منذ القرن الرابع عشر، برغم أنها تأخذ أشكالاً أكثر تركيباً وتقدماً هناك. ولعل من أهم الحقائق التي تسم عملية التحديث أو التصنيع في ألمانيا، أنها بدأت في وقت متأخر قليلاً بالنسبة لغرب أوربا. فالجهود الرامية لتحديث ألمانيا ظلت متعثرة ولم تحرز تقدماً إلا في سبعينيات القرن الماضي بعد الحرب البروسية الفرنسية نظراً لعدم وجود سلطة مركزية. ولكن الوضع تغيَّر بعد أن أحرزت بروسيا انتصارها الساحق على فرنسا، وبعد أن ضمت الألزاس واللورين، إذ قامت بتوحيد ألمانيا، ثم حققت عملية التحديث من خلال قفزات هائلة في فترة وجيزة نسبياً، بحيث أصبحت ألمانيا من كبريات الدول الصناعية لا يفوقها سوى إنجلترا، بل إنها تفوقت على إنجلترا ذاتها في بعض الجوانب. وعادةً ما يؤدي التحديث السريع إلى اضطرابات اجتماعية، لأنه لا يتيح الفرصة أمام أعضاء كثير من الجماعات والأقليات الإثنية والدينية للتأقلم مع الوضع الجديد، بحيث يمكنهم إعادة تحديد ولائهم وإعادة صياغة هويتهم بما يتفق مع متطلبات الولاء للدولة القومية الحديثة. وقد ظهر هذا الوضع، أول ما ظهر، حينما سعت الدولة الألمانية الجديدة، ذات التوجه البروتستانتي الواضح أو ذات الديباجات البروتستانتية، إلى وضع كل النشاطات الاقتصادية والثقافية تحت سيطرتها، وهذا أمر أساسي في عملية الترشيد. وعلى سبيل المثال، حاولت الدولة الجديدة السيطرة على النظام التعليمي بأكمله، ومن ثم، تدخلت في عملية تعيين (وفصل) المدرسين في المدارس الكاثوليكية حتى يمتثلوا لأوامرها هي ولا يخضعوا لسلطان الكنيسة، وحتى تتحول الأقلية الكاثوليكية من جماعة شبه ألمانية لها سماتها الخاصة يتوزع ولاؤها بين القيم الدينية المطلقة والقيم القومية العضوية إلى جماعة ألمانية خالصة تدين بالولاء للدولة وحدها. وقد أدَّى هذا إلى صدام بين الدولة والكتلة الكاثوليكية الضخمة، وأُطلق على هذا الصدام مصطلح «كولتوركامبف Kulturkampf» أي «الكفاح الثقافي» (وقد وقف أعضاء الجماعة اليهودية إلى جانب الدولة ضد أعضاء الجماعة الكاثوليكية) . وأدَّى التحديث السريع إلى اقتلاع أعداد كبيرة من الجماهير الريفية من مجتمعاتهم المترابطة (جماينشافت) والإلقاء بهم في المدن الضخمة التي تسود فيها العلاقات التعاقدية (جيسليشافت) . وتزايدت درجة الاغتراب بين أعضاء الطبقة الوسطى وغيرها من الطبقات، حيث تغيَّر أسلوب حياتهم نتيجةً لازدياد حجم المدن بسرعة مذهلة وظهور مؤسسات قومية رأسمالية ضخمة لم يألفوها. وفي مثل هذه الظروف، يبحث أعضاء المجتمع في العادة عن عقيدة متكاملة تجيب عن أسئلتهم وتمنحهم الطمأنينة التي يفتقدونها في المجتمع الجديد وتحميهم من وحشية وتائر التغير السريع. وحيث إن العقائد الشمولية تقوم بهذه المهمة على أكمل وجه، فقد وجدت تربة خصبة في ألمانيا. (ويقف هذا الوضع على الطرف النقيض من التحديث التدريجي البطيء في غرب أوربا الذي سمح بترسيخ قيم الفردية والليبرالية ثم بهيمنة البورجوازية في نهاية الأمر على المجتمع ككل بمختلف أعضائه ومؤسساته) . وتم التحديث في ألمانيا تحت ظروف خاصة (التحديث المتأخر الذي تزامن مع توحيد ألمانيا) . وقد نجح بسمارك في استغلالها ببراعة فائقة، حيث اكتشف أن العناصر الثورية في الطبقة الوسطى والبورجوازية تبنَّت قضية توحيد ألمانيا وربطت بينها وبين قضية القضاء على القوى التقليدية والمحافظة في المجتمع والتي كان من صالحها أن تبقي على وضع التجزئة. لكن بسمارك توصل إلى صيغة عقائدية تسمح بفصل الهدف الأول عن الثاني، كما تسمح باستغلال قضية الوحدة في تصفية العناصر الليبرالية والثورية مثلما يحدث في العالم الثالث في الوقت الحاضر عندما تُطرح قضايا قومية يُقال لها «مصيرية» للتحكم في الجبهة الداخلية ولتصفية أية جيوب معارضة باسم الإجماع القومي ("في تلك اللحظة المصيرية من تاريخ الأمة") . وانطلاقاً من هذا، تبنت القوى والطبقات المحافظة والأرستقراطية، بقيادة بسمارك، قضية توحيد ألمانيا وضرورة قيام سلطة مركزية، بعد أن أصبحت موضع إجماع قومي، ثم أنجزت هذا الهدف التاريخي في نهاية الأمر. ولذا، كان بوسع هذه القوى أن تبرم هدنة بينها وبين البورجوازية بحيث تحتفظ هي بالقيادة السياسية لألمانيا على أن تستفيد البورجوازية من النتائج الاقتصادية لعملية التوحيد، أي أن عملية التحديث في ألمانيا تمت تحت مظلة القوى التقليدية المحافظة مثلما كان الحال، وإن تباينت صورته، في دول شرق أوربا. ومن ثم، ظهر مجتمع حديث يُدار بشكل حديث من قبَل طبقة تقليدية ذات مُثُل تسلطية شمولية، وهذا مغاير تماماً لنمط التحديث في كلٍّ من فرنسا وإنجلترا. ومن الحقائق الأساسية التي كثيراً ما نغفل عنها، أن التحديث في العالم الغربي، في أوربا الغربية خاصة، ارتبط ارتباطاً كاملاً وعضوياً بالمشروع الاستعماري الغربي. ولا يمكن رؤية عملية التحديث (والتراكم الرأسمالي المرتبط به) ، في فرنسا وإنجلترا وهولندا وبلجيكا وأمثالها، خارج إطار التوسع الاستعماري وتحويل شعوب آسيا وأفريقيا إلى ما يشبه الطبقة العاملة (مصدر فائض القيمة) بالنسبة إلى شعوب الغرب (ولذا فنحن نفضل الحديث عن «التراكم الإمبريالي» ) . ومما لا شك فيه، أن التوسع الاستعماري يُساهم في التخفيف من حدة كثير من المشاكل الناجمة عن التحديث مثل الأزمات الاقتصادية والانفجارات السكانية، وذلك عن طريق تصديرها إلى المستعمرات. ولكن ألمانيا لم يكن لها مشروع استعماري مستقل نظراً لانقسامها، وقد مرت عليها مرحلة الاستعمار المركنتالي (التجاري) في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كما مرت عليها مرحلة الاستعمار في إطار المنافسة الحرة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولم تدخل ألمانيا الحلبة الاستعمارية إلا في مرحلة الرأسمالية الاحتكارية بعد أن كانت إنجلترا وفرنسا (ومن قبلهما إسبانيا والبرتغال) قد التهمتا معظم أنحاء العالم. وبطبيعة الحال، سعت ألمانيا، بعد أن تسارعت وتيرة التحديث داخلها، إلى بسط نفوذها على بعض مناطق العالم، فأنشأت علاقات وثيقة مع الدولة العثمانية وحلَّت محل بريطانيا وفرنسا كحليفة كبرى، كما احتلت بعض المناطق في أفريقيا بل في أوربا ذاتها. وقد تحطم المشروع الاستعماري لألمانيا تماماً في الحرب العالمية الأولى، إذ اقتسم الحلفاء (المنتصرون) مستعمراتها فيما بينهم ولم يعد لها مجال استعماري حيوي تقوم بتصدير مشاكلها إليه. ويمكن القول بأن معاهدة فرساي لم تحطم المشروع الاستعماري الألماني وحسب، بل حطمت المشروع التحديثي الألماني، وحولت ألمانيا نفسها إلى ما يشبه المستعمرة. وقد مُنعت ألمانيا من الاتحاد مع النمسا، مع أن ذلك كان مطلباً للشعبين الألماني والنمساوي كليهما. كما تم استقطاع أجزاء كبيرة منها ضُمت إلى كلٍّ من الدنمارك وبولندا وفرنسا وبلجيكا وليتوانيا. ووُضعت منطقة السار، الغنية بالفحم، تحت إشراف عصبة الأمم لمدة خمسة عشر عاماً أُديرت مناجمها أثناءها عن طريق فرنسا. وعلاوة على هذا، تم تحديد حجم الجيش الألماني الذي سلِّم كميات هائلة من الزاد والعتاد الحربي للحلفاء، وخُفضت كمية الذخيرة المسموح بإنتاجها، وخُفضت قوة السلاح البحري ولم يُسمَح بوجود قوات جوية بتاتاً، كما فُرضت غرامة مالية كبيرة على ألمانيا. وفضلاً عن ذلك، تقرر أن تحتل قوات الحلفاء الضفة اليسرى للراين لمدة خمسة عشر عاماً للتأكد من تنفيذ شروط المعاهدة. وألغى الحلفاء المنتصرون المعاهدات التجارية المبرمة بين ألمانيا والدول الأخرى، وصُودرت الودائع المالية الألمانية في الخارج، وأُنقص حجم البحرية التجارية الألمانية إلى عُشر حجمها. وكل هذه الإجراءات تذكر المرء بما حدث لمحمد علي، صاحب أول تجربة تحديث في الشرق العربي، والذي هدَّد ظهوره الخطط الغربية للاستيلاء على تركة الدولة العثمانية، رجل أوربا المريض. وفي نهاية الأمر، كان على ألمانيا أن تدفع غرامة عينية قدرها 20 مليار مارك ذهبي، على أن تدفع جزءاً منها فوراً وجزءاً منها بعد حين. وتم تحديد الغرامة في نهاية الأمر، في أبريل 1921، بمقدار 132 مليار مارك ذهبي. وبرغم معارضة جميع الأحزاب الألمانية لتلك الشروط، اضطرت جمهورية وايمار في النهاية إلى أن ترضخ. وكما هو الحال في مثل هذه المواقف، حينما تُجْرح الكبرياء الوطنية لشعب ما، ذاع بين الألمان الاعتقاد بأن ألمانيا لم تُهزم وإنما طعنها الثوريون والليبراليون واليهود من الخلف. وأدَّى الوضع المذكور إلى تدهور سعر المارك من 4.20 مارك للدولار في عام 1914 إلى 162 ماركاً للدولار، ثم إلى سبعة آلاف مارك عام 1922. وقد احتلت فرنسا منطقة الروهر عام 1923 بحجة فشل ألمانيا في إرسال شحنة من الخشب على سبيل التعويض العيني، ثم قامت القوات الفرنسية والبلجيكية بإلقاء القبض على العمال الألمان الذين رفضوا العمل في المناجم، وفُرض حصار اقتصادي تم بمقتضاه فصل منطقة الروهر وكذلك وادي الراين المحتلين عن ألمانيا، الأمر الذي كان يشكل ضربة اقتصادية هائلة لألمانيا، خصوصاً بعد أن تم استقطاع منطقة سيلزيا العليا الغنية بالفحم. وبناءً على ذلك، هبط المارك إلى 160 ألفاً للدولار في عام 1923 ثم إلى 4.200.000.000.000 في نوفمبر 1923. ولأن جمهورية وايمار لم تضع أية قيود على حرية رأس المال، فقد استفاد كثير من الرأسماليين (ومنهم أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية) من هذا الوضع، وحققوا أرباحاً هائلة وراكموا الثروات في وقت كانت فيه معظم طبقات الشعب الألماني تعاني من الفقر والهوان. وبذلت حكومة ألمانيا قصارى جهدها لإصلاح هذا الوضع. وبالفعل، تم تحديد ديون ألمانيا وطريقة دفعها، وبدأت قوات الحلفاء في الانسحاب مع أوائل الثلاثينيات، ثم عقدت الجمهورية بعض القروض لاستثمارها في الاقتصاد الألماني حتى ظهرت بعض علامات التحسن والاستقرار. ولكن هذا الاستقرار كان يعتمد بالدرجة الأولى على القروض الخارجية، ومن ثم، أدَّت أزمة الرأسمالية العالمية عام 1929 وانهيار البورصة في نيويورك إلى انهيار الوضع في ألمانيا، فوصل عدد العاطلين فيها عن العمل إلى ما يزيد على ستة ملايين (أي نحو ثلث مجموع القوى العاملة في الفترة 1930 ـ 1932) ، وانخفض الدخل بنسبة 43%، وفقدت الطبقة الوسطى ما تبقى لديها من مدخرات. هذا هو السياق الاجتماعي والسياسي العام الذي أدَّى إلى احتدام التناقضات والثورات داخل المجتمع الألماني والذي أدَّى في نهاية الأمر إلى تَفجُّر الوضع الداخلي وظهور الأفكار الشمولية الاستبعادية وإلى ظهور إمبريالية تتجه نحو «الداخل» الأوربي بعد أن حُرمت من "الخارج" الآسيوي والإفريقي " العالمي". فقد اتجه المشروع الاستعماري الألماني بكل قوته، حينما استعادها، نحو الداخل، أي نحو الشعوب السلافية المجاورة والأقليات المختلفة مثل الغجر واليهود، حيث اعتبر المناطق التي تعيش فيها مجاله الحيوي، الذي لابد من تفريغه من تلك العناصر التي لا تنتمي إلى الفولك والتي تعوق تحقيقه لمصلحته وأهدافه. السياق السياسي والاجتماعي الألماني اليهودي للإبادة Jewish-German Political and Social Context of the Extermination ولكن إلى جانب هذه الظروف الألمانية العامة، كانت هناك ظروف خاصة بأعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا ساهمت في تحويل الموقف المتفجر إلى وضع مدمر بالنسبة لهم ولغيرهم من الأقليات، وهو ما سنتناوله في هذا الجزء. لم يكن للجماعة اليهودية في ألمانيا وزن عددي يذكر. فمن الناحية الكمية المحضة، لم يكن أعضاؤها يُشكلون أي تحدٍّ خاص للأغلبية الألمانية الساحقة كما يبيِّن الجدول التالي: السنة / عدد اليهود / النسبة الى عدد السكان 1871 / 512150 / 1.22% 1880 /512612 / 1.24% 1890 /567884 / 1.15% 1900 /586833 / 1.04% 1910 /615.021 / 0.95% ويُلاحَظ من الجدول السابق أن الجماعة اليهودية لم تكن آخذة في التزايد برغم الانفجار السكاني في أوربا في القرن التاسع عشر (زاد عدد يهود شرق أوربا بين عامي 1800 و1935 بنحو ستة أضعاف) . كما أن نسبة يهود ألمانيا إلى عدد السكان كانت آخذة في التناقص، وقد تزايد هذا الاتجاه عام 1910 بسبب التنصُّر والزواج المختلط الذي بلغت نسبته بين عامي 1921 و1927 نحو 44.5% من جملة الزيجات اليهودية. ولذا، لم تكن المسألة اليهودية في ألمانيا كامنة في الكم كما كان الوضع (إلى حدٍّ ما) في شرق أوربا، وإنما في الكيف، وعلى وجه التحديد في الوضع الوظيفي المتميِّز لأعضاء الجماعة اليهودية الذي تأثر تأثراً عميقاً بعملية التحديث في ألمانيا. فقد كان أعضاء الجماعة، حتى نهاية القرن الثامن عشر، يعيشون أساساً في الريف والمدن الصغيرة. ولكن، مع بدايات القرن التاسع عشر وظهور الاقتصاد الجديد، هاجرت أعداد هائلة منهم إلى المدن الكبرى. ومع نهاية القرن، كانت أغلبيتهم تقيم في المدن الكبرى مثل براسلاو وليبزج وكولونيا، بالإضافة إلى هامبورج وفرانكفورت، وكانت برلين تضم ثُلث يهود ألمانيا. وأدَّى تركز يهود ألمانيا في المدن إلى وضوح تمايزهم الوظيفي والمهني، وهي ظاهرة موغلة في القدم في دول وسط أوربا، وخصوصاً في ألمانيا. فلقد كان أعضاء الجماعة اليهودية في الإمارات الألمانية يُشكِّلون، في العصور الوسطى، جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بدور التاجر والصيرفي والمرابي، ثم تم طردهم من عدة مدن وإمارات ألمانية، فهاجروا منها إلى مدن وإمارات ألمانية أخرى. ولكن، مع حلول القرن السادس عشر، سُمح لليهود بالاستقرار في كثير من المدن والإمارات التي كانوا قد طُردوا منها، وتم استقدامهم كعنصر تجاري نشط لديه رأس المال اللازم والاتصالات الدولية. وكان يهود المارانو (الذين طُردوا من شبه جزيرة أيبريا) من أهم هذه العناصر. وعادةً ما كان يتم استقدام اليهود، سواء في العصور الوسطى أو في القرن السادس عشر، بأمر من الإمبراطور أو الأمير أو النخبة الحاكمة، فكان أعضاء الجماعات اليهودية يتبعون النخبة الحاكمة (أو أحد أعضائها) بشكل مباشر ويُشكِّلون مصدر دخل كبير لها، وكان الممولون اليهود يقومون باعتصار الجماهير من خلال الفوائد الضخمة التي يُحصِّلونها على قروضهم. ولكن النخبة الحاكمة كانت تستولي على نسبة ضخمة من الأرباح في نهاية الأمر عن طريق الضرائب التي تفرضها على أعضاء الجماعات اليهودية. وفي القرن السادس عشر ظهرت مهنة يهودي البلاط الذي يدير الخزانة الملكية ويعقد الصفقات والقروض بالنيابة عن الأمراء ويمول الحروب ويدير الاتصالات التجارية اللازمة، أي أن أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا كانوا مرتبطين بالحاكم ملتصقين به ومتميِّزين طبقياً ومهنياً عن بقية أفراد الشعب، وهو وضع ازداد تبلوراً في القرن التاسع عشر، كما يبيِّن الجدول التالي الخاص بتوزيع أعضاء الجماعة اليهودية في المهن والحرف المختلفة: المهنة أو الحرفة / 1895 / 1903 الزراعة / 1.4% / 1.3% الصناعة / 19.3% / 22.03% التجارة والنقل / 56.0% / 50.6% عمال أجراء / 0.4% / 0.6% مهن حرة / 6.1% / 6.5% أعمال حرة / 16.7% / 19.0% وكان وجود بعض أعضاء الجماعة اليهودية كوسطاء أمراً واضحاً جداً، فقد تركزوا في صناعة الأثاث والملابس الجاهزة وارتبطوا بالصيرفة والمحال التجارية، الأمر الذي حولهم إلى شخصيات مكروهة من الطبقة الوسطى، خصوصاً في ظروف الأزمة. واتضح كذلك وجود اليهود في مهنة الإقراض وتحصيل ريع الملكيات الزراعية (بالنيابة عن أصحاب الأملاك) ، كما عملوا تجار مواش، الأمر الذي جعلهم مكروهين من الفلاحين. وقبل الحرب العالمية الثانية، كان عدد يهود ألمانيا لا يزيد على 1% وكان يهود برلين يُشكِّلون 5% من سكانها، ومع هذا كانوا يُشكِّلون النسب التالية في بعض القطاعات الاقتصادية في برلين: النسبة / القطاع الاقتصادي 70% / من مجموع أصحاب الحوانيت 30% / من مجموع تجار الملابس 25% / في تجارة الأثاث 17% / من مجموع العاملين في المصارف 10% / من الأطباء 16% / من المحامين ومن الإحصاءات الأخرى ذات الدلالة أن يهود برلين الذين كانوا يشكلون ـ كما أسلفنا ـ 5% من سكانها كانوا يدفعون 30% من جملة الضرائب، وكان يهود فرانكفورت الذين يشكلون 7% من سكانها يدفعون 28% من ضرائبها، كما بلغت نسبة أصحاب الأعمال ومديري البنوك من اليهود في برلين 55.15% في عام 1882، ثم هبطت إلى 32.6% في عام 1925 (وهي أيضاً نسبة عالية) . وتقول الموسوعة اليهودية العالمية إن الهبوط في النسبة المئوية لم يصاحبه هبوط في النفوذ، إذ كان اليهود، في بعض السنوات، يُديرون أهم ثلاثة بنوك تتحكم في 60% من نسبة الإقراض في بعض السنوات، وكانوا يديرون نحو ثلاثة أرباع القروض الأجنبية التي مُنحت لألمانيا من عام 1924 إلى عام 1929. كما سيطر اليهود على 57.32% من صناعة المعادن في عام 1930. وهكذا، ارتبط اليهود في العقل الألماني بالمشروع الحر والمضاربات والسياسات الليبرالية. ومن جهة أخرى، كان والتر راتناو (وزير التعمير ثم وزير الخزانة في حكومة وايمار) يهودياً، كما كان واضع دستور هذه الجمهورية (التي استمرت فترة قصيرة) يهودياً أيضاً. وكانت هذه الجمهورية ترمز في العقل الألماني لليبرالية المتخاذلة المتهالكة أمام هجوم أعداء ألمانيا. ومن قبيل المفارقات أن أعضاء الجماعة اليهودية ارتبطوا بالمثل الليبرالية في وقت كان فيه المجتمع الألماني (ككل) يتخلى، بعد تَعثُّر التحديث، عن هذه المُثٌل ليبحث عن طرق أخرى شمولية لحل مشاكله. ولعل في هذا الارتباط الوثيق بين الرأسمالية الألمانية ويهود ألمانيا ما يُفسِّر النقد الاشتراكي الثوري العنيف لليهود باعتبارهم ممثلين للرأسمالية، ولليهودية باعتبارها دين الاقتصاد الجديد. ولعل هذا يُفسِّر أيضاً السبب في أن ماركس يَقرن اليهودية بروح التجارة ويُوحِّد بينهما، ويرى أن إله إسرائيل الطماع هو المال. وهذا التراث الاشتراكي في نقد الشخصية اليهودية نابع من تربة ألمانية أساساً، حيث كان اليهود ممثلين بشكل واضح في الطبقات الرأسمالية. ولا ينطبق هذا، بأية حال، على شرق أوربا حيث تحوَّلت البورجوازية الصغيرة والجماعات اليهودية إلى بروليتاريا تعاني من ويلات الفقر. وبرغم هذا الربط بين الجماعات اليهودية والرأسمالية في ألمانيا، فقد انضم عدد كبير من المثقفين اليهود إلى الحركات الثورية فيها، وكان ارتباطهم بها على المستوى الفردي واضحاً وضوح الارتباط الجماعي لليهود بالرأسمالية. فكان رئيس حكومة بافاريا الثورية (البلشفية) يهودياً، وكان كثير من قيادات الحركة الثورية المتطرفة (مثل روزا لوكسمبرج) من اليهود، وكان هناك شبح ماركس يرفرف على الجميع. ثم اتضح عام 1917 الوجود اليهودي الملحوظ في الثورة البلشفية (التي كان يُطلَق عليها في بعض الأوساط «الثورة اليهودية» ) . وهكذا، ارتبط اليهودي بالصناعة والاستغلال والمشروع الحر، وكذلك بالثورة الاشتراكية المتطرفة والحركات الثورية، أي أن اليهودي أصبح رمزاً جيداً لهذا المجتمع الحديث (جيسيلشافت) المبني على التعاقد والتنافس، والذي قوض دعائم المجتمع الألماني المترابط (جماينشافت) ، وأصبح بؤرة تتجمع فيها مخاوف الطبقة الوسطى التي كانت آخذة في التدهور الاجتماعي والطبقي بسبب التضخم والبطالة. بل أصبح رمزاً لكل تلك القوى، من اليمين واليسار، التي أودت بألمانيا وفرضت عليها أن تذعن للحلفاء. وحينما استأنفت ألمانيا عملية التحديث بعد الحرب، تمت هذه العملية بقروض أجنبية وتحت رعاية الدولة، أي أن النمط الاقتصادي السائد في ألمانيا لم يكن فيه مجال للرأسمال الحر تماماً ولا للنمط الاشتراكي الجمعي. وارتطمت الدولة النازية بكل من الرأسمال الحر الذي ارتبط به اليهود واليسار المتطرف الذي وُجد فيه اليهود بشكل ملحوظ. وساهمت العوامل السابقة جميعاً، بشكلٍّ أو بآخر، في عزل أعضاء الجماعة اليهودية عن بقية التشكيل السياسي الحضاري الألماني. ولكن العنصرين التاليين كانا حاسمين في فصلهما عن سواد الشعب الألماني، وفي تهميشهما تماماً. والعنصران هما: 1ـ العلاقة الخاصة بين أعضاء الجماعة اليهودية والمشروع الاستعماري الألماني: تعود العلاقة الخاصة بين أعضاء الجماعة اليهودية والمشروع الاستعماري الألماني إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتُعتبَر امتداداً لظاهرة يهود البلاط ولارتباط أعضاء الجماعة بالحاكم. (تُعَدُّ عائلة روتشيلد مثلاً جيداً على ذلك، حيث كانت آخر أسرة من أسر يهود البلاط وهي أيضاً أول أسرة يهودية ثرية تتولى مشاريع الاستيطان الصهيوني) . والجدير بالذكر أن وضع اليهود تحسن كثيراً في منتصف القرن التاسع عشر مع توحيد ألمانيا، فقد كان ثلاثة من أهم مستشاري بسمارك من اليهود. ويُقال إن اليهودي المتنصِّر فريدريك ستاهل هو مُنظِّر الدعوة إلى العسكرية البروسية. والواقع أن بسمارك كان يفكر، حسب تقاليد النخبة الحاكمة الألمانية، في استخدام اليهود دائماً في مشاريعه. ويظهر ذلك الاتجاه بشكل أوضح في تفكير إمبراطور ألمانيا (ويلهلم الثاني) الذي كان يرى إمكان استخدام اليهود في مشروعه الاستعماري، كما كان واعياً بالقدرات المالية لليهود وحجم اتصالاتهم الدولية. وكانت مفاوضات هرتزل، مع إمبراطور ألمانيا، تدور داخل هذا الإطار وتنطلق من هذا التفاهم الضمني. وفي الوقت نفسه، كانت المنظمة الصهيونية في ألمانيا لا تكف عن الحديث عن نفع اليهود وإمكان استخدامهم في المشاريع الاستعمارية الألمانية، وتوطينهم في فلسطين أو في غيرها تحت راية الاستعمار الألماني. وقامت جمعية الغوث الألمانية اليهودية بالمساهمة في النشاط الاستطاني الصهيوني باسم الاستعمار الألماني، كما كان يُنظَر إلى العنصر اليهودي من شرق أوربا (المتحدث باليديشية) باعتباره عنصراً ألمانياً، يمكن تسخيره في صالح المشروع الألماني الاستيطاني. وكما هو معروف، صدر وعد بلفور الذي ينطوي، بشكل ضمني، على إمكان تحويل اليهود إلى عناصر تدين بالولاء للاستعمار الإنجليزي. ورغم هذا، استمرت رئاسة المنظمة الصهيونية الموجودة آنذاك في ألمانيا في التقرب إلى النظام الحاكم، واستمرت في بذل المحاولات لاستصدار وعد بلفوري ألماني. ولكن هذه الجهود لم تُثمر، بسبب علاقة ألمانيا الخاصة بالدولة العثمانية ورفض الخليفة العثماني الموافقة على المشروع الصهيوني حتى ولو تم في إطار المشروع الاستعماري الألماني. ومع هذا، أصدرت الحكومة الألمانية (بعد صدور وعد بلفور) تصريحاً مبهماً يشبه وعد بلفور من بعض الوجوه، تَعد فيه بمساعدة المشروع الصهيوني على أمل أن تجند يهود العالم لصالحها وتكسبهم إلى صفها. وقد جاء هذا التصريح متأخراً، ولم يؤد في النهاية إلى شيء يُذكر. ولكن ما يهمنا في هذا السياق هو أن التعامل مع اليهود (باعتبارهم جزءاً من المشروع الاستعماري الألماني) يُعتبَر (في جوهره) تهميشاً لهم من منظور المشروع القومي الألماني، فهو يعطيهم حقوقاً للاستيطان في فلسطين، كما يمنحهم الحق في التمتع برعاية الحكومة الألمانية «خارج» ألمانيا، الأمر الذي يعني ضمناً إنكار حقوقهم «داخلها» . فقد كان الاستعمار الاستيطاني هو الإطار الذي يتم من خلاله تصدير الفائض البشري غير المرغوب فيه إلى الشرق. ولكن القيادة الصهيونية، بقبولها هذا الإطار، رضيت بالتعريف الضمني الكامن لليهود كعنصر غريب غير منتم يجب أن يتم تصديره عن طريق التهجير. وهذا، على كل حال، هو التعريف الصهيوني (الواضح) لليهود. 2 ـ تهميش اليهود من خلال هجرة يهود شرق أوربا: تسبَّبت الهجرة الكثيفة ليهود اليديشية في أعقاب تعثُّر التحديث في شرق أوربا في تهميش اليهود وفصلهم عن التشكيل القومي الألماني العضوي. ومن الجدير بالذكر أن الهجرة اليهودية الحديثة اتسمت بأنها هجرة داخلية في أوربا (أي من بلد أوربي إلى آخر) حتى عام 1880. ولم تبدأ الهجرة عبر الأطلنطي بشكل مكثف إلا بعد ذلك التاريخ. وقد هاجر، في المرحلة الأولى بصفة خاصة، مئات الألوف، ووصلت أعداد كبيرة منهم إلى إنجلترا وتسببوا في استصدار وعد بلفور لتحويل سيل الهجرة عنها، كما وصلت أعداد لا بأس بها إلى ألمانيا. ومما زاد الأمور سوءاً أن ألمانيا قامت، في نهاية القرن الثامن عشر، بضم بولندا التي كانت تضم يهوداً من المتحدثين باليديشية (أوست يودين، أي يهود شرق أوربا) ، وهو ما كان يعني أن يهاجر هؤلاء إلى المدن الألمانية الكبرى. وبالفعل، انتقل معظم يهود بوزنان إلى ألمانيا، وكذا أعداد كبيرة من يهود جاليشيا. ولا شك في أن ظهور هذه الكتلة الضخمة من يهود شرق أوربا ذوي الطابع الجيتوي المنغلق، والذين لا يوجد لديهم (كغرباء مُقتَلعين) التزام قوي بالمعايير الأخلاقية المحلية أو بالقيم الغربية، كما يفتقرون إلى الكفاءات المطلوبة في التعامل مع أوربا الحديثة والاقتصاد الجديد، كان يمثل تهديداً للموقع الطبقي لليهود ولمكانتهم الاجتماعية. وقد شهدت سنوات العشرينيات من هذا القرن هجرة يهودية ضخمة من بولندا بسبب الأزمة الاقتصادية. وقد أشرنا من قبل إلى النسبة المرتفعة من الزيجات المُختلَطة بين يهود ألمانيا، ويمكن أن نضيف هنا أننا نعتقد أن النسبة كانت عالية للغاية بين اليهود من أصل ألماني، ولكن الإحصاءات لا تذكر سوى المتوسط العام دون أن تُفرِّق بين يهود شرق أوربا المقيمين في ألمانيا واليهود من أصل ألماني. وبوجه عام كان يهود ألمانيا يختفون، بينما كان يهود الشرق يحلون محلهم، أي أن الطابع العام للجماعة اليهودية كان آخذاً في التغير وفي اكتساب طابع غير ألماني (كانت نسبة اليهود الأجانب بين يهود ألمانيا هي 2.7 % عام 1880، ارتفعت إلى 12.8% عام 1910، ولا شك أنها استمرت في التزايد بعد هذا التاريخ) . وتحوَّلت ألمانيا، بعد الحرب العالمية الأولى، إلى مركز للثقافة العبرية نتيجةً لهرب عديد من الكتاب اليهود من روسيا، فتم تأسيس دار نشر عبرية، كما أسست الحركة الصهيونية كثيراً من المدارس لتعليم العبرية. (وهو اتجاه أيده النازيون فيما بعد ودعموه لأنهم كانوا يرون ضرورة عبرنة اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً مستقلاً عن الشعب العضوي الألماني. ولنا أن نلاحظ أن الدولة النازية سبقت الدولة الصهيونية في تبنِّي كثير من مشارع العبرنة) . وكان من شأن هذا كله أن أصبح العنصر اليهودي مرة أخرى عنصراً عضوياً متماسكاً غريباً يقف خارج المجتمع أو على هامشه. ولذا، كان أحد المطالب الأساسية لأعداء اليهود وقف الهجرة من شرق أوربا لأنها تأتي بالغرباء. وكانت حقوق اليهود الأجانب مثار نقاش حتى في عهد جمهورية وايمار الليبرالي، ولهذا نجد بعض الألمان، ممن لا يمكن اتهامهم بمعادة اليهود، يطالبون بعدم السماح ليهود الشرق بامتلاك عقارات باعتبارهم أجانب لا باعتبارهم يهوداً. بل لقد طُرحت القضية نفسها داخل المنظمات اليهودية ذاتها: هل يُمنح اليهود الأجانب، الذين كانوا يشكلون أحياناً الأغلبية في بعض المجتمعات، حق التصويت في الانتخابات؟ وبالفعل، قرر كثير من هذه التجمعات السماح ليهود الشرق بالانضمام إليها بدون ممارسة حق التصويت. ولعل تأسيس جمعية الغوث كان يهدف إلى إبعاد يهود الشرق عن ألمانيا حتى لا يتأثر وضع اليهود داخلها، كما هو الحال مع جمعيات الغوث الأخرى (التوطينية) التي أنشأها أثرياء اليهود في الغرب (أمثال هيرش وروتشيلد) . وظهرت في هذه المرحلة جمعيات يهودية، مثل: التنظيم المركزي للمواطنين الألمان من أتباع العقيدة اليهودية (وهي جمعية يهودية تدعو إلى الاندماج) ، وجمعية غوث يهود ألمانيا (وهي جمعية خيرية قامت بنشاط استيطاني في فلسطين كما أشرنا) ، وغير ذلك من جمعيات دينية وثقافية. وتم تأسيس اتحاد عام لهذه الجمعيات في أواخر العشرينيات. ولكن الأمر الذي يجدر ذكره، من وجهة نظر هذه الدراسة، هو تأسيس فرع للمنظمة الصهيونية في ألمانيا (بل أصبح المقر الرئيسي داخل ألمانيا منذ عام 1904) . وترأس فرع ألمانيا رجل ألماني متزوج من يهودية من شرق أوربا (كورت بلومنفلد) طرح شعارات قومية عضوية كانت تسبب الكثير من الحرج لأعضاء الجماعة الذين كانوا يحاولون الاندماج. وتُوِّجت جهوده باستصدار قرار بوزنان الصهيوني عام 1912 الذي جعل من الهجرة إلى فلسطين هدفاً أساسياً لكل يهودي. وظل الصهاينة، ومعظمهم من أصل شرق أوربي، يتقبلون مختلف المنطلقات القومية العضوية. فدافع مارتن بوبر عن علاقة التربة بالدم، كما دافع عن أن اليهود شعب آسيوي أساساً. وتحدث ناحوم جولدمان عن اليهود كعنصر هدام في كل المجتمعات لأنهم غرباء، وتحدث جيكوب كلاتسكين عن ازدواج الولاء عند اليهود، وتحدث حاييم وايزمان عن اليهود باعتبارهم عنصراً فائضاً يقف في حلق الأمة الألمانية، وهي شعارات تعود كلها لتيودور هرتزل وماكس نوردو اللذين وضعا أساس الصهيونية الألمانية. وأشاعت هذه الدعاية صورة سلبية للغاية عن أعضاء الجماعة اليهودية وعن عدم إمكان دمجهم في الشعب العضوي الألماني. وفي هذا المناخ، ظهر هتلر وظهرت النازية. وأثناء محاكمات نورمبرج، أصر الزعماء النازيون، الواحد تلو الآخر، على أنهم تعلموا ما تعلموه عن المسألة اليهودية من أدبيات الصهاينة. ورغم هذا الجو الهستيري الصهيوني النازي، ظلت الجماعة اليهودية رافضة للمنطق الصهيوني واستمرت في مقاومة المنطق النازي. ومع وصول هتلر للحكم، استولى الصهاينة على قيادة الجماعة اليهودية وطرحوا برنامجاً عام 1933 لإعادة صياغة الجماعة اليهودية في ألمانيا وتعليم اليهود ما يتفق مع التقاليد الصهيونية، وذلك عن طريق مزج القومية بالدين بهدف تهجيرهم خارج ألمانيا. وقد وَصفت جمعية التنظيم المركزي للمواطنين الألمان هذا الموقف من قبل الصهاينة بأنه طعنة في الخلف. أما النازيون، فوافقوا على الطرح الصهيوني للقضية وقدَّموا التأييد والدعم للأنشطة والمؤسسات الصهيونية. وكانت كل هذه الأسباب النابعة من الملابسات التاريخية والسياسية والحضارية العامة (أي المرتبطة بالمجتمع الألماني ككل) ، والخاصة (أي المرتبطة بالجماعة اليهودية على وجه التحديد) ، هي التي أدَّت إلى ارتطامهم بالنظام النازي وإلى إبادة أعداد كبيرة منهم (بالمعنيين العام والخاص اللذين نطرحهما، أي الإبادة من خلال التجويع والسخرة والتهجير والإبادة من خلال التصفية الجسدية) . الإبادة النازية للغجر Nazi Extermination of Gypsies ارتبطت عبارة «الإبادة النازية» بكلمة «اليهود» بحيث استقر في الأذهان أن النازيين لم يبيدوا سوى اليهود. وقد ساعد الإعلام الغربي والصهيوني على ترسيخ هذه الفكرة حتى أصبح دور الضحية حكراً على اليهود. بل تطور الأمر إلى حد أنه إذا ما أراد باحث أن يبيِّن أن الإبادة النازية لم تكن مقصورة على اليهود، وإنما هي ظاهرة شاملة ممتدة تشمل الغجر والسلاف والبولنديين وغيرهم، فإنه يصبح هدفاً لهجوم شرس. ونحن نرى أن ثمة اتجاهاً كامناً نحو الإبادة في الحضارة العقلانية المادية الحديثة، وأنه تحقق بدرجات متفاوتة من الحدة والتبلور واتخذ أشكالاً مختلفة. وإحدى لحظات التحقق المتبلورة هي الإبادة النازية للغجر، التي ورد الوصف التالي لها في إحدى منشورات اليونسكو. كانت إبادة الغجر مُدرجة في برنامج ألمانيا النازية. وكان لدى شرطة إقليم بافاريا الألماني منذ عام 1899 قسمٌ خاص «بشئون الغجر» يتلقى نسخاً من قرارات المحاكم المكلّفة بالبت في المخالفات التي يرتكبها الغجر. وتحوَّل هذا القسم عام 1929 إلى «مركز وطني» مقره ميونيخ، وحُظر على الغجر منذ ذلك التاريخ التنقل بدون تصريح الشرطة. وكان الغجر الذين يزيد أعمارهم على السادسة عشرة ولا يعملون يُجبرون على العمل لمدة سنتين في مركز من مراكز التأهيل. وابتداءً من عام 1933، وهو تاريخ وصول هتلر إلى الحكم، زادت تلك القيود شدة وصرامة. وطُرد الغجر الذين لا يحملون الجنسية الألمانية، وزُجّ بالباقين في المعتقلات بحجة أنهم «غير اجتماعيين» . ثم بدأ الاهتمام بالبحث في الخصائص العِرقية للغجر، فأعلن الدكتور هانز جلوبكه ـ أحد المساهمين في صياغة قوانين نورمبرج ـ عام 1936 ـ أن الدم الذي يجري في عروق الغجر «دم أجنبي» . ثم صنَّفهم الأستاذ هانز ف. حينثر في فئة مستقلة تمثل مزيجاً عرْقياً غير محدَّد (إذ لم يستطع نفي أصلهم الآري) . وبلغت الخصائص العرْقية لدى الغجر من الأهمية درجة أهلتها لأن تصلح موضوعاً لرسالة دكتوراه. ومما قالته إيفا جوستين مساعدة الدكتور ريتّر في قسم الأبحاث العِرقية بوزارة الصحة (عند مناقشة رسالتها) إن الدم الغجري «يُشكِّل خطراً بالغاً على صفاء الجنس الألماني» . ووجَّه طبيب يُدعَى الدكتور بورتشي مذكرة إلى هتلر يقترح فيها فرض الأشغال الشاقة على الغجر وتعقيمهم بالجملة نظراً لأنهم "يُشكِّلون خطراً على نقاء دم الفلاحين الألمان". وفي 14 ديسمبر عام 1936، صدر قرار أدى إلى تفاقم أوضاع الغجر إذ وصمهم بأنهم «مجرمون معتادون على الإجرام» . وفي نهاية عام 1937 وخلال عام 1938 شُنت حملات اعتقال جماعية عديدة ضد الغجر وخُصِّص لهم جناح في معتقل بوخنولد، وكانت قوائم الوفيات في كثير من المعسكرات تحوي أسماء غجرية يُذكَر منها: ماوتهاوسن وجوسن وداوتمرجن وناتلزفايلر وفلوسنبورج. وفي رافنسبروك، راحت كثيرات من نساء الغجر ضحايا لتجارب أطباء الشرطة العسكرية الهتلرية الإس. إس. (ss) . وفي عام 1938، أصدر هملر بنفسه أمراً بنقل مقر المركز الوطني لشئون الغجر إلى برلين. وفي السنة نفسها اعتُقل ثلاثمائة غجري كان قد استقر بهم المقام في قرية مانفويرت حيث كانوا يملكون الحقول والكروم. وقد أمر هملر بتصنيف الغجر في الفئات التالية: غجري صرف (Z) ، وخلاسي يغلب عليه العرْق الغجري (ZM+) ، وخلاسي يغلب عليه العرْق الآري (ZM-) ، وخلاسي يتساوى فيه العرْقان الغجري والآري (ZM) . ويميِّز المؤرخ ح. بلِّنج في كتابه ألمانيا وإبادة الجنس بين أساليب مختلفة لإبادة الجنس تتمثل في الإبادة عن طريق إزالة القدرة على الإنجاب واختطاف الأطفال، والإبادة عن طريق الزج في المعتقلات، والإبادة عن طريق الإفناء. وقد عُقِّمت في مستشفى برسلدورف - لبيرنفلد نساء غجريات متزوجات من غير الغجر، ومات بعضهن على أثر تعقيمهن وهنَّ حوامل. وفي رافنسبروك، قام أطباء الإس. إس. بتعقيم مائة وعشرين فتاة غجرية صغيرة. وكان من أمثلة الإبادة الجماعية عن طريق الاعتقال ترحيل خمسة آلاف غجري من ألمانيا إلى جيتو لودز في بولندا، وكانت ظروف المعيشة في هذا الجيتو من الفظاعة بحيث لم ينج أحد من هؤلاء الغجر من الهلاك. ومع ذلك فإن الطريقة التي كان يؤثرها النازيون هي طريقة الإفناء المباشر. ويُعتقد أن قرار إبادة الغجر بالإفناء اتُخذ في ربيع عام 1941 عندما شُكِّل ما عُرف باسم «فرق الإعدام» . ولكي يتحقق ذلك كان يتعيَّن جمع الغجر في أماكن محددة. فمنذ صدور قرار هملر في 8 ديسمبر 1938، كانت أماكن سكنى الغجر قد أصبحت معروفة لدى الشرطة، ثم جاء قرار 17 نوفمبر 1939 ليحظر عليهم ترك منازلهم أو ليضعهم تحت طائلة الحبس في معسكرات الاعتقال. ورُحل ثلاثون ألف غجري إلى بولندا فلاقوا حتفهم في معتقلات الموت في بلزك وتربلينكا وسوبيبور ومايدانك، شأنهم شأن آلاف آخرين رُحلوا من بلجيكا وهولندا وفرنسا إلى معتقل أوشفيتس. ويروي هويس، قائد المعتقل، في مذكراته أنه كان بين المعتقلين شيوخ يناهزون المائة سنة من العمر ونساء حوامل وأعداد كبيرة من الأطفال. كذلك يروي بعض السجناء الذين نجوا من الهلاك، كما يسرد كولكا وكرواس في كتابهما المعنون مصنع الموت، قصة مذبحة الغجر الرهيبة التي وقعت في ليلة 31 يوليه عام 1944. وفي بولندا، كان الغجر يُقتلون في معسكرات الموت أو يُعدمون في البراري. وامتد نطاق القتل إلى الاتحاد السوفيتي عندما اندلعت نيران الحرب بين الألمان والسوفييت، فكانت فرق الإعدام التابعة للإس. إس. تسير مع الجيوش الألمانية، وكانت القبور الجماعية تملأ مناطق البلطيق وأوكرانيا والقرم. وفي ليلة 24 ديسمبر 1941 أُعدم رمياً بالرصاص في سيمفيروبول ثمانمائة غجري من الرجال والنساء والأطفال. وحينما زحفت الجيوش النازية، كان الغجر يُعتقلون أو يُرحلون إلى المعسكرات أو يُقتلون. وفي يوغسلافيا، كان الغجر واليهود يُعدمون في غابة باجنيس. ومن الصعب تقدير عدد الغجر الذين كانوا يعيشون في أوربا قبل الحرب العالمية الثانية وعدد ضحايا هذه الحرب. ويُقدِّر المؤرخ راؤول هيلبرج عدد الغجر في ألمانيا قبل الحرب بأربعة وثلاثين ألف نسمة؛ أما عدد من بقي منهم على قيد الحياة بعدها فغير معروف. ويتبيَّن من تقارير فرق الإعدام أن عدد الضحايا في روسيا وأوكرانيا والقرم بلغ ثلاثمائة ألف غجري، بينما تُقدر السلطات اليوغسلافية عدد القتلى من الغجر بثمانية وعشرين ألفاً في الصرب وحدها. أما عدد الضحايا في بولندا، فمن الصعب تقديره وإن كان المؤرخ تيننباوم يؤكد أن الشعب الغجري فقد على الأقل خمسمائة ألف من أبنائه. هذا، مع العلم بأن الشعب الغجري شعب عريق وكثير النسل (على عكس اليهود) .وعلى كل حال، ومهما اختلفت النسب، فإن نسبة من أُبيد من الغجر (إلى عددهم الكلي) يفوق نسبة من أُبيد من اليهود. مارتن هايدجر (1889 – 1976 (والنازية Martin Heidegger and Nazism في كتابه المعنون الحداثة الرجعية: التكنولوجيا والثقافة والسياسة في جمهورية فايمار والرايخ الثالث يُبيِّن جيفري هيرف أن الحداثة لم تكن حركة نحو اليمين أو نحو اليسار، إذ يرى أن هناك حداثة رجعية فاشية هي حداثة انتصار الإرادة على العقل، والروح المبدعة على الحدود. وفي إطار هذه الحداثة ترتبط الإرادة المنتصرة بالعنصر الجمالي الذي يصبح هو وحده مبرر الحياة، ولذا تُعَّلق (أي تُعطَّل) كل المعايير الأخلاقية وتهيمن الرغبة التي لا تعرف أية حدود. وفي حديثه عن هذه الحداثة الرجعية يُبيِّن هيرف أن مصادرها متعددة، يذكر من بينها ما يلي: الرومانسية ـ أيديولوجية الفولك ـ المصطلح الوجودي عن الذات والأصالة ـ الداروينية الاجتماعية ـ فلسفات الحياة Lebensphilosophie ـ احتفاء نيتشه بالجمال الذي يتجاوز الأخلاق أو الذي لا علاقة له بالأخلاق (بالإنجليزية: أمورال amoral) ـ الاحتفال بالجمال باعتباره معياراً «أخلاقياً» ـ تمجيد التكنولوجيا وربطها بالقيم المتجاوزة للأخلاق. ويستمر هيرف، عبر كتابه، في تعداد هذه العناصر وغيرها. ونحن نرى أنه رغم دقة ملاحظاته وجدَّتها إلا أن كتالوج العناصر الذي قدَّمه يتسم بعدم الترابط. وقد يكون من الأجدى أن نرى نمطاً عاماً في الحضارة الغربية: تصاعد معدلات الحلولية الكمونية والانتقال من العقلانية المادية (المتجاوزة للقيمة والأخلاق والغائية الإنسانية) إلى اللاعقلانية المادية (المتجاوزة للقيمة والأخلاق والغائية الإنسانية) والتأرجح بين الذات والموضوع (وهو نمط عام يصل إلى قمته في فلسفة ما بعد الحداثة) . وفلسفة مارتن هايدجر (1889 ـ 1976) ، الوجودي والفينومينولوجي، هي جزء من هذا النمط العام. وهو يُعَدُّ من أهم فلاسفة القرن العشرين في الغرب، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، وينزله البعض منزلة أفلاطون وهيجل. وقد تأثر هايدجر بأعمال جيكوب بومه والمعلم إيكهارت ونيتشه وكيركجارد وهوسرل، ويبدو أن الفكر الغنوصي ترك أثراً عميقاً فيه. وكتابه الأساسي: الوجود والزمن (1927) ، بالإضافة إلى كتبه الأخرى: كانط ومشكلة الميتافيزيقا (1929) ، وماهية الحقيقة (1943) ، ومدخل إلى الميتافيزيقا (1935) ، ورسالة حول الإنسانية (1947) ، وما الفلسفة (1955 (. ونقطة انطلاق هايدجر هي الوجود، فالسؤال الأساسي عنده هو: ما معنى الوجود؟ فهو السؤال الذي يجب أن يسأله كل إنسان ليصبح إنساناً. ويذهب هايدجر إلى أن الخلل الأساسي في الأنطولوجيا الغربية أنها سقطت في ثنائية راديكالية فظنت أن الوجود هو كيان موضوعي مفارق للذات ثم قامت بفصل الواحد، وبحدة، عن الآخر، فحوَّلت العالم الموضوعي إلى مادة لا أسرار فيها ولا سحر خاضعة للحَوْسَلة منفصلة تماماً عن الذات، كما تحوَّل الإنسان إلى عقل أداتي وذات متعجرفة متكبرة تنفصل تماماً عن واقعها وتتعالى عليه بدلاً من التفاعل معه، تحاول أن تغزو الكون بدلاً من أن تعيشه، وتحاول أن تفرض صورتها على الكون وتحتل مركزه وتحوسله. وتتجلى هذه الرؤية من خلال فلسفة ديكارت وفكر حركة الاستنارة والفلسفة الوضعية والنزعة التكنولوجية. وفي محاولة تجاوز هذه الثنائية يرفض هايدجر العودة للإله، كما يرفض أن يعود إلى الذات المستقلة، وبدلاً من ذلك يطرح مشروعه الفلسفي الذي يصفه هو نفسه بأنه عملية هدم (بالإنجليزية: ديستراكشن destruction ـ بالألمانية: ديستروكسيون destruktion) للفلسفات السابقة، بل لكل الأنطولوجيا الغربية، أنطولوجيا الذات والموضوع (ويتحول الهدم [ديستراكش] إلى تفكيك بالإنجليزية: «ديكونستراكشن deconstruction» في خطاب دريدا الفلسفي، الذي يدين بالكثير لفلسفة هايدجر (. وجوهر عملية التفكيك أو الهدم هذه هو الاقتراب من الواقع بدون المنظار الديكارتي بحيث يتجاوز الدارس ثنائية الذات والموضوع وينظر إلى الوجود (شأنه في هذا شأن فلاسفة عالم الحياة) باعتباره الاثنين معاً. ومن هنا اهتمام هايدجر (ونيتشه من قبله) بالفلسفة اليونانية قبل سقراط، وهي فلسفة لم تعان في تصوره من انقسام الذات والموضوع. ونحن نذهب إلى أن هذا الانقسام الحاد بين الذات والموضوع هو سمة أساسية في كل الرؤى الحلولية الكمونية المادية التي ترفض فكرة المركز المفارق للمادة المنزه عنها، وتحاول أن تعين مركزاً كامناً أو حالاً فيها، فتجده إما في الإنسان أو في الطبيعة، إما في الذات أو في الموضوع. وتحسم هذه الثنائية الصلبة ذاتها إلى واحدية مادية بذوبان الذات في الموضوع، أو الموضوع في الذات (وإن كان البديل الأول هو الأكثر شيوعاً) . وهو انقسام لم تسلم منه الفلسفة اليونانية أو أية فلسفة حلولية كمونية مادية، قبل سقراط أو بعده، في اليونان أو خارجها. ونمط الثنائية الصلبة التي تؤدي إلى واحدية يظهر بوضوح في فلسفة هايدجر. يتناول هايدجر قضية الوجود من خلال مفهوم «دازاين Dasein» وهي كلمة ألمانية تعني حرفياً «الوجود هناك» (بالإنجليزية: بينج ذير being there) أي «الوجود في العالم» . وفي سياق فلسفة هايدجر يمكن ترجمتها إلى «الإنسان» أو «حالة كون الإنسان إنساناً» (بالإنجليزية: ذي مود أوف بينج هيومان the mode of being human) . وأهم خصائص وجود الإنسان أن وجوده لا يشبه وجود الشيء، فقانونه هو عدم التعين، فهو كائن غير ثابت، ليست له طبيعة محددة. وبما أن لكل فرد الحق في أن يقول «أنا» ، فإن الوجود الإنساني يتغيَّر من فرد لآخر. فهذا الأنا ليس جوهراً، أي ليس موضوعاً ثابتاً تجرى عليه التغيرات، بل هو ينبوع للإمكانات واستعداد لتحققها (عبد الرحمن بدوي (. وتوجد هذه الذات الإنسانية في عالم الصيرورة والزمان، لا فكاك لها منه، وليس لها وجود مستقل عنه. بل إن وجودها نفسه هو ثمرة علاقتها مع العالم المادي ومع الآخرين، ومع هذا لا تُردُّ الذات إلى واقع خارج عنها ولا تُستوعَب تماماً فيه. فالعلاقة بين الذات والموضوع علاقة جدلية. فالواقع الذي نتفاعل معه يصوغنا بقدر ما نصوغه نحن، ونمتلكه بمقدار ما يمتلكنا. والذات هي إمكانية دائمة ومشروع مستمر وحوار مستمر مع العالم. وعملية الحوار هذه تعني الصيرورة الدائمة، فالواقع الذي نتفاعل معه مركب تماماً، ولا يمكن إخضاعه لعملية الرد الفينومينولوجي أو التجريد الإيديتيكي التي تعلق الواقع (على الطريقة الهوسرلية) . ولا يمكننا استنفاد معناه تماماً ولا يمكن حوسلته أو استيعابه في مقولات منطقية مجردة عامة (ومن هنا عجز العلم الطبيعي عن فهم الوجود (. والإنسان كائن أُلقي به في عالم ليس من صنعه، ولكنه مع هذا عالمه الوحيد، ولا يمكن للإنسان أن يأخذ موقفاً تأملياً محايداً من هذا العالم، فنحن نصبح جزءاً من الأشياء التي في وعينا، ولذا فإن الإنسان ليس كائناً عارفاً وإنما هو كائن قلق بشأن مصيره في عالم غريب عنه. ويتسم الإنسان بأنه ليس لديه ردود فعل (موضوعية) للأحداث، فهو «يستجيب» لها، ومن ثم فالإنسان محتم عليه الاختيار ومحاولة فهم العالم. واللغة من أهم العناصر في الوجود الإنساني، فهي أساسية له (بل إنها توجد قبل جود الإنسان الفرد) ، وهي طريقة انفصال الإنسان عن الوجود ليشعر الإنسان بالدهشة تجاهه بل يشعر بوجوده (على عكس الكائنات الأخرى، والوجود بالنسبة لها كينونة وليس حضوراً، فهي كائنة في الوجود لا تعيشه) . ولكن اللغة هي أيضاً أداة اتصالنا مع العالم ومع الآخرين. ولكنها أداة ليست موصلة تماماً لا يمكنها الإفصاح تماماً عما لا يمكن تسميته، ولذا فاللغة لا يمكن أن تمثل الواقع كما أن اللغة تفقد حدتها بسبب تفاهة اللغة السائدة. ولعل هذا هو الذي حدا بهايدجر أن يحاول تطوير مصطلحه الخاص تماماً وأن ينحت كلمات جديدة ويلجأ للعب بالكلمات حتى يُفصح عن رؤيته الخاصة (كما فعل دريدا بعده متأثراً به) . كما أن هايدجر كان يذهب إلى أن لغة الشعر أكثر قدرة على التوصيل من اللغة العادية. ومع هذا كان يذهب إلى أن بعض الأفعال مثل «يستقر» و «يرى» تكشف عن الحقائق الأولية للوجود الإنساني. لكن الإنسان كمشروع مستمر وإمكانية غير متحققة قد يفقد ذاته ويصبح «الهُم» . وهي عبارة تعني ببساطة «الشخصية المتوجهة نحو الآخر» (بالإنجليزية: أذر دايركتيد other directed) والإنسان الاجتماعي بالمعنى السلبي، أو الإنسان المستوعَب تماماً في الأعراف الاجتماعية وآراء الآخرين (ولكن هايدجر يصر دائماً على تحاشي المصطلحات السوسيولوجية ويفضل المصطلحات الفلسفية الأنطولوجية التي ينحتها بسرعة وغزارة تسبب كثيراً من الصداع الذي لا مبرر له) . هذا «الإنسان الهُم» هو إنسان ذو بُعد واحد يحكم على نفسه بمعايير الآخرين ويُستوعَب في الآخرين ويسقط في لغو الحديث الذي يقف على الطرف النقيض من الحوار، فالحوار هو أن ترى الآخرين باعتبارهم بشراً (دازاين) لهم وجودهم الخاص المتعين، لا باعتبارهم أشياء موضوعية (داس مان: الهُم) بحيث يمكن الدخول معهم في علاقة حميمة تكشف شخصيتهم الأصيلة والحقيقية. والإنسان الهُم هذا لا يشعر بالدهشة الحقيقية وإنما يتسم بحب الاستطلاع، وحب الاستطلاع هو الرغبة في اقتناء الجديد والمختلف دون أي إحساس حقيقي بالدهشة. وحتى لا يسقط الإنسان في حالة الهُم هذه فهو دائماً في حاجة إلى الإحساس بالرهبة (بالألمانية: أنجست Angst، وبالإنجليزية: دريد dread) ويظهر هذا الإحساس عندما يدخل الإنسان في علاقة مع العدم من خلال إدراكه للموت (وهي لحظة لا يمكن للعلوم الطبيعية أن تدركها ولا يمكن للحياة اليومية أن تتعايش معها) . وعندما يمارس الإنسان الإحساس بالقلق وبتناهي الوجود الإنساني وبزمنيته، تسقط التفاصيل اليومية ويتوارى العالم العادي ويتفتح الوجود ويكشف عن نفسه وتكتشف الذات أصالتها وإمكانياتها وضمنها إمكانية الحرية والاختيار، حرية أن تختار الذات نفسها وأن تمسك بنفسها، ومن ثم تكتشف الذات قدرتها على تجاوز العالم وعلى الخروج من حدودها الضيقة (الهُم) لا لتعرف العالم وحسب ولتكون فيه وإنما لتوجد فيه، أي أن يتحقق وجودها الأصيل والحقيقي في العالم في الزمان. وتصل قمة الحرية إلى حرية الإنسان في أن يقابل الموت. ورغم حديث هايدجر عن العلاقة الجدلية التفاعلية التبادلية بين الذات والموضوع، ورغم محاولته المستميتة أن يحافظ على المسافة بين الذات والموضوع إلا أنهما يلتحمان (بسبب غياب المركز المفارق) بعد فترة من التأرجح (المأساوي أحياناً، والملهاوي أحياناً أخرى) بين الذات المطلقة التي لا حدود لها ولا قيود عليها والتي تلتهم الموضوع، والموضوع المطلق، الذي يتجاوز كل شيء، وضمن ذلك الإنسان الفرد، ويبتلع كل الذوات، أي أن هايدجر يتأرجح فلسفياً بين العقل الإمبريالي النيتشوي الدارويني والعقل الأداتي البرجماتي. فلنأخذ على سبيل المثال مفهوم هايدجر للتاريخ الإنساني، التاريخ بالنسبة له ليس تاريخاً متعيناً، وإنما هو زمان وحسب، تجربة ذاتية وجودية، يصبح الوجود من خلالها حضوراً، أي تجربة فريدة معاشة، وهكذا يختفي أي مركز مفارق للإنسان ولا تبقى إلا الذات. (وسنرى كيف أن الذات الهتلرية تبتلع الموضوع الألماني بل كل الوجود) . ويحدث الشيء نفسه للذات، إذ يذهب هايدجر إلى أن الذات لا يمكن أن تكون نفسها في أية لحظة، فهي في حالة صيرورة مقلقة، ولا يمكن للإنسان الفرد أن يمسك بوجوده تماماً، فوجود الإنسان يسبقه دائماً كمشروع غير متحقق بعد، وهو مشروع دائم لا ينتهي، ومن ثم فالوجود الفرد إن هو إلا وهم. وللخروج من هذه الحالة اقترح هايدجر، كما أسلفنا، تجربة الرهبة (أنجست) الناجمة عن مواجهة الموت والعدم والتأمل فيهما. ولكن هذا ليس هو الحل الوحيد، فهناك الحل الألماني المثالي/المادي المألوف، أي افتراض أن الذات والوجود هما شيء واحد، أو أن كليهما موضع الحلول. ولكن هذا الحل الألماني هو حل مؤقت إذ عادةً ما تنحل هذه الوحدة العضوية الكاملة إلى عنصر واحد يغلب الآخر، وهو عادةً العنصر الموضوعي الذي يطوق الذات ويذيبها فيه، أي أن الوحدة العضوية تتحول إلى واحدية مادية. وهذا أمر متوقع تماماً، فالفرد القلق المنعزل الملئ بالقلق والرهبة (أنجست) سيحاول بأقصى جهده أن يخرج من حالة العزلة هذه، حالة الوهم، وإحدى وسائل الخروج التوحد بالذات الجماعية، بالوجود الجمعي بديل الإله (وهذا هو الحل الذي اقترحه هيجل ودوركهايم وغيرهما (. والعنصر الموضوعي أو الكلي هنا هو الوجود. وقد لاحظ أحد مؤرخي الفلسفة أن مضمون كلمة «وجود» عند هايدجر لا يختلف كثيراً عن مضمون كلمة «إله» في الفكر البروتستانتي. ولذا فهو يتحدث عن أن "الوجود يدعونا" و "يخبئ نفسه" و"يكشف عن نفسه لنا ". ولكن هذا الإله إله مادي، ولهذا يأخذ أشكالاً مادية مختلفة، وهكذا نكتشف أن الوجود يصبح أحياناً الطبيعة، ومن ثم يطرح هايدجر فكرة المجتمع العضوي الذي يلتحم فيه الإنسان بالطبيعة وبالآخرين (ومن هنا سُمِّي «فيلسوف الغابة السوداء» ) . وتظهر عملية تطويق الموضوع للذات في أن كلمة «دازاين Dasien» لم تعد تعني «وجود الفرد بشكل متعيِّن في الواقع» بل تصبح "الوجود الفردي باعتباره شكلاً من أشكال الوجود الجماعي". ويضيق نطاق الحلول ويتركز فبدلاً من الإنسانية ككل باعتبارها مركزاً للحلول (كما كانت تدَّعي الهيومانية الغربية) يصبح مركز الحلول هو "الوجود الألماني". ("الألمان شعب مختار، مفعم بقوى الأرض والدم، وعلى الطلبة أن يعلنوا التزامهم بذلك" ـ "لقد أدَّت الثورة الاشتراكية الوطنية إلى انقلاب كامل في الوجود الألماني" ـ " الفرد في حد ذاته [أينما كان] لا قيمة له، فأهم شيء هو مصير شعبنا" ـ "أيها الطالب الألماني، خلال تجوالك ومسيراتك الطويلة، تلمَّس بقدميك أراضي الجبال والغابات والأودية في الغابات السوداء فإنك تلمس الأرض التي أنجبت البطل. دونما سلاح، أطلق البطل نظراته متحدياً البنادق الموجهة إليه وعانق النهار وجبال موطنه حتى يموت وعيناه مثبتتان على الأرض الألمانية وعلى الشعب الألماني والرايخ") . وتزداد درجات تركز الحلول ويضيق نطاقه وبدلاً من الشعب الألماني تصبح الدولة الألمانية هي موضع الحلول فيتحدث هايدجر عن "وجود الدولة" (بالألمانية: دازاين ديس شتاتيس Dasein des Staates) "أهم شيء هو مصير شعبنا في دولته". "لقد أيقظ هتلر الإرادة لوجود الدولة في الفولك» . ونصح هايدجر الشباب بأن تنمو شجاعتهم دائماً «لينقذوا جوهر الشعب ولإعلاء القوى الداخلية للشعب في إطار الدولة". وهكذا يهيمن الموضوع أو الذات الجماعية تماماً، ولكن التأرجح مع هذا لا يتوقف إذ تتزايد درجات الحلول تركزاً وضيقاً إلى أن نصل إلى الذروة وننتقل من الموضوع إلى الذات مرة أخرى حين يتم استيعاب الدولة نفسها في الإنسان الفرد الأسمى، هتلر، الذي "جمع إرادة الأمة في فرد واحد". "إن الفوهرر نفسه، هو وحده، الحقيقة الألمانية في الحاضر والمستقبل، وهو قانونها ... هايل هتلر"، أي أن المبدأ الواحد، جوهر وحدة الوجود المادية، يصبح أولاً الوجود الجمعي والوجود كطبيعة، ثم يضيق نطاقه ويتركز فيصبح الشعب الألماني، ثم الدولة الألمانية، وأخيراً الفوهرر. وكما قال هايدجر، إن قاعدة وجود الإنسان الألماني «يجب ألا تكون هي فرضيات أو نظريات [رفض الميتافيزيقا] ، فالفوهرر، هو وحده، حقيقة الحاضر والمستقبل قانونهما، فهو منقذ شعبنا ... هو المعلم ورائد الروح الجديدة» (من رسالة هايدجر إلى الفوهرر) ، هو مركز الحلول، هو الإله المادي والوثن الأعظم. لكل هذا ينحل الدازاين تماماً في الذات النيتشوية: "إن الفلسفة تقف وراء هتلر، لأن هتلر يقف إلى جانب الوجود". وتظهر علمانية هايدجر الشاملة، وماديته الراديكالية النيتشوية الجديدة، في تحريضه الجامعة الألمانية على أن تخوض غمار حرب حاسمة بروح الاشتراكية الديموقراطية (النازية) التي يجب ألا تخنقها أية نزعات إنسانية (هيومانية) أو مفاهيم مسيحية. كما تظهر هذه العلمانية المادية الشاملة في تبنيه للحل الصهيوني للمسألة اليهودية، إذ كان يرى ضرورة توطين اليهود في فلسطين أو أي مكان آخر خارج ألمانيا وأوربا. كان النازيون يعتبرون هايدجر فيلسوفهم، ونحن نرى أنهم كانوا على حق في تصورهم هذا. فقد انضم هايدجر إلى الحزب النازي عام 1933 وكان من أعز أصدقائه بيوجين فيشر، وهو ممن دافعوا عن القتل الموضوعي أو الأداتي للمعوقين وعن إبادة اليهود. وانطلاقاً من رؤيته النازية دافع هايدجر عن المشروع الصهيوني الذي يطالب بطرد اليهود من أوطانهم (باعتبارهم شعباً عضوياً) ليُعاد توطينهم في فلسطين (باعتبارها وطناً قومياً لهم) . كما كانت زوجة هايدجر نفسها ترى أن الأمومة هي الحفاظ على الميراث العرْقي. وقد تنكر هايدجر لأستاذه هوسرل عام 1933 لأنه يهودي، وكان يتجسس على زملائه لحساب السلطة النازية، وهو ما أدَّى إلى طرد بعضهم. (يُوثق كتاب فيكتور فارياسVictor Farias [عام 1987] هذا الجانب من حياة هايدجر الفلسفية) . ومن الجدير بالملاحظة أن أستاذاً ألمانياً اسمه جيدو شنيبرجر Guido Schneeberger نشر عام 1961 كتاباً يضم 217 نصاً نازياً لهايدجر. ويبدو أن هايدجر أدرك خطأه عام 1934 ومن ثم استقال من رئاسة جامعة فرايبورج. ولكن من المعروف أنه استمر مع هذا في دفع اشتراكات العضوية في الحزب النازي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد كتب المفكر الألماني كارل أوديث في مذكراته أنه تحدث مع هايدجر عام 1936 وأن هايدجر عبَّر عن إيمانه الكامل بهتلر، وأخبره أن الطريقة النازية هي الطريقة الأمثل لألمانيا. وحتى بافتراض أن هايدجر ابتعد عن النازية السياسية، فمما لا شك فيه أن نسقه الفلسفي ظل كما هو، يُشكِّل تربة خصبة لظهور الأفكار النازية، شأنه في هذا شأن كل «فلسفات الحياة» اللاعقلانية المادية. كان هايدجر يتصور أن النازية هي روح العالم المتجسدة التي ستزاوج بين التكنولوجيا والثقافة ("رسالة الشعب الألماني") . وهو لم يكن مخطئاً تماماً في تصوره، فقد قام النازيون بالفعل بمزاوجة التكنولوجيا والثقافة الألمانية، بل إنهم كانوا يرون أن التكنولوجيا هي التعبير البراني عن إرادة القوة الألمانية، وكانوا يرون أن ألمانيا بوجودها بين روسيا والولايات المتحدة أصبح بوسعها أن تزاوج بين التكنولوجيا وروح الشعب، فالتكنولوجيا الألمانية تنبع من أعماق الحضارة Kultur الألمانية. وهي روح مطلقة لا تتقيد بأية قيم بورجوازية، روح لا متناهية لا تعرف سوى القيم الجمالية. وهكذا أمسك بروميثيوس الجديد بالنار، مسلحاً بحس جمالي عميق وبشهية لا تعرف الحدود وبإدراك للذات كمطلق، فأحرق الأخضر واليابس. وقد أدرك هايدجر تدريجياً أن هذا الالتحام النازي بين الذات والموضوع وبين التكنولوجيا والثقافة، خارج إطار المنظومات الأخلاقية، هو في واقع الأمر مرض وليس حلاً. ولكن إدراكه هذا ظل مقصوراً على الحالة النازية وحسب، ولهذا لم يراجع منظومته الفلسفية. ولا تمثل رؤية هايدجر العلمانية الإمبريالية الشاملة انحرافاً عن مسار الحضارة الغربية الحديثة، فهي جزء من نمط عام متكرر يتمثل في التأرجح بين الذات والموضوع، وفي حسم هذا الصراع لصالح الموضوع أو لصالح الموضوع متجسداً في الذات الإمبريالية، كما يتمثل الانتقال التدريجي من العقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية التي تتضح في تقديس هيجل للدولة البروسية (إله يسير على الأرض!) وأفكار نيتشه الداروينية عن إرادة القوة وميول ياسبرز النازية والتوجهات النازية والصهيونية لبول دي مان تلميذ هايدجر النشيط المخلص. والنازية ما هي إلا تجلٍ متبلور لهذا الاتجاه حين أصبح الدازاين الألماني الجمعي هو الفولك الذي تجسد في هتلر واحد وأصبح الآخرون مثل أيخمان، منفذين عاديين تسير وراءهم الملايين. ويمكن فهم نازية هايدجر، شأنها شأن صهيونيته، من خلال هذا السياق. فالنازي الإمبريالي الذي يُجسد إرادة القوة يُحوسل الآخرين ويُحركهم ليخدم مصالحه أو مصالح أمنية، فهو ينقل اليهود إلى فلسطين (أو ينقل الفلسطينيين منها) أو إلى معسكرات الاعتقال واللاجئين، حسبما تمليه عليه الظروف الطارئة والمصالح المادية الثابتة وموازين القوى، دون التقيد بأية قيم أخلاقية، إذ لا توجد إلا قيم جمالية. ومن المعروف أن النازيين تمسكوا بالقيم الجمالية أيما تمسك، فكانت واجهات معسكرات الاعتقال من الطراز التيرولي، كما كان الجنود الألمان يسمعون موسيقى موتسارت وفاجنر بينما كان يُساق الملايين إلى معسكرات الاعتقال التي تتسم بالانضباط الشديد. ولعل إدراك العالم الغربي للنزعة الإمبريالية (الإبادية) الكامنة في مشروع هايدجر الحضاري الحديث هو ما يدفعه لإخفائها بشتى الوسائل والطرق ومن ذلك محاولة إخفاء الحقائق الصلبة. ولهذا تبذل جهود مضنية لإخفاء حقيقة أن دول الحلفاء (التي تتباكى الآن على ضحايا النازية) لم تفتح أبوابها للمهاجرين من المناطق التي وقعت تحت نفوذ النازي، وأن قوات الحلفاء (بقيادة إيزنهاور) لم تكن متحمسة لضرب السكك الحديدية المؤدية لمعسكرات الاعتقال لتوفير الطاقة العسكرية. وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم ما حدث لجيدو شنيبرجر فقد وجد صعوبة بالغة في نشر كتابه عن نازية هايدجر، وحينما نشره بطريقته الخاصة، اختفى الكتاب من أرفف المكتبات، ثم قوبل بالصمت من المؤسسات الأكاديمية (التي تلتزم الصمت أيضاً تجاه توجهات ياسبرز ودي مان النازية) ، فعدم التزام الصمت يعني فتح باب الاجتهاد فيما يتصل بالنازية ودلالتها المركزية بالنسبة للحضارة الغربية الحديثة، الأمر الذي لا يمكن لهذه الحضارة تحمله، إذ قد تشكل ضربة في العمق. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الإقطاع الغربي وجذور المسألة اليهودية جذور المسألة اليهودية Roots of the Jewish Question يمكن القول بأن جذور المسألة اليهودية تضرب بجذورها في المسألة العبرانية (التجمُّع العبراني تجمُّع صغير فقير ضعيف سواء من ناحية الموارد البشرية أو الموارد المادية، يُوجَد في منطقة إستراتيجية مهمة ولذا لم يمكنه أن يدافع عن استقلاله ضد هجمات القوى الكبرى المحيطة به، وكان دائماً عرضة للغزو والتهجير. ولذا تحوَّلت أعداد كبيرة من العبرانيين إلى جماعات وظيفية مرتزقة واستيطانية ومالية وتحوَّلت الدويلات العبرانية إلى دويلات تابعة) . ولكن يمكن القول بأن ثمة انقطاعاً حدث في العالم بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية وظهور المسيحية في الغرب والإسلام في الشرق. ففي داخل التشكيل الحضاري والسياسي الغربي المسيحي في العصور الوسطى تحدَّد وضع اليهود بشكل معيَّن (شعب شاهد ـ أقنان بلاط ـ جماعة وظيفية) وهذا الوضع هو الذي أدَّى إلى ظهور المسألة اليهودية فيما بعد، حين بدأت عمليات التحديث والعلمنة. وظهرت الدولة القومية المركزية. ولكي نفهم طبيعة المسألة اليهودية وأبعادها الحقيقية لابد من الوصول إلى جذورها، أي لابد من دراسة العصور الوسطى في الغرب، وما تبعها من فترات تاريخية (عصر النهضة والإصلاح الديني) اهتز فيها وضع اليهود، ثم أُعيد تعريفه ابتداءً من القرن الثامن عشر. الإقطاع الغربي Western Feudalism الإقطاع الغربي هو النظام الاقتصادي والاجتماعي المبني على ملكية الأرض الزراعية والذي ساد أوربا في العصور الوسطى. وتعود بدايات هذا النظام إلى مملكة شارلمان الفرنجية (في فرنسا) في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، وانتشر منها عن طريق الغزو إلى إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، ونقله الغزاة النورمان إلى كلٍّ من إنجلترا وفلسطين إبان حروب الفرنجة. وكان الأمير الإقطاعي يمنح (يُقطع) تابعيه من مجموعة النبلاء قطعة من الأرض ليزرعوها ويزودهم بالحماية نظير أن يدينوا له بالولاء ويزودوه بعدد من المحاربين. وكان النبلاء بدورهم يُقسِّمون أرضهم، فأصبح لهم تابعون لكل منهم ضيعته. وكان هؤلاء بدورهم يُقسِّمون ضياعهم على أتباعهم، وهكذا إلى أن نصل إلى قاعدة الهرم حيث يُوجَد الأقنان في القاعدة الاقتصادية للنظام فيقومون بزراعة الأرض ويحصلون على ما يعيشون به عند حد الكفاف. والمجتمع الإقطاعي مُقسَّم تقسيماً هرمياً صارماً يعرف كل شخص فيه مكانه ومكانته حيث يصل إليهما عادةً عن طريق الميراث والنسب، وليس عن طريق الجد والعمل. وقد حُدِّدت حقوق وواجبات كل أعضاء الطبقات تحديداً واضحاً، فالنبيل كان يعرف ما ينبغي عليه القيام به (حماية إقطاعيته وفلاحيه، وجباية الضرائب منهم، وتزويد الملك بالمحاربين) ، وكذلك كان الفلاحون ورقيق الأرض يعرفون واجباتهم وحقوقهم. وفي الأطراف، كان يُوجَد التجار والصناع والقطاعات الهامشية كافة. وقد بلغ النظام الإقطاعي ذروته في القرن الثاني عشر الميلادي، ثم أخذ في الضعف ابتداءً من القرن الثالث عشر، ويُقال إنه اختفى كنظام اقتصادي مع نهاية القرن الرابع عشر وإن استمرت كثير من مؤسساته. وأخذت الثورة التجارية تقوض دعائم الطبقات الإقطاعية الزراعية الحاكمة، فظهرت الملكيات المطلقة ثم الطبقات الوسطى بعد ذلك. وتزايد نفوذ المدن حتى نصل إلى الثورتين الفرنسية والصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث يتفق المؤرخون على أن المؤسسات الإقطاعية تلقت الضربة القاضية فيهما. ويشغل أعضاء الجماعات اليهودية وضعاً خاصاً في المجتمع الإقطاعي الغربي، فقد حصلوا على مواثيق خاصة تضمن لهم الحماية وتحقق لهم المزايا. وتحولوا إلى أقنان بلاط وإلى أداة في يد الطبقة الحاكمة. وقد كان وضع أعضاء الجماعات اليهودية داخل الإقطاع الغربي متميِّزاً وممتازاً بشكل عام حتى حروب الفرنجة ثم تدهور بعد ذلك. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يعملون بالتجارة الدولية والتجارة المحلية، لكن نفوذهم التجاري تراجع بظهور الجماعات التجارية المحلية، فبدأوا يعملون بالربا والرهونات وكان منهم تجار صغار وباعة جائلون. وقد كان وضع اليهود داخل النظام الإقطاعي غير متجانس لأنه هو نفسه كان نظاماً غير متجانس. لقد كان وضع يهود إنجلترا وفرنسا، أي يهود غرب أوربا الذين طُردوا في القرن الثالث عشر الميلادي، يختلف عن وضع يهود وسط أوربا، وكلاهما كان يختلف تماماً عن وضع يهود شرق أوربا حيث لم يعتنق سكانها المسيحية إلا في القرن العاشر الميلادي، كما أن اليهود لم يستوطنوا بولندا إلا في القرن الثالث عشر الميلادي. وبالإضافة إلى ذلك، كان اليهود ممنوعين من دخول روسيا حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. العصور الوسطى (في الغرب) The Middle Ages العصور الوسطى في الغرب فترة تمتد من القرن الخامس الميلادي حتى القرن الخامس عشر، وقد وصلت العصور الوسطى ذروتها في الفترة من القرن الحادي عشر حتى الرابع عشر الميلادي. وتبدأ العصور الوسطى بانهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية وانهيار أطرها الاقتصادية والقانونية والثقافية أيضاً. وكانت الإمبراطورية الرومانية تعامل اليهود باعتبارهم «كوليجيوم Collegium» أي «رابطة» ، وهي جماعة من حق أعضائها أن يجتمعوا للقيام بشعائرهم الدينية وأن يمارسوا شريعة أسلافهم. وفي عام 212م أصدر الإمبراطور كاراكالا مرسوماً بمنح كل الأحرار في الإمبراطورية الرومانية حق المواطنة الرومانية، الأمر الذي كان يعني أن أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية أصبحوا مواطنين، إلا أن هذا جرى نسيانه تماماً، وصُنِّف اليهود حسب القانون أو العرف الألماني باعتبارهم «غرباء» . وقد تساقط النظام الضريبي الذي فرضته الدولة الرومانية ولم تَعُد هناك عملة أوربية يمكن لكل دول أوربا التعامل بها فيما بينها، وأُهملت الطرق وأصبحت غير آمنة. وشهدت العصور الوسطى في الغرب محاولة للنهوض من هذا التردي ولخلق مؤسسات قانونية واقتصادية تحل محل المؤسسات التي تساقطت. وبطبيعة الحال، تأثرت الجماعة اليهودية بكل ذلك. أولاً: من بداية العصور الوسطى حتى القرن الحادي عشر الميلادي: يعتبر القرن الخامس الميلادي، وخصوصاً عام 476، التاريخ الذي بدأت فيه العصور الوسطى بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية تحت هجمات القبائل البربرية. وما يهمنا فيما يتعلق بالجماعات اليهودية أن الإمبراطورية الرومانية كانت قد تبنت المسيحية عام 340 باعتبارها ديناً رسمياً للدولة تكتسب منه شرعيتها. وفي ذلك الوقت تقريباً، أصبحت الزرادشتية عقيدة الدولة الإمبراطورية الفارسية، وظل الأمر على ذلك حتى القرن السابع الميلادي حيث حلَّ الإسلام محلها وأصبح العقيدة الأساسية في الشرق العربي وفي كثير من بلاد آسيا وأفريقيا. وتتميَّز هذه المرحلة بأن أعضاء الجماعة اليهودية وجدوا أنفسهم أقلية في دولة لها إطار عقائدي متماسك سواء في الشرق حيث الزرادشتية ثم الإسلام أو في الغرب حيث المسيحية، كما وجدوا أن الدين السائد دين توحيدي وليس عبادة وثنية. وكان هذا أمراً جديداً كل الجدة على اليهودية التي كانت موجودة دائماً في محيط وثني تحارب ضده وتكتسب هويتها الدينية من صراعها معه. وقد ازدادت العلاقات سوءاً وتوتراً بين أعضاء الجماعات اليهودية والعالم المسيحي، وخصوصاً بعد أن أعلن السنهدرين أن المسيح ليس الماشيَّح الحقيقي وإنما هو المسيح الدجال في حين آمن المسيحيون بأن هدم الهيكل إنما هو تحقيق لنبوءة المسيح. وقد حققت المسيحية انتصارات هائلة، وخصوصاً بعد أن تبنتها الإمبراطورية الرومانية، فتوقف النشاط اليهودي التبشيري وانطوى اليهود على أنفسهم وانصرف علماؤهم لتدوين وجمع التلمود بما يحويه من كره عميق للمسيحية ولشخص المسيح، وبما يتضمنه من سب للمسيح. وحدد وضع الجماعات اليهودية في المجتمع الغربي الوسيط عنصران، أحدهما دنيوي والآخر ديني، فقد أصدر قسطنطين (312 ـ 337م) تشريعات لتنظيم العلاقة مع اليهود، ولم تَعُد اليهودية بمقتضى هذه التشريعات «كوليجيوم» أو ديناً مشروعاً أو مباحاً (باللاتينية: ريليجيو ليكيتا religio licita) كما كانت أيام الرومان وإنما أصبحت «المذهب الشائن أو الشنيع» . وأصبح محظوراً على اليهود الزواج من المسيحيين، كما مُنع أي يهودي من التنصر أو التبشير بالدين اليهودي. وحظرت تشريعات لاحقة على اليهود امتلاك عبيد مسيحيين أو حتى أي عبيد على الإطلاق وهو ما كان يعني استبعادهم من الزراعة، كما استُبعد اليهود من الخدمة العسكرية ومن الاشتغال بالطب. وفي عام 438م، منع ثيودوس الثاني اليهود من شغل وظائف عامة. ورغم أن هذه التشريعات لم تؤخذ مأخذ الجد فإنها شكلت مع هذا الإطار القانوني الذي تحكَّم في علاقة اليهود بالمجتمعات المسيحية الوسيطة. وينبع موقف الكنيسة من أعضاء الجماعات اليهودية من فكرتين أساسيتين مختلفتين ومتكاملتين عن اليهود: 1 ـ اليهود قتلة المسيح الذين أنكروه، ولذا لابد من عقابهم على ذلك. 2 ـ اليهود هم أيضاً الشعب الشاهد الذي عاصر أعضاؤه ظهور المسيح وبداية الكنيسة، وهم بتَمسُّكهم بشعائر دينهم التي ترمز إلى الشعائر المسيحية منذ القدم وبتدني وضعهم يقفون شاهداً حياً على صدق الكتاب المقدَّس وعلى عظمة الكنيسة. وقد تَمثَّل هذا الموقف المزدوج في سياسة الكنيسة التي وضعها البابا جريجوري الأول (الأعظم) (590 ـ 604) وآخرون من بعده، والتي ترى ضرورة الإبقاء على اليهودية وعلى الشعب اليهودي باعتباره شعباً شاهداً سيؤمن في نهاية الأمر بالمسيحية، ولذا ينبغي حماية اليهود من الدمار والإبادة، ولكن ينبغي في الوقت نفسه وضعهم في مكانة أدنى. وقد أصدر جريجوري الأول مرسوماً بابوياً يتضمن هذه العبارة: "كما أن اليهود لا يحق لهم أن يفعلوا ما لا يُسمَح لهم به حسب القانون، فإنه يتعيَّن ألا يُحرَموا من المزايا التي منحت لهم". ومن ثم مُنع قتل اليهود أو الهجوم عليهم أو حرق معابدهم أو مضايقتهم أثناء تعبُّدهم أو استخدام القوة في تنصيرهم. وأصبح هذا المرسوم أساساً لكل المراسيم البابوية اللاحقة حتى القرن الخامس عشر الميلادي. ولهذا، حاربت الكنيسة الطرق غير الشرعية لتنصير اليهود قسراً، معتبرة أن ثمرة هذه العملية لا تشكل أي نصر حقيقي للكنيسة ولا تزيد عظمتها. ولكنها شجعت في الوقت نفسه إلقاء المواعظ عليهم والإقناع بالأشكال المشروعة الأخرى (وهذا الموقف المزدوج هو ما تَحوَّل على يد المفكرين البروتستانت إلى العقيدة الاسترجاعية أو الألفية في القرن السابع عشر الميلادي، ثم تمت علمنته تماماً في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ليصبح فكرة الشعب العضوي المنبوذ التي تعني أن اليهود كتلة بشرية متماسكة متميزة منعزلة عن المجتمع ومنبوذة منه) . ويُلاحَظ أن العصور الوسطى في الغرب شهدت غياب التجانس بين أعضاء الجماعات اليهودية أكثر فأكثر، وهي العملية التي كانت قد بدأت بعد أن أسَّس الإسكندر إمبراطوريته. فبدأ اليهود يتحركون داخل فلك حضارتين أساسيتين هما: الفارسية واليونانية (ثم الرومانية) . وانتشر أعضاء الجماعات اليهودية على ساحل البحر الأبيض المتوسط في اليونان وإيطاليا وإسبانيا وشمال أفريقيا والإسكندرية وفلسطين وآسيا الصغرى. وكان معظم أعضاء الجماعات اليهودية، مع بداية العصور الوسطى في الغرب، يتركزون في الإمبراطورية البيزنطية. ولكن مركز اليهودية في العالم الغربي انتقل من بيزنطة إلى داخل أوربا ابتداءً من القرن التاسع الميلادي: جنوب فرنسا (الغال) ثم شمالها، وإنجلترا ثم ألمانيا. ومما زاد من عدم التجانس، عدم وجود سلطة مركزية موحَّدة في الإقطاع الأوربي. فبعد موت شارلمان (814) بفترة قصيرة، تفسخت الإمبراطورية التي بناها وتفتتت سياسياً إثر هجمات الفايكنج من الشمال، وقبائل الدانوب شبه البدوية من الشرق، ومسلمي شمال أفريقيا من الجنوب. وقد استمرت الهجمات مدة قرنين، فأصبح الإقطاع واللامركزية هما الصفة الأساسية في المجتمعات الغربية، وهو ما أضعف الملكية وزاد نفوذ الأمراء الإقطاعيين. وأصبحت الجماعات اليهودية في العصور الوسطى نفسها تتسم بتنوع لغاتها وطقوسها الدينية. وأهم هذه الجماعات الجماعة اليهودية في إسبانيا (السفارد) وفي جنوب فرنسا (يهود البروفنسال) ، وفي إيطاليا (الإيطالياني) ، وفي الإمبراطورية البيزنطية أي إمبراطورية الروم (الرومانيوت) ، والجماعات اليهودية في ألمانيا ثم بولندا فيما بعد (الإشكناز) . وكان أعضاء كل جماعة لا يختلطون بالضرورة بأعضاء الجماعات الأخرى (هذا على عكس وضع اليهود في العالم الإسلامي حيث كانوا أساساً من اليهود المستعربة الذين كانوا يتحدثون العربية. ومع هذا، كانت هناك جماعة يهودية صغيرة في إيران اكتسبت كثيراً من خصائص المجتمع الذي كانت تعيش فيه. كما كان هناك يهود الخزر الأتراك في القوقاز ويهود كايفنج في الصين) . وقد ازداد تَفتُّت الجماعات اليهودية في الغرب بظهور الملكيات القوية فيما بعد، والتي كانت حريصة على الدفاع عن استقلالها القومي، ومن هنا يكون من المستحيل الحديث عن اليهود بشكل عام بعد سقوط الدولة الرومانية، ومن الأفضل الحديث عن الجماعات اليهودية. ولم يكن المجتمع الغربي الوسيط مقسَّماً إلى دول وإمارات مستقلة تفتقد إلى سلطة مركزية قوية وحسب، وإنما كانت كل دولة وكل إمارة مكوَّنة من جماعات متماسكة منفصلة لكل منها قوانينها؛ فكان النبلاء والأقنان الذين يعيشون في صميم النظام الإقطاعي يشتغلون بالقتال والزراعة، وكان التجار وأعضاء النقابات الحرفية أعضاء في البلديات، وكان القساوسة وممثلو البيروقراطية الدينية تابعين للكنيسة. وقد تمتعت كل جماعة بدرجة من الاستقلال عن الجماعات الأخرى. أما أعضاء الجماعات اليهودية، فلم يكونوا مواطنين في المدينة ولا فلاحين في الضياع الإقطاعية، ولم يكونوا من الفرسان المحاربين، كما أنهم لم يكونوا بطبيعة الحال منتمين إلى الكنيسة الكاثوليكية. وعلى كلٍّ، كان الانتماء للمجتمع الإقطاعي المسيحي يتطلب يمين الولاء المسيحي، الأمر الذي لم يكن متاحاً لليهود إلا إذا تنصروا. وقد حُلَّت هذه المشكلة القانونية بالعودة إلى القانون أو العرف الألماني، وتم تصنيف اليهود «غرباء» . والغريب في العرف الألماني كان يُعدُّ تابعاً للملك تبعية مباشرة، ومن ثم أصبح أعضاء الجماعة مسئولين مسئولية مباشرة أمام الملك أو الإمبراطور، يتبعونه ويوضعون تحت حمايته، بل كانوا يُعَدُّون ملكية خاصة له بالمعنى الحرفي (أقنان بلاط) ، الأمر الذي حولهم إلى ما يشبه أدوات الانتاج. وكان الملك يفرض عليهم ضرائب كانت تصب في خزانته كما أنه كان يبيعهم المواثيق والمزايا ويحقق من ذلك أرباحاً. ومع أن مفهوم أقنان البلاط كان كامناً في كثير من المواثيق والمراسيم منذ أيام شارلمان (742 ـ 814) ، فإنه استُخدم لأول مرة في مرسوم الملك فريدريك الأول عام 1157، ثم أكده فريدريك الثاني عام 1236 حين أصدر مرسوماً يشير إلى كل يهود ألمانيا باعتبارهم أقنان بلاط. وبوضعهم تحت حماية الإمبراطور مباشرة، أصبح اليهود جماعة وظيفية مالية تابعة للطبقة الحاكمة أساساً، يتمتع أعضاؤها بحقوق تفوق في كثير من الأحيان حقوق عامة الشعب ولا تختلف أحياناً عن حقوق النبلاء ورجال الدين. فقد سُمح لهم، حتى القرن الثالث عشر الميلادي، بحمل السلاح في كثير من البلاد الأوربية، وبامتلاك الأراضي الزراعية والعبيد غير المسيحيين، كما أعفوا من عقوبة الضرب ومن التعذيب أثناء المحاكمة، وأُعفوا أيضاً من غير ذلك من الممارسات التي كان الأقنان يخضعون لها. بل إن الزي الخاص الذي كان يرتديه أعضاء الجماعات اليهودية، والشارة التي كان عليهم تثبيتها على ملابسهم، كانا يُعَدّان مزايا يطالبون بها ويصرون عليها. والقبعة اليهودية حق آخر حصلوا عليه بمبادرة منهم. أما حق بناء سور حول منطقة سكنهم، فهي ميزة سعوا إليها سعياً حثيثاً وحصلوا عليها كتابةً في المواثيق التي كانت تُمنَح لهم، وهي المناطق التي سُمِّيت فيما بعد «الجيتو» . وقد حقق أعضاء الجماعات اليهودية مستوى معيشياً مرتفعاً. ولذا، حينما حدث ما يشبه المجاعة في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، لا نجد لها أي صدى في المصادر اليهودية، وهو أمر متوقَّع بالنسبة لجماعة تتمتع بشيء من الثراء. ومع هذا، كان عضو الجماعة اليهودية الوظيفية لا حول له ولا قوة إذ أنه، رغم تبعيته للملك والنخبة الحاكمة، كان يعيش بين قوىً شعبية لا تضمر له حباً ولا تشعر نحوه بأي عطف، ويحيا في عزلة وغربة عنها، الأمر الذي زاد التصاقه بالملك وبالنخبة وزاد اعتماده عليهم. وبذلك أصبحت الجماعة اليهودية في المجتمع الوسيط جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف تتطلب الموضوعية والحياد، وأصبح وجودهم مرتبطاً بمدى نفعهم كأداة (على عكس وضع اليهود في المجتمعات الإسلامية حيث تحددت مكانة اليهود، شأنهم شأن أعضاء الجماعات والطوائف الأخرى، باعتبارهم من أهل الذمة، وهو مفهوم لا علاقة له بمسألة مدى نفع الإنسان) . ولعل المزية الكبرى التي حصل عليها أعضاء الجماعات اليهودية هي حرية الحركة، إذ أصبحوا العنصر البشري الوحيد المتحرك في المجتمع. ذلك أن الأقنان والفلاحين كانوا مرتبطين بالأرض رغم أنفهم، وكان النبلاء لا كيان لهم خارج إقطاعيتهم، ورجال الكنيسة يرتبط كل واحد منهم بكنيسته أو ديره، وكان التجار المسيحيون تقف في طريقهم حواجز كثيرة تعوق حركتهم مثل ضرائب المرور التي كان اليهود مُعْفَيْنَ منها. ولكل هذا، تحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى عنصر متحرك استيطاني تجاري وتَرسَّخ المفهوم تماماً في الوجدان الغربي. وعلى سبيل المثال، قام شارلمان بتوطين بعض اليهود في ماركا هسبانيكا (في جنوب فرنسا) ليكونوا بمنزلة حاجز على حدود العالم المسيحي لوقف التوسع الإسلامي. وإذا كان أعضاء الجماعات اليهودية قد عملوا بالزراعة في هذه التجربة، فإنهم عادةً ما كانوا يدعون إلى الاستيطان للاضطلاع بوظيفة التجارة باعتبارهم عنصراً بشرياً قادراً على تنشيط التجارة بسبب خبراته ورأسماله وشبكة اتصالاته التجارية الواسعة وحركيته. وفي القرن الثامن الميلادي، على سبيل المثال، استوطن في فرنسا عدد من التجار اليهود بدعوة من شارلمان، بهدف تنشيط التجارة، فوضعهم تحت حمايته. ويُلاحَظ ارتباط اليهود بشارلمان، فهو أول من حاول أن يخلق إطاراً اقتصادياً جديداً يحل محل الإطار الروماني، كما كان أول من سك عملة فضية للتداول في أوربا، وبذلك جعل شارلمان التبادل النقدي ممكناً بدلاً من المقايضة. وقد اتبع خلفاؤه السياسة نفسها في العصر الكارولنجي، فاشتغل اليهود بالتجارة والاستيراد والتصدير في وادي الرون ومقاطعة شامبين. ومن المعروف أن جنوب فرنسا كان المركز الأساسي للتجار اليهود الدوليين الذين أُطلق عليهم اسم الراذانية (نسبة إلى نهر الرون كما يُقال) . وكان شمال فرنسا، في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، يضم أهم تجمُّع يهودي في فرنسا، كما كان مركزاً للدراسات التلمودية حيث كان راشي يقيم ويعمل بتجارة الخمور ويكتب تعليقاته عن التلمود. ويُلاحَظ أن النمط نفسه تكرَّر حين تم تشجيع استيطان اليهود في ألمانيا خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين بهدف تشجيع التجارة. وبدأت تظهر جماعات يهودية في المراكز التجارية الأساسية مثل: مينز وأوجسبرج في القرن التاسع الميلادي، وورمز ومينز في القرن العاشر، وهي التي ازدهرت فيها مراكز الدراسات التلمودية. وكان أكثر مناطق الكثافة السكانية اليهودية هو وادي الراين (مينز وسبير وورمز وكولونيا) حيث ظهرت هناك أيضاً حياة فكرية في القرن الحادي عشر الميلادي تحت تأثير يهود فرنسا. أما في إنجلترا، فمن المعروف أن بعض المموّلين اليهود تمركزوا بعد الغزو النورماندي حيث أسسوا جماعات يهودية (في لندن ويورك وبرستول وكانتربري) كانت تشتغل أساساً بالتجارة والإقراض ووُضعت تحت حماية التاج الإنجليزي. ولم يختلف الوضع كثيراً في إسبانيا المسيحية، فقد استخدم الأمراء المسيحيون في بادئ الأمر أعضاء الجماعات اليهودية بعد خروج المسلمين، وظهرت فئة يهود البلاط هناك حيث استفاد الأمراء الأسبان من خبرات أعضاء الجماعات اليهودية في أعمال التجارة والمال والإدارة. وفي القرن الثاني الميلادي استوطن اليهود في روما، وتركزوا في الموانئ الجنوبية ثم على طرق التجارة. وتدهورت أحوالهم قليلاً مع تَحوُّل الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية، ولكنهم وُضعوا تحت حماية البابا مع بداية العصر الوسيط. وظل أعضاء الجماعات اليهودية في جنوب إيطاليا يشتغلون بتجارة الجملة حتى حل تجار البندقية محلهم. وارتبط اليهود بالتجارة حيث سيطروا على التجارة الدولية والتجارة المحلية إلى أن ظهرت المدن الدول البحرية الإيطالية. ولهذا، فبعد أن كانت كلمة «يهودي» تشير في الدولة الرومانية إلى «عضو في قوم (إثنوس) » ، أصبحت هذه الكلمة تدل على «التاجر» . ولعل كل هذه السمات مجتمعة (ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بالنخبة الحاكمة، وحصولهم على حقوق ومزايا خاصة، واشتغالهم بالتجارة والربا) قد حددت علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالطبقات المختلفة في المجتمع، فعلاقتهم بالطبقات الثرية (الأمراء الإقطاعيين) لم تكن بكل وضوح علاقة صراع، ذلك لأنهم كانوا يحتاجون إلى اليهود رغم كرههم لهم وحقدهم عليهم نظراً لقربهم من الملك. أما الكنيسة، فقد ذكرنا موقفها المزدوج من اليهود. ويبقى بعد ذلك سكان المدن والفلاحون، أي ما يمكن أن نطلق عليه الشعب أو الجماهير. وقد كان هؤلاء ينظرون إلى اليهودي باعتباره العدو المستغل، فكان سكان المدن الذين يعملون بالتجارة، يجدون أن اليهود فئة تعمل في المجال نفسه ولكنها ليست خاضعة لسيطرتهم أو تنظيماتهم بل خاضعة للملك مباشرة، الأمر الذي أعطى اليهود حرية في الحركة لم يكن التجار المسيحيون أنفسهم يتمتعون بها. كما أن التجار المسيحيين كانوا خاضعين للأخلاقيات المسيحية وما تفرضه عليهم من حدود وقيود. على عكس التاجر اليهودي، الذي كان على استعداد دائم لأن يتجاهل هذه الأخلاقيات متى سنحت له الفرصة. أما الفلاحون والحرفيون، فكانوا يقعون ضحايا الربا اليهودي والنشاطات التجارية الأخرى التي اختص بها أعضاء الجماعات اليهودية. وكانت هذه الفئة من سكان المدن أعدى أعداء اليهود على عكس كبار المموِّلين والتجار في المدينة حيث لم يكن هؤلاء يخشون سطوة اليهود نظراً لضخامة حجمهم ونفوذهم. وكثيراً ما كانت تقع اضطرابات ضد الجماعات اليهودية في المدن ويقودها صغار المموِّلين والحرفيين. وقد كانت هذه الاضطرابات ذات طابع شعبي وكانت تنتشر بين جماهير لا تفهم طبيعة النظام ولا الطبيعة الملتوية وغير المباشرة لعملية الاستغلال. ولذلك، كان الرمز المباشر والواضح للاستغلال وأداته الملموسة هو اليهودي الذي كان أداة الطبقة الحاكمة في امتصاص غضب الجماهير. وكانت النخبة الحاكمة (الإمبراطور والكنيسة) تبذل قصارى جهدها لحماية اليهود، وهو ما كان يدعم شكوك الجماهير. ويمكننا أن نُشبِّه أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى (في الغرب) بالمماليك، وهم جماعة وظيفية أخرى كانت تعمل بالقتال. فأعضاء الجماعة اليهودية كانوا ملكية خاصة للإمبراطور، وهم مثل المماليك مختلفون إثنياً ووظيفياً (ومختلفون كذلك دينياً في حالة اليهود) عن بقية أفراد الشعب. وقد كانت وظيفتهم، كمحاربين أو تجار، تتطلب أن يظلوا غرباء عن المجتمع. فالتجارة كانت نشاطاً كريهاً ولم تكن قط نشاطاً أساسياً في العصور الوسطى، أما القتال فقد كان وظيفة غير محببة ويتطلب تَملُّك ناصيتها قدراً من التفرغ. ومع هذا، لم يكن اليهود مماليك مسلحين. وقد يكون من المناسب أن نسميهم «المماليك التجارية» . وكان المماليك التجارية داخل الحضارة الغربية، مثلهم مثل المماليك، أداة استغلال ومحط كراهية الجماهير، ولكنهم كانوا عُزّلاً غير مسلحين. وقد كانت خطورة وضعهم داخل الحضارة الغربية كامنة في النظر إليهم باعتبارهم جماعة تكتسب طابعاً عاماً مجرداً، فكان الهجوم مثلاً على اليهود يُنظَر إليه وكأنه اقتحام أحد المصارف أو تحطيم لآلات المصنع على نحو ما كان يفعل العمال في أوربا في القرن التاسع عشر الميلادي. ويمكن النظر إلى عملية طردهم باعتبارها كانت تساوي عملية تأميم رأس المال الأجنبي، تماماً مثلما يحدث الآن في بلاد العالم الثالث حينما تظهر طبقة تجارية محلية تضطلع بأعمال التجارة والمال، أو حينما تقوم الدولة نفسها بهذه الوظائف فتؤمم البنوك وتطرد العنصر الأجنبي. ثانياً: من نهاية القرن الحادي عشر الميلادي حتى بداية عصر النهضة في الغرب: تتسم هذه الفترة من العصور الوسطى بتدهور أحوال اليهود. ويمكن اعتبار حروب الفرنجة التي تُعرَف اصطلاحاً باسم «الحروب الصليبية» نقطةً حاسمة في تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية، لا لأنها قامت بالهجوم عليهم ولكن لأنها تزامنت مع تحوُّل اقتصادي عميق في المجتمعات الغربية. وقد كانت هذه الحروب تعبيراً عن التحول المتمثل في ظهور القوى الاقتصادية المسيحية، مثل اللومبارد في إيطاليا والكوهارسين في جنوب فرنسا وفرسان الهيكل في فرنسا وغيرها من مناطق أوربا، والمتمثل أيضاً في ظهور جماعات رجال المال المحليين. لقد حلت هذه القوى الجديدة محل اليهود في التجارة الدولية أو في تجارة الجملة، وفي مجالات ونشاطات اقتصادية أخرى مثل إقراض المبالغ الكبيرة، الأمر الذي دفع اليهود إلى العمل في الربا والتجارة الصغيرة البدائية. واستمر هذا التيار في التَزايُد، وتبلور في القرن الثالث عشر الميلادي، واستمر حتى القرن الخامس عشر الميلادي، حتى أصبحت كلمة «يهودي» تعني «مرابي» . وشهد هذا القرن أيضاً ظهور الملكيات القومية القوية التي بدأت تستقل بنفوذها عن الكنيسة وأصبحت لها مشروعاتها السياسية والاقتصادية المستقلة. وأدَّى هذا الوضع إلى ازدياد احتياج بعض هذه الدول إلى أعضاء الجماعة اليهودية لفترة من الزمن ثم إلى استغنائها عنهم في مرحلة لاحقة. وساهمت حركات الهرطقة في جنوب فرنسا، من القرن الحادي عشر حتى القرن الرابع عشر الميلادي، في تدهور وضع أعضاء الجماعات اليهودية حين اضطرت الكنيسة إلى اتخاذ موقف متشدد ونشطت محاكم التفتيش. ويُعَدُّ يهود إنجلترا مثلاً جيداً على صعود اليهود وتدهور حالهم ثم طردهم وتَحوُّلهم من التجارة إلى الربا ومن اعتماد الطبقة الحاكمة عليهم إلى استغنائها عنهم. فهم لم يتأثروا كثيراً بحروب الفرنجة وإن شنت بعض الهجمات عليهم، ولكنهم تأثروا بظهور القوى المالية غير اليهودية، مثل اللومبارد والكوهارسين، الأمر الذي أدَّى إلى إفقارهم. وقد أصدر إدوارد الأول عام 1274 أمراً بمنع اليهود من الاشتغال بالأعمال المالية، وفتح لهم أبواب الزراعة والحرف والتجارة، ولكنه لم يُوفَّق في مساعيه فطردهم عام 1290. والظاهرة نفسها يمكن ملاحظتها بين يهود فرنسا الذين طُردوا من التجارة، حتى بلغ تدهورهم حداً كبيراً تحت حكم لويس التاسع (1226 ـ 1270) ثم تم طردهم عام 1306. ويتسم وضع يهود إسبانيا في تلك المرحلة بأنه أكثر تركيباً بسبب وضع إسبانيا الخاص. فبعد فترة ازدهرت فيها التجارة اليهودية، أقيمت محاكم التفتيش عام 1478، وانتهى الأمر بطرد اليهود من إسبانيا عام 1492 بقرار من فرديناند وإيزابيلا، كما تم طردهم من البرتغال عام 1497. وبلغ عدد اليهود الذين طُردوا نحو مائة وخمسين ألف يهودي، لجأت أعداد كبيرة منهم إلى العالم الإسلامي في شمال أفريقيا والدولة العثمانية، وهاجر بعضهم إلى فرنسا وهولندا. أما يهود ألمانيا، فكان من الصعب طردهم من بلادهم بصورة كاملة، لأن ألمانيا كانت مقسَّمة إلى عدة إمارات صغيرة ولم تكن بها دولة مركزية قوية. وقد ضمن هذا الوضع استمرارهم إذ كانوا حينما يُطرَدون من إمارة يلجأون إلى أخرى كما كان الحال في إيطاليا، وعلى عكس ما حدث في فرنسا وإنجلترا وإسبانيا حيث كانت توجد سلطة مركزية قوية نسبياً. ومع ذلك، يمكننا أن نقول إن معظم المدن الألمانية طردت اليهود في نهاية الأمر. ومع القرن السادس عشر الميلادي، لم تكن هناك جماعات يهودية إلا في ورمز وفرانكفورت، وكانت تُوجَد جيوب يهودية صغيرة متناثرة داخل الإمارات المختلفة. ونتيجة حروب الفرنجة، ولأسباب أخرى أيضاً، بدأ التجار اليهود بدعوة من الملوك البولنديين يستوطنون بولندا في القرن الثالث عشر الميلادي، وذلك لتشجيع التجارة. وقد كانت هناك عوامل تؤدي إلى تَناقُص عدد أعضاء الجماعات اليهودية من بينها عمليات الطرد، ولكن أهم هذه العوامل كان الاندماج والتنصر الطوعي، كما يقرر إسحق أبرابانيل (الكاتب الأسباني اليهودي في العصر الوسيط) . ولكن، ورغم هذه العوامل، فقد زاد عدد يهود أوربا الكلي بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين بسبب الارتفاع النسبي لمستواهم المعيشي أو بسبب هجرة يهود الخزر، حسب نظرية آرثر كوستلر، أو لمركب من هذه الأسباب جميعاً. ومع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، كانت أغلبية يهود العالم تعيش في أوربا. وقد تعرَّض كثير من الجماعات اليهودية في غرب أوربا للهجمات الشعبية أثناء وباء الطاعون أو الموت الأسود إذ أُلقي باللوم على اليهود ووُجِّهت إليهم تهمة نشر الوباء. وقامت الكنيسة ومعها الملوك بمحاولة حماية أعضاء الجماعات اليهودية من غضب الثورات الشعبية. وكان التركيب الاجتماعي لأعضاء الجماعات اليهودية في أوائل العصور الوسطى الغربية هرمياً. وقد شغل أعضاء سبع أسر من مينز وورمز كل المناصب المهمة في فرنسا وألمانيا، فكان منهم قادة الجماعة اليهودية ورؤساء المدارس التلمودية ومعلمو التوراة. وظل الانتماء الأسري لليهودي أمراً مهماً جداً في تحديد مكانته الاجتماعية داخل الجماعة اليهودية، تماماً كما كان الأمر بالنسبة إلى المسيحي في المجتمع الإقطاعي الغربي، وظل هذا الوضع حتى القرن الثاني عشر الميلادي. ولكن، مع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، زاد نفوذ أثرياء اليهود، وأصبح بالإمكان إحراز المكانة من خلال الثروة خارج نطاق الوراثة. وتمتع أعضاء الجماعات في الغرب حتى القرن التاسع عشر الميلادي، شأنهم شأن الفئات والطوائف الأخرى، بما نسميه «الإدارة الذاتية» ، وذلك في الشئون الخاصة بهم كطائفة دينية، أي فيما يتعلق بالمحاكم والمدارس وشئون الزواج والدفن. وقد قوَّى هذا هيمنة النخبة اليهودية على أعضاء الجماعة الذين كانوا يشكلون حلقة الوصل بين أعضاء الجماعة والسلطة الحاكمة في عملية جمع الضرائب وغيرها من الأمور. ومع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، أصبح أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات الغربية الوسيطة جماعة وظيفية وسيطة تشكل جسماً غريباً بمعنى الكلمة وتعيش على هامش المجتمع أو في مسامه، تؤمن بدين معاد للديانة الرسمية بل تقف منها موقف النقيض، فاليهود قتلة المسيح وفق التصور المسيحي وهم يقرأون نفس الكتاب المقدَّس (العهد القديم) دون أن يعوا مضمونه، وهم بحسب القول المسيحي: " أغبياء يحملون كتباً ذكية "، كما أنهم يرجعون لكتاب ضخم من كتب التفسير يُسمَّى التلمود الذي هو موضع شك العالم المسيحي، ويرتدون أزياء خاصة بهم، ويتسمون بأسماء يهودية، ويتحدثون برطَانَات غريبة وأحياناً بلغة غير لغة أهل البلاد مثل الفرنسية في إنجلترا والألمانية في بولندا، ويعملون في وظائف هامشية مثل التجارة والربا. وقد أخذت عزلتهم تتزايد حتى تبلورت تماماً داخل الجيتو خلال القرن الخامس عشر الميلادي. ويبدو أن استبعاد اليهود إلى هذا الحد هو الذي أدَّى في نهاية الأمر إلى ظهور المسائل اليهودية المختلفة في غرب أوربا ووسطها وشرقها. ولم تكن مؤسسات يهود أوربا الإدارية والتنظيمية في العصور الوسطى تمتلك بيروقراطية محترفة معترفاً بها من قبَل الدولة المركزية، ولم يكن هناك نظير لرأس الجالوت (المنفى) أو رئيس اليهود (نجيد) ، فكان لكل قهال قوانينه الخاصة به (تاقانوت) التي يحدد فيها حقوقه وامتيازاته ويدافع عنها ضد يهود المدن المجاورة. وكانت المحكمة التابعة لكل قهال مستقلة تباشر نفوذها من خلال التهديد بالطرد من الجماعة (حيريم) . وانقسام القهالات على هذا النحو كان تعبيراً عن اللامركزية التي كانت تسم النظام الإقطاعي في أوربا (ويختلف وضع الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب في كثير من الوجوه عنه في العالم الإسلامي في الفترة نفسها. ففي العالم الإسلامي، اندمج اليهودي في مجتمعه على المستوى الوظيفي والاقتصادي والحضاري. كما أنه، باعتباره عضواً في جماعة دينية، لم يكن فريداً بل كان ضمن أقليات دينية أخرى) . ومن الصعب تحديد عدد اليهود في كل من أوربا والعالم في ذلك الوقت. ويبدو أن من العسير أيضاً الوصول إلى تقديرات تقريبية. ولذا، فإن الأرقام أقرب إلى التخمينات التي تستند إلى كم هائل من الوثائق المتضاربة، بل إن الأرقام الخاصة بالعصور الوسطى قد تكون أقل دقة من تلك الخاصة بالعالم القديم حيث كان يُوجَد جهاز إداري تابع للإمبراطورية (الرومانية على سبيل المثال) التي كانت تقوم بحصر سكانها وفرض الضرائب عليهم. ويبدو أن عدد يهود العالم كان يبلغ في القرن الثاني عشر الميلادي مليوناً معظمهم في العالم الإسلامي. ولكن، مع القرن الثالث عشر الميلادي، بدأ عددهم يزداد تدريجياً ليصل إلى مليون ونصف مليون، منهم عدد كبير في أوربا. وفيما يلي بيان تقريبي بعدد يهود أوربا خلال الفترة من عام 1300 إلى عام 1490: الدولة / عام 1300 عدد اليهود /عدد السكان / عام 1490 عدد اليهود / عدد السكان فرنسا /100.000 / 14 مليوناً / 20.000 / 20 مليوناً الإمبراطورية الرومانية المقدسة وضمن ذلك سويسرا وهولندا / 100.000 / 12 مليوناً / 80.000 / 12 مليوناً إيطاليا / 50.000 / 11 مليوناً / 120.000 / 12 مليوناً إسبانيا / 150.000 / 5.5 مليون / 250.000 / 7 ملايين البرتغال / 40.000 / 600 ألف / 80.000 / مليون واحد بولندا / 5.000 / 500 ألف / 30.000 / مليون واحد المجر / 5.000 / 400 ألف / 20.000 / 800 ألف المجموع / 450.000 / 44 مليوناً / 60.000 / 53 مليوناً ولم يكن حجم أية جماعة يهودية في أية مدينة يزيد على ألفين. وكانت الجماعة المكونة من عدة مئات تُعتبَر مهمة وكبيرة. ويُلاحَظ أيضاً خلو إنجلترا من اليهود بعد أن كان قد تم طردهم. أما يهود فرنسا، فكانوا يوجدون أساساً في الإمارات البابوية. ويُلاحَظ أن أغلبية يهود العالم كانت لا تزال في العالم العربي الإسلامي، وأن الجماعات اليهودية كانت لا تزال متركزة في حوض البحر الأبيض المتوسط. الشعب الشاهد Witness People «الشعب الشاهد» هو أحد المفاهيم الأساسية التي ساهمت في تحديد وضع الجماعات اليهودية في الغرب كجماعات دينية إثنية داخل التشكيل الحضاري الغربي. وللمفهوم جانبان متناقضان ولكنهما مع هذا متكاملان. أما الجانب الأول، فهو رؤية الكنيسة لليهود باعتبارهم الشعب الذي أنكر المسيح المخلِّص عيسى بن مريم الذي أُرسل إليهم، فصلبوه بدلاً من الإيمان به. وقد رأى آباء الكنيسة أن الهيكل هُدم وأن اليهود تشتتوا عقاباً لهم على ما اقترفوه من ذنوب. كما أعلن أحد الآباء أن الكنيسة أصبحت إسرائيل الحقيقية أو إسرائيل فيروس، وأنها إسرائيل الروحية والشعب المقدَّس هو المسيحيون، أما اليهود فهم إسرائيل المادية الزائفة. ودعا الكنيسة إلى أن تطرح ماضيها اليهودي جانباً وأن تتوجه إلى العالم الوثني ككل، أي إلى العالم بأسره. وكل هذا يعني أن آباء الكنيسة لم ينظروا إلى اليهودية باعتبارها مجرد هرطقة دينية وإنما نظروا إليها باعتبارها عقيدة مستقلة معادية. وربما لو اعتُبرت اليهودية مجرد هرطقة لتم اجتثاث الجماعات اليهودية وتنصير أعضائها بالقوة كما حدث في العصور الوسطى حينما أبادت الكنيسة الكاثوليكية أتباع الهرطقة الألبيجينية وغيرها من الهرطقات. وتطورت صورة اليهودي في الوجدان المسيحي، فكان يُرمَز إليه بعيسو مقابل يعقوب، وهو أيضاً قابيل الذي قتل أخاه هابيل، وأصبح كذلك قاتل المسيح. أما الجانب الآخر من فكرة الشعب الشاهد، فإنه يعود أيضاً إلى آباء الكنيسة، وخصوصاً القديس بولس، حيث يذهب إلى أن رفض اليهود قبول مسيحهم المخلِّص هو سر من الأسرار. وهم يحملون الكتاب المقدَّس الذي يتنبأ بمقدمه منذ أيام المسيح، ومع هذا ينكرونه، ولذا فقد وُصفوا بأنهم «أغبياء يحملون كتاباً ذكياً» (أي لا يعون فحوى ما يحملون) . وتنبأ القديس بولس أيضاً بأن قسوة قلب إسرائىل ستزداد على مر الأيام إلى أن يتنصر الأغيار جميعاً، وحينئذ سيتم خلاص إسرائيل نفسها أي اليهود كشعب بالمعنى الديني. كما تنبأ بأن اليهود سيهيمون على وجوههم بلا مأوى ولا وطن حتى نهاية الزمان. وتتواتر الصور والأفكار نفسها في كتابات القديس أوغسطين، فاليهود مثل قابيل الهائم على وجهه، وشتات اليهود لم يكن فقط عقاباً لهم على رفضهم العهد الجديد وعدم إدراك أن العهد الجديد وضَّح المعاني الخفية في العهد القديم بل إن هذا الشُتات هو نفسه إحدى الوسائل لنشر المسيحية، كما أن ضعَة اليهود وتَمسّكهم في الوقت نفسه بشعائر دينهم التي ترمز للمسيحية منذ القدم، دون أن يعوها، يجعل منهم شعباً شاهداً يقف دليلاً حياً على صدق الكتاب المقدَّس وعلى عظمة الكنيسة وانتصارها. وبذا، تحوَّل اليهود إلى أداة لنشر المسيحية (وتمت حوسلتهم لصالح العالم المسيحي) . ولعل هذا يفسر حقيقة تهملها كثير من الدراسات، وهي أن محاكم التفتيش كانت تتعقب اليهود المتنصرين لتتأكد من مدى إيمانهم، أما أعضاء الجماعات اليهودية فلم تكن لها أية صلاحيات لمحاكمتهم. وقد ساهم كلا العنصرين المتناقضين السابقين في صياغة السياسة الكاثوليكية إزاء الجماعات اليهودية، فكانت الكنيسة ترى ضرورة الإبقاء على اليهودية وعلى اليهود كشعب شاهد سيؤمن في نهاية الزمان بالمسيحية، ولذا تنبغي حمايتهم من الهلاك والدمار ولكن يجب أيضاً وضعهم في مكانة أدنى من المسيحيين. ولهذا، كانت الكنيسة تقوم بحملات تبشيرية بين اليهود، ولكنها في الوقت نفسه كانت تمنع تنصيرهم بالقوة وتُحرِّم توجيه تهمة الدم إليهم، ومن هنا كان دور الكنيسة المزدوج فقد ساهمت في اضطهاد اليهود ولكنها لعبت في الوقت نفسه دوراً أساسياً في حمايتهم من الجماهير الغاضبة المستغَلة وفي الإبقاء عليهم. وقد تم تلخيص الموقف في العبارة التالية: «أن تكون يهودياً، فهذه جريمة، ولكنها جريمة لا تُوجب على المسيحي أن ينزل بصاحبها العقاب، فالأمر متروك للخالق» . ومن أهم آثار فكرة الشعب الشاهد أنها وضعت اليهود، من الناحية المعنوية والأخلاقية، على حدود التاريخ الغربي والتشكيل الحضاري الغربي، وعمقت حدوديتهم وهامشيتهم بحيث يمكن القول بأن فكرة الشعب الشاهد الكاثوليكي هي المقابل الديني لمفهوم أقنان البلاط الطبقي الذي حدد وضع اليهود كجماعة وظيفية وسيطة. ويُلاحَظ أن فكرة الشعب الشاهد تؤكد ضرورة الحفاظ على اليهود كأداة وعنصر غريب لا جذور له في الحضارة الغربية، وذلك ليخدموا غرضاً أو هدفاً غير يهودي. وتعمَّق هذا الإطار الفكري فيما بعد في الفكر البروتستانتي الخاص بالعقيدة الألفية وعقيدة الخلاص الاسترجاعية التي ترى أن اليهود أداة من أدوات الخلاص، وتمت علمنة المفهوم فيما بعد فتحوَّل إلى ما نسميه «الشعب العضوي المنبوذ» ، أي أن اليهود يشكلون شعباً عضوياً منبوذاً لا مكان له داخل الحضارة الغربية، وهو المفهوم الذي يشكل إطار التصور الغربي للجماعات اليهودية منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وهو الأساس الفكري لكل من الصهيونية ونزعة معاداة اليهود. ويُلاحَظ أن وعد بلفور ينطلق من تَصوُّر مشابه لفكرة الشعب الشاهد، فبلفور يرفض الوجود اليهودي داخل الحضارة الغربية ولكن لم يكن لديه مانع من أن يرعاه مادام موجوداً خارجها وعلى حدودها في فلسطين. المواثيق والمزايا والحماية Charters, Priviliges and Protection يُسمَّى الميثاق باللاتينية كارتا «carta» وفي الإنجليزية، يُسمَّى الميثاق تشارتر «charter» . والمواثيق نصوص كانت تُصدرها جهة رسمية تتعهد فيها بتزويد فرد أو مجموعة من الأفراد بحماية خاصة وتمنحهم المزايا وتحدد حقوقهم وواجباتهم. وكان الأمراء والملوك يمنحون أعضاء الجماعات اليهود مثل هذه المواثيق التي كانت تؤكد وضعهم كجماعة وظيفية مالية داخل المجتمع الإقطاعي الوسيط في الغرب. وبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، لم يعد هناك قانون عام واحد يسري مفعوله في التشكيل السياسي الغربي كله رغم اعتراف الدول بمثل هذا القانون. وكان اليهود قد مُنحوا حق المواطنة حسب مرسوم كاركالا. ولكن، مع انتشار القانون أو العرف الألماني، تَغيَّر الوضع القانوني (فيما بعد) للجماعات اليهودية. وكان القانون الألماني يرى أن الغريب لا مكانة له ولا حقوق، كما كان يمكن قتله دون أن يُعاقَب قاتله، وكان كل من يمنحه المأوى يصبح مسئولاً عن أفعاله، وكذلك كان لا يحق له امتلاك شيء وليس لورثته حق الميراث. وكان الغريب يعيش حسب قانون حاميه، كما كان الاعتداء عليه اعتداءً على حاميه. وكان اليهودي هو الغريب الأساسي في المجتمع، نظراً لأنه لم يكن يعمل لا بالزراعة ولا بالقتال، وهما المهنتان الأساسيتان في المجتمع الإقطاعي، كما لم يكن اليهودي ملحقاً بأي من المدن أو مؤمناً بالمسيحية. وحسب القانون الألماني، فإن أي فرد لا حقوق له، ولا يتمتع بحماية أية جماعة أو فرد، كان يُوضَع تحت حماية الملك ويصبح من أقنانه. وكانت الحقوق والواجبات تُحدَّد بشكل دقيق ولا تسري إلا على الغرباء. أما أعضاء المجتمع، فكانوا يتعاملون بشكل شخصي داخل إطار الأعراف القائمة. ومن ثم، كان الملوك يُصدرون المواثيق التي تؤكد وضع اليهود تحت حمايتهم وتمنحهم المزايا. وكان إطار هذه المواثيق هو المبادئ الأساسية العامة، ثم تنشأ حولها بعد ذلك مجموعة أخرى من الحقوق والمزايا غير المكتوبة. ومن أشهر المواثيق ما أصدره في ألمانيا رودريجز هاوتسمان (أسقف سبير) عام 1084، والميثاق الذي أصدره الإمبراطور هنري الرابع لبعض اليهود في بعض المدن عام 1090، وميثاق هنري الرابع ليهود ورمز عام 1090، وميثاق الإمبراطور فريدريك الأول عام 1157 والذي استُخدم فيه مُصطلَح «أقنان البلاط» ربما لأول مرة. وقد استخدم فريدريك الثاني هذا المُصطلَح عام 1236 للإشارة إلى يهود ألمانيا جميعاً كما أصدر ميثاقاً عام 1238 ليهود فيينا. وهناك ميثاق الملك جون الذي أصدره ليهود إنجلترا عام 1201، والميثاق الذي أصدره شارل الخامس ليهود فرنسا عام 1360. وكانت هذه المواثيق تشبه من بعض الوجوه جواز السفر. وعلى سبيل المثال، أصدر لويس التقي عام 820 ميثاقاً كان يحمله اليهود يُطلَب فيه من الأساقفة والنبلاء والحكام وجامعي الضرائب وكل الرعايا المخلصين ألا يتعرضوا لليهود وألا يضايقوهم أو يصادروا أموالهم أو يفرضوا عليهم أية ضرائب أو يطلبوا إليهم أن يزودوا الجنود والموظفين العابرين بالطعام أو المأوى أو يطلبوا منهم هبات أو مساهمات مالية لصيانة الطرق والأنهار والكباري أو يُحصِّلوا منهم ضريبة مرور. بل إن الميثاق كان أكثر من جواز سفر إذ كان يعطي أصحابه مزايا عديدة، ومن هنا أصر اللومبارد والتجار الآخرون على الحصول على مواثيق شبيهة بتلك التي مُنحت لليهود. ومن أهم المزايا التي حصل عليها أعضاء الجماعة اليهودية: حرية التجارة، وحرية استيراد العبيد من البلاد السلافية الوثنية، وحرية بيعهم في الإمبراطورية، وحماية تجارة العبيد بتحريم تنصيرهم أو تعميدهم لأن هذا كان يُعدُّ تأميماً لهم (إن صح التعبير) شريطة أن يلتزم اليهود بعدم الاتجار في العبيد المسيحيين. وأعطت بعض المواثيق اليهود الحق في استئجار المسيحيين ليكونوا خدماً شريطة ألا يعملوا في أيام الأحد والأعياد. ونصت بعض المواثيق على أن من حق المرابي اليهودي، عند اكتشاف أن السلعة المرهونة مسروقة، أن يبيعها ويحصل على ما قام بدفعه إن أثبت أنه لم يكن يعرف أنها مسروقة. ومنعت بعض المواثيق أن يشتغل اليهود بأعمال الصيرفة في مكان يعمل فيه صيارفة مسيحيون. وسمحت لأعضاء الجماعات اليهودية أن يعيشوا حسب قوانينهم وأن تكون لهم مدافنهم الخاصة ومعابدهم ومحاكمهم، كما منحتهم حق فض المنازعات التي كانت تقوم فيما بينهم. وسُمح لليهود بحمل سلاح، مع أن هذا الحق كان مقصوراً على النبلاء وبعض رجال الدين، وذلك حتى إذا كانوا لا يضطلعون بأية مهام قتالية. وكان من حق اليهود بناء أسوار حول منطقتهم السكنية. وقد كان الجيتو في بدايته إحدى المزايا التي كانت تُمنَح لهم. كما منحتهم بعض المواثيق حق ارتداء زيٍّ خاص بهم حمايةً لهم فلا يعتدي عليهم أحد بالضرب أو بغيره. وكانت شهادة اليهود تُقبَل أمام المحاكم، وهو أمر لم يكن متاحاً للكثيرين. وأُعفي اليهود من أشكال الاستجواب المختلفة في العصور الوسطى مثل الاستجواب عن طريق التعذيب، وهي وسيلة بدائية اصطُنعت لمعرفة ما إذا كان المتهم بريئاً أو مجرماً. وأعفت بعض المواثيق أعضاء الجماعة اليهودية من عقوبة التعذيب أو الضرب وهي عقوبة كانت تُطبَّق على الفلاحين والأقنان. وفي العصور الوسطى، كان الوضع القانوني لأعضاء الجماعات اليهودية يُعدُّ مزية كبرى. فاليهودي لم يكن كالأقنان مرتبطاً بضيعة محددة أو مكان محدد، كما لم يكن كالنبلاء مرتبطاً بالأرض على الإطلاق، ولم يكن كرجال الدين مرتبطاً بالكنيسة. ولم تكن تحد من حركته عشرات القوانين المحلية المتناقضة. وقد أكد مرسوم الملك جون في إنجلترا (عام 1201) هذا الحق بوضوح تام. وكما قال أحد الكُتَّاب اليهود، كان بوسع اليهود أن يتنقلوا من مكان إلى آخر كالفرسان. ووصف كاتب آخر اليهودي في العصور الوسطى بأنه مثل مالك الأرض الذي فقد أرضه ولم يفقد حريته. ووفَّرت المواثيق لليهود الجو المستقر اللازم للقيام بالأعمال المالية والتجارية وحمتهم من هجمات الغوغاء وسكان المدن والحرفيين ومحاكم التفتيش والتعميد القسري والاتهامات المختلفة مثل تهمة الدم. ولم يكن اليهود الجماعة الوحيدة التي تحصل على مواثيق، فاللومبارد والأرمن والحرفيون حصلوا كذلك على مواثيق تحدد حقوقهم وواجباتهم والمزايا التي يحصلون عليها. وكانت المواثيق تختلف من جماعة إلى أخرى، فالميثاق الذي كان يُمنَح لليهودي الغريب يختلف عن الميثاق الذي يُمنَح للحرفي المقيم. ولذا، لم يكن من الأمور المستغربة في المجتمع الأوربي الوسيط أن تُوجَد في المدينة أو القرية الواحدة عدة قوانين مختلفة، فالقوانين التي تنطبق على النبلاء كانت لا تنطبق مثلاً على الفلاحين. وكان نظام العقوبات يختلف كذلك من جماعة إلى أخرى. ويمكن القول بأن المواثيق جعلت اليهود جماعة مميَّزة تتمتع بمستوى معيشي يفوق مستوى كثير من طبقات المجتمع الإقطاعي الغربي الأخرى. ولعل من أهم القرائن على ذلك أنه، رغم وجود ما يشبه المجاعة في أوربا في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، فلا يوجد أي ذكر لها في المصادر اليهودية، فقد كان اليهود يعيشون عيشة أرستقراطية جديرة بالتجار الدوليين. ولكن يجب الانتباه إلى أن تَميُّزهم هذا حوَّلهم إلى جماعة وظيفية وسيطة وإلى سلعة ممتازة وأداة إنتاج متقدمة راقية ومادة بشرية تمت حوسلتها تماماً، فاليهودي في نهاية الأمر كان ملكية خاصة للملك أو لأي شخص يعطيه المواثيق والمزايا. وتستخدم المواثيق عبارات تُضمر حق امتلاك اليهود، مثل «جودايوس هابيري judaeos habere» وتعني «حق امتلاك اليهود» أو «جودايوس تنيري judaeos tenere» أي «حق الاحتفاظ باليهود» ، وهي حقوق كان بإمكان الملك أن يبيعها للمدن أو للسلطات المحلية، تماماً مثلما تبيع إحدى المدن في الوقت الحاضر امتياز استغلال منجم أو مد طريق سكة حديدية. فاليهودي لم يكن عضواً في المجتمع وإنما كان شيئاً مملوكاً تُفرض عليه ضرائب، وكلما ازدادت الحقوق والمزايا التي كان يشتريها اليهودي ازدادت أرباح مانح الميثاق الذي كان يعتصر اليهودي عن طريق الضرائب وغيرها من الرسوم. كما أن عملية منح الميثاق كانت تدر على الملك عائداً ضخماً حيث كان يتعيَّن على أعضاء الجماعة شراؤها. وإذا نشأت حاجة إلى مزيد من المال، فإن هذه المواثيق كانت تُلغَى لبيعها لهم من جديد حيث لم تكن هناك أية قيود على مانحها كما كان بوسعه أن يبيع اليهود لمالك آخر يمكنه أن يعتصرهم بشكل أكثر كفاءة. وكانت المواثيق الوسيلة التي استخدمها الملوك والأمراء لتحويل اليهود إلى أداة يمكنهم عن طريقها ضرب المدن التي كانت تحاول توسيع نطاق سيادتها واستقلالها، بل ضرب كل القوى الاجتماعية التي كان الملك يود التخلص منها أو كبح جماحها. ولكل ما تقدَّم، نستطيع أن نقول إن أعضاء الجماعة اليهودية، برغم كل ما تمتعوا به من مزايا وما حققوا من ثراء، ظلوا مجرد إسفنجنة تُعتصَر أو قناة موصلة وأداة لضرب الآخرين. ولعل هذا يفسر عدم مساهمة اليهود في نشأة ما يُسمَّى «الرأسمالية الرشيدة» التي نشأت في صفوف الجماعات البرتستانتية في هولندا وإنجلترا. ويُلاحَظ أن من كان يتنصَّر من اليهود كان يفقد كل المزايا التي أعطيت له بموجب الميثاق، بل كان يفقد كل أملاكه لأنه لم يَعُد من أقنان البلاط. كذلك لم يكن من حق اليهودي أن يغادر البلد إلا بأمر من الإمبراطور، وإن ضُبط متلبساً بمحاولة الهرب فإنه كان يُعتبَر لصاً يسرق أملاك الملك. ومن ناحية أخرى، فإن المواثيق لم تمنح اليهود أية سلطة سياسية. ولكن هذا الأمر لم يكن مقصوراً على اليهود وحدهم وإنما كان ينطبق على جميع طبقات المجتمع باستثناء كبار الملاك وكبار رجال الكنيسة. وظلت المواثيق والمزايا والحماية تشكل عنصراً أساسياً في الحضارة الغربية، وبالذات في وسط وشرق أوربا. فحتى القرن الثامن عشر الميلادي، كانت الدويلات الألمانية تُقسِّم اليهود فيها إلى يهود تحت الحماية، وهم أصحاب امتيازات، ويهود خارج الحماية أي أولئك الذين تسللوا وسكنوا في ألمانيا دون وجه حق، وكان يُشار إليهم بأنهم بدون جواز. وتطوَّر هذا المُصطلَح فيما بعد ليقسمهم إلى يهود نافعين ويهود غير نافعين، وهو تقسيم تبنته روسيا القيصرية وغيرها من الدول الأوربية في القرن التاسع عشر الميلادي. بل عرفت أوربا المواثيق حتى القرن التاسع عشر الميلادي، فقد قام النبلاء الإقطاعيون (بويار) في رومانيا بمنح اليهود مواثيق (هيرسفو) حصلوا بمقتضاها على مزايا معيَّنة من بينها الإعفاء من الضرائب لعدة سنين، والحصول على أرض فضاء لإقامة معابدهم. وأسس النبلاء اليهود مدناً صغيرة تشبه الشتتلات، وكان يُطلَق على هؤلاء اليهود «هيرسوفلتس» أي «الميثاقيون» أو «أصحاب الميثاق» . وكان يهود الهيرسوفلتس يُستجلَبون من خارج رومانيا، أي أنهم كانوا في منزلة جماعة وظيفية استيطانية. وكانت كلمة «الميثاق» (بالإنجليزية: تشارتر charter) تُطلَق أيضاً على الامتيازات التي كانت تُمنَح للشركات الغربية الاستيطانية في أفريقيا. ولا يمكن استبعاد أن هذا كان هو الإطار المرجعي لوعد بلفور الذي يشار إليه في الأدبيات الصهيونية قبل صدوره بلفظ «تشارتر charter» أي «ميثاق» ، فهو وثيقة سياسية وضعت اليهود تحت حماية الإمبراطورية الإنجليزية وأعطتهم مزايا وحقوقاً كثيرة شريطة أن يستوطنوا فلسطين ويقوموا على خدمة الإمبراطورية بعد أن أصبحوا أداة لمن منحهم الميثاق. وكان ُيشار للصهاينة بأنهم «تشارترايتس Charterites» أي «الميثاقيون» . حق استبعاد اليهود De non Tolerandis Judaeis (Not to Suffer the Presence of the Jews) «حق استبعاد اليهود» ترجمة بتصرف للعبارة اللاتينية «دي نون توليرانديس جوداييس» التي تعني حرفياً «عدم التسامح مع اليهود» . وهو حق كان يُعطَى في العصور الوسطى لبعض المدن الأوربية التي كانت تخشى منافسة التجار اليهود الذين كانوا يحصلون على المواثيق والمزايا والحماية. وكان الأباطرة والملوك يضطرون إلى منح بعض المدن هذا الحق على مضض، لأن ذلك كان يعني تقليص ميزانيتهم، كما كان يشكل قيداً على أعضاء الجماعة اليهودية أي أقنان البلاط الذين كانوا يحققون لهم أرباحاً هائلة من خلال حركيتهم وحريتهم. وكان الملوك يضطرون إلى إعطاء هذا الحق للمدن بعد نشوب الثورات الشعبية والقومية التي كان يشترك فيها النبلاء أحياناً، كما حدث في إنجلترا عامي 1230 و1240، وكما حدث في مدينة برنو عاصمة إقليم مورافيا في تشيكوسلوفاكيا عام 1454. وقد ظل أعضاء الجماعة ممنوعين من دخولها رسمياً حتى عام 1848، ومع هذا سُمح لبعض الأفراد من اليهود بحضور الأسواق داخل المدينة نظير دفع رسم دخول. وقد نجحت وارسو أيضاً في الحصول على حق استبعاد اليهود في عام 1527. وكثيراً ما حارب اليهود ضد منح المدن هذا الحق. وفي حالة وارسو، على سبيل المثال، كانت المدينة تتمتع بأهمية خاصة من الناحيتين السياسية والمالية، ولذا حارب أعضاء الجماعة اليهودية إلى أن نجحوا في الاستيطان على حدودها بل دخلوها في نهاية الأمر. وحينما بدأ السييم (البرلمان البولندي) وعقد اجتماعاته ابتداءً من عام 1572، سُمح لليهود بدخول المدينة أثناء عقد دوراته، ثم مُدَّت الفترة المسموح لهم بها إلى أسبوعين قبل الاجتماعات وأسبوعين آخرين بعدها. كما سُمح للوسطاء اليهود (بالعبرية: شتدلانيم) الذين كان يبعث بهم مجلس البلاد الأربعة بأن يزوروا وارسو للقيام بالمفاوضات مع العرش والنبلاء. وقد حصل عدد آخر من أعضاء الجماعة على تصريحات بدخول المدينة والإقامة فيها، فمثلاً كان من الممكن شراء تذكرة دخول وإقامة مدة أربعة عشر يوماً. وقد بيَّن إحصاء عام 1765 أنه كان يوجد داخل وارسو 2519 يهودياً، وكثيراً ما كان يتسلل بعض أعضاء الجماعة اليهودية إلى المدن أو يعسكرون خارجها لبيع سلعهم. ويمكن رؤية تاريخ الإقطاع في الغرب، الذي ظل قائماً حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي تقريباً في شرق أوربا ووسطها، باعتباره تاريخ توتر بين الملك من جهة، حيث كان يحاول توسيع نطاق نفوذه، والطبقات القومية والمحلية (التجار والحرفيين والفلاحين وحتى بعض النبلاء أحياناً) من الجهة الأخرى. وهذه الطبقات كانت تحاول أن تقلص هذا النفوذ لتتمكن من ممارسة نشاطها المالي والتجاري بحرية. وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية إحدى الأدوات التي كان يستخدمها الحاكم لتوسيع نفوذه. وكانت المطالبة بحق استبعاد اليهود واستصدار مثل هذا القرار من خلال الثورة الشعبية أو من خلال شرائه هي رد فعل الطبقات القومية والمحلية. المجامع اللاترانية الكنسية Lateran Councils «المجامع الكنسية» هي مؤتمرات كانت تعقدها الكنيسة الكاثوليكية بشكل غير دوري لمناقشة الأمور المهمة، وهي المجامع التي أرست قواعد العقيدة المسيحية الكاثوليكية كما حددت أطرها وحددت علاقة الكنيسة بالسلطة الدنيوية وباليهود. ومن أهم المجامع، من منظور بعض الجماعات اليهودية في الغرب، المجمعان الثالث (1179) والرابع (1215) تحت رعاية البابا إنوسنت الثالث. ولعل الخلفية التاريخية لهذين المجمعين تفسر تَشدُّد القرارات التي أصدراها إذ شهد جنوب فرنسا نمو حركات هرطقة في القرن الثاني عشر الميلادي أحرزت شيئاً من النجاح حتى اضطرت الكنيسة إلى تجريد حملة ضدها عام 1208، ثم تبعتها محاكم التفتيش عام 1232. واكتملت التشريعات المسيحية المتصلة باليهود من خلال قرارات هذين المجمعين، وأخذت شكلها النهائي الذي استمر حتى عصر النهضة وعصر الإعتاق والانعتاق. فأكدت مقررات المجلس الثالث منع اليهود من استئجار مسيحيين ومنع المسيحيين من استئجار خادمة أو استخدام ممرضة يهودية أو طبيب يهودي. ولكن المجلس، مع هذا، جعل شهادة المسيحي ضد اليهودي وشهادة اليهودي ضد المسيحي جائزة، كما أوجب حماية اليهود من التعميد القسري ومن أي هجوم عليهم أو مضايقتهم أثناء أدائهم صلواتهم. أما مقررات المجمع الرابع، فطلبت إلى المسيحيين مقاطعة اليهود فيما لو حصلوا على فوائد مرتفعة على النقود التي يقرضونها بالربا، ونصت على منع اليهود من الظهور بملابس الزينة خلال الأيام الثلاثة الأخيرة من أسبوع الآلام، وفي يوم الجمعة الحزينة بنوع خاص. وأصبح من غير الجائز تعيين اليهود في المناصب العامة أو تفضيلهم على المسيحيين. وقرر المجلس أنه يتعيَّن على اليهود والمسلمين ارتداء ملابس خاصة بهم وأن يضعوا شارة معينة تميزهم، وأصبحت هذه الشارة تُسمَّى «شارة العار» بعد أن كان ارتداء مثل هذه الشارات امتيازاً يكد اليهود من أجل الحصول عليه. وكانت هذه الشارة عبارة عن قطعة قماش مستديرة صفراء وحمراء في فرنسا، وعبارة عن قبعة مميَّزة في ألمانيا والنمسا. وكان الهدف من الزي المميز والشارة منع الاختلاط بين الجنسين من أعضاء الجماعتين والحيلولة دون حدوث التزاوج. وأصبح من حق أي راهب دخول المعبد اليهودي ليلقي موعظة مسيحية، وعادةً ما كان يصطحب معه يهودياً متنصراً. وبدأت عملية حرق التلمود منذ ذلك العهد، كما بدأ عقد المناظرات بين المسيحيين واليهود ليبرهن كلٌّ على مدى صحة دينه، وهي مناظرات لم يكن يتمتع فيها اليهود بالحرية الكاملة. ومع هذا، ونتيجةً لأن المجتمع الغربي الوسيط كان بحاجة إلى مهنة اليهود وهي التجارة والربا، فإن الكثيرين من حكام المدن والأساقفة ومواطني المدن المهتمين بتشجيع التجارة كانوا يراوغون في تنفيذ القرارات. الموت الأسود Black Death «الموت الأسود» وباء قضى على نحو خمسة وعشرين مليوناً من سكان أوربا. وهو عدد يشكل ما بين ثلث ونصف السكان في الفترة من 1347 إلى 1350. وقد شُخِّص الوباء بأنه نوع من أنواع الطاعون. ولم يكن هناك تفسير علمي لهذه الظاهرة في العصور الوسطى، فأصابت الناس بالذهول، وفسرته الجماهير بأنه غضب الرب بسبب فساد الناس. كما اتجهت شكوك الناس نحو أعضاء الجماعات اليهودية لأن معدلات الإصابة بين اليهود كانت أقل نسبياً من المعدلات العامة مع أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يعيشون بين الجماهير. ولعل هذا كان يعود إلى عزل اليهود في الجيتو عن بقية السكان وإلى وضعهم الطبقي المتميِّز وقوانين الطعام الخاصة بهم. وقد قامت الجماهير بالهجوم على أعضاء الجماعات اليهودية في أنحاء متفرقة من أوربا، لعل أقلها كان في إسبانيا وجنوب فرنسا وأكثرها في الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة، وخصوصاً ألمانيا. وكانت التهمة الموجهة إليهم هي قيامهم بتسميم الآبار للقضاء على المسيحيين. وتُعَدُّ هذه الهجمات من أشد الهجمات وطأة باستثناء تلك التي تمت أثناء حروب الفرنجة. وطُرد اليهود من عدة مدن. ومما يجدر ذكره أن عمليات الهجوم والطرد لم تكن مقصورة على اليهود رغم أنهم قد يكونون ضحيتها الأساسية، فقد كان سكان المدن أحياناً يطردون الشحاذين، وفي بعض الحالات قاموا بطرد النبلاء، ووُجِّهت تهمة تسميم الآبار لبعض كبار الرهبان. وقد قامت الكنيسة بدور مهم في محاولتها حماية اليهود، فأصدر البابا كليمنت السادس مرسوماً للدفاع عن اليهود، كما بيَّن بعض الدوافع الاقتصادية الكامنة وراء الهجمات مثل التخلص من الديون والمنافسة التجارية، وبيَّن أن اليهود لا يمكن أن يكونوا مسئولين عن الموت الأسود لأنه وصل إلى مناطق لا يوجد فيها يهود. وكذلك حاولت الطبقة الحاكمة من الملوك والأمراء وكبار المموِّلين الدفاع عن اليهود، ولكن هذه المحاولات كانت دون جدوى في بعض الأحيان لأن الهجوم على اليهود كان يأخذ شكل الثورة الشعبية التي لم يكن بإمكان السلطة الحاكمة التصدي لها. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الجيتو: تاريخ
Ghetto: History.... «الجيتو» هو الحي المقصور على إحدى الأقليات الدينية أو القومية. ولكن التسمية أصبحت مرتبطة أساساً بأحياء اليهود في أوربا. وللكلمة معنيان: عام وخاص. يعني الجيتو بالمعنى العام أي مكان يعيش فيه فقراء اليهود دون قسر من جانب الدولة، أو حي اليهود بشكل عام. ويعود تاريخ هذه الجيتوات إلى الإمبراطورية اليونانية والرومانية. أما الجيتو بالمعنى الخاص الذي أصبح شائعاً، فيعني المكان الذي يُفرَض على اليهود أن يعيشوا فيه، وقد استُخدمت الكلمة بهذا المعنى للإشارة إلى جيتو البندقية (عام 1516) . وأصل الكلمة غير معروف على وجه الدقة، فيُقال إنها حي اليهود في البندقية نسبة إلى «فلجيتو villgetto» أو «مصنع المدافع» الذي أقيم بجواره. ويُقال أيضاً إن الكلمة مشتقة من الكلمة الألمانية «جهكتر أورت Geheckter Ort» التي تعني «المكان المحاط بالأسوار» ، أو هي من الكلمة العبرية «جت» أو «جيط» بمعنى «الانفصال» أو «الطلاق» الواردة في التلمود. وربما كان أكثر الافتراضات قرباً من الواقع هو ذلك الذي يعود بالكلمة إلى لفظة «بورجيتو» الإيطالية التي تعني القسم الصغير من المدينة، أي أن كلمتي «جيتو» و «بورجوازية» مشتقتان من أصل واحد. ومن أسماء الجيتو الأخرى في ألمانيا: «يودين شتراس Judenstrasse» أي «شارع اليهود» ، أو «يودين جاسي Judengasse» أو «جاسي Gasse» فقط، أي «حارة اليهود» ، أو «يودين فيرتيل Judenviertel» ، أي «حي اليهود» . وفي البرتغال سُمِّي الجيتو «جوديا Judiaria» وفي فرنسا سُمِّي «جويفيري Juiverie» ، وفي إيطاليا سُمِّي «جيديكا Guidecca» ، وسُمِّي بالإنجليزية «جوري Jewry» . وكلها كلمات تصف اليهود باعتبارهم كتلة. والشتتل (أي المدن اليهودية الصغيرة في أوكرانيا وغيرها من بلاد شرق أوربا) هو أحد أشكال الوجود الجيتوي وأهمها على الإطلاق من منظور تاريخ الصهيونية والمسألة اليهودية في شرق أوربا، وتورد بعض المراجع اسم «حارة اليهود» باعتباره شكلاً من أشكال الجيتو في مصر. ولكن حارة اليهود لا تختلف عن أية حارة أخرى في مصر، مثل: حارة النحاسين وحارة النصارى وحارة الروم ودرب البرابرة، وغير ذلك كثير. ولعل ظاهرة الجيتو لم تظهر في العالم الإسلامي، إلا في المغرب في أحياء «الملاح» التي كان اليهود يُعزَلون داخلها في مراحل تاريخية كانت تتسم بالتوتر. والواضح أن عدم انتشار ظاهرة الجيتو في المجتمع الإسلامي راجع للبنية التاريخية والدينية والاقتصادية لهذا المجتمع ولموقف الإسلام من الأقليات. وفي العصور الحديثة، اكتسبت كلمة «جيتو» في اللغات الأوربية معنى قدحياً سلبياً (وحينما دخلت الكلمة العربية جاءت وهي تحمل الدلالات السلبية المرتبطة بها) . ولكن الأمر لم يكن كذلك دائماً. ولفهم تَطوُّر معنى الكلمة، لابد أن نضع الظاهرة في إطار تاريخي وإنساني عام. ولكن، قبل استعراض تاريخ الجيتو ثم بنيته، يجب التنبيه إلى أنه لا يوجد مسار تاريخي واحد لمثل هذه الظاهرة، وخصوصاً بعد القرن الخامس عشر الميلادي مع بداية ظهور التشكيلات القومية الغربية المختلفة ومع اختلاف معدلات العلمنة والتحديث والثراء والفقر والصراع الطبقي فيها. ومع هذا، سنحاول أن نقدم مخططاً عاماً آملين أن نقدم بعض السمات العامة التي تساعد على فهم الظاهرة دون أن نتجاهل قدر الإمكان عناصر التعاقب التاريخي أو السمات الخاصة للجيتوات المختلفة. ويمكن القول بأن المجتمع الإقطاعي عامة، وبالذات في الغرب، ذو طبيعة مغلقة، لكل فرد فيه مكانه ومكانته سواء كان فلاحاً أو نبيلاً. وكان المجتمع مبنياً على الفصل بين الطبقات والاحتفاظ بمسافة اجتماعية واضحة بينها. وكان هذا الفصل من سمات التنظيم الاجتماعي المعمول به في مجتمعات العصور الوسطى الزراعية والإقطاعية في الغرب والمجتمعات التقليدية على وجه العموم. ويظهر هذا الفصل الواضح في عدم السماح للغرباء بالبقاء في المدن لأية مدة، حيث كان يتعيَّن عليهم دفع ضريبة كبيرة للحصول على حق البقاء المؤقت. وفي داخل المدينة نفسها، كان أعضاء كل مهنة أو حرفة يعيشون في أحياء مقصورة عليهم. والفصل هنا شكل من أشكال تقسيم العمل، علماً بأن معظم المهن والحرف كانت تورَّث في نفس العائلة. وهذا تأكيد للمسافة الاجتماعية اللازمة لأداء النسق وضمان أن يظل الاحتكاك بين الطبقات والأقليات والجماعات الإثنية المختلفة عند حد معقول يضمن تحاشي التفجرات بينها. كما كان وسيلة من وسائل الإدارة في غياب نظام إداري مركزي قوي. ولعل بعض هذه السمات هي التي سمحت باستمرار الجيتو حتى العصر الحديث في مدينة مثل نيويورك حيث يُوجَد حي للزنوج (هارلم) وحي للصينيين (تشاينا تاون) وحي للعرب في بروكلين وأحياء اليهود المختلفة في بروكلين وغيرها. كما توجد مناطق يُطلَق عليها «ليتل إيتالي» أي «إيطاليا الصغيرة» و «ليتل بولاند» أي «بولندا الصغيرة» ، وهكذا. ولا يمكن أن يشكل أعضاء الجماعات اليهودية استثناء من هذه القاعدة الاجتماعية الإنسانية إذ كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع الغربي تضطلع بمهنة التجارة والربا، كما كانوا يُعتبَرون بمنزلة اتحادات تجارية أو حرفية تابعة للملك أو النبيل الإقطاعي الذي كان يمنحهم المواثيق التي تمدهم بالحماية والمزايا نظير ما يرتجيه من ورائهم من نفع، بل كان ينظر إليهم أساساً باعتبارهم مصدراً للربح أو أداة إنتاج وإدارة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية غرباء بالنسبة إلى التجار المحليين، ولذا فإن وجودهم داخل المدينة نفسها كان يمثل خطورة على هؤلاء التجار. وكلما كانت شوكة التجار المحليين (والمرابين الدوليين فيما بعد) تَقوى، كان الخطر يتعاظم. ولذا، كان الجيتو هو الطريقة المثلى لحماية أعضاء الجماعة اليهودية وضمان بقائهم، أي أن الجيتو هو تعبير عن صراع بنيوي يدور في المجتمع الإقطاعي الغربي، وهو الصراع بين البورجوازية المحلية وحماة اليهود من ملوك وأساقفة ونبلاء. واليهودي، علاوة على هذا، لم يكن وضعه محدداً داخل المجتمع الإقطاعي، إذ كان غريباً بمعنى الكلمة، غير مرتبط بالأرض ولا يقوم بالزراعة أو القتال، وهما الحرفتان الأساسيتان في مجتمعات العصور الوسطى في الغرب. وكان المجتمع الإقطاعي الذي يستند إلى الشرعية المسيحية لا يعطيه أية شرعية. ومن هنا كان الجيتو يشكل مسألة حيوية بالنسبة إليه لا يضمن بقاءه وحسب وإنما مكانته وهويته أيضاً. ومما دعم الحاجة إلى الجيتو مجموعة الشعائر اليهودية الخاصة، مثل: قوانين الطعام، وتحريم الزواج المختلط، وعدم شرب خمر صنعها واحد من الأغيار، والختان، والنصاب اللازم لصلاة الجماعة، وعادات الدفن والمدافن، وشعائر السبت. لكل هذا، نجد أن الجيتو لم يكن قيداً يُفرَض على اليهود وإنما كان حقاً يسعون إليه ويشترونه. وكان عليهم في بعض الأحيان شراؤه مرة في العام بل أحياناً مرة كل ثلاثة أشهر. ففي عام 1084، قام الأسقف هاوتسمان، أمير مدينة سبير، بكتابة وثيقة جاء فيها أنه أراد أن يزيد عزة مدينته ومجدها فأحضر اليهود فيها وأسكنهم خارج المناطق التي يسكن فيها بقية المواطنين وأحاطهم بأسوار عالية حتى لا يضايقهم الآخرون. وحينما استعاد المسيحيون الأندلس، طالب اليهود بهذا الحق. ومن مآثر جيمس الأول، ملك أراجون، أنه منح اليهود عام 1239 الحق في أن يعيشوا في حي خاص بهم. وقد كان اليهود يعترفون بالجوانب الإيجابية للجيتو حتى أن الصلوات كانت تُقام كل عام في جيتو فيرونا احتفالاً بالذكرى السنوية لإنشائه. والواقع أن إنشاء الجيتو، برغم أهميته القصوى من ناحية إدارة المجتمع وحماية الأقلية وضمان تسيير المجتمع دون احتكاك كبير بين فئاته وطبقاته، ساهم في عزل اليهود وتجريدهم، أي تحويلهم إلى عنصر مجرد غير إنساني. كما أن العزلة خارج المدينة، داخل الأسوار العالية، جعلت علاقتهم ببقية السكان علاقة غير مباشرة وتعاقدية تستند إلى ميثاق مكتوب، فهي إذن علاقة مالية مجردة أكثر من كونها علاقة اجتماعية. ولقد ساهم تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية تجارية، مع ما يتطلبه الأمر من حياد وتَجرُّد من العواطف، في ظهور الجيتو. ولهذا، يمكن القول بأن الجيتو، في علاقته مع العالم الغربي، يشكل أول جيوب العلمانية والنفعية والتعاقدية الحقة في أوربا، ذلك أن العلاقات هنا لا يشوبها أي حب أو عاطفة بل هي علاقات رشيدة تماماً؛ عقلانية مادية، خاضعة للحسابات الصارمة للعرض والطلب وتنضوي داخل نسق هندسي كمي. ومع هذا، ظل وضع الجماعات اليهودية داخل أو خارج الجيتو مقبولاً ومحتملاً وأساسياً بشكل عام. ومن المعروف أن بعض الأباطرة وبعض سكان المدن كانوا يخشون أن يهرب اليهود منهم، الأمر الذي يُعَدُّ تبديداً للثروة وفقداً لأداة مهمة من أدوات الإنتاج والإدارة. وكانت معظم الهجمات التي تُشن عليهم، حتى نهاية الألف الأول بعد الميلاد، هجمات متفرقة ذات طابع فردي. فالتاجر يقوم بوظيفة حيوية بالنسبة للمجتمع، ولكن نتيجة التحولات التي مر بها المجتمع الإقطاعي الغربي، والتي أدَّت إلى ظهور طبقات محلية مسيحية تعمل بالتجارة المحلية والدولية وبأمور المال، فَقَد اليهود كثيراً من وظائفهم وبدأوا يتجهون نحو مهنة الربا التي تجعلهم عرضة لغضب الجماهير والطبقات التي تضطر إلى الاقتراض. وتَمثَّل التعبير عن هذا التحول إبان حروب الفرنجة في وقائع فتك الجماهير والقوات الشعبية بأعضاء الجماعات اليهودية. وأدَّى هذا إلى مزيد من تجريد اليهود وعزلهم، وبالتالي أصبح الجيتو هو المكان الذي يُعزَلون فيه لحمايتهم ولضمان بقائهم. ومع فقدانهم وظيفتهم الربوية، ازدادت هامشية اليهود وازداد اتجاه الجيتو إلى الانهيار. وبدأ هذا التحول في القرن الرابع عشر الميلادي، وظهر أول جيتو قسري في ألمانيا. ووصلت عملية العزلة القسرية إلى قمتها في القرن الخامس عشر الميلادي. ومع عصر النهضة، كان الجيتو الشكل الشائع في أوربا. ويمكن الإشارة إلى أن الجيتو الذي أنشأه الملك أراجون صار قسراً عام 1390.وأصدر فرديناند وإيزابيلا عام 1480 قراراً بإحاطة أحياء اليهود والمسلمين بالجدران. وطُبِّق قرار مماثل في البرتغال. وفي بولندا، طُرد اليهود من كراكوف واضطروا إلى السكنى في ضاحية كازيمير التي أحاطوها بالأسوار للفصل بينها وبين المدينة. ومع هذا، لم يخضع يهود بولندا لهذا الحظر الذي فُرض على اليهود في الغرب، حيث كان لليهود مدنهم الخاصة المسماة «شتتل» . وأصدر البابا قراراً بطرد اليهود من الولايات البابوية، باستثناء مدن معيَّنة صرِّح فيها بإقامة جيتوات. وأقيم جيتو روما عام 1555. وفُرض الحظر أيضاً على اليهود في جنوب فرنسا بالولايات الواقعة تحت حكم البابا، وفُرضت القيود عليهم عام 1344، ثم ظهرت الجيتوات عام 1461. وكانت تُوجَد أهم جيتوات أوربا في فرانكفورت والبندقية وروما، وفي لوبلين وبوزنان في بولندا. وأخذت هذه العزلة في الانحسار التدريجي ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي مع الثورة المركنتالية ووصول اليهود السفارد الذين احتاجت إليهم الدول التجارية، مثل: هولندا وإنجلترا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال. وتَمثَّل هذا في تَحوُّل موازين القوى داخل الجيتو لصالح الطبقة المالية التي حلت محل الأرستقراطية الحاخامية. وبدأت هذه الدول جميعاً في تخفيف حدة القوانين التي تحد من حركة اليهود. ففي فرنسا مثلاً، كانت السلطة الحاكمة تتعامل مع يهود المارانو باعتبارهم مسيحيين مع علمها بأنهم يهود. كما يُلاحَظ أن التجمعات اليهودية الجديدة لم تكن تُوطَّن في أماكن مقصورة عليهم. وقد شهدت هذه الفترة بداية ضعف المسيحية كنسق قيمي وتَزايُد معدلات العلمنة. وساهمت هذه التحولات الاقتصادية والثقافية في زيادة تَقبُّل اليهود من قبَل مجتمع الأغلبية. ومع منتصف القرن السابع عشر الميلادي، اختفت الهجمات الشعبية على اليهود. وفي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وبداية القرن التاسع عشر الميلادي، مع بدايات الثورة الفرنسية وظهور المجتمع الغربي الحديث، أخذت أسوار الجيتوات في السقوط، الواحد تلو الآخر، تحت ضغط الشعوب والحكومات الأوربية التي كانت تحاول توحيد السوق القومية. واكتسحت حركة الاستنارة والتنوير والإعتاق، في طريقها، كثيراً من هذه الجيتوات التي كانت تُعدُّ من مخلفات عصر انقضى. وبدأت الجماعات اليهودية في شرق أوربا ووسطها صفحة جديدة من تاريخها. وكان كثير من الصهاينة يتصور أن سقوط الجيتو سيتسبب في اختفاء اليهودية، لأن وجودها حسب هذه الرؤية مرتبط عضوياً بالعزلة، وبالتالي فلابد أن يتعارض مع ظروف الإعتاق والاندماج. وبالفعل، واجه كثير من اليهود صعوبة في التكيف مع الأوضاع الجديدة. ولذا طالب الصهاينة بإنشاء دولة/جيتو (أي الدولة الشتتل) يمكن أن يمارس اليهود فيها شعائرهم وأن يحيوا حياتهم الثقافية والحضارية والقومية دون تَدخُّل من الأغيار. وقد استخدم النازيون كلمة «جيتو» للإشارة إلى أحياء اليهود في المدن البولندية التي أُغلقت على اليهود، بحيث أصبح محظوراً عليهم الخروج من هذه الأحياء إلا بإذن من السلطة النازية. وقد سيطرت هذه السلطة على استيراد الطعام والمواد الخام، وعلى تصدير البضائع التي ينتجها الجيتو، وعلى الخدمات التي يؤديها سكانه. وكانت أدوات الإنتاج ملكية جماعية للجيتو. أما الأجر المدفوع نظير العمالة، فكان كميات من الطعام والملابس تُوزَّع على العاملين وأسرهم وكذلك الخدمات التي توفرها سلطات النازي للجيتو. وعلى طريقة أوربا في العصور الوسطى، كان النازيون يعتبرون اليهود مصدراً من المصادر المالية للدولة الألمانية، التي تديرها فرق الصاعقة والجستابو والتي كانت تؤجر هذا المصدر إما للسلطة العسكرية وإما لشركة مدنية نظير ثمن يفوق كثيراً تكلفة الإبقاء على المصدر وإدارته، ومن ثم ظل عائد الجيتو عالياً إلى درجة كبيرة. وكانت السلطات النازية تخفض مستوى المعيشة في الجيتو إلى ما دون مستوى الكفاف، وذلك حتى تنخفض تكاليف إدارته. ومع استمرار العمالة وبذل كمية الطاقة البشرية نفسها وتَناقُص الطعام والرداء إلى ما دون حد الكفاف، كان من المتوقع أن يموت سكان الجيتو خلال ستة أو سبعة أعوام دون اللجوء إلى أي عنف. وكانت هذه الطريقة من أكثر طرق الإبادة رشداً وعملية إذ لم يكن يُبدَّد فيها أي شيء. غير أن عملية الترشيد هذه، أي توظيف الوسائل على أحسن وجه لخدمة الأهداف، تفسر تأكيد القوات النازية أهمية العمل وعلى مدى نفع اليهود لاقتصاد الحرب في ألمانيا. وقد نجح النازيون في عملية الترشيد هذه إذ مات 19% من سكان جيتو وارسو حتى يوليه عام 1942. كما مات 35% من سكان جيتو لودز في الفترة من مايو عام 1940 حتى عام 1944، وهو ما يعني أن فترة 7 ـ 9 سنوات كانت بالفعل كافية لإبادة يهود الجيتو (وهذا دليل آخر على أن هلاك ستة ملايين في أفران الغاز أمر مبالغ فيه) . ومما تجدر ملاحظته أن وضع الجيتو لم يكن يختلف من ناحية البنية، ومن ناحية علاقته بالسلطة المستغلة، عن وضع كثير من المستعمرات الأوربية في آسيا وأفريقيا في علاقتها بالدولة المُستعمرة، فهي الأخرى تم ترشيدها والتحكم في مواردها وصادراتها ووارداتها، كما تم توظيف كل جوانب الحياة فيها لخدمة الدولة المُستعمَرة. ويُطلَق مصطلح «الجيتو» الآن على أحياء يهود اليديشية الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة واستوطنوا فيها. ولكن الاستخدام هنا مجازي إلى أقصى حد، ويفترض استمراراً حيث لا يُوجَد استمرار قط، فالجيتوات الأمريكية تختلف في بنائها الاقتصادي والمعماري والوجداني عن جيتوات شرق أوربا، وهي لا تختلف من قريب أو بعيد عن أيٍّ من ضواحي أمريكا حيث لا يسكنها إلا من يريد من اليهود أو المسيحيين البيض أو أي شخص يسمح له دخله بذلك، في حين يستبعد الزنوج وبعض أعضاء الأقليات الأخرى مثل أهل بورتريكو. فالحاكم هنا معياران: عرْقي ومالي. والمعيار العرْقي لا يستبعد اليهود، أما المعيار المالي فلا يستبعد أحداً سوى الفقراء. بنية الجيتو Structure of the Ghetto «الجيتو» مكان داخل المدينة أو خارجها محاط بسور عال له بوابة (أو أكثر) تُغلَق عادةً في المساء. وكان من غير المصرح به لأعضاء الجماعات اليهودية، في بعض المراحل التاريخية ببعض الدول، أن يظهروا خارج الجيتو في يوم الأحد أو في أيام أعياد المسيحيين. وكان الجيتو بأسواره العالية يهدف إلى عدة أشياء متناقضة، منها: حماية اليهود كجماعة وظيفية وسيطة، وسهولة تحصيل الضرائب منهم، ومراقبتهم وعزلهم وفصلهم عن الأغلبية المسيحية. كما كان يضمن ألا يهرب أعضاء الجماعة إلى بلد آخر، فقد كانوا مادة استعمالية وأداة إنتاج وإدارة يستفيد الإمبراطور أو الحاكم من وجودها. ومن المعروف أن ازدواج المعايير الأخلاقية من سمات الجماعات الوظيفية الوسيطة. فعضو هذه الجماعة يدخل في علاقة نفعية مادية رشيدة تعاقدية باردة مع أعضاء مجتمع الأغلبية، ويدخل في علاقة حميمة دافئة مع أعضاء جماعته. وهو يرى مجتمع الأغلبية على أنه مجتمعاً مباحاً لا حرمة له. ولكن رؤيته هذه تُناقض تماماً رؤيته لأعضاء جماعته، إذ يراها جماعة لها قداستها وحرمتها. ولذا، فهو يراعي حرمتها ويؤثرها على نفسه. ولكن هذا الازدواج في المعايير ينصرف فقط إلى الموقف الأخلاقي والعاطفي العام لأعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة إذ يظل قانون الدولة والأعراف السائدة هي الإطار المرجعي القانوني الذي يحتكم إليه الجميع، سواء أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة أم الأغلبية. والجيتو لا يشكل استثناء القاعدة إذ كانت هناك مجموعتان من القوانين تنظم علاقته مع العالم الخارجي أولاهما: المواثيق التي كان يمنحها الأباطرة والأمراء لليهود وتنظم علاقتهم بمجتمع الأغلبية، وثانيتهما: مجموعة القوانين التي تنظم علاقة اليهود بعضهم ببعض كأعضاء داخل الجيتو وكجماعات يهودية داخل التشكيل الحضاري نفسه. وكان القانون الداخلي الذي ينظم علاقات اليهود فيما بينهم (في الأمور الدينية والشخصية) هو التلمود. أما علاقات الجماعات اليهودية بعضها بالبعض الآخر، فكان ينظمها قانون تحريم الاستيطان. وكان الجيتو يتمتع بقسط وفير من الإدارة الذاتية، شأنه في هذا شأن كثير من المؤسسات في مجتمعات العصور الوسطى. فكانت تديره هيئة إدارية تصل أحياناً إلى اثني عشر شخصاً، منتخبة في بعض الأحيان ومعينة في البعض الآخر، وإن كانت القيادات المنتخبة تنتمي إلى مجموعة من الأسر المحدودة. وكانت لهذه المؤسسة (القهال بين الإشكناز، والماهاماد بين السفارد) قوة تنفيذية ضخمة، فكانت تقوم بإتمام عمليات الزواج والطلاق وتنفيذ العقوبات مثل الجلد والسجن (بل الإعدام في حالات نادرة) . وكان من حق هذه المجالس أن تصدر قراراً بالطرد من حظيرة الدين (حيريم) ، كما حدث مع إسبينوزا، وكان من حقها النظر في المنازعات بين اليهود والحكم في القضايا حسب الشريعة اليهودية. وكان أعضاء المجلس يعرفون كل صغيرة وكبيرة عن سكان الجيتو بسبب صغر حجمه وقلة عددهم، ولذا كان من السهل التحكم فيهم. وكان يتبع المجلس مجموعة من الموظفين بعضهم لا يتقاضى أي مرتب، وبعضهم الآخر يعمل نظير أجر. وأهم وظائف القسم الأول البرناس وهو رئيس الجماعة الذي كان يترأسها في كل المناسبات كما كان يرأس اجتماعات الهيئة الإدارية التي كان يُشار إليها أيضاً بـ «البرناسيم» ، وكان البرناس يراقب الموازين ويقرر المرتبات التي تُدفَع للموظفين التابعين للمجلس، وكان يُعَدُّ قائد الجماعة اليهودية على المستويين الديني والدنيوي، ولذا كان يُختار أكثر الناس تفقهاً في الدين لهذا المنصب. ولكن، مع بدايات الثورة العلمانية في الغرب، بدأ المنصب يتحول إلى منصب دنيوي، وأصبحت مسئولية الحاخامات مقصورة على الأمور الدينية وحدها حيث تم فصلها عن الأمور الدنيوية، وهو شكل من أشكال علمنة الجيتو. وكان يلي البرناس الجابي أو المحصل، ووظيفته أهم الوظائف بسبب طبيعة الجماعة اليهودية في العصورالوسطى في الغرب كعنصر نافع مالي. وكان الجابي هو الذي يحدد الضرائب ويقوم بجمعها لصالح السلطات الحاكمة. وفي معظم أنحاء أوربا، كان يتبع مؤسسة القهال حاخام لم يكن يُدفَع له راتب حتى القرن الثالث عشر الميلادي. وبعد أن زاد عدد أعضاء الجماعة، تَفرَّغ هذا الحاخام لمهمته وأصبح موظفاً بأجر. وكان الحاخام يقوم أحياناً بدور القاضي الشرعي (ديان) ، ولكن كان يوجد في أحيان أخرى قاض متفرغ. وكان للقهال أحياناً شرطته الخاصة التي كانت تتبعه. ومن الوظائف التي كان يتقاضى صاحبها راتباً وظيفة الشوحيط وهو الذابح الشرعي، والموهيل وهو الذي يقوم بعمليات الختان، والمرتل (حزان) الذي يقوم بالقراءة والإشراف على أداء الصلاة والشعائر المرتبطة بها مثل إخراج لفائف الشريعة من سفينة العهد وإرجاعها. وكان يوجد أحياناً مرتل ثان أو بديل. ومن أهم الشخصيات الأخرى داخل الجيتو الشماس أو حارس المعبد اليهودي الذي كان يقوم بوظائف متعددة إذ كان يشرف على المعبد وينفذ أحكام دار القضاء (بيت دين) أو المحكمة اليهودية، وكانت واجباته هذه تجعله مسئولاً عن جمع معلومات تفصيلية عن اليهود فأصبح سيداً للجماعة التي كانت تخاف إرهابه وسيفه المصلت. وكانت الحلقات التلمودية (يشيفا) ترسل المشولاه (الوكيل) ليجمع التبرعات لها من الجماعات اليهودية المختلفة. ومن الوظائف الأخرى داخل الجيتو، الواعظ المتجول (مجيد) الذي كان يعيش على هبات المستمعين وينتقل من جيتو إلى آخر، والشادخان وهي الخاطبة التي ترتب الزيجات. وظهرت نماذج إنسانية أصبحت مألوفة لدى يهود الجيتو مثل الشنورر أو الشحات الوقح المتسول والتساديك أو الرجل التقي والبتلانيم أو العاطل الذي يعيش من لا شيء، ويتسكع بجوار المعبد ليبتز المصلين حين لا يكتمل النصاب اللازم للصلاة. وقد يكون من المفيد أن ننظر إلى البناء الوظيفي للجيتو من الداخل ثم إلى علاقته بالعالم الخارجي. أما الأعمال التي كان يقوم بها يهود الجيتو فتنقسم إلى قسمين: الأعمال التي تفيد الجماعة اليهودية وحدها، وتلك التي كانت تلبي حاجات خاصة بالجماعة اليهودية ولكنها يمكن أن تفيد الأغيار في الوقت نفسه. وتضم المجموعة الأولى الحاخامات والمدرسين ومن يقومون بأعمال الذبح والشعائر وكتبة لفائف الشريعة وموظفي الحمام الطقوسي وحراس المعابد والمدافن. أما المجموعة الثانية فتضم الجزارين وصانعي الشموع وتجار الكتب وناسجي شال الصلاة (طاليت) . وقد بلغت العمالة المخصصة للخدمات الداخلية لمجتمع الجيتو نحو 10% من مجموع العمالة اليهودية. وكانت تُوجَد مؤسسات أخرى في الجيتو تتبع القهال، مثل: المقبرة لدفن موتى أعضاء الجماعة، وحمام عام، وحمام طقوسي، وأحياناً منزل للفقراء والعجزة ونظام تعليمي يضم المدارس الأولية الخيرية (تلمود تورا) والمدارس التلمودية العليا (يشيفاه) . وكانت تُوجَد أحياناً فرق مسرحية للترفيه عن سكان الجيتو. ولكن أهم المؤسسات على الإطلاق كان المعبد، فهو بيت العبادة والدراسة والاجتماع. وكانت علاقة اليهودي بعالم الأغيار علاقة موضوعية مجردة، فهذا العالم كان يمثل بالنسبة إليه قيمة استعمالية وحسب، ومن ثم فهو عالم خال من الحب والعواطف والطمأنينة والأمن. أما في داخل الجيتو، فهو يجد كل ما كان يفتقده. كما أنه كان يمارس في الجيتو شعائر اليهودية بكل حرفيتها دون حرج، ويمتنع عن العمل يوم السبت، ويعيش داخل شبكة من العلاقات الإنسانية الدافئة القوية التي ازدادت قوة مع ازدياد حدة الصراع مع الأغيار. ويرى بعض دارسي الجيتو أن الأشكال الثقافية التي كانت سائدة فيه، سواء كانت الثقافة شعبية متمثلة في الرقص والغناء أو كلاسيكية متمثلة في الدراسات الدينية والفقهية، كانت تتسم بكثير من الثراء، وأنها بطبيعة الحال كانت مستمدة من ثقافة عالم الأغيار. ولكن ما يهمنا تأكيده هنا هو أن اليهودي داخل الجيتو كان يتصور أن هذه الأشكال الثقافية يهودية خالصة وتتسم بخصوصية يهودية. ولذا، فقد كانت ثقته بنفسه تزداد ويزداد إحساسه بهويته الوهمية، وفي نهاية الأمر عزلته عن العالم. وكان اليهودي يتلقى داخل الجيتو التأكيدات بأنه ينتمي إلى الشعب المقدَّس والشعب المختار وأن الجيتو ليس إلا وجوداً مؤقتاً يحفظ فيه الإله الأمة وروحها إلى أن يحين الحين ويشاء إعادة شعبه إلى أرضه المقدَّسة وحريته الكاملة. وفكرة الوجود المؤقت فكرة أساسية في تفكير الجماعات الوظيفية الوسيطة، فهي دائماً تنتمي إلى «بلد أصلي» جاءت منه وستعود إليه في نهاية الأمر. ومما عمَّق هذه الأفكار أن التراث القبَّالي الحلولي، ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي، وضع اليهود في موضع مركز العالم. فكان اليهودي يعلم أنه حينما يمتنع عن العمل يوم السبت فإنه يُعجِّل في واقع الأمر بمقدم الماشيَّح ليخلص العالم ويسود الشعب اليهودي. بل تصبح كل المعاناة والآلام التي يتحملها اليهودي خارج الجيتو من علامات الاختيار والتميز، وكلما زاد الاضطهاد زادت الساعة اقتراباً. والواقع أن الجيتو مؤسسة تهدف، كما أسلفنا، إلى خلق مسافة بين أعضاء الجماعة والأغلبية للتقليل من الاحتكاك والصراع بينهم، لكن قدراً من الصراع والاحتكاك يسم الوجود الإنساني بالطبع، وإن كان هذا القدر يتفاوت في حدته وكميته بتفاوت الزمان والمكان. وكانت الصراعات التي يواجهها الجيتو تدور على ثلاثة مستويات: 1 ـ الصراع داخل الجيتو بين الطبقات والفئات المختلفة: كانت تُوجَد داخل الجيتو طبقات وشرائح اجتماعية مختلفة، فكان هناك الغني والفقير والمستغل والمستغَل. غير أن الطبيعة المغلقة لهذا البناء الاقتصادي ووظيفية الجماعة اليهودية فرضت تَداخُل الطبقات والفئات كافة. كما زاد نظام الضرائب في المجتمعات الأوربية هذا التداخل إذ كانت الضريبة تُفرَض في كثير من الأحيان على الجماعة ككل سواء كانت جماعة دينية اقتصادية مثل اليهود أو جماعة اقتصادية ذات طابع ديني مثل نقابات الحرفيين. وحيث إن فقراء الجيتو كانوا غير قادرين على دفع الضرائب، فإن الأثرياء كانوا يقومون بدفعها كلها نيابة عن الجماعة، فتحولوا بذلك إلى أرستقراطية ذات ثقل كبير فرضت هيمنتها على اليهود. وقد انعكس هذا الوضع على التنظيم الاجتماعي للجيتو، فكانت الجماعة اليهودية تقوم برعاية مصالح سائر أعضائها بصرف النظر عن انتمائهم الطبقي أو الفئوي. 2 ـ الصراع بين الجيتو الواحد والجيتوات الأخرى: كان كل جيتو حريصاً على الاحتفاظ باستقلاله والدفاع عن مصالحه تجاه الجيتوات الأخرى، إذ كانوا يتنافسون فيما بينهم في المجالات نفسها ومن أجل المزايا نفسها التي يحصلون عليها من خلال المواثيق. ومن هنا كان لكل جيتو حق حظر الاستيطان (حيريم ها يشوف) ، وهو حق منع أي يهودي آخر من القدوم إلى الجيتو والإقامة فيه إلا بإذن خاص ولمدة محددة ونظير أجر معيَّن. 3 ـ علاقة الجيتو بمجتمع الأغلبية: أما من ناحية علاقة الجيتو بالمجتمع الخارجي، فإن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكن في صفوفهم بعض الطبقات الاجتماعية مثل: الملوك والأمراء والنبلاء والأشراف والفلاحين. ولهذا، لم تكن هناك مشكلة منافسة اقتصادية حادة بينهم وبين اليهود. أما علاقة اليهود بالتجار والحرفيين وصغار النبلاء فكانت علاقة منافسة قوية، ولذلك نجد أن المحرِّضين على الثورات ضد أعضاء الجماعات اليهودية كانوا بالدرجة الأولى من بين صفوف هذه الجماعات، كما كان طرد اليهود ككل يتم تحت ضغط هذه الطبقات والفئات الاجتماعية. ولكن هذا لم يمنع وجود احتكاكات شديدة في بعض الأحيان بين أعضاء الجماعات اليهودية وصغار النبلاء والفلاحين. هذه هي البنية الأساسية للجيتو، وهي دون شك ذات قدر كبير من التجريد ولكنه تجريد يبسط الواقع بعض الشيء حتى يتسنى فهمه. وقد ظل الجيتو قائماً كمؤسسة تقوم بدور حيوي من حيث هو بنيان اقتصادي اجتماعي يوفر لأعضاء الجماعات اليهودية الاستقلال كجماعة وظيفية وسيطة لها مصالحها ومشاكلها الاقتصادية ولها هويتها الدينية والإثنية المستقلة. ولكن، بالتحول التدريجي للمجتمع الإقطاعي ابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي، وبظهور أنماط الرأسمالية التجارية المحلية التي اضطلعت بالتجارة الدولية، بدأ اليهود يفقدون دورهم الاقتصادي، وانهار مركزهم عبر القرون من تجار دوليين إلى مرابين ثم أخيراً إلى مرابين صغار يقومون بإقراض كميات صغيرة من النقود للمواطنين العاديين الذين كانوا يرهنون ممتلكاتهم الخاصة ويدفعون فوائد باهظة. وحينما كان المدين يعجز عن الدفع، تصبح السلعة المرهونة ملكاً للمرابي الذي كان يسلمها للشخصية الأساسية الثانية في الجيتو (أي التاجر المتجول) . وإلى جانب هذا، ظل أعضاء الجماعات اليهودية يقومون بأعمال خفيفة، مثل: التطريز وحياكة الملابس والحلاقة. وتَسبَّب الانهيار التدريجي للأساس الاقتصادي للجيتو في انهيار تدريجي معنوي وأخلاقي. ولكن ينبغي هنا أن نميِّز بين جيتوات أوربا والعالم الجديد من جهة، وجيتوات يهود اليديشية في شرق أوربا ووسطها وفي الألزاس واللورين من جهة أخرى. ففي هولندا، أخذت أحوال اليهود في التحسن ولم تُفرَض عليهم قيود شديدة عند استقرار يهود المارانو بها. والوضع نفسه في بوردو وبايون في فرنسا حيث كانتا تضمان جماعتين سفارديتين. وحينما استوطن اليهود في العالم الجديد، فإنهم لم يُوطَنوا في أحياء خاصة بهم، ومما سهل هذا أن هذه بلاد لم تكن ذات كثافة سكانية يهودية كبيرة. ولكن الوضع كان على عكس ذلك تماماً في شرق أوربا ووسطها حيث تضاعف عدد اليهود في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، الأمر الذي أدَّى إلى ازدحام الجيتوات. ومما زاد الطين بلة أن الأرض المصرح ببناء منازلهم عليها كانت محدودة حتى اضطروا في غالب الأمر إلى الاتساع الرأسي. ومن هنا كانت عمائر الجيتو متلاصقة، كما كانت تتميَّز بارتفاعاتها التي تفوق عمائر المدينة. وتَسبَّب ارتفاع العمائر وتَلاصُقها إلى حجب الشمس عن حارات الجيتوات، فأصبحت لذلك رطبة وغير صحية كما أصبحت أماكن شديدة القذارة تنتعش فيها الأمراض وتتراكم القاذورات (ومع هذا لنا أن نلاحظ أن كثيراً من الأحياء في مدن أوربا في القرن التاسع عشر لم تكن تختلف كثيراً عن جيتوات أعضاء الجماعات اليهودية) . وقد ترك الانحطاط الاقتصادي والمعماري للجيتو أثراً عميقاً في وجدان يهود شرق أوربا ووسطها القاطنين فيه، وعمق انفصالهم عن العالم الخارجي. وقَدم عصر النهضة وعصر الإصلاح الديني، ثم عصر الاستنارة في أوربا، واليهود داخل أسوار الجيتو الاقتصادية والوجدانية، فكان معظم أعضاء الجماعات اليهودية من يهود شرق أوربا معزولين عن الثقافة العامة لا يدرسون إلا التوراة والتلمود والمدراش، ولا يقتربون البتة من تاريخ الأغيار، إذ كان كل ما يعنيهم هو تاريخ اليهود كما جاء في كتب اليهود المقدَّسة. وكانت الجيتوات التي أفرزت الصهيونية، والتي تهمنا أكثر من غيرها، موجودة أساساً في شرق ووسط أوربا. وقد لخص ديفيد فرايدلندر المقدَّرات الفكرية لطالب المدرسة التلمودية العليا أو مثقف الجيتو في القرن التاسع عشر الميلادي على النحو التالي: كان في إمكان مثل هذا الطالب أن يفتي إن كان من الواجب رجم أو حرق ابنة الحاخام الزانية، ولكنه في الوقت نفسه كان لا يعلم شيئاً عن تاريخ البلد الذي يعيش فيه. وكان جهل الحاخامات، وهم القيادة الثقافية للجماعة، مزرياً جداً، إذ كانوا لا يعرفون أكثر من أن اتجاه القدس هو نحو الشرق وحسب، كما ورد في بعض الكتب الدينية. ولذا، كان حاخامات بولندا يخطئون في تحديد اتجاه القدس فيتجهون شرقاً. وكانت القدس، في الواقع، تقع نحو الجنوب (بالنسبة إلى موقعهم) . وحينما نُشر أول كتاب في الجغرافيا بالعبرية عام 1803، اشتكى المؤلف من أن كثيراً من الحاخامات لا يزالون ينكرون وجود أمريكا. وساهم الوضع اللغوي ليهود شرق أوربا في زيادة عزلتهم وتخلفهم. فلم تكن قيادتهم الثقافية تعرف أياً من اللغات الأوربية الحية، مثل الألمانية أو الروسية، معرفة كافية. وإن تصادف وعرفوا إحدى هذه اللغات، بحكم وجودهم الفعلي في البلد، فإنهم كانوا يجهلون التراث الثقافي لهذا البلد. وكانت اللغات المعروفة في الجيتو هي العبرية لغة العبادة، والآرامية لغة التلمود والقانون، وهما لغتا النخبة الثقافية. أما لغة الشارع فكانت اليديشية، وهي لغة الحديث اليومي بين اليهود. الجيتوية Ghettoism «الجيتوية» هي طريقة التفكير التي أفرزها وضع أعضاء الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة في الحضارة الغربية على مدى مئات السنين. وبإمكان القارئ أن يعود إلى المجلد الخامس (الصهيونية) لدراسة الجانب الجيتوي في الفكر الصهيوني الغربي اليهودي وغير اليهودي. حظر الاستيطان Ban on Settlement «حظر الاستيطان» ترجمة للعبارة العبرية «حيريم هايشوف» ، وهو مفهوم قانوني كانت تُنظَّم على أساسه العلاقة بين الجماعات اليهودية المختلفة في الغرب، فهو يعطي أعضاء كل جماعة في مدينة (أو غير ذلك من الوحدات السكنية) حق منع اليهود الآخرين من السكنى معهم باعتبار أن هذا الحق مقصور على أعضاء الجماعة وحسب. ولذا، كان على كل وافد جديد أن يحصل على تصريح من أعضاء الجماعة يُسمَّى «حزقات هايشوف» أو «حزقات هاقهيلا» أي «حق الاستيطان» . وكان عادةً ما يحصل الوافدون على هذا الحق عن طريق شراء أو استئجار عقار أو أرض. وكان الهدف من هذا القانون أو العرف حماية التجارة اليهودية. ومن ثم استثنيت بعض القطاعات التي لا تعمل بالتجارة من الحظر، ومن بين هؤلاء طلبة المدارس الدينية العليا والحاخامات الذين لا يمارسون عملهم، والخدم واللاجئون شريطة أن يكون بقاؤهم مؤقتاً. ولم يكن مصرحاً لليهودي الغريب بالبقاء في المدينة أكثر من ثلاثة أيام، ولم يكن من حقه أن يستأجر منزلاً ولا أن يستصدر وثيقة الزواج فيها خشية أن يعطيه هذا الحق في البقاء. وبطبيعة الحال، كانت القوانين التي تحظر استيطان غير اليهود أكثر تعنتاً، فمثلاً كان بإمكان التاجر اليهودي أن يستأجر غرفة لحضور إحدى الأسواق التجارية شريطة ألا يبيع سلعة لسكان الجماعة نفسها وأن يقتصر نشاطه على السوق الذي أتى لحضوره (وقد كان من المحظور توفير التسهيلات نفسها للتاجر غير اليهودي) . وقد ساد المفهوم بين الجماعات الأوربية حتى بداية العصر الحديث، وخصوصاً في بولندا، حيث أصبح حق الحظر من حقوق القهال الأساسية. وكانت للحظر أبعاد طبقية واضحة إذ كان من صالح الجماعة اليهودية أن تُوطِّن الأثرياء ليساعدوا في دفع الضرائب. ولذا، حينما كان أحد الأثرياء اليهود يفكر في الهجرة، كان أعضاء الجماعة يستخدمون كل وسائل الإقناع لإبقائه، وإن أصر على مغادرة الجماعة كان عليه أن يدفع نصيبه من الضرائب. أما الفقراء، فكان يتم تشجيعهم على ترك المدينة. وكان الفقراء الغرباء دائماً في حالة تَنقُّل من مدينة إلى أخرى، الأمر الذي عقَّد مشكلة الفقر والتسول بين يهود أوربا. ومما يجدر ذكره أن الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية لم تكن تُطبّق هذا المفهوم أو تمارسه. ويبدو أن يهود الغرب الأثرياء، في ألمانيا وإنجلترا وغيرها، نظروا إلى يهود الشرق، أي يهود اليديشية المعدمين، حينما جاءوا في القرن التاسع عشر الميلادي، من هذا المنظور، أي على اعتبار أنهم وافدون يُطبَّق عليهم حظر الاستيطان. ولعل هذا كان أحد الدوافع وراء تبنِّي الحل الصهيوني التوطيني، فهو حل يحظر استيطانهم في الغرب عن طريق توطينهم في مُستوطَن (يشوف) آخر بعيد، فكأنهم طبقوا قانون حظر الاستيطان (حيريم هايشوف) على مستوى قومي. ويطلق الصهاينة على المُستوطَن الصهيوني اسم «يشوف» ، وقد حاولوا تطبيق الحيريم هايشوف على اليهود غير البيض، وهم الآن يطبقونه على الفلسطينيين من كل دين ولون. القسم اليهودي Jewish Oath «القَسَم اليهودي» ترجمة لعبارة «أوث موري جودايكو oath more judaico» ، وهي عبارة إنجليزية لاتينية معناها «القَسَم حسب عرف اليهود» ، والقسم اليهودي هو ذلك القسم الذي كان اليهود يتلونه في القضايا بينهم وبين غير اليهود. ويعود إلى أيام شارلمان (771 ـ 814) . وكان نص القسم والطقوس الرمزية التي تصاحبه يعطيانه شكل اللعنة التي يستمطرها المرء على نفسه ويجعلانه يتضمن وضعاً تفصيلياً للعقوبة التي ستحل إن كان اليهودي كاذباً في قَسَمه. وقد جاء في صيغة أحد الأقسام ما يلي: "إن كنت كاذباً في قَسَمي فلتنزل اللعنة على سلالتي ولأتحسس طريقي بين الحوائط كالأعمى، ثم لتنشق الأرض وتبتلعني". ويبدو أن استمطار اللعنات بهذا الشكل كان يهدف إلى تخويف اليهودي حتى لا يكذب، وخصوصاً أنه كان معروفاً في العصور الوسطى أن اليهود يتلون دعاء كل النذور في صلاة يوم الغفران ويتحللون من خلال ذلك من أية نذور قطعوها على أنفسهم أو أية أيمان التزموا بها في العام السالف. أما الطقوس التي كانت تصاحب القَسَم، فكانت أكثر تطرفاً حيث كان على اليهودي أحياناً أن يمسك بعصا القاضي ويلقي القَسَم. وفي إحدى المحاكم، كان على اليهودي أن يقف ووجهه نحو الشمس على كرسي نُزعت إحدى أرجله الأربع، فصار بثلاث أرجل، وهو يلبس قبعة اليهود ويلتفع بشال الصلاة (طاليت) . وأحياناً كانت تُوضَع تحت الكرسي مواد قذرة مثل جلد أنثى الخنزير، وهو حيوان كريه لدى اليهود. ولعل الهدف من كل هذا هو أن يحاول اليهودي أن يركز على الاحتفاظ بتوازنه ويردِّد القَسَم، فلا يمكنه أن يكذب في عقله الباطن ويَصدُق في قَسَمه ويستمطر على نفسه اللعنات بالفعل. والقَسَم اليهودي تعبير عن وضع اليهود القانوني الشاذ باعتبارهم عنصراً غريباً في مجتمع مسيحي يستند إلى الشرعية المسيحية ولا يقبل غيرها ولا تُوجَد فيه فلسفة واضحة تجاه الأقليات الدينية. وقد استمر القَسَم اليهودي، دون الطقوس التي تصاحبه، حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. ولم يُعرَف القَسَم اليهودي لا في إنجلترا الحديثة (بعد إعادة توطين اليهود في القرن السابع عشر الميلادي) ولا في الولايات المتحدة. علامة اليهود المميِّزة Jewish Badge كان أعضاء الجماعات اليهودية وغيرهم من الجماعات يرتدون زياً خاصاً لتمييزهم عن بقية السكان، وهذا أمر مألوف في المجتمعات التقليدية المبنية على الفصل الحاد بين الطبقات والجماعات. فكان على كل جماعة أن ترتدي زياً خاصاً بها، وتلبس غطاءً للرأس، وتقص شعرها بطريقة مميِّزة. وكان هذا يُسهِّل عمليات الإدارة وجمع الضرائب. ففي العصور الوسطى في الغرب، كان رداء الفرسان مختلفاً عن رداء القساوسة، وكان لكل حرفة علامة مميِّزة يرتديها ممارسوها، ولم يكن هذا عاراً وإنما امتيازاً يحصل عليه من يرتدي مثل هذه العلامة. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية في العصور الوسطى في الغرب استثناء من هذه القاعدة، فقد كانوا يطلبون امتياز ارتداء أزياء مميِّزة حتى يَسهُل التعرف عليهم فيتمتعوا بالحماية التي زودهم بها الإمبراطور أو الأمير حسب المواثيق التي منحهم إياها، والتي يستند وجودهم إليها. والقبعة اليهودية التي كان اليهود يلبسونها في وسط أوربا كانت من ابتداع أعضاء الجماعة اليهودية هناك. وكانت هذه الأردية والعلامات المميِّزة تشبه أسوار الجيتو التي تعزل أعضاء الجماعة اليهودية حتى تَسهُل حمايتهم، ولم تكن تهدف قط إلى إذلالهم. ولكنها، مثلها مثل أسوار الجيتو، تغيَّرت وظيفتها بالتدريج، وخصوصاً بعد حروب الفرنجة، حيث بدأ اليهود يفقدون أهميتهم في غرب أوربا ووسطها كجماعة وظيفية وسيطة وتجار دوليين ومرابين، فتحوَّلت أسوار الجيتو إلى وسيلة لعزلهم وأصبحت العلامة والأردية المميِّزة وسيلة لإذلالهم. وهكذا أصبحت العلامة المميِّزة دلالة العار، وتحولت من مجرد وظيفة وإجراء إلى رمز ذي مضمون سلبي محدَّد. ومع ظهور الدولة القومية، حاولت هذه الدولة أن توحِّد المواطنين في ملابسهم وفي طريقة قص شعورهم. وقد استجاب أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربا بسرعة، ولكنهم في وسطها وشرقها تمسكوا بضرورة إطلاق اللحية وارتداء القفطان، حتى اضطرت الدولة إلى إصدار قوانين لمعاقبة من يرتدي مثل هذه الملابس وجعلتها مقصورة على الحاخامات. وكانت المعارك تقوم بين ممثلي الدولة وبعض أعضاء الجماعات اليهودية. وقد أعاد النازيون العمل بالعلامة المميَّزة، كما أن الحسيديين مازالوا يرتدون الرداء المميِّز ليهود شرق أوربا. احتكار السلع وأسرار المهنة Monopoly and Exclusiveness يتميَّز المجتمع الإقطاعي الغربي بالفصل بين الطبقات والفئات والجماعات. وكانت كل طبقة أو فئة تضطلع بوظيفة محددة تحاول قدر استطاعتها احتكارها والإبقاء على أسرار المهنة بعدم إتاحة الفرصة للآخرين للحصول على المعلومات. ومن هنا، كان الجيتو اليهودي وغير اليهودي يؤدي وظيفة أساسية إذ كان يتيح الفرصة لأصحاب المهنة أو الفئة الواحدة أن يمارسوا حياتهم ومهنتهم بعيداً عن أعين الآخرين الذين قد يطلعون على هذه الأسرار. وكان هذا قانون العلاقات الاجتماعية الذي ينطبق على اليهود انطباقه على غيرهم. ولم يكن الاحتكار واستبعاد الآخرين مؤامرة مُوجَّهة من اليهود ضد الأغيار، وإنما كان ذلك يمثل ظاهرة اجتماعية عامة وخصوصاً أن الجماعة اليهودية، باعتبارها جماعة وظيفية، كانت تمثل هذه الظاهرة بشكل أكثر حدة. فالجماعة الوظيفية يستند وجودها بأسره إلى وظيفتها وإلى أسرار المهنة، فإن عُرفت هذه الأسرار خارج نطاقها انتفى أساس وجودها نفسه. ولذا، كان بعض اليهود يستبعدون الأغيار، كما كان البعض منهم يحتكرون الوظائف الاقتصادية والمالية ويحاولون بطبيعة الحال الحفاظ على هذا الاحتكار لأن في نهايته نهايتهم. وكان مفهوم الاحتكار والاستبعاد مفهوماً أساسياً في تفكير الجماعات اليهودية منذ منتصف القرن الحادي عشر الميلادي. وقد علق راشي على عبارة «تاجرة الشعوب» (حزقيال 27/3) ، وفسرها بأنها إشارة إلى قانون الاحتكار الذي كان يُمنَع بمقتضاه التجار الغرباء من الاتجار في المدينة التي يقيمون فيها بصفة مؤقتة كوافدين غرباء إذ كان يطبق عليهم قانون حظر الاستيطان (حيريم هايشوف) . ولم يكن الحظر مقصوراً على السكنى وحسب، أو المنافسة الاقتصادية، بل كان يمتد ليشمل الإحسان. وقد ورد في التلمود أن «فقراء مدينتك أولى من فقراء المدن الأخرى برغم أن كليهما يهود» . وبلغ هذا الاتجاه مداه بين يهود بولندا إذ طوروا نظاماً مركباً للتحكم في حق السكنى وفي العمل بالمهن وفي الزواج والاقتراض بل أحياناً السفر وفي كل جوانب الحياة الأخرى. وكانت الجماعة اليهودية تمنح حق الاستيطان لليهود الذين يدفعون رسوم الدخول وتنكر هذا الحق على الآخرين. وكانت الجماعة أحياناً تطرد بعض اليهود أو تُنقص حقوقهم أو حريتهم في العمل، وكثيراً ما كان أعضاء الجماعة، إما بمفردهم أو بالاشتراك مع جماعات غير يهودية، يقدمون التماسات للدولة أو للمدينة للحد من نشاط الأجانب اليهود أو غير اليهود. وكان استبعاد غير اليهود أكثر حدة، فكان من المحظور على الوسطاء والوكلاء اليهود أن يقوموا بتعريف رجل أعمال غير يهودي بآخر غير يهودي أو أن يدلوا مستهلكاً غير يهودي على محل غير يهودي. وقد أصدر القهال تحذيرات عديدة فيما يخص إفشاء أسرار مهنة التجارة لغير اليهود، أو لليهود من أعضاء الجماعات الأخرى. وكان محظوراً على اليهود الذين يُحضرون جلوداً أو فراءً أن يبيعوها إلا لليهود، وقد اعترض كثير من المسيحيين على هذه القواعد التي كانت تستبعدهم. وحينما ظهرت الحركة القومية البولندية بدفاعها عن مصالح البورجوازية البولندية، طالبت الجماهير البولندية بمقاطعة رجال الأعمال اليهود، وهو استمرار لميراث العصور الوسطى في بولندا. الوسيط (شتدلان) (Intermediary (Stadlan كلمة «شتدلان» كلمة مشتقة من فعل آرامي معناه «يبذل جهداً» أو «يتوسط» . والمصطلح يشير إلى اليهودي (من قيادات الجماعات اليهودية) الذي كان يقوم بدور الوسيط بين السلطة الحاكمة وأعضاء الجماعة. والآن، يُشار أحياناً إلى الصهيونية باعتبارها حركة تقوم بدور الوسيط بين الجماعات اليهودية والقوى الاستعمارية. الرئيس (برناس) Parnas «برناس» اشتقاق من الكلمة العبرية «برنيس» أي «يدعم» . والرئيس (برناس) أهم موظف إداري لا يتقاضى أجراً في الجماعة اليهودية. وكان يترأسها أحياناً على المستويين الديني والدنيوي. ولكن ابتداءً من القرن السادس عشر، أصبح البرناس رئيساً إدارياً يعمل مع مجلس البرناسيم (وهي صيغة الجمع في العبرية لكلمة «برناس» ) . ويذهب بعض العلماء إلى أن كلمة «برناس» لا تشير إلى الرئيس وإنما إلى مجلس الأمناء بأكمله. قوانين الترف Sumptuary Laws «قوانين الترف» مجموعة من القوانين أو القواعد التكميلية (بالعبرية: «تاقانوت» ) التي أصدرها الحاخامات لتحد من إظهار أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية لمظاهر الترف والثراء. وقد صدرت قوانين الترف للأسباب التالية: 1 ـ تحوَّلت الجماعات اليهودية في معظم أنحاء أوربا إلى جماعات وظيفية، ومثل هذه الجماعات لابد أن تتسم بقدر عال من الانضباط الداخلي والخارجي والترابط الكامل حتى يمكنها أداء وظيفتها بكفاءة وحتى يمكن حوسلتها. ولإنجاز هذا، كان من الضروري القضاء على كل النزعات الفردية وتقليل حدَّة التنافس، وخصوصاً أن أعضاء الجماعات اليهودية يعيشون داخل الجيتو في مساحة صغيرة الأمر الذي يجعل التنافس باهظ التكاليف من الناحية الاجتماعية والنفسية. 2 ـ كان أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية ينجحون في مراكمة الثروة، وكان هذا يجعلهم محط حقد أعضاء الأغلبية، ولذا فإن مظاهر الترف والثراء كانت تجلب عليهم المزيد من السخط. 3 ـ كان الربا من الوظائف الأساسية التي اضطلع بها أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية، ولذا كان يقع في يد المرابي ملابس فاخرة ومصنوعات مترفة لم يستطع أصحابها سداد الدين واستردادها. وكثيراً ما كان المرابي وأفراد أسرته يرتدون هذه الملابس والحلي، وهو ما كان يجعلهم محط سخرية الأغيار (بسبب عدم التناسق) ، وخصوصاً أن كثيراً من المرابين كانوا فقراء (على عكس التصور الشائع) . 4 ـ كانت الضرائب تُفرَض على الجماعة اليهودية بشكل جماعي. ولذا، فإن انغماس بعض الأفراد في أشكال من الترف، كان هذا يعني في واقع الأمر تبديد الثروة والعجز عن دفع الضرائب، ولهذا فقد كان من صالح الجماعة ككل فرض مثل هذه القوانين. وتغطي قوانين الترف نشاطات كثيرة متنوعة تختلف من جماعة يهودية إلى أخرى. فقد حددت بعض قوانين الترف كمية الجواهر التي يُسمَح للنساء أن يَتَزيَّن بها، بل كان ذلك ينطبق على الرجال في إيطاليا حيث اتسمت جماعتها اليهودية بالمبالغة في الترف والإنفاق (شأنها في هذا شأن الإيطاليين في كل زمان ومكان!) . ويبدو أن حفلات الأفراح كانت من أهم المناسبات، لإظهار الثروة أمام الآخرين والانغماس في الترف (كما هو الحال في مصر في التسعينيات حيث تحولت الأفراح من مناسبة يتآلف فيها الناس ويتم فيها إطعام الفقراء إلى مناسبة ينقسم فيها المجتمع وتزيد حدة الصراع الطبقي) ولذا، صدرت قوانين ترف تحدد عدد الذين يمكن دعوتهم لحفل الزفاف ونوع وعدد الهدايا التي يمكن أن يعطيها عريس لعروسه، وعدد المشاعل التي يمكن أن تصاحب العريس حينما يذهب لزيارة عروسه، وتمنع إلقاء الحلوى أو العملات في موكب العروسة. وصدرت قوانين تحدد ثمن الشعر المستعار الذي يُسمَح للرجل بارتدائه والمروحة التي يمكن للأنثى حملها. وكانت إيطاليا من أكثر البلاد الأوربية التي صدر فيها قوانين الترف التي كانت تُسمَّى «برجماتيكا» .وحدَّد أحد قوانين الترف عدد الأطباق التي يمكن أن تُقدَّم في حفل عشاء خاص، بل وصدر في ساردينيا قانون يحدد كمية البسكويت المصرح لليهودي بأكلها وسمي القانون «تاقاناه دي بسكوتيني» . وكانت القوانين تصل أحياناً إلى درجة من التطرف تدعو أعضاء الجماعة اليهودية إلى الجأر بالشكوى فتضطر السلطات أحياناً إلى التدخل. أما قيادات الجماعة اليهودية، فكانت تلجأ لكل الطرق لفرض قراراتها. ولذا، كانت تفرض أحياناً عقوبة الطرد من حظيرة الدين (حيريم) . وكان الممتنع عن تنفيذ القوانين يُمنَع من زيارة المعبد اليهودي، كما كان يُمنَع أعضاء الجماعة اليهودية من زيارة مثل هذا الشخص الذي يمتنع عن تنفيذ القوانين. النظم القضائية والمحاكم Judicial Systems and Courts لم يختلف النظام القضائي بين العبرانيين عما كان عليه في البيئات الحضارية التي تنقلوا فيها. فقد عيَّن موسى قضاة يحكمون بين الناس، وهم بعد في البرية. وبعد الاستيطان في كنعان، كان في كل مدينة قاض. ومع تَطوُّر الدولة العبرانية، تَطور النظام القضائي وازداد تركيباً ومركزية. وبعد العودة من بابل، تَغيَّر النظام القضائي بعض الشيء بما يتناسب مع الوضع الحضاري الجديد، فظهر السنهدرين (المحكمة) بدرجاته المختلفة. وبعد انتشار اليهود في مختلف البلاد، ظهرت مؤسسات قضائية أخرى داخل إطار الإدارة الذاتية التي كانت تسمح بها الدول لأعضاء الأقليات والجماعات الدينية والمهنية. فكان لكل جماعة يهودية، في بعض الأحيان، القاضي (ديان) المختص والمحاكم الخاصة التي كانت تنظر فيما قد ينشب بينهم من خلافات. أما التقاضي بين اليهودي وغير اليهودي، فكان يتم أمام قضاء المجتمع المضيف في معظم الأحيان. وكان لبعض هذه المحاكم سلطات قد تصل إلى حد الحكم بالإعدام في حالات نادرة، كما كانت تمتلك أدوات تعذيب خاصة بها، ويتبعها سجن لإيداع المساجين اليهود، وكان هذا أمراً ضرورياً، لأن الجماعات اليهودية في أوربا في العصور الوسطى كانت تقوم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، ولم يكن هناك مفر من أن تتمتع القيادة بصلاحيات قضائية وأن يتبعها نظام عقوبات صارم حتى يتسنى لها فرض نوع من الانضباط الأساسي واللازم لقيام أعضاء الجماعة بدورهم. ووصل هذا النموذج إلى أعلى تَحقُّق في حالة القهال في بولندا، البلد الذي وصل فيه دور اليهود كجماعة وظيفية وسيطة إلى قمة تَبلوره. وكان وجود أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمع مسيحي يخلق مشاكل في التقاضي، كما كان الحال في مشكلة القَسَم. ومن هنا ظهر القَسَم اليهودي. ومع ظهور الدولة القومية المركزية، أُلغيت أشكال الإدارة الذاتية كافة، ومن بينها المحاكم، واقتصرت المحاكم اليهودية على الأمور الدينية ولم تَعُد لها سلطات تُذكَر. وفي إسرائيل، هناك محاكم حاخامية تختص بالأحوال الشخصية مثل: الزواج والطلاق والنفقة. وهذه المحاكم تستخدم المعايير الأرثوذكسية وهو ما يجعلها تصطدم بكثير من المهاجرين، خصوصاً في المسائل الخاصة بالزواج والطلاق وتعريف الهوية اليهودية والتهود. هذا ولا يمكن تعيين المتهود قاضياً حسب الشريعة اليهودية. الطرد من حظيرة الدين والجماعة (حيريم) Excommunication (Herem) تشير كلمة «حيريم» العبرية إلى الأشياء التي تُعزَل أي تُكرَّس للأغراض المقدَّسة (لاويين 27/28) ، أو إلى الأشياء التي يُحرَّم لمسها بسبب طبيعتها المحرمة، مثل الأشياء الوثنية (تثنية 7/26) . ويستخدم عزرا الكلمة بمعنى «مصادرة الملكية» (عزرا 10/8) . ولكن الاستخدام التلمودي للكلمة يشير إلى «الطرد من حظيرة الدين أو الجماعة الدينية» ، ويُمنَع أعضاء الجماعة تماماً من الاتصال بالشخص الذي يتم طرده. ولذا، كان الحيريم سلاحاً استخدمته المؤسسات اليهودية، مثل القهال والمحاكم الشرعية، ضد أعضاء الجماعة حتى العصر الحديث. ومن أشهر قرارات الطرد، ذلك الذي صدر ضد إسبينوزا، وربما كان عدم اكتراثه بالقرار واستمراره في حياته دون أن يتنصر، ربما كان في حد ذاته رمزاً لوصول العصر الحديث بتعدديته ونسبيته. وقد فقد قرار الطرد كل فعاليته، إذ لم يَعُد المواطن اليهودي في العصر الحديث معتمداً على جماعته في حياته الاقتصادية أو حتى الثقافية. ومع هذا، قام بعض الحاخامات من مؤيدي الصهيونية عام 1983 بإصدار حيريم رمزي (في الولايات المتحدة) ضد بعض الشخصيات اليهودية التي هاجمت إسرائيل لما قامت به من مذابح في صبرا وشاتيلا. وفي المعارك الانتخابية في إسرائيل يُستخدَم أحياناً سلاح الحيريم لضمان تصويت الناخبين (التابعين للأحزاب الدينية) لمرشح بعينه دون غيره. الشتتل Shtetl كلمة «شتتل» صيغة تصغير يديشية مشتقة من كلمة «شتوت» ومعناها «مدينة» . والكلمة عبرية في الأصل وتعني «شتلة» ويُقصَد بها زرع أو شتل كيان ما داخل التربة. والشتتل تَجمُّع سكاني يهودي (يبلغ عدد سكانه ما بين ألف وعشرين ألفاً) استوطن فيه اليهود ممثلين للإقطاع البولندي الاستيطاني في أوكرانيا، ووكلاء للنبلاء البولنديين (شلاختا) ، وجامعي ضرائب، أي أنهم كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة تقوم بعملية الاستغلال لصالح النبلاء الغائبين الذين كان كل همهم زيادة دخلهم. ورغم أن الشتتل أحد الأشكال الجيتوية، فإنه يختلف عن الجيتو في كثير من النواحي. فالجيتو مجرد شارع أو حي في مدينة، أما الشتتل فهو نوع من المستوطنات ارتبط بالإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا بعد اتحاد مملكة بولندا وليتوانيا (في القرن السادس عشر) وظهور نظام الأرندا وزيادة المدن التابعة للنبلاء، الأمر الذي شجع أعضاء الجماعة على هجرة المدن الملكية التي كانت تتحكم فيها البلدية والمصالح التجارية البولندية والكنسية. والشتتل كان مدينة ريفية الطابع مستقلة ذاتياً، معظم سكانه من اليهود الذين جمعهم النبيل الإقطاعي ووطَّنهم فيه ليضطلعوا بمهمة الوكالة عنه في إدارة الضياع وجمع الضرائب. وكانت هذه المراكز شبه الريفية شبه الحضرية حلقة اتصال بين احتياجات المدن الكبيرة والريف. ولذا، كان الشتتل يقع في موقع إستراتيجي يوفر للفلاحين من ناحية سهولة الوصول إليه، ويوفر لليهود (من ناحية أخرى) العزلة وعدم الاختلاط مع بقية السكان، وكان القانون البولندي، بسبب الوضع المتفجر في أوكرانيا، يفرض على رب العائلة اليهودية أن يحتفظ ببنادق بعدد الذكور وبثلاث خرطوشات وثلاثة أرطال من البارود. أي أن الشتتل ترجمة معمارية لوضع الجماعة اليهودية في إطار الأرندا الزراعية الإقطاعية الاستيطانية. وكان هناك أسواق تباع أو تقايض فيها الأغنام والماشية جنباً إلى جنب مع البضائع المصنوعة في المدن ومنتجات الصناعات المنزلية الريفية. وكانت الشتتلات في الوقت نفسه المراكز التي يمارس فيها الحرفيون حرفهم من صانعي ومصلحي العجلات والعربات إلى الحدادين وصاغة الفضة والخياطين والذابحين الشرعيين والطحانين والخبازين وصانعي الشموع ومقطري الخمور. وكان هناك أيضاً كتبة الخطابات للأميين، ومعابد للمتدينين، وفنادق للمسافرين والصيارفة والوسطاء من جميع الأنواع. وتدور الحياة في الشتتل حول المعبد اليهودي والمنزل اليهودي ثم السوق التي يلتقي فيها اليهود بالأغيار. وكانت تُوجَد في الشتتل أيضاً المدارس الدينية اليهودية، وكان هناك رواة للأقاصيص وشعراء شعبيون يتجولون من شتتل إلى آخر. ونظراً لوجود أغلبية يهودية في الشتتل، فإنه حقق قدراً من الاستقلال الثقافي عن البيئة المحيطة به. ومع هذا، ونظراً لبعد الشتتلات عن المراكز الدينية اليهودية والمدارس التلمودية العليا، تأثر سكان الشتتل بالجو السلافي المسيحي المحيط بهم. وبعد تقسيم بولندا، كانت معظم الشتتلات تُوجَد في منطقة الاستيطان في روسيا. وقد وصف حاييم وايزمان حياة اليهود في الشتتل بأنها «كانت حياة غرباء بمعنى الكلمة عن حياة الأغيار وتفكيرهم وأحلامهم ودينهم وأعيادهم وحتى لغاتهم، فكانت تمر أيام يُستبعَد فيها عالم الأغيار حتى من وعينا [اليهودي] كما هو الحال يوم السبت وفي أعياد الربيع والخريف. وكان يفصلنا عن الفلاحين عالم كامل من الذكريات والتجارب» . ومع هذا، ورغم هذا البُعد الظاهري، فإن الشتتل جزء من التشكيل الحضاري السلافي، وذلك كما يتضح في الحركة الحسيدية التي يظن المرء لأول وهلة أنها مغرقة في اليهودية رغم أنها في واقع الأمر متأثرة بالحركات المسيحية الأرثوذكسية الروسية المعارضة للكنيسة (وخصوصاً جماعة الخليستي) . وقد نشأت القيادات الصهيونية في جو الشتتل، كما أن كثيراً من وقائع وشخصيات وحوادث الأدب اليديشي مستقاة منه، كما أن فن مارك شاجال (الرسام الروسي الأصل الفرنسي الجنسية) وقصص بارنارد مالامود (القاص الأمريكي) تعالج موضوعات مأخوذة من عالم الشتتل. ويرى الكاتب آرثر كوستلر أن أصول الشتتل خزرية وأنه، كمؤسسة فريدة، إحدى ثمرات الدياسبورا الخزرية، أي انتشار الخزر، فهو يشبه المدن التجارية في إمبراطورية الخزر. كما يرى كوستلر أن احتكار يهود الشتتل تجارة الخشب يذكرنا بأن الأخشاب كانت مادة البناء الأساسية عند الخزر وأحد صادراتهم الأساسية، وأن تَخصُّص يهود الشتتل في صنع العربات هو استمرار لعادات الخزر البدوية في الانتقال ونقل الخيام والبضائع. ومن الأعمال الأخرى التي كان يمارسها يهود الشتتل، ولا يمارسها يهود الجيتو، إدارة الفنادق وتشغيل مطاحن الدقيق وتجارة الفراء، وربما يعود هذا أيضاً إلى اختلاف أصول يهود الشتتل عن يهود جيتوات شرق أوربا. ويجب أن يضاف إلى هذه الملامح المتميِّزة طراز الباجودان (من كلمة «الباجودا» ) الذي أقيمت وفقه أقدم المعابد اليهودية الخشبية في الشتتل والباقية حتى اليوم والتي يعود تاريخها إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهو طراز مختلف تماماً عن كل من طراز العمارة المحلية وطراز البناء المُستعمَل لدى اليهود الغربيين. كما تختلف الزخارف الداخلية لأقدم معابد الشتتل اختلافاً تاماً عن نمطها في الجيتو الغربي، فقد كانت جدران معبد الشتتل تُغطَّى بزخارف تشبه الزخارف العربية الإسلامية وتُصوَّر عليها الحيوانات التي تُبرز التأثير الفارسي الموجود في المشغولات الفنية للخزر المجريين. ولا تخطئ العين أيضاً الأصل الشرقي للزي التقليدي اليهودي البولندي، فربما كان نمط القفطان الحريري الطويل تقليداً للسترة التي كان يرتديها النبيل البولندي، والتي كانت هي نفسها نسخة من الزي الرسمي للتتار في القبيلة الذهبية، ولكننا نعرف أن القفطان كان يُلبَس قبل ذلك بوقت طويل لدى بدو الإستبس. ويبدو أن القبعة (اليرملك) التي يرتديها اليهود الأرثوذكس تعود إلى غطاء الرأس الخاص بالشعوب التركية (مثل الأوزبكستانيين) الذين يلبسون قلنسوة ضيقة حتى اليوم. وكان يهود اليديشية يلبسون قبعة مستديرة متقنة موشاة الحواف بفراء الثعلب تُسمَّى «الإستريميل» ، ويبدو أنها تعود إلى أصول خزرية. وكما سبق القول، فإن الاتجار في فراء الثعلب والمنك، الذي كان مزدهراً في إمبراطورية الخزر، أصبح بالفعل احتكاراً يهودياً آخر في بولندا. أما النساء فكن، حتى منتصف القرن التاسع عشر، يرتدين عمامة عالية بيضاء كانت نسخة طبق الأصل من الجولوك التي كانت نساء التركمان تلبسنها. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الإمبراطورية البيزنطية
The Byzantine Empire «الإمبراطورية البيزنطية» هو الاسم الذي يُطلَق على القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية بعد انقسامها عام 395 ثم سقوط الإمبراطورية الغربية عام 475. والقسطنطينية هي العاصمة القديمة لبيزنطة (إستنبول فيما بعد) . وكانت تُوجَد جماعات يهودية في الإمبراطورية البيزنطية عبر تاريخها، من أهمها جماعة الرومانيوت (أو الجريجوس) في المدن التي كانت تتحدث اليونانية. وكانت الإمبراطورية البيزنطية تضم أعداداً كبيرة من السامريين ثم القرّائين، وكان لكل جماعة يهودية تنظيمها الإداري والقضائي المستقل وهو النظام الذي ورثته الدولة العثمانية واستمر العمل به. ويرتبط تاريخ الجماعات اليهودية بتاريخ الإمبراطورية الذي يمكن تقسيمه إلى فترتين: الفترة الأولى وتمتد من عهد قسطنطين الأول حتى فترة تحطيم الأيقونات (حوالى عام 720) ، وكانت توجد في هذه الفترة جماعات يهودية كثيرة لا تتَّسم بأي تجانس حضاري في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط (في شبه جزيرة البلقان وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين ومصر) . وقد شجعت الإمبراطورية سكانها على تبنِّي المسيحية باعتبارها دين الدولة وأيديولوجيا الحكم فيها. ولذا، اعتُبر التهود جريمة يعاقب عليها القانون، ومُنع التجار اليهود من ختان عبيدهم. وحُرِّم الزواج المختلط بين اليهود والمسيحيين، كما مُنع الآباء اليهود من حرمان أولادهم الذين يتنصرون من الميراث. وقد حدث تمرُّد صغير في فلسطين في عهد الحاكم البيزنطي جالوس عام 351 ولكنه أُخمد بسهولة. وشهدت هذه الفترة اختفاء مجموعات المزارعين اليهود المتحدثين بالآرامية في ريف فلسطين بشكل شبه تام، وتَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى التجارة. كما أن عدد اليهود الكلي في فلسطين تَناقَص بشكل حاد، فيُقال إن عدد اليهود إبان التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان (132 ـ 135) ، كان يتراوح بين 750 ألفاً و800 ألف، ولكنه انخفض في أوائل القرن السابع، أي عند دخول الفرس إلى فلسطين، إلى نحو 150 ـ 200 ألف. كما شهدت هذه الفترة ثورات اليهود السامريين في عامي 484 و529 حيث تركزت معظم هذه الثورات في نيابوليس (نابلس) . ونجح الثوار السامريون في الاستيلاء على بعض المدن وفي إقامة ما يشبه الإدارة الحكومية، كما قاموا بجمع الضرائب بل عيَّنوا ملكاً من بينهم إلى أن جاءت قوات الإمبراطورية وأخمدت التمرد. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية من أتباع اليهودية الحاخامية لم يتعاونوا مع السامريين في التمرد، وقد ألغت الإمبراطورية منصب أمير اليهود (ناسي أو بطريرك) في فلسطين عام 425، وهو بذلك آخر تعبير رمزي عن مركزية فلسطين في حياة يهود العالم. وبإلغاء هذا المنصب، استقلت الجماعات اليهودية كافة وأصبح لكلٍّ مسارها وقيادتها وخطابه الحضاري. ومن أهم الأحداث في هذه الفترة وقوع فلسطين لفترة وجيزة في يد الفرس (عام 614) . ويبدو أن هجوم القوات الفارسية كان يمثل بارقة أمل للجماعات اليهودية في الإمبراطورية لتحسين أحوالهم، فتعاونوا مع القوات الغازية (التي كانت تضم جنوداً يهوداً) وانخرطوا في سلكها مقاتلين وجواسيس، واشتركوا معها في فتح المدن الأخرى للإمبراطورية، مثل صور وقيصرية بمساعدة السكان اليهود داخل هذه المدن. ويبدو أن ارتباط الفرس في الوجدان اليهودي بالعودة من بابل واسترجاع العبادة القربانية في الهيكل الثاني (بمقتضى مرسوم قورش) أحييا الآمال المشيحانية في استرجاع قدر من استقلال اليهود الإداري في فلسطين. ويبدو أن الفرس سايروا الجماعة اليهودية في ذلك لاستخدامها في عملية الغزو. وما إن تحققت الأهداف وظنوا أن حكمهم قد استقر حتى قرروا التخلي عن الجماعة اليهودية التي كانت تشكل أقلية منبتة الصلة بالجماهير المسيحية أو الريف. كما قرروا التعاون مع المسيحيين في فلسطين وقياداتهم والتضحية بالجماعة اليهودية (ولا يختلف هذا كثيراً عما حدث في شبه جزيرة أيبريا حينما تحالف أعضاء الجماعة اليهودية، كعناصر استيطانية وكمموِّلين، مع القوات المسيحية التي قضت على الحكم الإسلامي فيها. ولكن، بعد أن حقق الغزو المسيحي مآربه، طُرد أعضاء الجماعة اليهودية بعد ستة شهور) . ويبدو أن الإمبراطورية البيزنطية أدركت أهمية الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية استيطانية ومالية، ولم تُطبِّق على اليهود النافعين وظيفياً ما طبقته على يهود فلسطين. ويُلاحَظ، على سبيل المثال، أن ضابطاً فارسياً احتل جزيرة بالقرب من خليج العقبة وطرد ممثلي الإمبراطورية البيزنطية وبدأ يجمع الضرائب لحسابه. ويبدو أنه كان هناك جماعة استيطانية يهودية شرقي خليج العقبة (في جزيرة جوباكابا) تعمل بالتجارة وتتمتع باستقلال إداري. ولكن، حينما قامت قوات الدولة البيزنطية بطرد الضابط الفارسي عام 498، فإنها لم تتعرض للجماعة اليهودية التي ظلت تمارس نشاطها وتتمتع باستقلالها الإداري في هذه المنطقة الحدودية التي لم يستقر فيها حكم الإمبراطورية. ولكن الإمبراطورية البيزنطية اتجهت في فترة لاحقة نحو توسيع رقعة تجارتها الدولية، وحاولت السيطرة على مداخل البحر الأحمر الجنوبية (باب المندب) ، وذلك حتى يتسنى لها الوصول إلى الهند بالالتفاف حول الدولة الفارسية التي كانت تسد الطريق البري. واصطدم البيزنطيون بالنخبة اليهودية الحاكمة في حمير (في اليمن) ، وتحالفت الإمبراطورية البيزنطية مع الأسرة الحاكمة القبطية في إثيوبيا. أما ذو النواس، ملك حمير اليهودي، فتحالف مع الفرس، كما أرسل رسله إلى المنذر، حاكم الحيرة العربي الذي كان يدور في فلك الفرس. ولكن الفرس لم يرسلوا قواتهم، وسقط ذو النواس عام 525 أمام هجمات الإثيوبيين، ومن ثم أصبح مضيق باب المندب ضمن النفوذ البيزنطي. وحتى تُحكم قبضتها على البحر الأحمر، قامت الإمبراطورية البيزنطية بتصفية الجيب الاستيطاني اليهودي في جزيرة جوباكابا في خليج العقبة إذ لم يَعُد له نفع كبير سواء كعنصر استيطاني أو كعنصر تجاري. وتمتد الفترة الثانية من تاريخ الجماعات اليهودية في الدولة البيزنطية من فترة تحطيم الأيقونات (720) حتى الفتح العثماني للقسطنطينية (1453) . وُجِّه الاتهام لدعاة تحطيم الأيقونات باعتبارهم يهوداً. ويبدو أن لهذا الاتهام أساساً من الصحة، إذ تشير المراجع إلى أن الإمبراطور ليو الخامس (الأرمني) وميخائيل الثاني (من فريجيا) كلاهما تَعلَّم على يد يهود، ولكن الأرجح أن المصدر الأكبر لهذه الحركة هو المد الإسلامي الذي لم يكن بُدٌ من أن يكون له صداه داخل الإمبراطورية. ويُقال إن أعداداً كبيرة من اليهود هربت في هذه الفترة إلى دولة الخزر اليهودية، وازداد اشتغال أعضاء الجماعة اليهودية بالتجارة وبعدد من الحرف مثل الصباغة وغزل الحرير. ومع الفتح الإسلامي للقسطنطينية، سقطت الإمبراطورية البيزنطية في يد المسلمين، ودخلت الجماعات اليهودية في فلك الدولة العثمانية. إسبانيا المسيحية Christian Spain يعود وجود أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا إلى القرن الأول الميلادي، واستمر وجودهم فيها، إلى ما بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، تحت حكم القوط. ويبدو أن وضعهم كان مستقراً هادئاً حتى عام 589 حينما تَحول القوط عن مذهبهم المسيحي الآريوسي واعتنقوا الكاثوليكية وأصبحت إسبانيا جزءاً من التشكيل الكاثوليكي في العصر الوسيط. وتدهور وضع اليهود تماماً، ولم يحسِّن وضعهم إلا وصول العرب مع الفتح الإسلامي (711) . وكان أعضاء الجماعات اليهودية قد تحولوا حينذاك إلى جماعة وظيفية وسيطة. ومع هذا، كانت هناك جماعة يهودية في جبال البرانس (في الشمال) سمح لهم شارلمان (771 ـ 814) بالإقامة ليكونوا حاجزاً ضد التوسع الإسلامي في المنطقة التي كانت تُسمَّى «ماركا هسبانيكا» . كما سُمح لهم بامتلاك الأراضي في هذه المنطقة، ومُنحوا حقوقاً كثيرة لتشجيعهم على الاستيطان والبقاء في هذا الجيب المسيحي والمنطقة الحدودية، أي أنهم كانوا جماعة وظيفية قتالية تعمل بالزراعة. وكان بعض أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً من عملية الغزو المسيحي لاستعادة إسبانيا، سواء كعنصر قتالي أو كعنصر زراعي أو إداري، كانت الجيوش المسيحية تضم في صفوفها أعداداً من اليهود. وحينما كانت المدن الإسلامية تقع في قبضة الجيوش الغازية، فإن حقوق سكانها من المسلمين واليهود كانت تُصان من الناحية النظرية سواء بسواء. أما من الناحية العملية، فكان أعضاء الجماعة اليهودية مُفضَّلين على أعضاء الجماعة الإسلامية، حيث كان يُسمَح لليهود بالاستمرار في سكنى منازلهم بينما كان المسلمون يضطرون إلى السكنى خارج المدينة كما حدث في توديللا عام 1115 وسرقسطة عام 1118. وكان يُسمَح لأعضاء الجماعة اليهودية ببناء معابدهم. وشَكَّل اليهود عنصراً استفاد منه الحكام المسيحيون الجدد في بناء المجتمع الجديد إذ استخدموهم دبلوماسيين ومترجمين للتراث العربي وغيره. ولكن الاستفادة منهم كانت أساساً كجماعة وظيفية استيطانية يُوطَّن أعضاؤها في المناطق المفتوحة وموظفين لتنميتها كما حدث في مورشيا وبلنسية ولامنشا والأندلس وغيرها. وكانوا يُمنحون الأراضي ليزرعوها. فعلى سبيل المثال، كان اليهود في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين يملكون ثُلث الأراضي في مقاطعة برشلونة. كما كانوا يُعطَون حق فتح المحال التجارية شريطة أن يستوطنوا هم وأسرهم فيها، وكانت حقوقهم تزيد أحياناً على حقوق السكان العاديين من المسيحيين. وابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي بدأ أعضاء الجماعة اليهودية في الانتقال من إسبانيا الإسلامية إلى إسبانيا المسيحية بأعداد متزايدة. ولعب أعضاء الجماعة اليهودية دوراً أساسياً في النظام المالي وفي تزويد الحكام الجدد بما يريدون من أموال إما بشكل مباشر أو غير مباشر (عن طريق الإشراف على جمع الضرائب) . وعلى سبيل المثال، كانت مملكة قشطالة تحصل عام 1294 على 22% من دخلها من الضرائب المفروضة على اليهود. وكان لكل بلاط ملكي يهوديِّه الخاص الذي كان يشرف على هذه العمليات. ويمكن أن نسمِّي هؤلاء «يهود البلاط» مع أن المصطلح لم يظهر إلا في القرن السابع عشر الميلادي في ألمانيا. وأدَّى هذا الوضع إلى ارتباط اليهود بالمطالب الظالمة والأعباء المالية التي كان يفرضها التاج. ومن ثم حينما طُرد اليهود من إسبانيا، كان من الضروري البحث عن بديل لهم للقيام بمهمة ملتزمي الضرائب. والواقع أن اختيارهم كيهود بلاط، وكعنصر استيطاني زراعي، يرجع إلى أنهم كانوا لا يطمحون للاستيلاء على السلطة السياسية، فهو أمر غير مطروح بالنسبة لهم نظراً لعدم إمكان التحالف بينهم وبين أية طبقات أخرى مثل الفلاحين أو النبلاء أو القساوسة بسبب العداوة بين أعضاء هذه الطبقات وأعضاء الجماعة. وعلاوة على هذا، لم يكن أعضاء الجماعة يملكون أية قوة عسكرية، الأمر الذي يعني إمكانية التخلص منهم بسهولة. كما أن تَوزُّعهم على هيئة وحدات بشرية صغيرة منعزلة كان يُيسِّر عملية التخلص منهم إن نشأت حاجة إلى ذلك. أما قوتهم المالية، فلم يكن عائدها يفيدهم كثيراً حيث كان يَصبُّ في خزائن الملك الذي كان له مطلق الحرية في مصادرة أموالهم والاستيلاء على ثرواتهم. أما أوضاع أعضاء الجماعة المسلمة فكانت مختلفة تماماً حيث كان عددهم كبيراً كما كانوا يُعتبَرون جماهير بمعنى الكلمة. بل ويُقال إن الموريسكيين (المسلمين المتنصِّرين) كانوا يشكلون بعد استعادة إسبانيا نحو 60% من عدد السكان، كما كانوا آخذين في التكاثر بسبب عدم وجود مقاتلين بينهم (ولذا لم تكن أعدادهم تَنقُص أثناء الحروب) كما لم يكن بينهم رهبان أو راهبات. وأثناء الغزو المسيحي، كان العنصر الإسلامي أو العربي المتنصِّر (الموريسكيون) مشكوكاً فيه، فالدويلات الإسلامية كانت تشكل مركزاً لولائهم العاطفي إن لم يكن الفعلي. وحتى بعد اكتمال الغزو وتنصُّر المسلمين، ظل الموريسكيون موضع شك السلطات المسيحية لأن الدول الإسلامية المحيطة كانت تشكل عمقاً إستراتيجياً بالنسبة إليهم، وكان من الممكن أن تزودهم هذه الدول بالمساعدات لاستعادة السلطة، وخصوصاً أن القوة العثمانية الصاعدة كانت تشكل أملاً إسلامياً جديداً. كان هذا الأمر محتمل الوقوع بل كاد يتحقق مع ثورة البشارات الثانية. وعلى أساس من كل هذا، يمكن فهم سبب تحوَّل أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة على يد المسيحيين، كما يمكن فهم سبب استبعاد جماهير المسلمين أو الموريسكيين أو أعضاء النخبة بينهم. تمتع أعضاء الجماعة اليهودية بقسط كبير من الإدارة الذاتية داخل تنظيم الجماعة وتحت قيادة رئيسها الذي كان يُعرَف باسم «المقدَّم» ، وظل يُعرَف باسمه العربي كما هو الحال في كثير من المؤسسات الإسبانية المسيحية. وكان للجماعة استقلالها الإداري والقضائي، وكان يشرف عليها موظف ملكي هو حاخام البلاط (بالإسبانية: «راب دي لاكورتي rab de la corté» ) . وكان لأعضاء الجماعة مجالسهم المستقلة التي كان يتم انتخاب أعضائها. وإلى جانب هذه المجالس المنتخبة، كانت تُوجَد مجالس أخرى مغلقة في بعض الدويلات لا تضم سوى الوجهاء والأثرياء. وبطبيعة الحال، كان الملك يساند هذه المجالس باعتبارها وسيلته للتحكم في أعضاء الجماعة الوسيطة. ولذا، فقد كان يمنحها سلطات كاملة. وكان يتبع هذه المجالس ما يُسمَّى بقضاة الذنوب (بوليس آداب وأخلاق عامة) تُوكَل إليهم مهمة القبض على أي يهودي يخرق الشريعة، كما كان يتبعها قضاة شرعيون (بالعبرية: ديانيم) . وكان لبعض هذه المحاكم صلاحية الحكم بالإعدام على أي عضو من أعضاء الجماعة بل وصلاحية تنفيذ هذه الأحكام. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية (كجماعة وظيفية وسيطة) يُكوِّنون جزءاً عضوياً من المجتمع الإسباني المسيحي الإقطاعي، وإنما كانوا يتبعون الملك مباشرة حيث كانوا يدينون له وحده بالولاء ويؤدون له الضرائب، بل إنهم كانوا يُعدون ملكية خاصة له أي أقنان بلاط. وحينما كان حكم الإعدام ينفذ في يهودي، كانت الجماعة اليهودية تُلزَم بدفع ثمنه للملك. ويشكل هذا الوضع المتميز الهامشي أساس الصراع الذي لم يهدأ بين أعضاء الجماعة وبقية أعضاء المجتمع، وخصوصاً سكان المدن. فالجماعة كانت توجد بجوار البلدية المسيحية، ولكنها كانت غير خاضعة لنفوذها بسبب علاقتها الخاصة مع الملك. ولذا، لم يكن من الممكن إخضاعها للنظم أو للأعراف المعمول بها. ويمكن التعرف على وضع اليهود الخاص بالرجوع إلى مرسوم ألفونس العاشر الصادر عام 1263 حيث حدَّد حقوق أعضاء الجماعة ومنحهم حريتهم الدينية الكاملة شريطة ألا يهاجموا المسيحيين، كما حرَّم تهمة الدم ومنع مضايقة اليهود في يوم السبت أو تعطيلهم عن أداء شعائره حتى لو وُجدت أسباب قانونية شرعية لذلك، وحرم كذلك استخدام القوة لتنصيرهم. وكانت غرامة قتل اليهودي تعادل الغرامة التي تُدفَع عن قتل فارس أو قس. ولقد حاول بعض سكان المدن أن يخفضوا الغرامة لتعادل الغرامة التي تدفع دية لفلاح عادي. وتتبدَّى المساواة بين اليهود والمسيحيين في قبول القَسَم اليهودي أمام المحاكم المسيحية. ثم ظهرت، في مرحلة متأخرة، مجموعة مختلفة من القوانين تعبِّر عن تَحيُّز واضح ضد أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا قد بدأوا يفقدون شيئاً من أهميتهم الوظيفية. وتعكس هذه القوانين بدايات التدهور حيث حُرِّم على اليهود مغادرة منازلهم في عيد القيامة، أو أن يكونوا في أي مركز يسمح لهم بالسيطرة على المسيحيين، كما حدد عدد المعابد اليهودية. ولكن، ورغم التدهور النسبي، ظل لأعضاء الجماعة وظائفهم المحدَّدة التي يضطلعون بها ودورهم المميز الذي يلعبونه. ولذا، حينما أصدرت المجامع اللاترانية (الثالث عام 1179 والرابع عام 1215) القوانين التي حدَّت من حرية اليهود، لم تُطبَّق هذه القوانين في إسبانيا تطبيقاً تاماً. وقد طُبِّقت هذه القوانين، في بداية الأمر، بصورة مخففة جداً بسبب الضرورات الناجمة عن إعادة فتح الأندلس. ولكن، مع استكمال الغزو، لم تَعُد هناك ضرورة أو نفع لليهود، بل أصبح من الضروري التخلص منهم. وقد كانت حتى حياة اليهود الروحية آخذة في التحلل. بل كان رفض القيم اليهودية الدينية منتشراً بين عناصر القيادة اليهودية نتيجة انتشار فلسفة ابن رشد العقلانية التي كان لها أثر مدمر في الإيمان الديني للنخبة. وقد كان يهود البلاط يقومون بحماية بني ملتهم في معظم الأحيان، ولكنهم كانوا يقفون ضدهم في أحيان أخرى بسبب تَماثُل مصالحهم وثقافتهم مع مصالح البلاط وثقافته. كما كانوا يقلدون المسيحيين في ردائهم وحديثهم، وتَنصَّر كثير منهم في نهاية الأمر. وحيث إنهم كانوا يشكلون النخبة القائدة، فإن اندماجهم وانصهارهم كان يعني اهتزاز الهوية اليهودية. وازداد اليهود هامشيةً وأصبحوا عديمي الجدوى بازدياد التغلغل المسيحي في شبه الجزيرة، وهي عملية كانت بطيئة جداً، ومع هذا بدأت آثارها تظهر واضحة مع القرن الثالث عشر الميلادي، وهي أيضاً المرحلة التي ظهرت فيها القبَّالاه إذ ظهر الزوهار بين عامي 1280 و1290. وبدأت الجماعة تتقوقع على نفسها وتحارب الفلسفة الإسلامية العقلانية وتقف ضد تغلغلها في صفوف المفكرين اليهود، فحُرِّمت كتابات موسى بن ميمون. وبدأت الاضطرابات ضد أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا المسيحية على نطاق واسع عام 1391، ثم انتشرت في كل أرجائها وتَنصَّر الألوف من اليهود، وهو ما سبب مشكلة للحكم إذ كان فصل المتنصرين عن بقية اليهود أمراً لا مفر منه، وكذلك التأكد من جدية وولاء المتنصرين حتى لا يتظاهر بعضهم بالمسيحية لتحقيق الحراك الاجتماعي وهم يبطنون اليهودية، وسُمِّي هؤلاء «المارانو» . ومن ثم أقيمت محاكم التفتيش. وفي عام 1412، صدرت قوانين فالادوليد التي حرَّمت على اليهود الاشتغال بالطب أو الحرف أو الاتجار مع المسيحيين، كما ألغت محاكم اليهود الخاصة. وتصاعدت عملية الغزو المسيحي لشبه جزيرة أيبريا بزواج فرديناند وإيزابيلا عام 1469. واستفاد الملكان من القروض التي دبرها لهم الصيرفي اليهودي دون إبراهام سنيور في حروبهما ضد المسلمين وفي فتح غرناطة. وقد أصبح سنيور جامعاً للضرائب وحاخاماً لليهود. وبعد أن بسطت السلطة المسيحية الجديدة هيمنتها على شبه جزيرة أيبريا بأسرها عام 1492، بدأ فرديناند وإيزابيلا في تأسيس ما يَعُدُّه بعض المؤرخين أول دولة قومية حديثة في أوربا تتمتع بسلطة مركزية. كان التأكد من ولاء السكان أمراً ضرورياً، فبعد أن تنصرت أعداد كبيرة من المسلمين واليهود كانت ثمة أعداد منهم لا تزال تمارس دينها سراً (وكان يُطلَق على المسلمين المتنصرين «الموريسكيين» ، لكن هذا المصطلح كان يُطلَق أحياناً على كل المسلمين) . وكانت العناصر التي حافظت على عقيدتها تشكل عوامل جذب لهؤلاء، ولذا فقد صدر قرار بطرد اليهود والمسلمين على حدٍّ سواء. وبلغ عدد المطرودين من المسلمين حسب بعض الإحصاءات ثلاثة ملايين. أما اليهود، فقد طُردوا بعد سبعة شهور من قيامهم بتمويل حملة الدولة الإسبانية الكاثوليكية على الجيب الإسلامي المتبقي ونجاحها في تصفيته، وقُدِّر عدد المطرودين من اليهود بين مائة وخمسين ألفاً وربع المليون. وقد استقرت أعداد كبيرة من اليهود الذين كانوا يُعرَفون بالسفارد في الدولة العثمانية، ولكن العدد الأكبر منهم هاجر إلى وسط أوربا وهولندا وموانئ فرنسا. وقد ألحق قرار الطرد الضرر بإسبانيا من الناحية السكانية، إذ أدَّى ذلك إلى إفراغ مناطق بأكملها من سكانها في وقت لم يكن هناك مصدر آخر للطاقة البشرية. ومن الناحية الرسمية، كانت شبه جزيرة أيبريا خالية من اليهود، أما من الناحية الفعلية فقد كان هناك يهود المارانو المتخفون الذين كانت تربطهم علاقة بجماعات يهود السفارد في الخارج. وقد كوَّن هؤلاء فيما بينهم شبكة تجارية مالية مهمة. كما كان بعض يهود السفارد يمثلون مصالح إسبانيا والبرتغال في الخارج وكانوا بمنزلة سفراء وملحقين تجاريين لها. وسُمح لبعض أعضاء الجماعة اليهودية بالهجرة إلى إسبانيا في القرن التاسع عشر الميلادي، كما سُمح لهم ببناء معابد خاصة. ثم أُلغي قرار طرد اليهود عام 1931. وتُوجَد هناك، في الوقت الحالي، جماعة يهودية صغيرة ليست لها أهمية تذكر، كما لا تزال تُوجَد بقايا يهود المارانو في البرتغال. وقد بدأت الدولة الصهيونية بتهجير البقية الباقية من يهود المارانو إليها. إسبانيا Spain انظر: «إسبانيا المسيحية» . البرتغال Portugal انظر: «إسبانيا المسيحية» . فرديناند (1452-1516) وإيزابيلا (1451-1504) Ferdinand and Isabella ملك وملكة إسبانيا اللذان قاما بتوحيدها وكانا يُسمَّيان «الملكين الكاثوليكيين» . وقد بدأت محاكم التفتيش نشاطها إبّان حكمهما، وفي هذه الفترة أيضاً اكتُشفت أمريكا. أما فرديناند، فهو فرديناند الخامس المعروف بالكاثوليكي ملك أراجون. كانت أمه حفيدة امرأة يهودية، وربما يفسر هذا قرب فرديناند من اليهود المتنصرين الذين شغلوا وظائف مهمة وحساسة في بلاطه. وكان عديد من أسرة لاكابالريا، وهم من اليهود المتنصرين، أعضاء في المجلس الملكي. وكان سكرتيره وكثير من كبار المسئولين عن الأمور المالية في مملكته، وكذا قائد أسطوله البحري بل كثير من أعضاء النخبة الدينية المسيحية، من اليهود المتنصرين. ونجح فرديناند في مساعيه لخطب ود إيزابيلا من خلال أحد أعضاء أسرة لاكابالريا بالاشتراك مع يهوديين آخرين لم يتنصرا. ونجح لاكابالريا في الحصول على موافقة أسقف طليطلة على الزواج، وقام دون أبراهام سنيور، وهو يهودي، باستضافة فرديناند حينما كان يزور إيزابيلا سراً، إذ كان أبواها يفضلان أن تتزوج أحد أعضاء الأسرة المالكة في البرتغال أو فرنسا. وقام دون سنيور بتقديم هدية فرديناند إلى إيزابيلا وهي عقد ذهب اشتراه بنقود استدانها من صديقه العزيز ياييم رام وهو ابن حاخام. ومعنى هذا أن فرديناند كان دائماً محاطاً بيهود أو يهود تنصروا. وقد تزوج إيزابيلا في نهاية الأمر عام 1469. وكانت إيزابيلا (ملكة قشطالة) محاطة هي الأخرى بيهود أو يهود متنصرين، فكان سكرتيرها يهودياً، وقام بكتابة سيرة حياتها يهودي آخر متنصر. وكان كثير من مستشاريها من اليهود، بل إن القس الذي كانت تعترف له كان من أصل يهودي. وكان دون إسحق أبرابانيل، الذي لم يتحول عن عقيدته اليهودية، من أوفى أصدقائها. كما كانت صديقتها الماركيزة دي مويا زوجة أندريس كابريرا وهو من اليهود المتنصرين. ونجح فرديناند وإيزابيلا في طرد المسلمين نهائياً من شبه جزيرة أيبريا عام 1492. وقام إسحق أبرابانيل وشريكه أبراهام سنيور بتمويل حروب الملكية الكاثوليكية ضد المسلمين. ويمكننا أن نقول، إن أردنا استخدام المصطلح المعاصر، إن اللوبي اليهودي كان قوياً للغاية في الدولة المسيحية الجديدة. ومع هذا، قام الملكان بطرد اليهود من مملكتهما وسمحا لمحاكم التفتيش بمطاردتهم. ولتفسير هذا، يجب أن ننسى العلاقات الشخصية قليلاً ونركز على بعض التحولات البنيوية في الدولة الإسبانية، ومن أهم هذه التحولات وحدة إسبانيا نتيجة الزواج الملكي بين إيزابيلا وفرديناند. والواقع أن هذا الزواج الذي موَّله بعض الممولين اليهود هو نفسه ما جعل اليهود كجماعة وظيفية وسيطة بدون أهمية كبيرة. كما أن الدولة الإسبانية كانت تواجه أزمة سكانية حادة كالأزمة التي تواجهها الدولة الصهيونية في الوقت الحالي، إذ كان الموريسكيون (المسلمون المتنصرون) يتكاثرون بسرعة وزاد عددهم عن 60% من مجموع السكان وبعضهم كان من المسلمين المتخفين. وكانت الدولة الإسبانية في حاجة شديدة إلى مادة بشرية تدين لها وحدها بالولاء، ولكن ثبت أن كثيراً من اليهود المتنصرين هم في الواقع مارانو أي يهود متخفون. وقد بذل الملكان جهوداً غير عادية لإقناع اليهود والمسلمين المتنصرين بالاندماج، ونجحا في إقناع روما بتعيين بعض هؤلاء في وظائف كنسية رفيعة من بينها وظيفة أسقف في إسبانيا. ولكن الشبهات ظلت تحيط بالمتنصرين، فقررت إيزابيلا إقامة محاكم التفتيش. وقد وافقها على ذلك كل من كاتب سيرتها وقسيسها (اليهوديان المتنصران) وتم طرد اليهود بعد سبعة شهور من القضاء على الجيب الإسلامي المتبقي. ومع أن استرجاع شبه جزيرة أيبريا تم بمساعدة بعض القيادات اليهودية، فإن ذلك جعل الجماعة اليهودية ككل أداة عديمة الفائدة، وخصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية لم يتمكنوا من التحول إلى جماعة وظيفية استيطانية يمكن الركون إليها. محاكم التفتيش Inquisitions توجد ثلاثة أنواع من محاكم التفتيش: 1 ـ محاكم التفتيش الوسيطة التي أسسها البابا جريجوري التاسع عام 1233 وكانت مهمتها التفتيش والبحث عن الهرطقات الدينية بين المسيحيين بعد انتشارها في جنوب فرنسا وشمال إيطاليا مثل الكاثاري والوالدينيز. وكان قضاة هذه المحكمة من رجال الدين الدومينيكان، وكان المتهم المذنب يُسلَّم إلى السلطات الدنيوية لمعاقبته. ورغم أن الحرق كان العقوبة النهائية، فإنه لم يُمارَس إلا في النادر، وعادةً كان الحكم يُلزم المتهم بالتوبة ودفع غرامة والتكفير عن ذنبه بالقيام بأعمال معيَّنة. 2 ـ محاكم التفتيش الإسبانية التي أسسها البابا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي (عام1471) بناء على طلب الملك فرديناند والملكة إيزابيلا، وللتأكد من إيمان مواطني إسبانيا من المسلمين واليهود الذين اعتنقوا عقيدة الدولة، أي المسيحية الكاثوليكية، ولتَعقُّب السحرة. ومما يجدر ذكره أن هذه المحاكم كانت محاكم «قومية» تابعة للدولة الإسبانية رغم أنها صدرت بمرسوم من الكنيسة الكاثوليكية، ورغم وجود رجال دين مُمثَلين فيها كان من أشهرهم توماس دي تروكيمادا وهو من أصل ماراني وأصبح رمزاً لقاضي محاكم التفتيش الذي يستخدم أدوات التعذيب لإرهاب ضحاياه. وكانت نتائج المحاكمات تُعلَن فيما يُسمَّى «أوتو دي في auto de fé» وهو الاحتفال العام الذي يتم فيه النطق بالأحكام. وكان نفوذ محاكم التفتيش لا يمتد إلى غير المسيحيين. ثم صدر مرسوم في 31 مارس عام 1492 خُيِّر أعضاء الجماعة اليهودية في إسبانيا بمقتضاه بين النفي والتعميد (وقد طُبِّق هذا المرسوم على المسلمين عام 1502) . فغادرت أعداد كبيرة من اليهود والمسلمين (نحو ثلاثة ملايين مسلم وما بين 150 إلى 250 ألف يهودي) شبه جزيرة أيبريا. وقد صدر المرسومان بضغط من محاكم التفتيش التي كانت تهدف إلى حماية اليهود والمسلمين المتنصرين من التأثير السلبي لإخوانهم السابقين في الدين. ثم وضعت محاكم التفتيش هؤلاء المتنصرين تحت الرقابة الشديدة للتأكد من صدق إيمانهم وولائهم للدولة وكانوا يمارسون شعائر دينهم الأصلي في السر. وكان اليهود المتخفون يُسمَّون «المارانو» ، أما المسلمون فكانوا يُسمَّون «الموريسكيين» . وتعقبت محاكم التفتيش أعضاء المارانو في البرتغال بل وفي المستعمرات الإسبانية والبرتغالية في جميع أنحاء العالم. ومع ظهور الإصلاح الديني، طاردت محاكم التفتيش العناصر البروتستانتية، ونجحت في القضاء عليهم في شبه جزيرة أيبريا ولكنها فشلت في ذلك في هولندا. وقد ارتكبت محاكم التفتيش كثيراً من الفظائع، الأمر الذي دفع البابوات إلى التدخل لإيقافها عند حدها. وقد أُلغيت هذه المحاكم في القرن الثامن عشر الميلادي في البرتغال وفي التاسع عشر الميلادي في إسبانيا. ومما يجدر ذكره أن يهود بروفنس قدموا شكوى لمحاكم التفتيش ضد كتابات موسى بن ميمون بسبب هرطقتها، وأمرت المحكمة بحرق كتبه بناء على طلبهم هذا. 3 ـ محاكم التفتيش الرومانية. وهي محاكم كنسية أسسها البابا بول الثالث عام 1542 ليحارب البروتستانتية، واستمرت هذه المحاكم حتى عام 1908 حيث تم تغيير اسمها. وهي تُعدُّ استمراراً لمحاكم التفتيش الرومانية الوسيطة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
فرنسا من العصور الوسطى حتى الثورة الفرنسية
France from the Middle Ages to the French Revolution.... يبدو أن اليهود قد استوطنوا في فرنسا (بلاد الغال) مع القوات الرومانية وأصبحوا مواطنين رومانيين عام 212 ميلادية. وقد تأثر وضعهم حينما تبنَّت الإمبراطورية الرومانية المسيحية ديناً رسمياً عام 340 ميلادية. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يعملون في جميع الوظائف والحرف والمهن، مثل الزراعة والتجارة والحرف اليدوية، ولكنهم بدأوا يتحولون إلى جماعة وظيفية وسيطة (يهود بلاط) للحكام والأساقفة في الإمبراطورية الفرانكية. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يقومون كذلك بتجارة الرقيق التي كانت تشكل نقطة احتكاك بينهم وبين الكنيسة التي منعت التجارة اليهودية للعبيد في باريس عام 614، بل ومُنع أعضاء الجماعة اليهودية من الاحتفاظ بالعبيد المسيحيين. وتَعمَّق هذا الاتجاه في عهد الأسرة الكارولنجية. ففي عهدي شارلمان (768 ـ 814) ولويس الأول (814 ـ 840) ، أصبح أعضاء الجماعة اليهودية جماعة وسيطة تجارية ومالية مهمة، وُضعت تحت حماية الإمبراطور. وهيمنوا على تجارة الاستيراد والتصدير نظير إعطاء عُشر أرباحهم للخزانة الإمبراطورية (مقابل جزء من أحد عشر جزءاً يدفعه التجار المسيحيون) . وكانت هناك جماعة يهودية في ليون مركز تلاقي الطرق بين إسبانيا وألمانيا وإيطاليا. ومُنح أعضاء الجماعة اليهودية مواثيق تنص على حماية أملاكهم وعلى إعفائهم من المكوس، وتمنحهم المزايا كأن يعيشوا حسب قوانينهم ويستأجروا المسيحيين، ويشتروا العبيد غير المسيحيين. لكن تنصير مثل هؤلاء العبيد تم حظره لأن هذا من قبيل مصادرتهم. وكان أعضاء الجماعة يمتلكون الأراضي ويعملون بالزراعة، وخصوصاً زراعة الكروم. ولذا، احتكروا تجارة الخمور (وضمن ذلك الخمور التي كانت تستعملها الكنيسة في القُدّاس) . وعمل أعضاء الجماعة اليهودية كذلك أطباء وجامعي ضرائب وسفراء. وكان من يُلحق باليهود أي أذى يُنزَل به أشد العقاب. وأُعفيَ أعضاء الجماعة اليهودية من الاستجواب عن طريق التعذيب وهي طريقة للاستجواب كان معمولاً بها في المحاكمات، وعُيِّن قاض لليهود مهمته الدفاع عن المزايا التي اكتسبوها. وفي القرن التاسع، تركز أعضاء الجماعة اليهودية بوادي الرون ومقاطعة شامبين. ولكن، في القرن الحادي عشر، كان شمال فرنسا أكثر المراكز كثافة من ناحية التركز اليهودي. وطُرد أعضاء الجماعة اليهودية من الحرف المختلفة في ذلك التاريخ وبدأوا في احتراف الربا، وتعرضوا لعمليات اعتصار من قبَل النخبة الحاكمة التي كانت تحميهم في تلك الفترة، وخصوصاً من هجمات الصليبيين (الفرنجة في المصطلح العربي) ، فكانت تفرض عليهم الضرائب والإتاوات. كما كانت تُلغي ديون من يتطوع للاشتراك في حملات الصليبيين كطريقة للتعبئة. وقد حارب لويس التاسع (1226 ـ 1270) ضد المرابين اليهود، فأعفى رعاياه من ثُلث ديونهم، وتم تضييق الخناق على أعضاء الجماعة اليهودية بموجب قرارات المجمع اللاتراني الرابع (1215) ، إلى أن طردهم فيليب الرابع (الذي دأب على نهب طبقات المجتمع كافة) عام 1306 وصادر ممتلكاتهم وحَوَّل الديون التي يستحقونها والتي لم تكن قد سُددت بعد إلى الخزانة الملكية. واستقر اليهود المطرودون في اللورين وبرجندي وسافوي والمناطق غير الخاضعة لحكم الفرنسيين في بروفانس. وبعد أن اشتكى الناس من المرابين المسيحيين الذين حلوا محل المرابين اليهود، تم استرجاعهم حيث صُرح لهم بأخذ فائدة مقدارها 43 %، كما سُمح لهم بتحصيل تلك الديون التي لم يحصلوها عند طردهم والتي لم يكن الملك قد حصلها بعد، شريطة أن يدفعوا ثلثي المبلغ للخزانة الملكية. وأخيراً سُمح لهم بشراء معبدهم اليهودي ومقبرتهم وكل كتبهم المصادرة (ما عدا التلمود) . ولكن الأحوال ساءت مرة أخرى في جنوب فرنسا، وخصوصاً مع انتفاضة الرعاة عام 1317. وتم طرد اليهود عام 1322، ولكنهم أعيدوا مرة أخرى عام 1359 إلى أن طردهم شارلز السادس عام 1394 نهائياً. ومع هذا، سُمح لليهود بالبقاء في المقاطعات البابوية في أفنيون. وشهدت هذه الفترة ازدهار الدراسات التلمودية، حيث كتب راشي تعليقه الشهير على التلمود. وانتشرت أفكار موسى بن ميمون بين بعض المفكرين الدينيين من أعضاء الجماعات اليهودية، الأمر الذي جعل قادة الجماعة اليهودية يشون بهم إلى محاكم التفتيش التي قامت بإحرق كتب ابن ميمون. وظلت فرنسا خالية تقريباً من اليهود حتى أواخر القرن السادس عشر حيث بدأت جماعات المارانو في الاستيطان بمقاطعتي بوردو وبايون. وكانت أعداد المستوطنين صغيرة لا تتعدى بضعة آلاف، وكانت أكبر الجماعات تُوجَد في بوردو حيث تَمتَّع أعضاء الجماعة بمكانة اقتصادية عالية، فكانوا يعملون بالتجارة الدولية والأعمال المالية المتقدمة، كما كانوا يمتلكون رؤوس أموال كبيرة نسبياً وسفناً تجارية. ولذا، اشتركوا في التجارة المثلثة الزوايا: شحن البضائع الأوربية الرخيصة إلى الساحل الأفريقي، وتحميل هذه السفن بالعبيد الذين كانوا يُباعون في المزارع الأمريكية والكاريبية، ثم عودتها من العالم الجديد لأسواق أوربا حاملة المنتوجات الاستوائية كالسكر والنيلة والتبغ وغيرها من السلع. وفي القرن الثامن عشر، تم الاعتراف بيهود المارانو المتخفين كيهود، وذلك بعد أن كان القانون يعتبرهم مسيحيين رغم علم السلطات بأنهم يهود. وابتداءً من عام 1552، بدأت الصبغة الإثنية والثقافية لأعضاء الجماعة اليهودية في التغير إذ ضمت فرنسا مدينة متز في ذلك العام وتم ضم الألزاس (1648) واللورين (1733) ، وأدَّى هذا إلى زيادة عدد اليهود الإشكناز زيادة كبيرة، وقد كان يبلغ عددهم في هاتين المقاطعتين نحو 20 ألفاً، وتم وضعهم تحت الحماية الملكية. وكان الإشكناز متخلفين ومختلفين من الناحية الحضارية، ومنعزلين ثقافياً. ومن ثم، بدأت المسألة اليهودية تطل برأسها، وخصوصاً بعد اكتشاف تَلاعُب بعض أعضاء الجماعة في الأعمال التجارية. وطُرحت قضية إصلاح اليهود، وبُذلت عدة محاولات لتطبيعهم، وأعلنت أكاديمية متز عن مسابقة لكتابة دراسة عن السبل الممكنة لإصلاح اليهود عام 1785. وتم تشكيل لجنة لإصلاح يهود الألزاس، كان من بين أعضائها قيادات الجماعة السفاردية في جنوب فرنسا. فرنسا منذ الثورة France since the Revolution كان عدد أعضاء الجماعات اليهودية في فرنسا عند نشوب الثورة الفرنسية لا يزيد على 40 ألفاً، تُوجَد أغلبيتهم الساحقة (نحو 20 ـ 25 ألفاً) في الألزاس، ونحو 3500 في متز وضواحيها، ونحو 4000 في اللورين. وفي إحصاء آخر، قيل إن عدد يهود الألزاس واللورين وحدهم كان نحو 40 ألفاً، وأن هؤلاء كانوا من الإشكناز ويهود اليديشية. ولم يكن يُوجَد سوى 3300 (سفارد) منهم 2300 في بوردو و1000 في بايون. كما كان يوجد حوالي 2500 يهودي في المقاطعات البابوية (يهود أفنيون) وحوالي 500 في باريس (وكانوا خليطاً من الإشكناز والسفارد) . وكانت نسبة اليهود إلى عدد السكان صغيرة للغاية، إذ كانت لا تزيد على 0.5%. وحينما اندلعت الثورة الفرنسية، لم تجر إثارة أي جدل بشأن اليهود السفارد الذين كانوا يشكلون جزءاً عضوياً من المجتمع الفرنسي والذين كانوا يتحدثون إما اللغة الفرنسية أو اللادينو وهي رطانة إسبانية قرىبة الشبه بالفرنسية، وكانوا يعملون في التجارة الدولية بل وفي الصناعة ويتمتعون بمعظم حقوق المواطنين الفرنسيين ويعيشون في المناطق الساحلية. وكان نظامهم التعليمي متطوراً، فعلى سبيل المثال قاموا هم أنفسهم بحظر تدريس التلمود في مدارسهم منذ عام 1760. وكانوا قد حصلوا على حق السكنى في أي مكان بفرنسا، وحق إقامة شعائرهم بحرية كاملة. ولكل هذا، فإن منح اليهود السفارد في جنوب فرنسا وفي أفينيون، حقوقهم المدنية بالكامل، كانت مسألة شكلية تمت دون مناقشة في يناير عام 1790. أما اليهود الإشكناز، في الألزاس واللورين وغيرهما من المناطق، فكانوا محور المناقشة بسبب تَميُّزهم الوظيفي والثقافي، كما كانوا محط احتقار إخوانهم من السفارد. فكان الزواج المختلط بين الفريقين محظوراً، بل إن السفارد منعوا الإشكناز من الاستقرار في مقاطعة بوردو التي كان السفارد يوجدون فيها بأعداد كبيرة. وإلى جانب هذا، كان اليهود الإشكناز محط كراهية عميقة من الجماهير المسيحية. وعشية الثورة الفرنسية نوقشت المسألة اليهودية الإشكنازية، والتي تم طرحها على النحو التالي: هل اليهود فرنسيون أم أنهم أمة داخل أمة؟ وعزف أعداء اليهود على نغمة «الخطر اليهودي» وأشاروا إلى أن اليهود جسم متماسك غريب منبوذ، ولذا فلابد من التخلص منه (وهي نفسها الفكرة التي عبَّرنا عنها بعبارة الشعب العضوي المنبوذ) . أما العقلانيون، فكانوا يطرحون الخط الاندماجي الذي يرى أن مشكلة اليهود الإشكناز ليست مسألة كامنة في طبيعتهم وإنما تنبع من وضعهم الشاذ ومن إنكار حقوقهم السياسية والمدنية، وأن الحل يكمن في تحديث اليهود وإعتاقهم، أي إعطائهم حقوقهم كاملة وتشجيعهم على الاندماج مقابل أن يتخلى اليهود (وكل أعضاء الأقليات الأخرى) عن خصوصيتهم اللغوية والثقافية والإثنية في الحياة العامة. وهذا هو المعنى الذي تضمنته عبارة «أن يصبح اليهودي مواطناً في الشارع، يهودياً في منزله» . وقد وصل هذا الخط قمته إبّان حكم الإرهاب (1793 ـ 1794) وهي المرحلة التي وصلت فيها عبادة العقل ذروتها، والتي شارك فيها أعضاء من الجماعة اليهودية، فأُغلقت كل دور العبادة المسيحية واليهودية باعتبارها تعبيراً عن خصوصيات غير طبيعية وانحرافاً عن فكرة الإنسان الطبيعي. ومُنعت الجماعة اليهودية من ممارسة بعض شعائرها باعتبار أنها لا تتفق مع العقل، وإن كان لم يرسل أي يهودي للمقصلة بسبب عقيدته. ومَنحت الثورة أعضاء الجماعات اليهودية كل حقوق المواطنين، وحاولت دمجهم في المجتمع عن طريق فتح المدارس لأبنائهم، وتشجيعهم على التخلي عن تميزهم الوظيفي. وجاء في أحد قرارات الثورة «إن الحقوق هي حقوق تمنح للأفراد من أتباع العقيدة اليهودية، وليست للأقلية اليهودية باعتبارها جماعة متماسكة» ، وهو ما عبَّر عنه شعار «لليهود أفراداً كل شيء، ولليهود جماعة لا شيء» . وحاول الإشكناز من جانبهم الإبقاء على عزلتهم المتمثلة في القهال وفي رفض المؤسسات الحديثة التي أنشأتها الثورة. ففي عام 1808، كان عدد الأطفال اليهود في اللورين والألزاس الذين يذهبون إلى المدارس الحكومية لا يزيد على 10%. ومما زاد المسألة اليهودية الإشكنازية تفاقماً، أن كثيراً من الفلاحين الفرنسيين (نحو 400 ألف) الذين اشتروا أراضي كبار الملاك التي صادرتها الثورة اقترضوا الأموال اللازمة لإتمام هذه العملية من المرابين اليهود الذين بلغ عددهم ثلاثة أو أربعة آلاف مراب. ولكنهم عجزوا عن تأدية ديونهم، وهو ما جعل أعضاء الجماعة اليهودية محط السخط الشعبي في الفترة ما بين 1802 و1805. ومن هنا طرحت المسألة اليهودية نفسها على نابليون. وقد كان لدى نابليون بعض الخبرة بشأن أبعاد المسألة اليهودية بسبب احتكاكه ببولندا، بعد أن أعاد تنظيم مركز بولندا في شكل دوقية وارسو. وكان قد انتهى لتوه من تنظيم علاقة الدولة بالكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية، ولم يبق سوى تنظيم علاقتها باليهودية. فأوقف كل الديون، ثم دعا عام 1806 إلى عقد مجلس ضم مائة عضو من وجهاء اليهود في الأراضي الخاضعة لحكم فرنسا. وترأس مجلس الوجهاء يهودي سفاردي من بوردو، وطرح عليهم اثنى عشر سؤالاً عن موقف اليهود من بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والدينية المهمة المتعلقة بعلاقتهم بوطنهم، وهل يعتبرون أنفسهم أجانب أم فرنسيين؟ وهل هم على استعداد للدفاع عن الوطن؟ وهل تشجع اليهودية على الربا الفاحش أم لا؟ وهل هناك تناقض بين الإجراءات اليهودية والقانون الفرنسي بشأن الزواج والطلاق؟ وهل يُسمَح لليهود بالزواج من المسيحيين؟ وكانت الإجابات في معظمها إما بالإيجاب وإما بالمراوغة. وقرر المجلس أن اليهودي يتعيَّن عليه أن يعتبر الأرض التي وُلد عليها وطنه، وعليه أن يدافع عنها، كما يتعيَّن على كل يهودي أن يعتبر بقية المواطنين إخوته. كما أكد المجلس أن الشريعة اليهودية وقوانينها لا تتناقض البتة مع القانون الفرنسي المدني، فاليهودية تَحظُر تعدد الزوجات، وقرر أن الطلاق (بحسب الشريعة اليهودية) لا يصبح شرعياً إلا بعد الطلاق المدني، وأن الزواج (بحسب الشريعة اليهودية) لا يصبح شرعياً إلا إذا سبقه زواج مدني. وبينت قرارات المجلس أن اليهودية لا تُحرِّم أية حرف يدوية أو وظائف وأن من المحبب لليهودي أن يعمل في الزراعة والأعمال اليدوية كما كان يفعل أسلافه في فلسطين. كما بيَّنت أن اليهودية تحرم على اليهودي أخذ فائدة ربوية من المسيحي أو اليهودي. ثم دعا نابليون في فبراير 1807 إلى مؤتمر أطلق عليه «السنهدرين الأكبر» يضم الحاخامات وبعض اليهود من غير رجال الدين ليؤكد القرارات التي توَّصل إليها هؤلاء الوجهاء. وقد أعلن السنهدرين ولاءه الكامل للإمبراطور، وبطلان أية جوانب في التراث اليهودي تتناقض مع ما يتطلبه واجب المواطنة. وصدَّق السنهدرين على قرارات مجلس الوجهاء، كما أصدر قوانين تمنع تعدد الزوجات والربا وأخرى تحتم إجراء الطلاق المدني. وأصدر نابليون بعد ذلك قراراته الخاصة بتنظيم علاقة اليهودية بالدولة الفرنسية. ففي عام 1808، أصدر مرسومين تم بمقتضى الأول إقامة نظام من المجالس الكنسية (بالفرنسية: كونسيستوار Consistoire) ، وهي لجان من الحاخامات والرجال العاديين للإشراف على الشئون اليهودية تحت إشراف مجلس كنسي مركزي. وكان من مهام هذه المجالس أن ترعى معابد اليهود وغيرها من المؤسسات الدينية، وتنفذ قوانين التجنيد وتشجع اليهود على تغيير المهن التي يشتغلون بها. أما المرسوم الثاني، فقد اعترف باليهودية ديناً كما ألغى (أو أنقص أو أجل) الديون اليهودية المستحقة للمرابين الإشكناز، وأُعفي السفارد من ذلك المرسوم. وأصبح الحاخامات مندوبين للدولة مهمتهم تعليم أعضاء الجماعات اليهودية تعاليم دينهم وتلقينهم الولاء للدولة وأن الخدمة العسكرية واجب مقدَّس. وكان على الحاخامات توجيه أعضاء الجماعات اليهودية إلى الوظائف النافعة. وقد اعترفت الحكومة الفرنسية باليهود بوصفهم أقلية، وأصبح لهم كيان رسمي داخل الدولة، فحصلوا على حقوقهم ومُنحوا شرف الجندية ولم يعد يُسمح لهم بدفع بدل نقدي، وشُجعوا على الاشتغال بالزراعة. وحرَّم نابليون على اليهود الإشكناز الاشتغال بالتجارة دون الحصول على رخصة بذلك، ولم تكن الرخصة تُجدَّد إلا بعد التأكد من مدى إحساس التاجر اليهودي بالمسئولية الخلقية. كما طُلب إلى أعضاء الجماعات اليهودية أن يتخذوا أسماء أعلام وأسماء أسر دائمة على الطريقة الغربية. ورغم أن الأدبيات اليهودية والصهيونية تطلق على هذه القرارات اسم «القرار المشين» ، فإنه كان قراراً مرحلياً يهدف إلى تحديث اليهود (ولذا، فإنه لم يُطبَّق على السفارد) . وقد نجح بالفعل في دمجهم بالمجتمع الفرنسي. وبحلول عام 1811، كانت أعداد كبيرة من اليهود تعمل بتجارة الجملة والحرف وكان قد تم تطبيعهم إلى حدٍّ كبير. وبعد مرور الفترة الانتقالية التي حددها القرار، لم تنشأ أية حاجة إلى فترة انتقالية أخرى. ومما يجدر ذكره أن نابليون تبنَّى، في إطار محاولته تأسيس الدولة الفرنسية الحديثة، سياسة تهدف إلى دمج أعضاء الجماعات اليهودية، كما دعاهم إلى نبذ خصوصيتهم. ولكنه تبنَّى سياسة مغايرة تماماً في إطار سياسته الإمبريالية، إذ دعاهم للعودة إلى فلسطين لإحياء تراثهم العبري القديم مستخدماً ديباجات صهيونية تؤكد أن اليهود ليسوا أقليات دينية تندمج في أوطانها وإنما شعب عضوي يجب أن يُرحَّل إلى فلسطين. وبهذا، فإن نابليون كان يهدف إلى تصفية اليهود بوصفهم جماعة وظيفية تجارية داخل فرنسا ثم توظيفهم كجماعة استيطانية قتالية خارجها (وهذا هو جوهر الحل الصهيوني للمسألة اليهودية) . وبعد عودة الملكية، استمرت سياسة إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم بشكل يكاد يكون كاملاً، فبرز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في الحياة العامة، بل تَنصَّرت أعداد كبيرة من أعضاء النخبة اليهودية، وبدأت أعداد منهم تدخل النخبة الحاكمة. ولم تتوقف هذه العملية مع الإمبراطورية الثانية، فانتُخب أول نائب يهودي في البرلمان عام 1834 وعُيِّن أدولف كريميه وزيراً. وحققت أسرتا روتشيلد وبريير صعوداً في عالم المال. والتحق كثير من أعضاء الجماعات اليهودية بالقوات العسكرية، ورُقي الضباط منهم إلى أعلى الرتب. ومُنح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية عام 1870، ومن ثم تم تحويلهم إلى مادة بشرية استيطانية دمجت في الجماعة الاستيطانية البيضاء. ويمكن القول بأن مصير يهود فرنسا ارتبط تماماً بمصير فرنسا والفرنسيين، أي أنهم حققوا درجة عالية من الاندماج. وبرغم كل التعثرات فيما بعد، فإن فرنسا أثبتت قدرة غير عادية على استيعاب اليهود بل وهضمهم حتى أن يهود اليديشية كانوا يعبِّرون عن دهشتهم لهذه المقدرة، فكانوا يشيرون إلى فرنسا بأنها «البلد الذي يأكل اليهود» . ومع هذا، ظهرت موجة معاداة اليهود ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. ويمكن إرجاع هذه الموجة إلى الأسباب التالية: 1 ـ يُلاحَظ أن منتصف القرن التاسع عشر شهد بدايات وفود عمالة أجنبية يهودية إلى فرنسا، وقد تزايدت معدلات الهجرة منذ عام 1881. وساهمت هذه العمالة الأجنبية اليهودية في خلخلة وضع أعضاء الجماعة اليهودية وفصلهم عن مجتمعاتهم إذ بدأ يتم الربط بين اليهودي المحلي المندمج واليهودي الوافد، بحيث يصبح الجميع «يهوداً غرباء» دون تمييز أو تفرقة أو تخصيص (وهذه هي طبيعة الفكر العنصري دائماً) . ومما زاد الطين بلة أن معظم الوافدين كانوا من شرق أوربا ووسطها ويتحدثون اليديشية (وهي رطانة ألمانية) أو الألمانية نفسها. وكانت ألمانيا عدو فرنسا الأكبر في ذلك الوقت. ويُلاحَظ أنه، في عام 1880، كان 90% من يهود فرنسا يهوداً أصليين منحدرين من يهود العصور الوسطى، أي أنهم كانوا فرنسيين. ولكن بسبب الهجرة، أخذت النسبة تتناقص حتى وصلت عام 1940 إلى 15%. واستمر هذا التيار دون توقُّف، فكلما كان أعضاء الجماعات اليهودية يحققون معدلات عالية من الاندماج في محيطهم الحضاري كانت تأتي موجة جديدة وافدة فيعاد تصنيفهم لا على أساس ما حققوه من اندماج وإنما على أساس الهوية الأجنبية للوافدين. وهذا ما حدث مرة أخرى في الستينيات، حينما هاجر يهود المغرب العربي إلى فرنسا، فدعموا الخصوصية الإثنية اليهودية على حساب الاندماج، وأصبحوا يشكلون أغلبية يهود فرنسا. ومع هذا، يجب التمييز بين يهود شرق أوربا ويهود المغرب العربي، فمعظم الوافدين من شرق أوربا ووسطها كانوا يتحدثون اليديشية، ولذا لم يمكنهم تحقيق الاندماج اللغوي بسرعة، كما أنهم كانوا يعملون بمهن مشينة مثل الربا والبغاء، ويعيشون على هامش المجتمع اقتصادياً وحضارياً. هذا على عكس يهود العالم العربي الذين كانت تتحدث أغلبيتهم الساحقة بالفرنسية وكانت أعداد كبيرة منهم تحمل الجنسية الفرنسية بالفعل (مثل يهود الجزائر) كما أنهم كانوا يحملون خبرات يحتاج إليها المجتمع الفرنسي. ولذا، لم تكن عملية دمجهم صعبة. 2 ـ لم يكن قد تم بعد دمج يهود الألزاس واللورين الذين كانوا مرتبطين بالتراث الألماني أيضاً. كما أن أعداداً منهم كانت تقوم بالتجسس لحساب كل من الألمان والفرنسيين، الأمر الذي كان يزيد شكوك أعضاء الأغلبية منهم. وتنبه يهود فرنسا إلى خطورة الوضع فأسَّسوا عام 1860 جماعة الأليانس، وهي جماعة توطينية تهدف إلى تحويل الهجرة اليهودية عن فرنسا وإلى دمج العناصر اليهودية الوافدة، كما لعبت دوراً مهماً في فرنسة يهود البلاد العربية والإسلامية التي احتلتها فرنسا. 3 ـ يُلاحَظ أن عملية إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم، جعلتهم يتحركون من الهامش الاقتصادي إلى المركز، فبدأوا يحققون حراكاً اجتماعياً غير عادي يجعلهم مركزاً للحقد والحسد. والعمالة الوافدة عادةً ما تكون لديها مقدرة عالية على التنافس مع العمالة المحلية إذ تقنع بمستوى معيشي أقل، ومن ثم بأجور أقل، ولم يكن العمال من يهود اليديشية استثناء من القاعدة. وأدَّى الكساد الاقتصادي الذي كان سائداً آنذاك إلى تَفاقُم الأزمة وتَزايُد الحقد ضد الوافدين الأكفاء. 4 ـ كان معظم يهود فرنسا مُركَّزين في باريس، وهو ما جعل لهم وجوداً ملحوظاً كعنصر اقتصادي ناجح. وشهدت الفترة صعود أسرتي روتشيلد وبريير، الأمر الذي ربط في الذهن الشعبي بين اليهود والرأسمالية والمضاربات والإحساس بأن ثمة هيمنة مالية يهودية على الرأسمال، وهو موضوع نجده بشكل أساسي في كتابات كثير من الاشتراكيين الفرنسيين والمعادين لليهود. ومما قوى هذا الإحساس فضيحة قناة بنما التي ألحقت الضرر بكثير من أعضاء الطبقة الوسطى. وكان بعض المموِّلين اليهود متورطين في هذه الفضيحة. كما أن إفلاس بنك يونيون جنرال، وهو بنك كاثوليكي، جعل الكثيرين يشيرون بأصابع الاتهام إلى اليهود. 5 ـ كانت تُوجَد عناصر يهودية كثيرة في صفوف الحركات الثورية في أوربا، كما أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يمثلون عنصراً بارزاً في الصراع بين العلمانيين والكنيسة الكاثوليكية، الأمر الذي ربط في الذهن الشعبي بين اليهود والثورة. 6 ـ أشرنا من قبل إلى أن ثمة خطابين فرنسيين تجاه اليهود، أحدهما اندماجي والآخر صهيوني. وقد تصاعدت حدة الخطاب الصهيوني مع تزايد اهتمام فرنسا بالشرق، وخصوصاً لبنان. ونشر إرنست لاهاران (سكرتير نابليون الثالث) كتيباً صهيونياً يدعو إلى توطين اليهود في فلسطين. ووفدت الصهيونية أيضاً مع المهاجرين من يهود اليديشية. وهي تساهم ولا شك في خلق فجوة بين أعضاء الجماعة اليهودية والمجتمع. 7 ـ يُلاحَظ تركز أعضاء الجماعات اليهودية في العاصمة. فبعد أن ضمت ألمانيا الألزاس واللورين، بلغ عدد يهود فرنسا ستين ألفاً، منهم أربعون ألفاً في باريس. ومع نهاية القرن التاسع عشر، كان 60% من جملة يهود فرنسا في باريس والبقية في مدن أخرى، أي خارج القرى والمناطق الزراعية. وعلى كلٍّ، فإن هذا هو النمط السائد بين أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث. وما يهمنا هنا هو أن الأغلبية الساحقة من الشعب الفرنسي لم يكن لها أي احتكاك بأعضاء الجماعة اليهودية، وأنها حينما كانت تحتك بهم كانت تتعرف على أقلية أجنبية حضرية لا يجيد كثير من أعضائها الحديث بالفرنسية، ولا يعرف الكثير منهم شيئاً عن الحضارة الفرنسية، الأمر الذي كان يؤدي إلى ترسيخ الأنماط الإدراكية السائدة الثابتة المتصلة بتَميُّز اليهود وعزلتهم. لكل ما تقدَّم، شهدت أواخر القرن التاسع عشر تَعاظُم الاتجاه نحو معاداة اليهود، وانفجر ذلك في قضية دريفوس. ويجب التأكيد على أن العداء لدريفوس، الذي جاء من الألزاس، كان جزءاً من عداء عام تجاه الأجانب مثل الإيطاليين، بل والأقليات الفرنسية مثل الأوكستينيان والأوفيرنيان، كما يجب التأكيد على أن الصراع كان يدور لا بين اليهود والأغيار وإنما بين العلمانيين والمتدينين. ولذا، فحينما حُسمت القضية عام 1905، اتخذ العلمانيون إجراءات مشددة وتم فصل الدين عن الدولة تماماً. واستمرت عملية الدمج بعد ذلك التاريخ. وأثناء احتلال الألمان لفرنسا، تعرَّض المجتمع الفرنسي لإرهاب قوات الاحتلال النازية الذي لحق بأعضاء الجماعات اليهودية مثلما لحق بالشيوعيين وأعضاء المقاومة والكنيسة. وتم ترحيل آلاف اليهود الفرنسيين إلى معسكرات الاعتقال ضمن الألوف التي رُحِّلت من أعضاء المقاومة والشيوعيين وغيرهم من العناصر غير المرغوب فيها. وبلغ عدد المرحَّلين من اليهود خمسة وسبعين ألفاً، الأمر الذي يعني أن الشعب الفرنسي حمى ما يزيد على ثلثي يهود فرنسا البالغ عددهم 260 ألفاً (عام 1936) . فرنسا في الوقت الحاضر France at the Present استقرت في فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية، أعداد من المهاجرين اليهود الذين قدموا من التجمعات اليهودية الأخرى التي اقتلعها النازيون. وفي الستينيات، هاجرت أعداد كبيرة من العالم العربي فوصل إلى إسرائيل نحو مائة ألف يهودي من مصر والمغرب وتونس في الفترة 1954 ـ 1961، كما هاجر يهود الجزائر البالغ عددهم 110 آلاف عام 1963. ثم انضم إليهم آخرون حتى أصبحوا يشكلون أغلبية يهود فرنسا البالغين نحو 535 ألفاً عام 1967. ويُقال إن نسبة السفارد هي 54%، إن قمنا بضم أعضاء الجيلين الأول والثاني من أبناء المهاجرين. ولكن إن استبعدناهم، فإن غالبية يهود فرنسا وُلدوا فيها، و95% من يهود فرنسا ممن هم تحت سن العشرين من مواليدها. وفيما يلي جدول يبيِّن تعداد اليهود في فرنسا: السنة /عدد أعضاء الجماعة اليهودية /نسبتهم إلى عدد السكان 1851 / 73.975 / 0.2 1900 / 80.000 / 0.25 1914 / 100.000 / 0.25 1933 / 240.000 / 0.57 1939 / 300.000 / 0.6 1945 / 180.000 / 0.4 1950 / 235.000 / 0.6 1955 / 300.000 / 0.7 1961 / 350.000 / 0.8 1963 / 500.000 / 1.1 1966 / 520.000 / 1.08 1968 / 535.000 / 1.07 وقد استقر عددهم عند تلك النقطة. ويُلاحَظ أنه، في عام 1870، زاد عدد يهود فرنسا إلى 40 ألفاً بسبب منح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية. ولكن عددهم نقص حينما ضمت ألمانيا الألزاس واللورين اللتين كانتا تضمان 30 ألف يهودي. ويمكننا الآن تناول إشكالية موت الشعب اليهودي في فرنسا. فرغم تَزايُد عدد يهود فرنسا، فإن هذا التزايد لم يتم من خلال التكاثر الطبيعي وإنما من خلال عملية هجرة من الخارج، وقد بدأت هذه الهجرة تفقد مفعولها. ويتنبأ الدارسون بأن يأخذ عدد يهود فرنسا في التناقص، وأنه قد لا يتجاوز 200 ألف مع بداية القرن القادم. والأسباب التي ستؤدي إلى ذلك هي الأسباب المألوفة في مثل هذه الظاهرة. ومن أهم هذه الأسباب تَميُّز البناء الوظيفي والمهني لليهود. ويتوزع يهود فرنسا في الوظائف والمهن التالية: 21% في وظائف إدارية عليا. 47% في وظائف إدارية متوسطة وكتابية. 10% عمال صناعيون ويدويون. 16% تجار. كما أن مستواهم التعليمي عال للغاية، إذ حصل 25% من جملة يهود فرنسا على تعليم عال. وتصل النسبة إلى 50% من المرحلة العمرية 25 ـ 30، وهذا ينطبق على أولاد المهاجرين المغاربة، وهذا يعني أنهم حققوا حراكاً اجتماعياً سريعاً وبدأوا يتحولون إلى طبقة وسطى شأنهم في هذا شأن بقية يهود فرنسا. فبعد أن اختفى العمال اليهود من أصل أوربي، وحل محلهم العمال اليهود من أصل مغربي، نجد أن هؤلاء أيضاً في طريقهم إلى الاختفاء لأن أبناء العمال المغاربة المهاجرين يدخلون المدارس ليحققوا حراكاً اجتماعياً عن طريق الحصول على وظائف إدارية راقية والانخراط في مهنة من المهن الممتازة كالطب والتدريس في الجامعة أو في قطاع من القطاعات المتميِّزة كالعلماء. وتزايد معدل التعليم بين أبناء المهاجرين الذين يدخلون الجامعات ثم يعملون بعد ذلك في قطاع التأمين والبنوك وقطاع الخدمات. وتُوجَد أعداد كبيرة من اليهود المغاربة والجزائريين في الوظائف الحكومية، وربما كان هذا جزءاً من ميراثهم الاقتصادي بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة بين الاستعمار الفرنسي والسكان العرب المحليين. ولكن، مهما يكن الأمر، فإن هذا يعني أن اليهود يتحولون إلى مهنيين. والمهني يرتبط بعملائه ويقبل قيمهم، الأمر الذي يجعل عنده قابلية أعلى للاندماج والانصهار. والبناء الوظيفي والمهني لليهود يعني أن الريف الفرنسي لا يزال خالياً تماماً من اليهود وأنهم لا يزالون في العاصمة، وفي مدن مثل مارسيليا وليون وتولوز ونيس وستراسبورج. ويبدو أن أعداداً كبيرة من المهاجرين من العالم العربي آثرت الاستقرار في جنوب فرنسا لأن الجو والطبيعة يذكرانهم بأوطانهم السابقة وهذا يفسر ظهور الجماعات اليهودية في مدن الجنوب: نيس وتولوز وليون ومارسيليا. هذا على عكس المهاجرين من أوربا الشرقية الذين يفضلون الاستقرار في الألزاس واللورين. ومن المعروف أن سكان المدن عادةً لا يتكاثرون بوتائر عالية. ويُلاحَظ أن معدل إنجاب المرأة الفرنسية اليهودية هو 2.4 لكل امرأة، وهي نسبة عالية إلى حد ما وتفوق النسبة العالمية للمرأة اليهودية. ولكن يُلاحَظ أن معدل إنجاب المرأة اليهودية الفرنسية من أصل غربي هو 1.7 طفل، وهو ما يعني أنه مع تزايد معدلات الاندماج ستتناقص الخصوبة وتختفي الأنماط التي أحضرها اليهود المغاربة معهم. والجماعة اليهودية في فرنسا جماعة مسنة، ذلك أن نحو 37% منهم فوق سن 45، وستتزايد كل هذه الظواهر وتتفاقم حدتها مع تَصاعُد معدلات الاندماج والعلمنة. ورغم ضخامة حجم الجماعة اليهودية، فلا يوجد في أية مدينة من مدن فرنسا أي حي يهودي يشكل إطاراً للحفاظ على الهوية اليهودية، كما كان يوجد في شمال أفريقيا وكما يوجد حالياً في الولايات المتحدة (ومع هذا، فإن أحياء اليهود في الولايات المتحدة هي نفسها تعبير عن الاندماج في مجتمع فيدرالي يسمح للأقليات والجماعات أن تحتفظ بتلك الأبعاد من هويتها وهو ما لا يتنافى مع الولاء القومي) . ولكن مشكلة الهوية اليهودية في فرنسا مشكلة خاصة إلى أقصى حد ومتداخلة. فهناك اليهود من أصل إشكنازي. وهؤلاء، مثل اليهود الأصليين، اندمجوا تماماً في المجتمع الفرنسي الذي يوشك أن يهضمهم كما هضم الألوف غيرهم من قبل. بقي بعد ذلك هوية اليهود المغاربة الذين يُقال لهم «السفارد» . ويُلاحَظ أن أغلبية يهود العالم العربي سفارد بمعنى خاص جداً. فهم ليسوا من السفارد الأصليين، بمعنى أنهم لا يتحدثون اللادينو ولا يشاركون في التراث الحضاري الثري ليهود إسبانيا. وكثير من يهود المغرب من أصل بربري واكتسبوا الصفة السفاردية من المهاجرين من إسبانيا في القرن السادس عشر. ولذا، فهم يهود مغاربة يتحدثون العربية ويكتسبون إثنيتهم من تفاعلهم مع التراث العربي ومن خلاله، ويتعبدون على الطريقة السفاردية، وأغلبيتهم الساحقة تعرف الفرنسية كما هو الحال مع كثير من أهل المغرب العربي. ويبدو أن جماعة الأليانس لعبت دوراً أساسياً في إعدادهم ثقافياً للاندماج في المجتمع الفرنسي. فالأليانس مؤسسة فرنسية يهودية. لكن يُلاحَظ أنه بينما لم تهتم الأليانس بالدراسات اليهودية في فرنسا نفسها، فإن مناهج الدراسة التابعة لها، في بلاد مثل المغرب وتونس ولبنان وسوريا مختلطة، أي فرنسية ويهودية. ولتفسير هذا التناقض، يمكننا أن نقول إن هذه المدارس باعتبارها ممثلة للثقافة والاستعمار الفرنسيين، كانت تريد أن تصبغ اليهود بصبغة فرنسية كي يقوموا بدور الجماعة الوظيفية الاستيطانية والوسيطة. ولكن تَوجُّه يهود البلاد العربية كان توجهاً دينياً، ولذا، لم يكن ثمة مفر أن تضم المناهج بعض المواد الدينية لتكون وسيلة جذب لليهود حتى لا ينفروا من المدارس الجديدة ولا يدركوا الهدف الحقيقي منها. وهذه على كلٍّ هي الطريقة المثلى للتحديث والعلمنة في المراحل الانتقالية، أي أن تتم العلمنة من خلال الخطاب الديني لا على الرغم منه. وكان هناك 19.570 ألف طالب في مدارس الأليانس في الشرق العربي والبلاد الإسلامية حتى عام 1969 ـ 1970. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن يهود البلاد الإسلامية انجذبوا بشكل غير عادي للثقافة الفرنسية. فمع أن يهود مصر كان من الممكن أن يدرسوا الإنجليزية، ويهود ليبيا الإيطالية، فإن معظمهم آثر أن يتعلم الفرنسية، ولعل هذا يعود إلى الخلفية السفاردية. وقد أكد المهاجرون اليهود، من المغرب بالذات، خصوصيتهم اليهودية التي اكتسبوها من مجتمعهم العربي. وهنا تكمن المفارقة، ذلك أن عملية دمجهم في المجتمع الفرنسي تنتهي بهم إلى فقدان تراثهم الشعبي ذي الأصول العربية، وتراثهم ذي النكهة العربية الذي يشكل مصدر خصوصيتهم المغربية اليهودية. فيهوديتهم كامنة في انتمائهم المغربي. ولم يستقبل يهودُ فرنسا يهودَ العالم العربي بكثير من الترحاب بل قابلوهم بشيء من العداء (تماماً كما حدث مع يهود اليديشية من قبل) . وهم يُطلقون على اليهود المغاربة «كوشر كُسْكُسْ» ، الأمر الذي يبيِّن مدى تَداخُل خصوصيتهم اليهودية بإثنيتهم العربية. فكلمة «كوشر» تعني الطعام المباح شرعاً (حسب الشريعة اليهودية) ، و «كُسْكُسْ» هو بطبيعة الحال الطعام المغربي الشهير، وهما في حالة يهود المغرب مرتبطان ارتباطاً عضوياً بحيث يكون الواحد منهما كامناً تماماً في الآخر ولا يمكن فصلهما. ولذا، فمن المتوقع أن يؤدي تَزايُد فرنسة المهاجرين المغاربة إلى تَزايُد درجة انصهارهم (وليس اندماجهم) ، فمع أن لهم هويتهم الواضحة إلا أن قابليتهم لمثل هذا الانصهار واضحة بسبب حرصهم الشديد على الانتماء للمجتمع الجديد. ولذا، فإن المتوقع أن تقوم فرنسا بهضم اليهود المغاربة أيضاً ضمن من هضمت من أجانب. أما فيما يتصل بالعقيدة اليهودية، فقد خلقت الإصلاحات النابليونية الإطار اللازم لتحديث اليهودية من الخارج، وذلك من خلال المجالس الكنسية وتحويل الحاخامات إلى موظفين في الحكومة ومن خلال إشراف الحكومة على تدريب الحاخامات واختيار الحاخام الأكبر وخلاف هذه الوسائل. ثم نشأت محاولة للإصلاح من الداخل. ولكن اليهودية الإصلاحية مرتبطة بالتراث البروتستانتي الألماني، ولذا جرت مقاومتها (بسبب العداء الفرنسي التقليدي للثقافة الألمانية) . ومع هذا، أدخلت بعض الإصلاحات على الشعائر مثل إنقاص عدد قصائد البيوط في الصلوات، وتقليل مدة الصلوات نفسها، كما تقرَّر استخدام الأرغن على أن يقوم بالعزف عليه يوم السبت شخص غير يهودي. ولم تكن هذه القرارات ملزمة للجميع إذ تُرك لكل مجلس كنسي حرية تطبيق ما يراه مناسباً من إصلاحات. ومع هزيمة فرنسا على يد ألمانيا عام 1871، توقَّف الإصلاح تماماً بسبب الأصل الألماني لحركة الإصلاح. وهكذا تحوَّلت اليهودية الفرنسية بعيداً عن الأرثوذكسية دون أن تصل إلى صيغة إصلاحية، ومن ثم أصبحت كياناً غير متماسك يسمح بدرجة من التطور واستيعاب عناصر تجديدية تؤدي إلى مزيد من التنوع وعدم التجانس. وأدَّى تَوقُّف حركة الإصلاح الديني إلى تَصاعُد معدلات الاندماج. ففي البلاد البروتستانتية التي انتشرت فيها اليهودية الإصلاحية والمحافظة، يمكن لليهودي أن يُعدِّل شعائر دينه، بل وأن يسقط كثيراً منها ويظل يهودياً. أما في فرنسا، فإن فعل ذلك فليس أمامه سوى التخلي تماماً عن دينه الذي يشكل جزءاً مهماً من هويته، وخصوصاً أن العقيدة العلمانية في المجتمع الفرنسي تتسم بدرجة عالية من التبلور والاتساق. ومن ثم، فيمكن لمن يشاء أن يتفرنس تماماً. وقد كان لهذا الوضع أثره العميق في اليهود المغاربة الذين تستند هويتهم أساساً إلى عنصرين: أولهما شعائرهم الدينية، والآخر فلكلورهم العربي. ومع فقدانهم كلا العنصرين، لم يبق لهم شيء. ومعظم يهود فرنسا، نحو 350 ألفاً، تمت علمنتهم ودمجهم إلى درجة أصبح من الصعب معها تمييزهم عن غير اليهود بأي شيء. أما الباقون (200 ألف) ، فمنهم 25 ألفاً فقط هم الذين ينفذون الشعائر بطريقة مستمرة و100 ألف يأكلون الطعام المباح شرعاً، و75 ألفاً يكتفون بالاحتفال بعيد يوم الغفران ويحرمون أكل الخنزير أحياناً. وكثير ممن يقيمون بعض الشعائر يفعلون ذلك باعتباره تعبيراً عن الانتماء الإثني لا الديني. ويُلاحَظ أن أكثر معدلات العلمنة تُوجَد بين المهنيين، وتُوجَد أكثر العناصر تديناً بين يهود شمال أفريقيا، ولكن يُلاحَظ أن تَديُّن هؤلاء ليس تعبيراً عن إيمان ديني بمقدار ما هو تعبير عن انتماء إثني تصاعدت حدته بعد الهجرة كما يحدث عادة بين المهاجرين. كما أن الانتماء الديني ليس مهماً إلى هذه الدرجة في المجتمع الفرنسي، وشبه ماكسيم رودونسون ذلك بالانتماء إلى ناد للعب الشطرنج وهو انتماء لا يحدِّد سلوك الفرد. وقد أعلن 25% من يهود فرنسا في الوقت الحاضر أنهم أعضاء في هذه الجماعة الدينية اليهودية أو تلك، مقابل 50% في الولايات المتحدة. ولكن إعلان شخص عن انتمائه إلى جماعة دينية، لا يعني بالضرورة أنه متدين. وكما أسلفنا فأغلبية يهود فرنسا الساحقة لا تمارس أية شعائر دينية. وقد اكتسبت المجامع الكنسية نبرة إثنية برغم أرثوذكسيتها. وفي باريس، حيث يعيش نحو نصف يهود فرنسا، لا يوجد سوى تسعة آلاف عضو في المجمع الكنسي. ويُلاحَظ أن الجيل الجديد من الشباب اليهودي في أوربا يبتعد عن التقاليد والمؤسسات الدينية بل وغير الدينية اليهودية، وينخرط بأعداد متزايدة في صفوف اليسار، فالانتماء الإثني نفسه آخذ في التآكل. وحتى تتضح الصورة العامة والاتجاه العام نحو الاندماج، بل وربما الانصهار، يمكن أن نشير إلى أن معظم المرموقين من أعضاء النخبة اليهودية ما عادوا يُكنِّون أي احترام لتراثهم اليهودي. وتتضح معدلات الاندماج العالية في الزواج المُختلَط الذي كان قد انخفض بعض الوقت بعد وصول يهود المغرب العربي وتزاوجهم مع اليهود الفرنسيين. ففي عام 1962، بلغت نسبة الزواج بين اليهود من أصل فرنسي واليهود من أصل مغربي جزائري 42%، و32% بين اليهود من أصل مغربي جزائري واليهود من شرق أوربا. وبلغت نسبة الزيجات المُختلَطة بين يهود المغرب والجزائر ويهود ليسوا من نفس الأصل 44% ـ وهذه نسبة عالية إذا ما قارناها بإسرائيل، ففي عام 1960 كان نصف عدد السكان من يهود الشرق أو اليهود السفارد والنصف الآخر يهوداً غربيين. ورغم أن كلا الفريقين كان يعيش في إسرائيل منذ عام 1952، إلا أن نسبة الزواج بينهم لم تزد على 15% حتى عام 1965. ولكن الزواج المُختلَط في فرنسا تعدَّى الشرقيين والغربيين وأصبح مرة أخرى زواجاً مُختلَطاً مع غير اليهود، الأمر الذي يؤدي إلى ذوبان الهوية. وقد كانت نسبة الزواج المُختلَط نحو واحد من ثمانية من جملة الزيجات عام 1935، ثم أصبحت واحداً من ستة من الزيجات في الفترة من 1936 إلى 1955، وزادت إلى واحد بين كل ثلاثة في الفترة من 1956 إلى 1965، ووصلت إلى واحد من كل زيجتين في الفترة من 1966 إلى 1975. أما في منتصف الثمانينيات، فكان حوالي 60% من جملة الزيجات مختلطة، وهذا يبيِّن مدى تفاقم الظاهرة رغم أنها لم تصل إلى ذروتها بعد. ويُلاحَظ انتشار ظاهرة التعايش المؤقت، أي أن يعيش شخصان سوياً دون أن يتزوجا. والواقع أن أعضاء مثل هذه الترتيبات المؤقتة لا يكترثون بالانتماء الديني للطرف الآخر، الأمر الذي يعني أن مثل هذه الزيجات في الغالب لابد أن تُدرَج في حساب الزيجات المُختلَطة. كما أن أبناء مثل هذه الزيجات أو هذه الترتيبات يفقدون صلتهم تماماً بالجماعة اليهودية. ويظهر الاندماج، كذلك، في انصراف أعضاء الجماعة اليهودية عن المؤسسات اليهودية، إذ لا يهتم بها سوى يهودي واحد بين كل ثمانية يهود، كما لا يتبرع للصندوق الاجتماعي اليهودي الموحد سوى 20 ألف شخص. ورغم الحديث عن التفاف يهود فرنسا حول المُثُل الصهيونية، ورغم حديث يهود المغرب العربي عن الدولة الصهيونية باعتبارها تحقيقاً لنبوءة الأنبياء، إلى آخر هذه الديباجات الدينية، فإن ثمة انصرافاً فعلياً عن الصهيونية يناقض حماس اللفظ والتهاب القول. ولعل أكبر دليل على انصراف يهود فرنسا عن الصهيونية هو هذا الوجود الملحوظ ليهود المغرب العربي في فرنسا إذ فضلوها على الدولة الصهيونية. وقد لاحظ بن جوريون أن صهيونية يهود الولايات المتحدة عالية الصوت إنما هي تعبير عن تَزايُد اندماجهم الفعلي ونفس القول ينطبق على صهيونية يهود فرنسا. وعلق أحد المثقفين الفرنسيين على إيمان يهود المغرب بإسرائيل، باعتبارها تحقيقاً للنبوءات المشيحانية، بقوله: إن هذا الإيمان يجعل التعلق الرومانسي بإسرائيل بديلاً للصهيونية (الاستيطانية) بما تتطلبه من هجرة واليهودية بما تتطلبه من ضبط للنفس وطاعة للقانون. وشبَّه أحد المثقفين الفرنسيين موقف يهود فرنسا من الهجرة بأنهم مثل أعضاء فرق الإنشاد العسكرية التي ينشد أعضاؤها «تقدموا ... تقدموا» مع أنهم واقفون لا يتحركون خطوة واحدة أبداً. وعدد يهود فرنسا، في الوقت الحاضر (1992) ، هو 530 ألفاً، أي 4% من يهود العالم وأقل من 1% من سكان فرنسا البالغ عددهم 57.379.000 (بيَّن مصدر إحصائي آخر أن عددهم عام 1995 هو 600.000) . وهذا يعني أنه لا يوجد صوت يهودي، وقد صَوَّت يهود فرنسا في انتخابات عام 1988 للرئاسة على النحو التالي: 44.5% لميتران، و44.4% لشيراك أو ريمون بار، و6.1% للحزب الشيوعي، و2% لجان ماري لوبان. لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد نفوذ يهودي على الإطلاق، فهو موجود إذ توجد أعداد كبيرة من يهود فرنسا أعضاءً في النخبة الحاكمة يشاركون في صنع القرار، ولكنهم لا يشاركون بوصفهم يهوداً وإنما بوصفهم فرنسيين يهوداً حققوا درجة كاملة من الاندماج، ويتضح هذا الاندماج في أشكال كثيرة من سلوكهم. كما يمارس أعضاء الجماعة نفوذاً قوياً داخل أجهزة الإعلام لا يتناسب مع نسبتهم العددية. ومنذ عام 1948، حجز أقل من ستين ألف يهودي أماكن للسفر من فرنسا إلى الدولة الصهيونية، وعاد منهم خمسة وعشرون ألفاً. فمعظم يهود فرنسا من أتباع الصهيونية التوطينية التي تهدف إلى توطين اليهود الآخرين، حيث يكتفي المؤمن بها بإحداث أصوات تأييد صارمة عالية، وقد يرسل بعض المال ذراً للرماد في العيون. ولكن، حتى على هذا المستوى، أثبت يهود فرنسا انصرافهم عن الصهيونية. ويظهر هذا الانصراف في أن المساعدات التي تتلقاها الدولة الصهوينة من يهود سويسرا، الذين لا يزيد عددهم على 19 ألفاً، أكثر من تلك التي يمدها بها يهود فرنسا الذين يقترب عددهم من ستمائة ألف، إن لم يكن قد وصل إلى هذا العدد بالفعل بحسب إحدى الإحصاءات. وأهم المؤسسات التنظيمية للجماعات اليهودية في فرنسا هي ما يلي: 1ـ المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا Conseil Representatif des Institutions Juives de France واختصاره CRJF. تأسَّس عام 1944، وهو الجهة الممثلة ليهود فرنسا لدى المؤتمر اليهودي العالمي. ويضم المجلس ممثلين لنحو 50 منظمة يهودية فرنسية تمثل القيادات السياسية والأيديولوجية المختلفة داخل الجماعة اليهودية، ويُعتبَر رئيسها الممثل السياسي للجماعة في فرنسا والمُخوَّل للتفاوض باسمها مع الحكومة الفرنسية. ويعمل المجلس بشكل نشيط في محاربة معاداة اليهود والدفاع عن المصالح الإسرائيلية، وفي القضايا الخاصة باليهود السوفييت. ومن ناحية أخرى، يعاني المجلس من بعض الأزمات في وظائفه الداخلية نتيجة تعدُّد الاتجاهات السياسية والأيديولوجية للمنظمات الممثلة داخله. 2 ـ الصندوق الاجتماعي اليهودي الموحَّد Fonds Social Juif Unifie، واختصاره FSJU. تأسَّس عام 1949 لتخطيط وتنسيق النشاطات الاجتماعية والثقافية والتعليمية للجماعة اليهودية في فرنسا بصرف النظر عن الانتماءات السياسية أو الدينية لأعضاء الجماعة أو موقفهم تجاه إسرائيل، ولعب الصندوق دوراً مهماً في إعادة بناء وتنظيم حياة الجماعة اليهودية في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية وفي استقبال واستيعاب المهاجرين اليهود من شمال أفريقيا. وموَّل الصندوق نشاطه بفضل المساهمات المالية للجنة التوزيع الأمريكية المشتركة والتعويضات الألمانية للمنظمات اليهودية الفرنسية. وبعد حرب 1967، نسَّق الصندوق نشاطه مع النداء الإسرائيلي الموحَّد، وأسسا النداء اليهودي الموحَّد لفرنسا Appel Unifie Juif de France واختصاره AUJF والتي أصبحت الجهة المختصة بجمع التبرعات وتدبير الموارد المالية اللازمة لميزانية الصندوق. وتوزع حصيلة التبرعات بين الصندوق من ناحية والمنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية من ناحية أخرى. ويُعتبَر الصندوق المؤسسة المركزية في حياة الجماعة اليهودية في فرنسا ولديه فروع عديدة في الأقاليم لخدمة التجمعات اليهودية، كما يشرف على شبكة اتصالات واسعة تشمل الصحافة والإذاعة وقناة تليفزيونية من المقرر افتتاحها قريباً. 3 ـ الأليانس إسرائيليت يونيفرسل Alliance Israelite Universelle، وهي إحدى أكبر المنظمات اليهودية في فرنسا. تأسَّست عام 1860، وتركَّز نشاطها في مجال التعليم فأسست شبكة من المدارس اليهودية في العالم العربي والإسلامي. أما اليوم، فيتركز نشاطها بالدرجة الأولى في مجال التعليم في فرنسا، وتُعَدُّ مكتبة الأليانس أهم المكتبات اليهودية في أوربا. 4 ـ كما توجد العديد من حركات الشبيبة. وينظم القسم التعليمي للشباب اليهودي نشاط الشباب في المراكز الاجتماعية. 5 ـ وهناك العديد من المنظمات اليهودية في المجالات الخيرية والخدمة الاجتماعية من أهمها: ـ اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع. ـ لجنة باريس اليهودية للعمل من أجل الرفاهية الاجتماعية (CASIP) . ـ اللجنة اليهودية للعمل من أجل الرفاهية الاجتماعية وإعادة البناء (COJASOR) . وتوجد أيضاً عدة منظمات صهيونية محلية فرنسية وفروع للمنظمات الصهيونية واليهودية العالية مثل ويزو. وأغلب الأحزاب الإسرائيلية لها فروع تابعة في فرنسا. أما الحركة الصهيوني الفرنسية Mouvement Sioniste de France فلا تزيد عضويتها عن بضعة آلاف. كما أن جمعية أبناء العهد (بناي بريت) تحتفظ بمحافل عديدة في فرنسا. وكذلك يوجد المقر الرئيسي للمؤتمر اليهودي الأوربي في باريس..... |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
إنجلترا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة
England from the Middle Ages to the Renaissance كان اقتصاد إنجلترا عشية الغزو النورماندي عام 1066 بسيطاً جداً، مبنياً على المقايضة وحسب. وكان وليام الأول، أو الفاتح، يود أن يحصل على ريعه من الأرض التي فتحها نقداً، ولذا قرر إدخال عنصر رأسمالي تجاري مالي. ووجد ضالته في أعضاء الجماعات اليهودية بسبب فائدتهم ونفعهم، وخصوصاً في تشجيع تداول العملات. ومن ثم شجع اليهود (كجماعة وظيفية استيطانية نافعة) على الاستقرار ليقوموا بدور الوسيط التجاري في هذه المنطقة الجديدة، وبدور محصلي أموال التاج. فاستوطن اليهود في إنجلترا وأسسوا جماعات في لندن وبريستول وكانتربري، ووُضعوا تحت حماية التاج ليعملوا في التجارة والربا، وإن كان قد تم استبعادهم عن نقابات الحرفيين، أي أنهم أصبحوا جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع الإقطاعي. ويُلاحَظ أن يهود إنجلترا لم يكونوا إنجليزيين، إذ كانوا جزءاً من الثقافة الألمانية والفرنسية المجاورة، وكانوا يتحدثون الفرنسية فيما بينهم ويتسمون بأسماء فرنسية. وهذه العزلة الإثنية سمة أساسية للجماعة الوظيفية الوسيطة. ومع بداية القرن الثاني عشر، بدأ وضعهم في التدهور نظراً للهجوم عليهم من قبل الكنيسة والبارونات، ثم أخيراً من قبل العناصر الشعبية في المدينة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية محط كراهية خاصة لارتباطهم بالملك كأقنان بلاط، بل أصبحوا جزءاً أساسياً من الصراع الأساسي في العصور الوسطى في الغرب (أي الصراع بين الملك وبقية الفئات والطبقات في المجتمع) . وتم الهجوم عليهم بشكل مخفف أثناء حملتي الفرنجة الأولى والثانية، وتزامن اعتلاء ريتشارد الأول (قلب الأسد) عام 1189 العرش مع تَصاعُد الحملة ضد الجماعة الوظيفية التجارية الوسيطة اليهودية. وحينما سافر مع حملة الفرنجة الثالثة، انتهزت القوى المعادية الفرصة وهاجمت أعضاء الجماعة اليهودية في أماكن عدة من أهمها يورك، وهو ما كان يمثل خسارة مالية فادحة للملك على وجه الخصوص. كما قامت هذه العناصر بحرق صكوك الديون. وثأر الملك لنفسه، فأرسل إلى يورك أحد الأساقفة، فقام بمصادرة أموال زعماء الهجوم، وأقال حاكم القلعة والشريف. وحينما عاد الملك نفسه عام 1194، طلب إجراء تحقيق في الموضوع برمته، وقرر تنظيم علاقة العنصر التجاري اليهودي ببقية المجتمع. فتم تأسيس نظام لتسجيل ديون اليهود تم بمقتضاه وضع صناديق في بلديات المدن الإنجليزية الرئيسية، وأُودعت فيها نسخ من كل الوثائق الخاصة بالديون، وعُيِّن أربعة موظفين (مسيحيان ويهوديان) مسئولين عن هذا الصندوق. وأُسِّست سبعة وعشرون صندوقاً في كل إنجلترا، تحت إشراف سلطة مركزية من أربعة موظفين أوصياء أو قضاة اليهود (بالإنجليزية: كاستوديانز أور جستيسز أوف ذا جوز Custodians or Justices of the Jews) تحت رئاسة خازن بيت المال اليهودي (بالإنجليزية: إكستشكر أوف ذا جوز Exchequer of the Jews) . وسهَّل هذا الهيكل التنظيمي عملية حوسلة اليهود، لصالح الملك، من خلال الضرائب المفروضة عليهم ومن خلال الضرائب والفوائد التي يجمعونها. واتَّسم حكم الملك جون (1199 ـ 1216) بالصراع بينه وبين الكنيسة والبارونات، فأصدر الملك قراراً بوضع أعضاء الجماعة اليهودية تحت سلطته القانونية المباشرة أو تحت سلطة الحكام المحليين، الأمر الذي كان يعني إنهاء أية سيطرة للبارونات أو الكنيسة علىهم. وضمنت هذه التنظيمات كثيراً من حقوق أعضاء الجماعة اليهودية وضمن ذلك حق القَسَم على التوراة، وأن يكون لهم محاكمهم الخاصة لفض المنازعات التي تقوم فيما بينهم. ويتبدَّى وضع أعضاء الجماعة اليهودية المتميِّز في الأمر الصادر للشرفاء والموظفين المحليين عام 1217 بانتخاب أربعة وعشرين شخصاً من سكان المدن لحماية السكان اليهود فيها. كما طُلب إلى أعضاء الجماعة اليهودية ارتداء شارة خاصة (عبارة عن شريطين أبيضين) لحمايتهم. وأدَّى هذا إلى ازدهارهم، فرغم أنهم كانوا أقلية صغيرة لا يزيد عدد أعضائها (بحسب أحد التقديرات) على أربعة آلاف، فإن أموالهم وممتلكاتهم كانت كبيرة. وتتضح ضخامة حجم هذه الممتلكات إذا عرفنا أن أعضاء الجماعة كانوا يؤدون نحو 8% من جملة الضرائب التي تجمعها الدولة. ولكن وضع أعضاء الجماعة اليهودية أخذ في التدهور لعدة أسباب: 1 ـ أدَّى تَزايُد نفوذ أعضاء الجماعة إلى تَزايُد سخط البارونات عليهم. 2 ـ كانت المدن الإنجليزية في تلك الآونة قد بدأت تزداد قوة وبدأ إسهامها في الخزانة الملكية في التَزايُد، فأخذت تطالب بضرورة التخلص من أعضاء الجماعة اليهودية. 3 ـ أدَّى تَزايُد الجهد الذي يبذله أعضاء الجماعة اليهودية في جمع مستحقاتهم إلى تَزايُد السخط عليهم. وفي الوقت نفسه، فإنهم هم أنفسهم كانوا يزدادون فقراً بسبب تَزايُد الضرائب عليهم من قبل البلاط. 4 ـ شهدت هذه الفترة بداية ظهور بيوتات المال الإيطالية والفرنسية، مثل اللومبارد والكوهارسين، التي جعلت الاستغناء عن رأس المال اليهودي ممكناً. أما بالنسبة للأعمال التجارية، فقد حل التجار الفلمنكيون والفرنسيون والألمان والإيطاليون محل التجار اليهود. وهكذا، تحالفت عدة عناصر في جعل أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية عنصراً لا نفع له، وصدرت القوانين التي حدَّت من حقوقهم ومن المناطق التي يحق لهم السكنى فيها. وبالتدريج أخذت الكنيسة والبارونات في تحقيق المزيد من الانتصارات في معركتهم مع الملك جون الذي اضطر إلى قبول سيادة الكنيسة عام 1213 وإلى الاعتراف بحقوق البارونات حينما وقَّع الماجنا كارتا عام 1215. لكن تردِّي وضع الملك كان يعني، بطبيعة الحال، تردِّي وضع اليهود. وقد تردت حالتهم إلى درجة أنهم طلبوا عام 1255 الرحيل عن إنجلترا. لكن الملك رفض طلبهم ثم قام ببيعهم ووضعهم بعض الوقت تحت حماية أخيه الذي قام بتزويدهم بالحماية المطلوبة أثناء تهمة الدم التي وجهت ضدهم (عام 1255) كما قام بتوظيفهم لحسابه. وأثناء حرب البارونات (1264 ـ 1267) ضد هنري الثالث (1216 ـ 1272) ، شُنَّت هجمات على أعضاء الجماعة اليهودية. وقد حاول إدوارد الأول، بعد اعتلائه العرش عام 1272، أن يجد حلاً لمسألة يهود إنجلترا. فكان يرى أن أعضاء الجماعة اليهودية أصبحوا مجموعة بشرية صغيرة لم تَعُد تؤدي وظيفة اقتصادية، ومن ثم حاول توجيههم للعمل بالزراعة والتجارة والحرف ومنعهم من الاشتغال بالربا، فأصدر قانون اليهودية عام 1275. ولكن هذه المحاولة كان محكوماً عليها بالفشل بسبب طبيعة المجتمع الغربي في العصر الوسيط وتقسيمه الهرمي الصارم. وإذا كان الأثرياء من أعضاء الجماعة اليهودية قد أمكنهم شراء الأرض، فإن الفقراء اضطروا إلى السبل غير الشريفة للعيش مثل برد حواف العملات الذهبية وهو ما كان يُنقص قيمتها. وحينما اكتُشف أمر بعضهم بعد عام 1278، أمر الملك بتفتيش بيوتهم كما أمر بسجنهم وشنق 239 يهودياً. واضطر الملك في نهاية الأمر إلى إصدار أمر بطرد اليهود من مقاطعة جاسكوني، ولكن رجال الكنيسة والبارونات كانوا يعرفون أن سر احتفاظ الملك بأعضاء الجماعة اليهودية هو أنه يوظفهم لحسابه ويحقق الأرباح من خلالهم، فقرروا إعطاءه عُشر الأملاك المنقولة إن هو طرد رعاياه اليهود. وبالفعل، تم طردهم نهائياً عام 1290، ولم يكن عددهم يزيد على أربعة آلاف، وإن كانت بعض المراجع تذكر أن عددهم كان 12 ألفاً، بل 16 ألفاً. وحيث إن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يُعدّون عنصراً فرنسياً، سمح لهم ملك فرنسا في بداية الأمر بالاستقرار فيها. ولكنه سحب تصريحه إثر ضغوط من الكنيسة، فاستقروا في الفلاندرز، ويُقال أيضاً في إسكتلندا. ويُلاحَظ أن كره الإنجليز لليهود هو كره تكنه المجتمعات كافة لأعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة لا لليهود وحدهم. فحينما حل الفلمنكيون والإيطاليون والألمان من أعضاء العصبة الهانسية محل يهود إنجلترا، أصبحوا محط كراهية بعض قطاعات المجتمع رغم أنهم مسيحيون. وفي عام 1381، ثار العمال الإنجليز ضد التجار الأجانب، وطاردوا كل المنضمين إلى العصبة الهانسية واقتفوا آثارهم في أماكن العبادة داخل الكنائس، وقتلوا كل من لم يستطع النطق بلفظتي «الخبز والجبن» بلهجة إنجليزية. وفي عام 1457، وبعد أن احتل الإنجليز أنفسهم مواقع مهمة في التجارة الخارجية والنقل البحري وأخذت المزاحمة بينهم وبين التجار الأجانب تزداد بشدة، تَعرَّض جميع تجار جنوا في لندن للاعتقال والسجن كما صودرت بضائعهم. إنجلترا منذ عصر النهضة England since the Renaissance ظلت إنجلترا خالية من اليهود تقريباً حتى نهاية القرن السادس عشر. ومع بداية القرن السابع عشر، ساد إنجلترا (بعد ظهور الحركة البيوريتانية) جو استرجاعي قوي يستند إلى أسطورة عودة المسيح. وظهر فكر مسيحي صهيوني يدعو إلى ضرورة تَواجُد اليهود في كل أنحاء الأرض وضرورة هدايتهم، أي تنصيرهم كشرط أساسي للخلاص. ولا شك في أن هذه الفرق الاسترجاعية المسيحانية (مقابل المشيحانية) تعود في جانب منها إلى تطلعات المجتمع الإنجليزي التجارية الاستعمارية. وقد لعب التجار من يهود المارانو (برتغاليين وإسباناً) ، الذين استقرت أعداد كبيرة منهم في لندن، دوراً مهماً في الحرب مع إسبانيا سواء من الناحية المالية أم الناحية الاستخبارية (قام أنطونيو فرنانديز بجمع المعلومات عن القوات الإسبانية وتوصيلها للإنجليز) . ومن ثم، بدأ التفكير في الأوساط البيوريتانية في الاستفادة من خبرات اليهود التجارية واتصالاتهم الدولية. وكان كرومويل شخصياً من أكبر المتحمسين لذلك، وخصوصاً أنه كان يرى إمكانية استخدام اليهود كجواسيس له. وتَقدَّم منَسَّى بن إسرائيل، عام 1655، بطلب السماح لليهود بالاستيطان. كما أن بعض أثرياء اليهود المارانو قدَّموا إلتماساً عام 1656 لإقامة مقبرة خاصة بهم وطالبوا بتوفير الحماية لهم عند ممارستهم شعائرهم الدينية باعتبارهم يهوداً. ومع أن الطلب لم يُقبَل ولم يُرفَض رسمياً، فإن الاعتراف بالمارانو كيهود كان في حد ذاته اعترافاً بحق اليهود في الاستقرار في إنجلترا، ولذا أصدر كرومويل قراراً لسلطات لندن بأن تزيح جميع الحواجز من طريق استقرار الجماعة اليهودية، بل سمح لهم بإنشاء معبد يهودي ثم مقبرة خاصة بهم. وتم الاعتراف بالجماعات اليهودية في عصر تشارلز الثاني (عام 1664) . وأُعيدت أملاكهم التي صودرت أثناء الحرب مع إسبانيا (لأنهم كانوا يُعتبَرون حتى ذلك الوقت مسيحيين إسبان أمام القانون) . وفي عام 1673، حصلوا على وعد بحرية العبادة وأُعيد تأكيد هذا الوعد عام 1685. وفي عام 1698 تم تقنين ممارسة الديانة اليهودية من خلال تشريع برلماني. وبالتدريج، ازداد يهود إنجلترا أهمية بتزايد أهمية لندن ـ قياساً إلى أمستردام ـ كمركز للتجارة العالمية. واستقرت أعداد صغيرة من اليهود الإشكناز (ممن أتوا من ألمانيا ووسط أوربا) في إنجلترا، ولكن ظلت الأغلبية العظمى من أعضاء الجماعة اليهودية فيها من السفارد. ولم يُفرَض على أعضاء الجماعة اليهودية السكنى في جيتو خاص بهم، بل ألغيت معظم القيود المفروضة عليهم، كما حصلوا على حقوق المواطنة بالتدريج ابتداءً من عام 1718 حينما صدر قرار بالسماح لليهود المولودين في إنجلترا، حتى لو كانوا من أبوين أجنبيين، بأن يمتلكوا الأراضي الزراعية. ولم تقم ضد يهود إنجلترا أية حركات شعبية عنيفة. ولعل هذا يعود إلى أنه حينما أُعيد توطين اليهود، تم توطينهم كعنصر تجاري مُستوعَب في التشكيل التجاري الأكبر. ولذا، فإنهم لم يكونوا متميِّزين وظيفياً، ولم يكن لهم حقوق خاصة، كما لم يكونوا موضوعين تحت حماية الملك أو غيره من السلطات، وإنما كانوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع. وساعد كل ذلك على نمو الجماعة اليهودية في إنجلترا وعلى تزايد حجم المهاجرين اليهود القادمين من أمستردام وإسبانيا والبرتغال. كما ازداد هؤلاء ثراءً وأهمية بتزايُد أهمية لندن (قياساً إلى أمستردام) كمركز للتجارة العالمية. وعمل أثرياء اليهود في السمسرة والتجارة الخارجية، وكانوا مُمثَّلين بشكل كبير في مستعمرات الإمبراطورية البريطانية المتنامية، وخصوصاً في نيويورك وبومباي وجزر الهند الغربية. ومن الشخصيات اليهودية البارزة في تلك الفترة سامسون جدعون ويوسف سالفادور اللذان قدما استشارتهما المالية المهمة للوزارات الإنجليزية المتعاقبة. وظلت الجماعة اليهودية في إنجلترا مُشكَّلة في أغلبها من السفارد وإن بدأت بعض الجماعات الصغيرة من اليهود الإشكناز القادمين من أمستردام وهامبورج ثم ألمانيا وشرق أوربا الاستقرار في إنجلترا في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. وكان أغلب اليهود الإشكناز أقل في المرتبة الاجتماعية من السفارد، وعمل قطاع كبير منهم كباعة متجولين في القرى والمناطق الريفية، وبالتالي نمت تجمعات من يهود الإشكناز في كثير من المدن الريفية والموانئ والمراكز الصناعية. وأسَّس الإشكناز المعبد الكبير في لندن عام 1722. وبدأت حركة حصل بموجبها أعضاء الجماعة اليهودية على حقوقهم المدنية في القرن الثامن عشر حيث صدر عام 1718 قرار بالسماح لليهود المولودين في إنجلترا حتى لو كانوا من أبوين أجنبيين بأن يمتلكوا الأراضي الزراعية. وفي عام 1753، قُدِّم مشروع للبرلمان البريطاني يطالب بمنح اليهود المولودين خارج البلاد حقوق المواطنة نفسها الممنوحة لأبنائهم. لكن هذا المشروع سرعان ما فشل، الأمر الذي دفع كثيراً من أثرياء اليهود إلى التخلي عن اليهودية واعتناق المسيحية. وتذهب بعض التقديرات إلى أن عدد المتنصِّرين من اليهود في القرن التاسع عشر بلغ 29 ألفاً، أي نحو ثُلث يهود إنجلترا. وهذا الرقم دليل أيضاً على تَزايُد اندماج اليهود في المجتمع البريطاني. وأتاحت الحروب النابليونية لبعض العائلات اليهودية الإشكنازية، مثل عائلتي روتشيلد وجولدسميد، احتلال مواقع مرموقة في المجتمع الإنجليزي بفضل خدماتهم المالية المهمة، الأمر الذي أعطى ثقلاً للحركة المطالبة بانعتاق اليهود. وفي الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، سُمح لليهود بالعمل في وظائف مدنية، وعُيِّن أول شريف يهودي عام 1835. ووصلت هذه الحركة إلى قمتها بدخول ليونيل دي روتشيلد البرلمان عام 1858. كما أصبح ابنه ناثانيل دي روتشيلد أول يهودي بريطاني يحصل على لقب لورد عام 1885. وفي عام 1890، تم إلغاء آخر القيود الدينية على اعتلاء مناصب ووظائف سياسية، وبالتالي أصبح انعتاق اليهود كاملاً. واحتل بعض أعضاء الجماعة مواقع ومراكز مهمة في الإدارات والوزارات البريطانية اللاحقة. ولكن، مع نهاية القرن التاسع عشر، تغيَّر التكوين الإثني ليهود إنجلترا نتيجة تَدفُّق جحافل يهود اليديشية من شرق أوربا ووسطها على إنجلترا، وغيرها من الدول، بسبب تَعثُّر التحديث. وفيما يلي إحصاء بعدد يهود إنجلترا من عام 1690 حتى عام 1985: السنة / عدد أعضاء الجماعة اليهودية 1690 / 350 - 400 1734 / 6000 1753 / 8000 1800 / 20.000 1830 / 27.000 1845 / 35.000 1849 / 40.000 1851 / 35.000 1853 / 25.000 1880 / 60.000 1890 / 100.000 1900 / 160.000 1910 / 242.000 1920 / 297.000 1930 / 333.000 1940 / 385000 1950 / 450.000 1960 / 450.000 1970 / 410.000 1985 / 330.000 وهكذا، فبينما كان يوجد في عام 1853 نحو 25 ألف يهودي في إنجلترا، وصل عددهم إلى 242 ألفاً عام 1910، أي بزيادة نحو عشرة أضعاف خلال ستين عاماً في مجتمع متجانس مثل المجتمع الإنجليزي. ورغم صدور تشريعات تَحُد من هجرتهم، فإن عدد يهود إنجلترا وصل عام 1914، أي عشية وعد بلفور، إلى ما بين 250 ألفاً وإلى 300 ألف نصفهم من يهود اليديشية، أي أن عدد يهود إنجلترا من يهود اليديشية زاد خمسة عشر ضعفاً فيما يقارب أربعين عاماً. وخلق هذا جواً من القلق في إنجلترا، وسادت شائعات تقول إن عدد المهاجرين بلغ 750 ألفاً. وكان يهود اليديشية تجاراً صغاراً متخلفين يحملون معهم إحساساً جيتوياً عميقاً بعدم الأمن والطمأنينة. وأدَّى تواجدهم بهذه الأعداد الضخمة إلى ازدياد البطالة وازدحام المدن والجريمة. وفي بداية الأمر انخرط يهود اليديشية في الأعمال اليدوية شبه الماهرة، وخصوصاً في مجال صناعة الملابس الجاهزة. وكان الطلب على الملابس الجاهزة الرخيصة قد بدأ يزداد نسبياً في إنجلترا وغيرها من الدول الصناعية الغربية مع تنامي الطبقات المتوسطة في هذه البلاد. وكان ميراث يهود اليديشية، باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة، يؤهلهم لدخول هذه المجالات الجديدة والهامشية والتي كانت مازالت تتَّسم بقدر من المخاطرة وتحتاج إلى خبرات تجارية. فعملوا في «ورش العرْق» ، وهي مصانع لم تكن ظروف العمل فيها إنسانية وكان العمال يعملون فيها ساعات طويلة. وأحضروا معهم أطفالهم الذين كانوا يشكِّلون عبئاً ضخماً على المؤسسات الصحية والتعليمية. وكانت ثقافتهم يديشية أساساً ويتحدثون هذه اللغة في الشوارع، كما كانت لهم مطابعهم وجرائدهم ومعابدهم وحاخاماتهم. ولم تكن لهم هوية سياسية أو وضع قانوني محدَّد. كل هذا يناقض وضع يهود إنجلترا السفارد، أو حتى الإشكناز الذين تم صبغهم بالصبغة الإنجليزية والذين كانوا جزءاً من الأرستقراطية المالية وكانت أعدادهم صغيرة وكانوا مندمجين في مجتمعهم الإنجليزي يتحدثون بلغته، ويتمتعون بحقوقهم السياسية والمدنية والدينية الكاملة. وأدَّى هذا الوضع إلى توتر العلاقات بين الفريقين، إذ كان اليهود الإنجليز يعتبرون اليهود المتحدثين باليديشية عنصراً غريباً متخلفاً وعنصرياً يهدد مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. ويضاف إلى هذا أنهم أحضروا معهم المسألة اليهودية من شرق أوربا. وكان يهود اليديشية بدورهم ينظرون إلى اليهود الإنجليز باعتبارهم باردين ومندمجين في مجتمعهم، منعزلين تماماً عن الحركات السائدة بين أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا (الصهيونية والحسيدية والتنويرية) بين يهود الشرق. ولذا، ظل الفريقان كلٌّ منهما بمعزل عن الآخر، كما أنهم لم يتزاوجوا فيما بينهم. وأدَّى وفود العناصر اليديشية إلى قيام محاولات لوقف سيل الهجرة عن طريق تأليف لجنة ملكية لدراسة القضية. ومما زاد الجو توتراً، بالنسبة إلى الجماعة اليهودية، ظهور إحساس بين العناصر الاشتراكية الراديكالية بأن اليهود يشكلون جزءاً مهماً من السياسة الإمبريالية الإنجليزية، ومن هنا كان أعداء الإمبريالية أعداء لليهود. وكان عدد اليهود بين المستوطنين الإنجليز في جنوب أفريقيا كبيراً، وبعضهم كان على علاقة قوية بملنر ورودس. وقد تحدث جـ. أ. هوبسون (الزعيم الاشتراكي وأهم المثقفين الإنجليز المعارضين للإمبريالية) عن مجموعة صغيرة من الممولين الدوليين «ألمان في أصلهم ويهود في عنصرهم» حققوا نفوذاً قوياً في جوهانسبرج. وقد وصفهم بأنهم الحثالة الحقيقية لأوربا، يسيطرون على حقول الذهب ويحتكرون صناعة الديناميت وتجارة الكحول السرية. كما يتحكمون مع سيسل رودس في الصحافة، ويتلاعبون بسوق الرقيق، ويديرون الأعمال التجارية الأساسية في كل من جوهانسبرج وبريتوريا. ويُلاحَظ أن أعداداً كبيرة أيضاً من يهود إنجلترا، وخصوصاً يهود اليديشية، انخرطوا في صفوف الحركات اليسارية والعمالية والعدمية. وأدَّى هذا إلى ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بأقصى اليمين والرجعية، وبأقصى اليسار والثورية، في وقت واحد. في هذا الجو، شُكلت لجنة خاصة لمناقشة هجرة يهود شرق أوربا. وقدمت حكومة بلفور، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك، مشروع قانون عام 1902 يُسمَّى «قانون الغرباء» الذي ووفق عليه عام 1905. ودافع رئيس الوزراء عن المشروع فأشار إلى أنه لا يمكن تَجاهُل مسألة العرْق بأية حال في أمور الهجرة، كما أشار إلى المشاكل التي حاقت بإنجلترا نتيجة الهجرة اليهودية مؤكداً ضرورة الحد منها. وفي هذا الإطار، طُرحت الفكرة الصهيونية، فعارضها اليهود الإنجليز وأيدها يهود اليديشية. وزار هرتزل إنجلترا لأول مرة عام 1895 وألقى خطبة في حيّ إيست إند عن موضوع الهجرة، وكانت هذه أول مواجهة حقيقية بينه وبين يهود اليديشية. ثم عُقد المؤتمر الصهيوني الرابع (1900) في لندن. وحيث إن يهود إنجلترا الأصليين كانوا من كبار معارضي المشروع الصهيوني، توجه هرتزل أساساً إلى يهود اليديشية، كما وضع نصب عينيه الوصول إلى السلطات الحاكمة مباشرة لعرض المشروع الصهيوني كرقعة تلتقي فيها المصالح العنصرية والاستعمارية بالرؤية الصهيونية. وفي عام 1902، نجح أحد أصدقاء هرتزل في دعوته للمثول أمام اللجنة الملكية، حيث قدَّم حلاًّ صهيونياً مفاده تحويل الهجرة من إنجلترا إلى أية بقعة أخرى خارج أوربا. وانطلاقاً من هذا، عُرض مشروع شرق أفريقيا، ثم صدر وعد بلفور الذي جاء انتصاراً للمنظمة الصهيونية على يهود إنجلترا. وبعد صدور وعد بلفور، تغيَّرت الأوضاع كثيراً، ذلك أن تأييد الصهيونية لم يَعُد تأييداً لحركة قومية غربية وإنما أصبح تأييداً للمصالح الإمبريالية البريطانية. وبذا، اختفت معارضة الصهيونية بين صفوف اليهود الإنجليز، كما أن العناصر اليديشية نفسها بدأت تصطبغ بالصبغة البريطانية، وخصوصاً أنهم لم يجدوا أية عراقيل قانونية تقف في طريقهم نحو الاندماج. ومع صعود النازية في ألمانيا، هاجر ما بين 40 و50 ألف يهودي من ألمانيا ووسط أوربا إلى إنجلترا. ورغم أن هذه الهجرة كانت أقل في حجمها من هجرة يهود اليديشية إلا أن المهاجرين الألمان كانوا أكثر ثراء، وتشير التقديرات إلى أنه تم تحويل مبالغ ضخمة من ألمانيا إلى بريطانيا. كما أعاد المهاجرون تأسيس أعمالهم المالية والتجارية في إنجلترا، وخصوصاً في مجالات المنتجات الصيدلية والملابس الثمينة وبعض الصناعات الخفيفة الأخرى، وأصبحت لندن مركز تجارة الفراء بدلاً من ليبزيج. إنجلترا في الوقت الحاضر England at the Present كان يهود إنجلترا آخذين في التناقص بسبب الاندماج والهجرة رغم وصول أعداد كبيرة من يهود ألمانيا إلى إنجلترا في فترة الحرب العالمية الثانية. وبلغ عدد يهود إنجلترا 430 ألفاً في أوائل الخمسينيات ولكنه تناقص إلى 320 ألفاً عام 1989 (من مجموع عدد السكان البالغ 65.861.000) ، وكان معظمهم يتركز في لندن (بنسبة 60%) والبقية في مانشستر وليدز وجلاسجو. وفي عام 1992 بلغ عدد يهود إنجلترا 298.000 يوجد 200 ألف منهم في لندن. ومما يُذكَر أن السفارة الإسرائيلية في بريطانيا أشارت عام 1988 إلى أن هناك حوالي 30 ألف إسرائيلي مقيم في إنجلترا، خمسة آلاف منهم مسجلون كاحتياطيّ في الجيش البريطاني، أي أنهم اكتسبوا المواطنة البريطانية. وبهذا المعنى يمكن الحديث عن «دياسبورا إسرائيلية» في إنجلترا، وأن عدد الهاربين من صهيون لا يقل كثيراً عن عدد الهاربين من جحيم النازية. ويعاني يهود إنجلترا من ظاهرة موت الشعب اليهودي، أي تَناقُص عددهم مع احتمال اختفائهم. وفي حالة إنجلترا، يتبدَّى هذا في تَزايُد متوسط الأعمار بين أعضاء الجماعة اليهودية عنه على المستوى القومي وتَزايُد نسبة الوفيات بينهم عن نسبة الوفيات على المستوي القومي أيضاً. ففي عام 1984، كان معدل الوفيات بين اليهود 15 من كل ألف مقابل 11.8 لكل السكان. ويزيد عدد الوفيات على عدد المواليد بمعدل 1300 حالة سنوياً. ويبدو أن ظاهرة الإحجام عن الإنجاب، وكذلك عدم الخصوبة التي يتسم بها يهود العالم (الغربي بالذات) سائدة في إنجلترا. ولذا، فإن الزيادة الطبيعية لا تؤدي إلى تعويض الأعداد التي تفقد، كما أن عدد اليهود يتناقص بسبب تَصاعُد معدلات العلمنة والاندماج، وهما أمران مرتبطان أحدهما بالآخر تماماً. ونسبة الزواج المختلط مرتفعة إلى حد يصل إلى 40 ـ 50%. كما أن عدد الزيجات اليهودية أخذ في التناقص، إذ سُجِّل في عام 1960 نحو 3664 حالة زواج، ثم تناقص العدد ليصبح 1153 عام 1984 ثم 1.031 فقط عام 1992. ويُلاحَظ تَزايُد نسبة الطلاق بين أعضاء الجماعة اليهودية إذ بلغت نحو 35%. وربما كانت النسبة العامة في إنجلترا لا تختلف عن ذلك كثيراً، ولكنها تكتسب دلالة خاصة بالنسبة إلى عدد يهود إنجلترا إذ أن الطلاق مؤشر على تَفسُّخ الأسرة اليهودية وهي الإطار الذي احتفظ من خلاله أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة بهوياتهم. ويعتبر يهود إنجلترا أنفسهم يهوداً من الناحية الدينية وحسب، وبريطانيين من الناحية العرْقية. ومن المفارقات أن هذا التصور يساعد على تَزايُد الاندماج لأن الأمور الدينية، في المجتمعات العلمانية، تُعتبَر أموراً خاصة للغاية لا تحدد سلوك الأفراد إلا في أضيق الحدود ولقد شبهها ماكسيم رودنسون بالانضمام إلى ناد للعب الشطرنج. وبالتالي، تصبح هوية اليهودي البريطاني هوية بريطانية بالدرجة الأولى. ومن بين العناصر الأخرى التي تساهم في تناقص عدد يهود إنجلترا هجرتهم خارجها. ففي عام 1971، كان يوجد 44 ألف يهودي، أي 12% من جملة يهود إنجلترا، خارجها. وكان هؤلاء المهاجرون من مواليد إنجلترا، ولم يكونوا من العناصر المهاجرة حديثاً التي تستقر بعض الوقت ثم تستأنف الهجرة بعد فترة وجيزة. وقد تغيَّر البناء الوظيفي والمهني ليهود إنجلترا، فتركت أعداد كبيرة منهم الأعمال اليدوية شبه الماهرة، وبدأوا ينخرطون بأعداد متزايدة في الوظائف والمهن التي يصبح اليهودي هو صاحب العمل فيها (مثل أصحاب المحال الصغيرة ومصففي الشعر وسائقي التاكسيات) . وبلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية العاملين في مثل هذه المهن نحو 15% من جملة أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا (6% على المستوى القومي) . وبطبيعة الحال، زاد عدد اليهود الذين يدخلون المهن والوظائف الإدارية، كما هو الحال مع الجيل الثالث من المهاجرين في كل أنحاء العالم الغربي. وتناقص عدد اليهود في قطاع المال، وزاد عددهم في قطاع الصناعات الاستهلاكية، مثل الخياطة والملابس، بسبب الميراث الاقتصادي الشرق أوربي. وفي الستينيات، تَركَّز 20% من جملة الذكور اليهود العاملين في صناعة النسيج، و7 ـ 8% في قطاع الملابس الجاهزة والأثاث و22% في المهن. وهذا هو النمط العام السائد في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وفرنسا. وكل هذا يعني أن عدد العمال اليهود آخذ في التناقص وأنهم لم يعودوا جماعة وظيفية وسيطة وإنما بدأوا يتحولون إلى طبقة وسطى، وهذا أمر يصاحبه تزايد في نسبة الاندماج. وتناقص عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعلنون ارتباطهم بالعقيدة اليهودية، فقد ذكر 110 آلاف يهودي عام 1977 أنهم أعضاء في هذا المعبد اليهودي أو ذاك (أي ثلث أعضاء الجماعة اليهودية مقابل النصف في الولايات المتحدة) . وتناقص العدد في التسعينيات بسبب تَزايُد معدلات العلمنة وعناصر أخرى. وينقسم اليهود، من الناحية الدينية، إلى سفارد وإشكناز، وإلى أرثوذكس (معتدلين ومتطرفين) وإصلاحيين. والتنظيم الديني للسفارد هو أبرشية اليهود الأسبان والبرتغاليين، وهي أقدم التنظيمات (أُسِّست عام 1657) . يضم هذا التنظيم الأرستقراطية السفاردية القديمة التي كانت تمنع الإشكناز من الانضمام إليها. أما الأغلبية الإشكنازية، فنظمت نفسها بطريقة إنجليزية يهودية أنجليكانية، فلم تظهر حركة إصلاح ديني جذرية على الطريقة الألمانية، وإنما ظل الإصلاح الديني على الطريقة الإنجليزية الأنجليكانية، فتم تعديل الطقوس حتى تصبح أكثر لياقة وفخامة من منظور بريطاني، وظل اليهود هناك يهوداً أرثوذكس، ولكن معتدلين، تماماً كالكنيسة الأنجليكانية، أي كاثوليكية بدون البابا. وثمرة هذه العملية هو ظهور جماعة يهودية تتخذ شكل هيئة أرثوذكسية رسمية تتبع مؤسسة رسمية هي المعبد الموحَّد ومركزها لندن، وهي التي تُعيِّن الحاخام الأكبر لبريطانيا. والمعبد الموحَّد هيئة أرثوذكسية معتدلة، فهي تتبع المعايير الأرثوذكسية داخل المعبد ولكنها لا تطبقها خارجها. ولا يصاحب هذه الهوية أي تعبير حيوي عنها في المجالات الاجتماعية أو الثقافية. ولم تَعُد هذه المواقف المعتدلة تُرضي اليمين أو اليسار، ولذا أسس الأرثوذكس الحقيقيون هيئاتهم الدينية المستقلة. فأسس المهاجرون من يهود اليديشية اتحاد المعابد (1887) . والاتحاد له محكمته الشرعية (بيت دين) الخاصة. ولكن هناك اتحاد أكثر أرثوذكسية وهو اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية العبرية الذي أُسِّس عام 1916. ولكن لا ينتمي سوى 3.5% من يهود إنجلترا لهذين الاتحادين، فالغالبية العظمى تنضم إلى المعبد الموحَّد (34018 عام 1992) أو إلى الاتحادين الإصلاحيين، وهما معابد بريطانيا العظمى الإصلاحية واتحاد المعابد الليبرالية والتقدمية (26 ألفاً عام 1992) . ولا يمكن الحديث عن صوت يهودي في إنجلترا، فعدد أعضاء الجماعة اليهودية لا يزيد على 0.6% من عدد السكان، أي أنهم لا يشكِّلون جماعة ضغط من الناحية العددية أو حتى من الناحية الاقتصادية بحيث يمكنهم التأثير في مسار الانتخابات، كما أن أصواتهم موزعة بين عدة دوائر. والدائرة الوحيدة التي يُوجَد فيها تَركُّز يهودي نوعاً ما هي دائرة هندون الشمالية التي لم تنتخب مرشحاً يهودياً وإنما انتخبت مارجريت تاتشر. ويبلغ عدد الأعضاء اليهود في البرلمان الإنجليزي (عام 1974) ستة وأربعين عضواً وانخفض إلى ثمانية وعشرين عام 1983 من أصل 650 عضواً. والنواب اليهود يمثلون دوائر انتخابية لا يُلاحَظ فيها وجود يهودي غير عادي. وقد يتوهم البعض أن انخفاض عدد النواب اليهود في البرلمان الإنجليزي سيؤدي حتماً إلى ضعف النفوذ الصهيوني أو اليهودي، ولكن هذا مناف للحقيقة. فزيادة أو نقصان عدد النواب اليهود لا يؤثر من قريب أو بعيد على سياسة المملكة المتحدة تجاه العالم العربي. وكما قال أحد المعلقين اليهود البريطانيين، فإن أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا مندمجون في الطبقة الوسطى ويصوتون مثلها، وبالتالي لا يمكن الحديث عن صوت يهودي. ومن ثم، فإننا نجد أن أعداداً متزايدة بين يهود إنجلترا تنضم لحزب المحافظين وتؤيد سياسته، شأنهم في هذا شأن أعضاء الطبقة الوسطى في المجتمع البريطاني. ومن المعروف أن أغلبية يهود إنجلترا الساحقة كانت معادية للصهيونية في بداية القرن، ومع هذا أصدرت وزارة لويد جورج وعد بلفور في عام 1917. بل إن الحكومة البريطانية نصحت أعضاء الجماعة اليهودية بعدم التهييج ضد الصهيونية التي أصبحت مصالحها من مصالح الدولة الإمبراطورية العليا. وأهم المؤسسات التنظيمية للجماعة اليهودية في إنجلترا هي ما يلي: 1 ـ مجلس النواب The Board of Deputies واسمه الكامل هو: لجنة لندن للنواب اليهود البريطانيين London Committee of Deputies of British Jews. وهو ممثل الجماعة اليهودية في بريطانيا، وأصبح منذ عام 1975 الجهة الممثلة ليهود إنجلترا لدى المؤتمر اليهودي العالمي. وتأسس هذا المجلس بشكله الحالي في منتصف القرن التاسع عشر، ويضم 600 نائب منتخبين من قبَل المعابد اليهودية وبعض المنظمات التي لها الحق في تعيين النواب. ويضم المجلس عدة أقسام تتولى رعاية شئون الجماعة اليهودية في إنجلترا، وتشمل: الدفاع، والعلاقات مع إسرائيل، والشئون الخارجية، والتعليم، والشئون القانونية والبرلمانية، والعلاقات العامة والمحاضرات، والذبح الشرعي، ووحدة أبحاث مخصصة لجمع البيانات الإحصائية والسكانية الخاصة بالجماعة اليهودية في إنجلترا. 2 ـ الجمعية الإنجليزية اليهودية Anglo Jewish Association. تأسست في عام 1871، وتركز نشاطها في الشئون الخارجية حيث عملت على دعم نشاط الأليانس إسرائيليت، وشكَّلت بالتعاون مع مجلس النواب (عام 1878) اللجنة الخارجية لرعاية المصالح اليهودية في الخارج التي تم حلها بعد وصول عناصر مؤيدة للصهيونية إلى رئاسة مجلس النواب عام 1943. وظلت هذه المنظمة معارضة للصهيونية باعتبار أن أعضاء الجماعة اليهودية في بريطانيا مواطنون بريطانيون بالدرجة الأولى يتجه ولاؤهم لدولتهم القومية التي يعيشون فيها. وظل هذا تَوجُّهها رغم تبنيها سياسة ودية تجاه إسرائيل بعد تأسيسها. 3 ـ المجلس اليهودي لخدمات الرفاه الاجتماعي Jewish Welfare Board. تأسَّس عام 1859 تحت اسم مجلس الأوصياء Board of Gaurdians. وهو الجهة اليهودية الأساسية العاملة في المجالات الخيرية ومجال الخدمة الاجتماعية. 4 ـ جمعية الشباب اليهودي Association of Jewish Youth وهي المنظمة الشبابية الأساسية للجماعة اليهودية في إنجلترا. 5 ـ المنظمات الخاصة بجمع التبرعات وتدبير الموارد المالية: ـ الصندوق القومي اليهودي The Jewish National Fund. ـ النداء الإسرائيلي الموحَّد Joint Israel Appeal. وتحتفظ جماعة أبناء العهد (بناي بريت) بشبكة من المحافل في إنجلترا وأيرلندا. أما المنظمات الصهيونية، فهي: 1 ـ الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العظمى وأيرلندا The Zionist Feder ation of Great Britain and Ireland. تأسَّس الاتحاد الصهيوني في 6 مارس عام 1898 في مؤتمر كلاركويل Clerkwell Conference وهو يشارك بشكل مباشر في جميع الأنشطة الصهيونية، كما لعب دوراً كبيراً في تأسيس دولة إسرائيل. ويضم الاتحاد نحو 700 جمعية ومؤسسة مشتركة في عضويته، كما أنه يمارس أنشطته من خلال مجموعة من اللجان التي تعالج النواحي المختلفة للحياة الصهيونية العليا. وتنسق بين أعمال هذه اللجان جميعاً لجنة تنفيذية قومية ولجنة أخرى تتكون من أعضاء مشرفين يتم اختيارهم من بين كبار اليهود في بريطانيا. ورئيس الاتحاد الصهيوني هو جـ. إدوارد سيف J. Edward Sieff وهو من الأسرة التي تملك محلات «ماركس آند سبنسر Marks and Spencer» . وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك لجنة عليا خاصة هي اللجنة الاقتصادية لإسرائيل، وتهدف تلك اللجنة إلى تنظيم جمع المعونات المالية لإسرائيل. 2 ـ المنظمات الصهيونية المحلية: وتتوزع المنظمات الصهيونية المحلية والإقليمية على النحو التالي: ـ منظمات اجتماعية يهودية. ـ المنظمات الصهيونية في منطقة لندن. ـ منظمات صهيونية إقليمية أخرى. ويُلاحظ المراقب لأنشطة المنظمات الصهيونية في بريطانيا أنها تتركز في مدينة لندن بالأساس، ويرجع ذلك إلى ضخامة عدد اليهود في المدينة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
ألمانيا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة
Germany from the Middle Ages to the Renaissance يعود استقرار بعض أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا إلى الحملات الرومانية، وكوَّنت الجماعات اليهودية الأولى جزءاً من المدن الرومانية العسكرية على نهري الراين والدانوب (وورمز وسبير) . وكان أول وأهم هذه المعسكرات معسكر كولونيا (وهي من كلمة لاتينية تعني مستعمرة، وكلمة «كولونيالية» أي «استعمار» مشتقة من الكلمة نفسها) . ثم استوطن يهود آخرون في ألمانيا أثناء حكم شارلمان والإمبراطورية الكارولنجية. ويَرد في القرن العاشر الميلادي ذكر تجمعات يهودية في مدن مثل كولون. كما كانت تُوجَد تجمعات في أوجسبرج وورمز ومينز. وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية إبّان حكم الإمبراطورية الكارولنجية تحت حماية الإمبراطور، يتبعونه ويقدم هو لهم المواثيق والحماية والمزايا. وكانت علاقة الكنيسة بهم، وخصوصاً الأساقفة، طيبة على وجه العموم. وكان لليهود رئيسهم الديني الدنيوي الذي كان يُسمَّى «الآرش سينا جوجوس» أو رئيس المعبد، كما كان يُطلَق عليه «ابيسكوبوس جيود وروم» أو «أسقف اليهود» ..... وأثناء حملة الفرنجة الأولى قام الأساقفة والملوك بحماية أعضاء الجماعات اليهودية من السخط الشعبي عليهم، فأصدر هنري الرابع عدة مواثيق عام 1090 تؤكد الحقوق التي حصلوا عليها في العصر الكارولينجي بشأن حماية ممتلكاتهم وأرواحهم والتي تؤكد أيضاً حرية السفر والعبادة بالنسبة لهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية مُعْفَيْنَ من المكوس والضرائب التي تُفرَض على المسافرين، وكان لهم حق التقاضي فيما بينهم وحق الفصل في الأمور اليهودية المختلفة مثل الزواج والطلاق والتعليم، أي كانت لهم إدارتهم الذاتية. وسُمح لهم بالاستمرار في تجارة الرقيق وأن يقيموا في أماكن خاصة بهم كما هو الحال مع الغرباء كافة. وعادةً ما كانت هذه الأماكن في أحسن موقع بالمدن على الشارع الرئيسي أو بجوار الكوبري الذي يؤدي إلى المدينة والذي يمثل عصبها التجاري. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يُعَدُّون عنصراً بالغ الفائدة والنفع للحكام والأمراء والأساقفة والأباطرة. ويظهر ذلك عام 1084 في واحدة من أولى الوثائق التي ضمنت لليهود حقوقهم وامتيازاتهم، وهي خطاب الأسقف الأمير حاكم سبير، الذي دعا اليهود إلى الاستيطان في مدينته كجماعة وظيفية استيطانية، حتى يمكنه أن يحوِّلها من قرية إلى مدينة وأن يخرجها من الاقتصاد الزراعي ويدخلها الاقتصاد التجاري. وأُعطي اليهود الحق في أن يتحصنوا داخل المدينة منعاً لأية هجمات قد تقع عليهم. وحينما اندلعت الاضطرابات ضد أعضاء الجماعة، إبّان حملة الفرنجة، أرسلوا إلى هنري الرابع الذي كان في زيارة إلى إيطاليا، فأصدر أمره إلى الأدواق والأساقفة في ألمانيا بحمايتهم. ومع هذا، استمرت الاضطرابات، وذبح المتظاهرون أحد عشر يهودياً في سبتمبر 1096، فتدخَّل الأسقف واتخذ إجراءات مضادة. ويُقال إن عدد اليهود الذين ذُبحوا في ألمانيا أساساً، وكذلك في غيرها من بلاد أوربا إبّان هذه الحملة، بلغ اثنى عشر ألف يهودي. وهو عدد مُبالَغ فيه. وحينما عاد هنري الرابع من إيطاليا، سُمح لليهود الذين تنصروا عنوة بالعودة إلى دينهم، وأمر بمعاقبة أحد الأساقفة ممن صادروا ممتلكاتهم. كما أصدر قراراً عام 1103 بأن عقوبة الهجوم على أعضاء الجماعات اليهودية أو ممتلكاتهم هي الإعدام، وأن هدنة الرب التي أُعلنت في ذلك الوقت تنطبق على اليهود انطباقها على المسيحيين، وأن اليهود يتمتعون بالحماية نفسها التي يتمتع بها القساوسة. ولا يُعرَف عدد يهود ألمانيا في هذه الفترة على وجه الدقة، ولكن من المعروف أن بعض الجماعات كان يصل عددها إلى ألفين وأنهم تركزوا أساساً على الشاطئ الغربي لنهر الراين في منطقة اللورين، وفي المراكز التجارية مثل كولونيا ومينز وسبير وورمز، وفي المراكز الدينية والسياسية المسيحية مثل براغ. وكانوا يعملون أساساً بالتجارة الدولية، ولكنهم بدأوا في هذه الفترة بالعمل في الربا أيضاً. وتمكنت السلطات الحاكمة من حماية اليهود إبّان حملة الفرنجة الثانية. وأصبحت حماية أعضاء الجماعة اليهودية جزءاً من القانون العام، فنعموا بشيء من السلام تحت حماية الإمبراطور، ومنح فريدريك الأول اليهود ميثاقاً لحماية إحدى الجماعات اليهودية عام 1157 استُخدم فيه مصطلح «أقنان بلاط» لأول مرة (وإن كان المفهوم قد ظهر قبل ذلك التاريخ) . وأدَّى هذا الوضع إلى ازدياد التصاق أعضاء الجماعة اليهودية بالسلطة الحاكمة. ولكن حمايتهم بشكل كامل لم تكن أمراً ممكناً لأن العداوة ضدهم كانت مسألة متأصلة ذات طابع جماهيري عام، فاليهودي هو الممثل المباشر الواضح للسلطة، كما أن إبهام وضعه جعل منه فريسة سهلة. وهو إلى جانب ذلك يقطن بين الجماهير ويتحرك بينها (على عكس أعضاء الأرستقراطية) . ومن ثم، كان اليهودي أضعف الحلقات في سلسلة القمع. وقد اشتغل أعضاء الجماعة اليهودية بالربا، وحدد مرسوم الدوق فريدريك الثاني في النمسا عام 1244 الفائدة على القروض بنحو 173.5%. وكانت القروض تُمنَح بضمان رهونات يستولى عليها المرابي عند فشل المدين في الدفع، الأمر الذي جعل الجماهير تتهمهم بامتصاص دم الشعب، ومن هنا جاءت تهمة الدم. ولم يكن حق المرابي يسقط في السلعة المرهونة لديه إن ثبت أنها مسروقة، شريطة أن يثبت أنه لم يكن يعرف أنها مسروقة، مع أن هذا مناف للقانون الألماني. ومن ثم، ارتبط أعضاء الجماعة اليهودية باللصوص والتجارة غير الشرعية. وظهرت في هذه الفترة بيوتات المال الإيطالية والقوى التجارية المحلية التي زاحمت اليهود. فبدأ وضعهم في التدهور، وخصوصاً أن الكنيسة بدأت هي الأخرى في محاربة "المرض اليهودي"، أي الربا. وعُقد المجمع اللاتراني الرابع عام 1215، وهو المجلس الذي حرَّم الربا وفرض على اليهود ارتداء زي خاص بهم وتعليق الشارة اليهودية. ومع بداية الحملة الثالثة من حملات الفرنجة، بدأ التهييج ضد أعضاء الجماعة اليهودية. فبذل فريدريك الأول قصارى جهده لوقف الثورة الشعبية، وأعلن أن جريمة قتل اليهودي عقوبتها الإعدام، أما إلحاق الأذي به فعقوبته قطع الذراع. وأخذ الاحتجاج الشعبي شكل تهمة الدم واتهام اليهود بتسميم الآبار. أما تهمة الدم، فهي ولا شك تعبير عن إحساس الجماهير بأن اليهود يمتصون دم ضحاياهم، أي ثروتهم. أما تسميم الآبار، فعلَّق عليها أحد المؤرخين المعاصرين بقوله: «إن السم اليهودي الحقيقي هو ثروتهم» ، وهو ما يبيِّن الطابع الشعبوي لهذه الاتهامات. ولعبت الكنيسة دوراً مهماً في حماية اليهود، كما قام الإمبراطور فريدريك الثاني بالتحقيق في إحدى تهم الدم المنسوبة لأعضاء الجماعة اليهودية، وأصدر عام 1236 حكماً ببراءة المتهمين، وأُلحق بحكم البراءة قراراً يجدد الحقوق الممنوحة لليهود بمقتضى قرارات هنري الرابع. ولم يكن القرار يشير إلى يهود إمارة أو اثنتين وإنما كان يشير إلى يهود ألمانيا كافة باعتبارهم أقنان بلاط. وهذا يعني أن اليهود، وكل ما يملكون، أصبحوا من الناحية القانونية ملكاً للإمبراطور وغير خاضعين لأية سلطة أخرى داخل المجتمع. ولخَّص أحد اليهود وضع اليهود كعنصر مالي تجاري حر تابع للإمبراطور بقوله: "إن اليهود غير مرتبطين بأي مكان خاص مثل غير اليهود، وهم فقراء ولكنهم مع هذا لا يباعون كعبيد". ويظهر مدى نفع اليهود في أنهم ساهموا بما يزيد على 12% من دخل الخزانة الإمبراطورية كله عام 1238، و20% من الضرائب التي حصلت في المدن الألمانية، وذلك رغم قلة أعدادهم، إذ كانوا لا يزيدون على 1% أو أقل من مجموع السكان. وتغيَّر الوضع بعد القرن الرابع عشر، فبعد أن كان أعضاء الجماعات اليهودية يعملون أساساً في التجارة، بدأوا يتوجهون إلى الربا بشكل أكثر وضوحاً. فبعد إصلاح كلوني الذي حرَّم على الأديرة ورجال الدين أن يشتركوا في أعمال الصيرفة والربا، اتسع نطاق اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بهذه الوظيفة وأصبحوا عنصراً مهماً كمرابين يتقاضون فائدة تصل أحياناً إلى 43.5 %. ويُلاحَظ أن الإمبراطور تشارلز الرابع قد نقل عام 1356 حقه في حماية اليهود إلى الأمراء المنتخبين (أي الذين لهم حق انتخاب الإمبراطور) وأصدر مرسوماً آخر عام 1548 يمنح جميع الأمراء ومدن الراين حق حماية اليهود (أي حق امتلاكهم في واقع الأمر) . وبدأ الأمراء والأساقفة يُعيِّنون اليهود للقيام بالأعمال المصرفية. وصاحب ذلك تَصاعُد الهجمات الشعبية على أعضاء الجماعات اليهودية. وقامت ثورات الفلاحين ضدهم (1335 ـ 1337) في عدة مقاطعات ألمانية. وكانت هذه إرهاصات الثورة الكبرى التي اندلعت ضدهم مع انتشار الطاعون أو الموت الأسود في الفترة من 1341 إلى 1349، وهي فترة انتشر فيها أيضاً توجيه تهمتي الدم وتسميم الآبار إليهم. وقامت بعض الجماعات الألمانية بدفع تعويض للإمبراطور نظير السماح لهم بالتخلص من اليهود. وبدأت في تلك المرحلة هجرة يهود ألمانيا إلى بولندا. وشهد القرن الخامس عشر استمراراً للعلاقة الوثيقة (علاقة الملكية) بين الإمبراطور والأمراء من جهة وأعضاء الجماعة اليهودية من جهة أخرى، بما يتضمنه ذلك من حق الملك في حمايتهم أو استغلالهم. ودافع الملك عن حقه هذا فأصدر مراسيم مختلفة، كما فعل الإمبراطور تشارلز الخامس (1519 - 1556) الذي زاد الضرائب المفروضة عليهم، ولكنه في الوقت نفسه سمح لهم بزيادة الفائدة التي يتقاضونها. ألمانيا منذ عصر النهضة Germany since the Renaissance بحلول القرن السادس عشر، كانت السلطة المركزية في ألمانيا قد اختفت تقريباً، فتم عزل أعضاء الجماعات اليهودية داخل الجيتوات، وفرضت عليهم قوانين مهينة وطُردوا من كثير من المدن والإمارات الألمانية. ولكن، مع هذا، لم يتم طردهم تماماً من كل ألمانيا. فكان بوسعهم الانتقال إلى إحدى الإمارات التي تحتاج إلى خدمتهم. وشهدت هذه الفترة بدايات ظهور الرأسمالية التجارية التي سبَّبت شقاء للجماهير لم يدركوا مصدره. وكان اليهودي هو الرمز الواضح مرة أخرى لهذا الشقاء. كما أن الطبقات التجارية الصاعدة من سكان المدن دخلت في صراع مع الأمراء ورجال الكنيسة. وكان اليهودي هو حلبة الصراع، فحاول كل طرف الاستفادة من اليهود باعتبارهم عنصراً تجارياً. وكانت العناصر التجارية المحلية ترى في اليهودي غريماً لها، وخصوصاً أنه كان أداة في يد النبلاء. وظهر مارتن لوثر في تلك المرحلة، فطرح رؤيته الخاصة بضرورة تنصير اليهود. ومع نهاية القرن السادس عشر، لم يبق سوى بضع جماعات يهودية في فرانكفورت وورمز وفيينا وبراغ. وتركت حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648) أثرها العميق في يهود ألمانيا، فبعد انتهائها، أصبحت ألمانيا مجموعة غير متماسكة من الدويلات المستقلة تحت حكم حكام مطلقين في حاجة إلى السكان والمال، وهي دويلات (إمارات ودوقيات) ذات تَوجُّه مركنتالي ترى أن مصلحة الدولة هي المصلحة العليا التي تَجب القيم والمثل الأخرى كافة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية عنصراً أساسياً في عملية إعادة البناء والبعث التجاري ومصدراً أساسياً للضرائب، كما أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النظام الاقتصادي الجديد. وشهد القرن السابع عشر كذلك استقرار يهود المارانو في هامبورج حيث أسسوا بنك هامبورج، وبدأت هجرة يهود شرق أوربا من بولندا، بعد هجمات شميلنكي، حيث استوطنت أعداد منهم في هامبورج وغيرها من المدن. وظهرت تجمعات يهودية في داساو ومانهايم وليبزيج ودرسدن. وفي داخل هذا الإطار، ظهر يهود البلاط الذين ساعدوا الدويلات والإمارات التي كانوا يتبعونها على تنظيم أمورها المالية واستثماراتها، ورتبوا لها الاعتمادات اللازمة لمشاريعها وحروبها ولتمويل مظاهر الترف التي كانت تُشكِّل عنصراً أساسياً بالنسبة للحكام المطلقين. وكان يهود البلاط في منزلة وزير الخارجية والمالية ورئيس المخابرات. فكانوا يقومون بجمع المعلومات، كما كانوا أداة مهمة في يد الحكام المطلقين الألمان لابتزاز جماهيرهم وزيادة ريع الدولة. وكان يهودي البلاط (وهو عادةً قائد الجماعة اليهودية) يُعَدُّ عنصراً موالياً للدولة مكروهاً من جماهيرها، وهو ما جعل وضع الجماعة ككل محفوفاً بالمخاطر. ومع بدايات القرن الثامن عشر، وظهور جهاز الدولة القوي، لم تَعُد هناك حاجة إلى يهود البلاط ولا إلى الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة. وبدأت محاولات ضبط اليهود وتحديثهم، فأصدرت الدويلات الألمانية المطلقة، وبروسيا، نظماً مختلفة للإشراف على اليهود لتنظيم سائر تفاصيل حياتهم ولاستغلالهم. وكانت هذه القوانين تنظم حقوقهم وامتيازاتهم كما تحدد دخولهم، ومدى أحقيتهم في الاستيطان، ومدة بقائهم، وعدد الزيجات التي يمكن أن تتم، وعدد الأطفال المصرح لهم بإنجابهم، ومسائل الوراثة وطرق إدارة الأعمال، وسلوكهم، وضرائبهم، وحتى السلع التي يحق لهم شراؤها. ولعل القوانين التي صدرت في بروسيا هي خير مثل على ذلك، إذ تم تقسيم أعضاء الجماعة حسب مرسوم فريدريك الثاني (الأكبر) ، الصادر عام 1750، إلى أقسام حسب وضعهم في المجتمع. وكانت أعلى الطبقات طبقة اليهود المتميِّزين بشكل عام الذين يتمتعون بكل الحقوق التي يتمتع بها المواطنون، تليها طبقة المتمتعين بحماية عامة، وهؤلاء كانوا يتمتعون بكثير من الحقوق ولكنهم لم يكن من حقهم توريثها إلا للابن الأكبر دون بقية الأولاد، ثم طبقة اليهود المتمتعين بحماية خاصة ولا يمكنهم توريث حقوقهم لأحد. أما اليهود الذين كانوا يتمتعون بتسامح الدولة، فكان لا يُسمح لهم بالزواج وكان عليهم ترك بروسيا عند رغبتهم في الزواج. وبدأت الدويلات الألمانية في تلك المرحلة محاولة دمج وتحديث أعضاء الجماعة اليهودية، فأصدر فريدريك الأكبر ميثاقاً يضمن لهم حق العبادة. وشجع كثير من الإمارات أعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً المارانو، على الاستيطان فيها لتنشيط التجار. وصاحب ذلك استصدار قوانين تحمي حقوقهم الاقتصادية والسياسية والدينية. وتأثر وضع يهود ألمانيا بالثورة الفرنسية التي عَجَّلت بعملية إعتاقهم. وبعد سقوط نابليون، تقهقر وضعهم قليلاً. ولكنهم مُنحوا حقوقهم إبّان القرن التاسع عشر، وزاد اندماجهم بدرجة كبيرة. وظهرت بعد ذلك حركة التنوير، واليهودية الإصلاحية، والاتجاهات اليهودية الأخرى. ومع منتصف القرن، كان اليهود قد حصلوا على معظم حقوقهم. وفي الفترة من 1871 إلى 1914، كانوا قد حصلوا على حقوقهم كاملة واندمجوا في المحيط الثقافي تماماً، فتنصرت نسبة عالية من مثقفيهم، مثل هايني ووالد كارل ماركس وأولاد مندلسون وغيرهم، واختفت أعداد كبيرة منهم عن طريق الزواج المختلط. وكان إتمام دمج يهود ألمانيا وتحديثهم على نمط يهود الغرب ممكناً. فيهود ألمانيا كانوا يعتبرون أنفسهم من يهود الغرب باعتبار أن يهود شرق أوربا هم يهود الشرق، كما أن ارتباط يهود أوربا بالثقافة الألمانية كان أمراً واضحاً. ولكن ثمة ظروفاً خاصة بهم وببنية المجتمع الألماني أدَّت في نهاية الأمر إلى تصفيتهم وتصفية يهود أوربا خارج الاتحاد السوفيتي، وهي الظروف التي أدَّت إلى الإبادة. وفي عام 1948، كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا عشرين ألفاً فقط، بلغ عام 1992 نحو 50.000 من مجموع عدد السكان البالغ 80.606.000. ويبدو أن الزيادة ناجمة عن هجرة أعداد كبيرة من اليهود مرة أخرى إلى ألمانيا، من بينهم أعداد كبيرة من الإسرائيليين الذين تركَّزوا في مهن مشينة مثل الاتجار بالمخدرات والبغاء. ونشير هنا إلى بعض التنظيمات والمؤسسات الخاصة بأعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا: أ) المجلس المركزي لليهود في ألمانيا. وهي المنظمة المركزية للجماعة اليهودية في ألمانيا والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي ومقرها دوسلدورف. وتقوم برعاية المصالح السياسية للجماعة ورعاية المسائل الخاصة بالتعويضات، كما تهتم بمراقبة أي علامات قد تشير إلى احتمال بعث النازية. ب) النداء اليهودي الموحَّد. وهي المنظمة الأساسية المسئولة عن جمع التبرعات وتدبير الموارد المالية ومقرها فرانكفورت. جـ) المجلس المركزي لخدمات الرفاه الاجتماعي ليهود ألمانيا، ومقرها فرانكفورت. وهي المنظمة الأساسية العاملة في المجالات الخيرية ومجال الخدمة الاجتماعية. د) مؤتمر حاخامات ألمانيا الغربية. وهو الإطار الذي يضم الحاخامات الذين يقومون بمهامهم الدينية بين أعضاء الجماعة اليهودية في تجمعاتهم المختلفة. أوتو فون بسمارك (1815-1898) Otto (Von) Bismark رجل دولة بروسي، موحِّد ومؤسس الإمبراطورية الألمانية وأول رئيس وزراء لها. اتسم بسمارك بدهائه السياسي وبقدراته الفائقة على المناورة السياسية، سواء في الداخل أو الخارج. وكانت الدولة في نظر بسمارك هي القوة، كما أن الحرب (على حدّ قول القائد والكاتب الحربي البروسي كلاوزفتز) ما هي إلا استمرار للسياسة بأشكال أخرى. فكلما ازدادت أطماع السياسة ازداد نطاق التسلُّح، وكلما ازداد نطاق التسلح اتسعت مجالات السياسة. وكان بسمارك يسعى إلى توحيد الولايات الألمانية المختلفة في إطار دولة ألمانية حديثة موحَّدة تضم الشعب الألماني. وكانت جذوره الإقطاعية، وميراثه من المبادئ المحافظة القوية، تضعه على نقيض التيارات الليبرالية، وإن تحالف معها لفترة لاستيعاب خطرها من جهة ولتحقيق أغراضه السياسية من جهة أخرى. وظل بسمارك مؤمناً بأن مستقبل الدولة الألمانية سيتشكل في ظل نظام عسكري صارم، ورفض أن يكون للبرلمان أية سلطة حقيقية على الجيش أو أن يشارك البرلمان في وضع سياسة الدولة. وخاضت بروسيا تحت قيادته عدة حروب أثبتت من خلالها إمكان تحقيق نتائج إيجابية من خلال تطبيق العلوم والأساليب البروسية في فن الحرب، كما أنذرت هذه الحرب بظهور عصر تتقرر فيه أحداث التاريخ العظمى بالقدرة النسبية للدول على استخدام مواردها الفنية والعلمية، فيكون تسيير دفة الحرب شبيهاً أكثر فأكثر بإدارة عمل صناعي واسع النطاق متشعب الفروع. أسَّس بسمارك عام 1866، بمقتضى الدستور الجديد لذلك العام، مجلس نواب سُمي «الرايخستاج» . وحقق الليبراليون الوطنيون الأغلبية في البرلمان. لكنه، ورغم معاداته لليبرالية، تَعاوَن معهم مقابل مساندتهم له ولسياسته الخارجية والداخلية، وخصوصاً سياسته ضد الكنيسة الكاثوليكية. وتزايدت مخاوف بسمارك من الكاثوليك بعد أن حصل حزب ديني كاثوليكي معاد لبسمارك على 58 مقعداً في البرلمان. وانتهج بسمارك سياسة معادية لهم فيما عرف بالكولتوركامبف Kulturkampf، أي الصراع الحضاري، حيث اشتد الصراع بين الدولة من جهة ورجال الدين الكاثوليك من جهة أخرى حول السيطرة على التعليم. وكان لهذا الصراع غرض آخر أيضاً بالنسبة لبسمارك وهو تعزيز وحدة الإمبراطورية الجديدة من خلال خلق عدو مشترك، وخصوصاً في غياب العدو الخارجي. وكان من بين الليبراليين الذين أيَّدوا بسمارك في سنواته الأولى نواب يهود أمثال إدوارد لاسكر ولودفيج بامبرجر وغيرهما. وقد كان لهذا الأخير دور مهم في السياسات المالية للحكومة الألمانية ودور مهم في تطوير البنك المركزي. ورغم أن بسمارك كان يُتَّهم أحياناً بمعاداة اليهود، إلا أن جميع مواقفه تجاه اليهود وعلاقاته بالشخصيات اليهودية ارتبطت باعتبارات المصالح السياسية أو الاقتصادية المتبادلة. وربطته صداقة بأحد أفراد أسرة روتشيلد، كما كانت له علاقة خاصة مع المفكر الاشتراكي الألماني فرديناند لاسال نظراً لموقفهما المشترك المعارض لليبرالية. ولكن أهم علاقات بسمارك المالية كانت مع المموِّل الألماني اليهودي جيرسون بليخرودر الذي استفاد بخبراته المالية إلى درجة أنه اتُهم عام 1875، بسبب صداقته هذه، بأنه "جعل اليهود وشركاءهم الطبقة الحاكمة في ألمانيا". وقد حصل أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا على كامل حقوقهم المدنية في ظل رئاسة بسمارك للحكومة. كما أيَّد بسمارك في مؤتمر برلين (1878) القرارات الرامية لحماية حقوق أعضاء الجماعات اليهودية في دول البلقان، وتم ذلك في إطار اعتبارات العلاقات والمصالح الدولية. كان بسمارك يستاء من يهود بولندا (وهو شعور شاركه فيه يهود ألمانيا تجاه يهود شرق أوربا ذوي الثقافة اليديشية المغايرة) . إلا أن موقفه هذا نبع من استيائه من كل ما هو بولندي. وكان بسمارك مؤمناً بأن الطموحات القومية البولندية تشكل التهديد الأكبر لوجود بروسيا ووحدة ألمانيا، ولكن ابتداءً من عام 1878 فَقَد بسمارك تأييد الليبراليين له ومن بينهم أعضاء الجماعة اليهودية بعد أن بدأ في انتهاج سياسة محافظة، وخصوصاً في مجال التجارة الخارجية، حيث أقر عام 1879 مبدأ الحماية الجمركية على السلع الزراعية والصناعية. وكان تدهور أسعار السلع الزراعية يهدد مكانة الطبقة الأرستقراطية الريفية التي ينتمي إليها بسمارك والتي كان يريد الحفاظ على سيادتها، كما كان يريد الحفاظ على العمال الزراعيين الذين كانوا يشكِّلون المصدر الأساسي لخيرة جنود الجيش الألماني، وذلك بالإضافة إلى أن الصناعة في ألمانيا كانت قد تطوَّرت إلى حدٍّ كبير، وبالتالي، ارتفعت الأصوات المطالبة بالحماية. واستغل بسمارك محاولة اغتيال وليام الأول عام 1878 لشن سياسة قمعية ضد الاشتراكيين، وللقيام بمحاولة لتدمير الليبراليين الوطنيين كقوة سياسية. فوضع قانوناً صارماً معادياً للاشتراكيين يضعهم تحت رحمة الشرطة، كما بدأ في التعاون مع الحزب الديني الكاثوليكي وفي رفع الإجراءات السابقة التي اتُخذت ضد الكاثوليك، وخصوصاً أن قاعدة هذا الحزب من الفلاحين الألمان كانت معادية لليبرالية ومعادية للتجارة الحرة. وتحول الاشتراكيون في ظل التوجه الجديد إلى العدو المشترك الذي وُجِّه إليه السخط الشعبي. ولم يعتمد بسمارك على القمع فقط لضرب الحزب الديموقراطي الاشتراكي، بل كان أول رجل دولة أوربي يطور نظاماً شاملاً للتأمين الاجتماعي، وبالتالي حرم الحزب الذي كان ينمو نمواً مطرداً من مقدرته على إثارة الفقراء وإذكاء سخط المحرومين. وبالإضافة إلى ذلك، كان بسمارك يعي أنه إذا أراد الإبقاء على بنَى نظمه ومؤسساته سلمياً، فإن عليه تخفيف معاناة الطبقات العاملة، وقد كان ذلك يتفق مع رؤيته الأبوية لدور الدولة. صاحب توسع ألمانيا الصناعي والتجاري تَزايُد المطامع الاستعمارية، وتكوَّنت عام 1883 الشعبة الاستعمارية في الرايخستاج، ونجح بسمارك خلال عام واحد فقط في الحصول لألمانيا على مستعمرات في مناطق عديدة من أفريقيا. ولكن، مع دخول ألمانيا حلبة الاستعمار، تضاعفت فرص الاحتكاك بينها وبين إنجلترا التي كانت تمتلك العديد من المستعمرات في أنحاء العالم. وقد استغل بسمارك هذه الخلافات مع إنجلترا كقضية محورية لانتخابات عام 1884. وفي هذه الفترة، بدأت تُطرَح حلول للمسألة اليهودية داخل التشكيل الاستعماري، ومن ثم بدأ الحديث عن فلسطين باعتبارها مجالاً حيوياً لأوربا يمكن إلقاء اليهود فيه. أقام بسمارك عام 1872 التحالف الإمبراطوري الثلاثي مع روسيا والإمبراطورية النمساوية المجرية. وفي عام 1879، أبرم معاهدة سرية مع النمسا، وانضمت إليها إيطاليا عام 1882، ثم أبرم معاهدة سرية أخرى مع روسيا عام 1887. وكانت هذه التحالفات تهدف إلى منع اندلاع حرب بين روسيا والإمبراطورية النمساوية المجرية حول دول البلقان قد تتورط فيها ألمانيا، كما كانت موجهة أيضاً إلى فرنسا التي اعتبرها بسمارك عدو ألمانيا الأخطر، نظراً لرغبتها في الانتقام لهزيمتها أمام ألمانيا. وانتهج بسمارك سياسة تهدف إلى عزل فرنسا في أوربا، واستغل المطامع الاستعمارية الأوربية كأداة لدبلوماسيته المعادية لفرنسا، فشجع فرنسا على استعمار تونس لتحتك بإيطاليا، وشجع إنجلترا على استعمار مصر كي تدخل في صراع مع فرنسا. ورغم أنه كان ملكياً في ألمانيا، إلا أنه شجع النظام الجمهوري في فرنسا حيث كان يراه أضعف جميع أشكال الحكم وأسوأها، وأنه سيخلق فجوة عقائدية بين فرنسا من جهة وبين الإمبراطوريتين الروسية والنمساوية المجرية من جهة، الأمر الذي يُضعف احتمالات تحالفهما معها ضد ألمانيا. وقد أقيل بسمارك من منصبه عام 1890 بعد أن جاء الإمبراطور الشاب وليام الثاني الذي قال:"ليس هناك غير سيد واحد في هذه المملكة هو أنا". ولا شك في أن بسمارك كان شخصية فذة، رسَّخ، خلال ثمان وعشرين سنة من إدارته الدولة بنجاح، قواعد مهمة في السياسة والعلاقات الدولية شكلت ميراث الدول الأوربية والغربية بصفة عامة. فقد أشعل الحروب ودبر المؤامرات وأقام التحالفات وأبرم المعاهدات وآمن بالقوة باعتبارها أساساً في العلاقات الدولية وآمن بسياسة الخداع والمناورة بعيداً عن اعتبارات الحق والأخلاق، إلا أنه آمن في الوقت نفسه بفن الممكن فلم يسع إلى السيطرة على أوربا ولكن إلى تحقيق التوازن بين القوى الكبرى واللعب على التناقضات فيما بينها بمهارة فائقة بما يحقق في نهاية الأمر مصالح الإمبراطورية الألمانية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
النمسا
Austria يعود استقرار أعضاء الجماعات اليهودية في النمسا إلى أيام الغزو الروماني. ومع العصور الوسطى، أصبح تاريخ يهود النمسا هو تاريخ يهود فيينا. وتحدَّد ووضع اليهود بوصفهم أقنان بلاط وجماعة وظيفية وسيطة في تلك الآونة شأنهم في هذا شأن كل الجماعات اليهودية في أوربا. وقد أصدر الدوق فريدريك الثاني (عام 1244) ميثاقاً يمنح اليهود مزايا ويحدد حقوقهم كيهود بلاط، وأصبح هذا الميثاق نموذجاً للمواثيق المماثلة في المجر وبوهيميا وسيليزيا وبولندا. ومع صدور الفرمان الذهبي عام 1356، وُضع اليهود تحت حماية الحكام الإمبراطوريين المنتخبين «إليكتورز Electors» ، فأصبح لهم حق فرض الضرائب على أعضاء الجماعات اليهودية وحمايتهم أو طردهم دون تَدخُّل الإمبراطور. وطُرد اليهود جميعاً من النمسا عام 1421، ولكنهم مع هذا لم يختفوا تماماً. سمح فريدريك الثالث (1440 ـ 1493) لليهود بالعودة، ولذا سُمِّي «ملك اليهود» .ولكن ماكسيميليان الأول (1493 ـ 1519) أصدر أمراً بطردهم، وخصوصاً أن بعض المقاطعات وعدت بتعويض الإمبراطور عما سيحيق به من خسائر مالية نتيجة لذلك، وظل هذا هو النمط العام السائد: يُطرَد أعضاء الجماعات اليهودية من بعض المقاطعات فيدخلون غيرها، ثم يُسمَح لهم بالعودة، وهكذا. وفي القرن السابع عشر، ظهر يهود البلاط ومن أهمهم سامسون فرتايمر وصموئيل أوبنهايمر. وظل وضع الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة قائماً ولكن قلقاً، وقد وصفتهم الإمبراطورة ماريا تريزا بأنهم «وباء» وبأنهم «مرابون غشاشون» ، وفرضت عليهم ضرائب ثقيلة. كما أصدرت عام 1744 أمراً بطردهم من بوهيميا حينما انتشرت شائعة بأنهم خانوا النمسا أثناء حربها مع فريدريك الأكبر إمبراطور بروسيا. ولكن السلطات المحلية وجدت أن لليهود نفعاً كبيراً، فتوسطت لإلغاء قرار الطرد، وتم ذلك فعلاً عام 1748. وفي عام 1760، أصدرت ماريا تريزا مرسوماً بأن يرتدي اليهود غير الملتحين شارة اليهود ولكنها منعت تعميد الأطفال بالقوة. ويبدو أن محاولة إصلاح اليهود بدأت في عهدها، فأصدرت أمراً بتيسير عملهم كصباغين وجواهرجية وبائعي ملابس يصنعونها بأنفسهم، وإن كان من الواضح أن هذه هي بعض الحرف التي عملوا فيها نظراً لارتباطها بالوظائف التي تضطلع بها الجماعة الوظيفية الوسيطة. وبدأت المحاولات الجادة لدمج اليهود والقضاء على عزلتهم وخصوصيتهم في عهد جوزيف الثاني الذي أصدر عام 1782 براءة التسامح، وهي من أهم الوثائق في تواريخ الجماعات اليهودية في الغرب والتي تهدف إلى تحويل اليهود إلى عنصر نافع للدولة. وقد مُنح اليهود بالفعل حقوقهم الكاملة عام 1867، فأُتيحت لهم فرص التعليم والحراك الاجتماعي. ثم تصاعد دمج اليهود في المجتمع النمساوي وفي كل أرجاء الإمبراطورية النمساوية المجرية، فاشترك كبار المموِّلين اليهود ومن بينهم أسرة روتشيلد في عملية التصنيع، وانتُخب أعضاء يهود في المجالس النيابية، وأُعيد تنظيم الجماعة اليهودية بحيث أصبح لكل منطقة جماعة يهودية واحدة بغض النظر عن الخلافات الدينية بين أعضائها. ووصلت أعداد كبيرة من يهود اليديشية من المجر وجاليشيا وبكوفينا إلى النمسا، واستوطنوا فيينا التي تزايد عدد سكانها من اليهود لهذا السبب. وقد كان عدد يهود فيينا عام 1846 نحو 3.739، زاد إلى 9.731 عام 1850 وإلى 15.000 عام 1854. وفي عام 1923، كان عددهم 201.513. وساعد هذا الوضع على ظهور الصهيونية التوطينية. وكانت فيينا المدينة التي يعمل فيها هرتزل مؤسِّس الصهيونية، والتي قضى فيها معظم حياته. كما أدَّى تزايد اليهود إلى تزايد معدلات معاداة اليهود، فظهرت أحزاب معادية لليهودية مثل الحزب الاجتماعي المسيحي الذي كان زعيمه كارل ليوجر. ولكن الحكومة اتخذت موقفاً معادياً لهذه الأحزاب. وبعد الحرب العالمية الأولى، كان عدد اليهود 300 ألف منهم 201.011 في فيينا. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون الأغلبية في عدة قطاعات استهلاكية، فكانت نسبتهم تتراوح بين 100% و65% من مالكي المصارف والمطاعم وتجارة الخمور والأحذية والفراء والمنسوجات والأخشاب وصناعة الأثاث والصحف وشركات الإعلانات ومحطات الإذاعة وقطاع السينما وصالونات التجميل. وتركزوا كذلك في تجارة البترول والزيوت والقبعات. وكانت النسبة تصل أحياناً إلى 94% (المطاعم) بل إلى 100% (تجارة الخردة) . وتركزوا كذلك في مهن بعينها دون غيرها، فكانوا يشكِّلون 70% من جملة العلماء و51% من جراحي الأسنان والأطباء و23% من أساتذة الجامعة (منهم 45% في كليات الطب) و62% من جملة المحامين و55% من جملة الصاغة. كان هذا هو الوضع الاقتصادي الذي تَحدَّث عنه هرتزل حينما وصف اليهود بأنهم طبقة وسطى ومثقفون، وهو ما يبين جهله الشديد بوضع يهود شرق أوربا أي يهود اليديشية. وقد بيَّن إحصاء عام 1923 أن عدد اليهود في النمسا هو 220.208، أما إحصاء عام 1934 فيبين أن عددهم هو 191.481، أي 2.8% من جملة السكان، أي أن عدد اليهود نقص 28.727 في نحو عشرة أعوام. ولعل هذا كان بسبب تناقص نسبة المواليد. وكان عدد المواليد في فيينا 2.733 نسمة عام 1923، هبط إلى 1.362 عام 1928 ثم إلى 900 عام 1933 وإلى 757 عام 1936. وفي الوقت نفسه، زاد معدل الوفيات، ففي عام 1923 كان عدد الوفيات 2.571 في فيينا، زاد إلى 2.669 عام 1928 وإلى 2.689 عام 1933 وإلى 2.751 عام 1936، أي أن عدد الوفيات زاد عن عدد المواليد بنحو ألفي نسمة عام 1936. وهذه الأرقام قد تفيد في تحديد عدد ضحايا الإبادة الحقيقي. وبعد الحرب العالمية الثانية، بلغ عدد يهود النمسا نحو 12 ألفاً. ويبلغ عددهم في الوقت الحاضر 3000 من مجموع السكان البالغ عددهم 7.805.000، وهم مندمجون تماماً في مجتمعهم. ومن أهم يهود النمسا المستشار كرايسكي، وهو يهودي معاد للصهيونية. ويقوم كثير من يهود الاتحاد السوفيتي بالتوقف في النمسا وتغيير مسارهم، فيتجهون إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل. وتضم النمسا تنظيمات ومؤسسات ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية من أهمها: اتحاد الجماعات اليهودية في النمسا. وهي المنظمة المركزية التي تمثل الجماعات اليهودية المختلفة في النمسا، والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي. كما تُوجَد منظمات صهيونية مختلفة. وتضم فيينا المعبد اليهودي الأساسي، كما توجد حجرات مخصصة للعبادة للجماعة السفاردية والجماعات الأرثوذكسية. كما توجد معابد أخرى في مدن بادن ولنز وسالزبورج. ويترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية كبير الحاخامات، إلا أنه لا يحظى باعتراف الجماعة الأرثوذكسية. هولندا Holland كانت هولندا في العصور الوسطى في الغرب جزءاً من الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة. ولذا، كان وضع أعضاء الجماعة اليهودية فيها يشبه وضعهم في مختلف أرجاء أوربا، أي أقنان بلاط وجماعة وظيفية وسيطة. ويبدأ التاريخ الحقيقي للجماعة اليهودية بوصول يهود المارانو (السفارد) مع نهاية القرن السادس عشر الميلادي. وقد استقرت أغلبية المارانو في أمستردام، ولم يتم الاعتراف بهم كمواطنين هولنديين في بادئ الأمر. إلا أنهم، بعد قليل، أُعطوا حقوقهم كافة وتمتعوا بدعم هولندا خارج حدودها. بل إن السلطات الهولندية كانت تفضل اليهود على الكاثوليك، ولذا سُمِّيت أمستردام «القدس الثانية» . ولحق بالسفارد أعداد من الإشكناز ابتداءً من عام 1620 إلى أن فاقوهم عدداً وإن ظلوا في الوضع الأدنى طبقياً واجتماعياً وفكرياً. وأصبحت الجماعة اليهودية في أمستردام أكبر جماعة يهودية في غرب أوربا، بلغ عددها عشرة آلاف، وكان ثقلها الاقتصادي يفوق ثقلها العددي. وكان يهود المارانو، رغم طردهم من شبه جزيرة أيبريا، تربطهم علاقة قوية بوطنهم الأم، وكانوا يجيدون الإسبانية والبرتغالية وبعض اللغات الأوربية الأخرى. ولذا، كانوا يتاجرون مع إسبانيا والبرتغال ويمثلونهما في كثير من أنحاء أوربا، ويشكلون حلقة اتصال مهمة بين شقي أوربا البروتستانتي والكاثوليكي، بل كانت شبكة التجارة اليهودية تمتد لتشمل الدولة العثمانية وموانئ البحر الأبيض المتوسط التي كان فيها عنصر سفاردي ماراني قوي. كما كان يوجد يهود سفارد في العالم الجديد، في البرازيل وسورينام وغيرهما، وكذلك في جزر الهند الغربية وفي أجزاء من أفريقيا، وهو ما وسع نطاق الشبكة. كما ازدادت الحلقة اتساعاًً من خلال يهود الأرندا في بولندا ويهود البلاط في وسط أوربا. لكل هذا، لعب أعضاء الجماعة اليهودية دوراً اقتصادياً مهماً تميل بعض الدراسات إلى المبالغة في أهميته. وكان من بين اليهود من يعمل بالربا وتجارة الجملة والتجارة الدولية، وكذلك تجارة الماس والتبغ والحرير والرقيق. وقد أصبحت أمستردام مركزاً للتجارة بسبب عدة عناصر من بينها وجود عدد كبير من اليهود السفارد فيها. كما كانوا يشتغلون بالشئون المالية في شركات تأمين ومصارف، وكسماسرة ويهود بلاط (وحينما ذهب وليام الثالث ليعتلي عرش إنجلترا، اقترض نحو مليوني جلدر من أحد يهود البلاط السفارد) . وكان بينهم طابعو كتب وأصحاب معامل تكرير سكر. كما كان منهم الأطباء والصيادلة. وبلغ نفوذ أعضاء الجماعة المالي من قوته حد أن سوق الأسهم كانت تغلق يوم السبت. ولذا، أصبحت المضاربة في الأسهم من أهم نشاطاتهم، حتى أن أحد اليهود وصف النبي أيوب بأنه أول من تاجر بالأسهم، فالأسهم تصعد أسعارها وتهبط دائماً دون سبب واضح، ولذا كان عليه التحلي بالصبر والإذعان لقوانين لا يفهمها (وهذا يشبه إلى حدٍّ كبير حديث إسبينوزا، ابن مدينة أمستردام، عن الضرورة ووهم الحرية، وعن تحقيق الحرية من خلال الإذعان لقوانين الطبيعة الصارمة) . ولكن الإحصاءات تبيِّن أن قوتهم كانت محدودة فهم لم يمتلكوا سوى 2% من مجموع الثروات التي كان يمتلكها أثرياء هولندا آنذاك. ومن أشهر يهود السفارد منَسَّى بن إسرائيل وديفيد دي بنتو أكبر المساهمين في شركة الهند الشرقية الهولندية والذي اشتهر بكتاباته عن الاقتصاد والمال التي سماها سومبارت "نشيد الأنشاد الخاص بنظام الدين العام والملكية". وقد أسس سومبارت نظريته عن علاقة اليهود بنشأة الرأسمالية، بدراسته لدور يهود السفارد (المارانو) في أوربا على وجه العموم وهولندا على وجه التحديد. وكان للإشكناز دور اقتصادي أيضاً، ولكنه مختلف بعض الشيء. فلم تكن لهم علاقات دولية مثل السفارد، ولم تكن لديهم الخبرات أو رءوس الأموال المطلوبة، فكانوا تجار عملة ووسطاء. ونشطوا في صناعة الحرير وتجارة التبغ والماس وتجارة القطاعي إذ كانوا يشترون بضائع شركة الهند الشرقية وأصبحوا من أهم مستوردي الماس، وكان من بينهم طابعو وموزعو الكتب. وتزايدت ثروة الإشكناز واتسع نطاق تجارتهم في العملة والسلع. ولكن السفارد ظلوا، مع هذا، يتمتعون بالثروات الكبيرة والمستوى الثقافي الرفيع والمكانة الاجتماعية. وكان يهود هولندا من أكثر اليهود حداثة في العالم، فكان هناك تَزايُد في الزواج المُختلَط بالهولنديات. ويُلاحَظ أن رؤساء الجماعة اليهودية كانوا يرتدون أزياء الهولنديين نفسها بل ويسمحون لهم برسمهم. وحينما سمح إسبينوزا لرمبرانت بأن يرسمه، لم يكن إسبينوزا يقوم بفعل غير عادي من منظور الجماعة اليهودية. ومن الواضح أن يهود أمستردام كانوا قد استوعبوا التراث الحضاري الهولندي في عصرهم وتمثلوه واستوعبوه واستوعبهم، وهي ظاهرة عامة بين أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من الحقب التاريخية. وكان يهود هولندا يتحدثون الهولندية إلى جانب لغات أخرى (الإسبانية والبرتغالية بالنسبة للسفارد، واليديشية بالنسبة للإشكناز) . وقام اليهود السفارد بنقل الأعمال الأدبية والفكرية الغربية إلى اللغات واللهجات التي يتحدثون بها. كما شكلوا نخبة تجارية مالية دولية تحتفظ بمسافة بينها وبين الإشكناز (من شرق أوربا) . وكان الإشكناز والسفارد لا يتزاوجون فيما بينهم. ولم يكن بمقدور الإشكناز الحصول على مقاعد دائمة في المعبد السفاردي، بل كان معظمهم يعملون خدماً وكانت تُوجَد بطبيعة الحال نسبة من الفقراء السفارد. ويُلاحَظ كذلك أن اليهودية، كنسق ديني وكمؤسسة، كانت في حالة تَراجُع وتآكُل، فالقبَّالاه اللوريانية كانت قد سيطرت على معظم يهود أوربا، وهي صيغة حلولية مادية استوعبها يهود هولندا، وخصوصاً السفارد (ومن بينهم إسبينوزا) ، فأثرت في رؤيتهم للعالم بشكل عميق. ولكن مع تدهور وضع هولندا الاقتصادي (بظهور القوة الإنجليزية) ، تدهور وضعهم أيضاً. وازداد التدهور مع الأزمة الاقتصادية في الفترة 1772 ـ 1773. وتسبَّبت الحرب مع إنجلترا في دمار شركة الهند الشرقية الهولندية التي كان كثير من اليهود يمتلكون أسهماً فيها. وتزايد الانهيار مع حرب الثلاثين عاماً. وفي نهاية الأمر، أدَّى وصول قوات فرنسا الثورية إلى قطع علاقة يهود هولندا مع الشبكة التجارية اليهودية، وهو ما أدَّى إلى دمارهم تماماً. وعلى كلٍّ، كانت التجارة الدولية في أوربا قد بدأت تأخذ شكلاً ضخماً ومركباً تجاوز قدرات الشبكة اليهودية التي لم يكن بمقدورها أن تستوعب حركة البضائع على هذا النطاق الضخم. وكان يرأس الجماعة اليهودية السفاردية مجلس الماهاماد الذي سيطر على اليهود بيد من حديد، حيث كانت له صلاحيات مثل تلك التي كانت تتمتع بها محاكم التفتيش بل كان يسلك سلوكها، وربما تكون خلفية السفارد الإسبانية قد لعبت دوراً في ذلك. ويُلاحَظ انتشار القبَّالاه اللوريانية في هولندا. ولذا، حينما ظهر الماشيَّح الدجال (شبتاي تسفي) تبعته أعداد كبيرة من السفارد، وأدَّى فشل حركته إلى خيبة الأمل وإلى المزيد من التفسخ. ويمكن القول بأن انتشار الفكر القبَّالي الحلولي وثراء يهود أمستردام هو الخلفية الاجتماعية والفكرية لفلسفة إسبينوزا، وهو أول مفكر غربي في العصر الحديث من أصل يهودي ترك اليهودية ولم يتبن ديناً آخر. وبذا، فإنه يعد أول يهودي علماني بل أول فيلسوف علماني. وحينما وصلت جيوش فرنسا الثورية عام 1796 وأسَّست الجمهورية الباتفية، لم يتغير وضع أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يتمتعون بكل حقوقهم. وفي أوائل القرن التاسع عشر، لم يكن الوضع الاقتصادي في هولندا مستقراً، فتدهور حال أعضاء الجماعة. ومما يدل على هذا التدهور أن كثيراً من اليهود السفارد (في أمستردام) صُنِّفوا باعتبارهم فقراء. ويمكن افتراض أن الصورة العامة في بقية هولندا لم تكن مختلفة كثيراً إن لم تكن أسوأ. وكان عدد اليهود في هولندا عام 1780 ثلاثين ألفاً، منهم ثلاثة آلاف سفاردي، زاد إلى ثلاثة وخمسين ألفاً عام 1810، وكانت الزيادة كلها إشكنازية. ومع عام 1889، وصل عدد يهود هولندا إلى ثلاثة وثمانين ألفاً، منهم 5.070 من السفارد. وبلغ عددهم 106.409عام 1909، منهم 6624 من السفارد. وبلغ عددهم 139.687 عام 1941. أما في عام 1946، أي بعد الحرب، فبلغ عدد اليهود ثلاثين ألفاً من بينهم ثمانية آلاف ممن تزوجوا زيجات مُختلَطة. وانخفض عددهم إلى 26.623 عام 1954، أي خلال ثمانية أعوام. كان يعيش منهم 14.068، أي أكثر من نصفهم، في أمستردام. ويُعزَى النقص إلى العزوف عن الإنجاب وإلى انخفاض عدد المواليد وارتفاع نسبة الوفيات. كما يُعزَى هذا النقص إلى الهجرة، إذ هاجر خلال هذه الفترة 4492 يهودياً من هولندا (لم يهاجر منهم سوى 1399 إلى إسرائيل) . وأدَّت التعويضات الألمانية إلى تغيير البناء الطبقي ليهود هولندا تماماً، إذ تحوَّل أعضاء الطبقة العاملة منهم إلى أثرياء، وهذا ما أدَّى إلى تزايد معدل الاندماج والعلمنة. وبلغ عدد اليهود عام 1968 اثنين وعشرين ألف يهودي، أغلبيتهم في أمستردام. أما في عام 1992، فبلغ عددهم نحو خمسة وعشرين ألفاً من مجموع السكان البالغ 15.270.000 نسمة. وهم يُعتبَرون، بهذا، أقلية صغيرة لا وزن لها ولا نفوذ وفي طريقها إلى الاختفاء. وتوجد في هولندا بعض التنظيمات والمؤسسات التي ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية من أهمها: ـ الجماعة اليهودية الإشكنازية. ـ الجماعة اليهودية السفاردية. ـ اتحاد الجماعات اليهودية التقدمية. ـ منظمة العمل الاجتماعي اليهودي التي تعمل في المجالات الصحية والخدمة الاجتماعية. وتتبع كل من الجماعتين (الإشكنازية والسفاردية) الحاخامية الكبرى. وأغلب المعابد اليهودية موجودة في أمستردام، منها معابد أرثوذكسية إشكنازية ومعبد سفاردي ومعبد ليبرالي إصلاحي. إيطاليا Italy يعود تاريخ أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا إلى الفترة الرومانية القديمة. إذ كانت تُوجَد فيها جماعة يهودية منذ القرن الثاني قبل الميلاد، قبل أن يقوم تيتوس بهدم الهيكل عام 70 ميلادية. وكان أعضاء هذه الجماعة يتحدثون اليونانية، ولكنهم اصطبغوا مع بداية العصور الوسطى بالصبغة اللاتينية. ويرد ذكر اليهود في الأدب اللاتيني وفي بعض كتابات المؤرخين الرومان. ولم تتأثر الجماعة اليهودية في روما كثيراً بما حدث في فلسطين ولكنها تأثرت حين قامت الإمبراطورية الرومانية بتبني المسيحية ديناً في القرن الرابع الميلادي، فتحولت إلى جماعة وظيفية وسيطة، وعُرِّف وضع أعضائها بأنهم " أقنان بلاط تحت الحماية الملكية " أو تحت حماية الأفراد، واضطلعوا بوظيفة التجار والمرابين في كثير من المدن الإيطالية مثل نابولي. وتدهور وضعهم في القرن العاشر الميلادي بظهور المدن/الدول البحرية الإيطالية (مثل البندقية وجنوة) ، وبيوت المال المسيحية القوية (مثل اللومبارد والكوهارسين) التي كانت تتمتع بدعم السلطات الحاكمة. ومع هذا، كانت للجماعة اليهودية في إيطاليا خصائص فريدة تميزها عن بقية الجماعات اليهودية في الغرب. فهناك، أولاً، الوجود المستمر وغير المنقطع لليهود في داخل إيطاليا، كما استوعب أعضاؤها اللغة الإيطالية والحضارة السائدة. ولم يُطرَد يهود إيطاليا كما حدث ليهود إنجلترا أو فرنسا إذ كانوا حينما يُطرَدون من مدينة إيطالية يجدون مدناً أخرى ترحب بهم. ومع هذا كانوا يُطرَدون من المناطق الإيطالية الخاضعة لحكم الأجانب (الفرنسيين والأسبان) ، كما حدث ليهود صقلية التي خضعت لحكم الأسبان. ولم تتسم الحياة اليومية لأعضاء الجماعة بالاضطهاد أو التمييز الذي كان يسم الحياة في العصور الوسطى، بل كانت العلاقة مع السكان طيبة على وجه العموم. ومن الطريف أن إيطاليا هي مركز البابوية، ومع هذا لم تنجح السلطة البابوية في تنفيذ سياستها تجاه اليهود. بل إن محاكم التفتيش التي تأسست في روما لم يكن تعقبها لليهود داخل إيطاليا محموماً كما كان الحال أحياناً خارجها. ولذا، اندمج أعضاء الجماعة اليهودية في محيطهم الحضاري الكاثوليكي، وأصبحت لغة العبادة في المعبد هي الإيطالية المطعمة بكلمات عبرية منذ عام 1200. ومن ثم يُعتبَر أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا جماعة مستقلة بذاتها ولا تُصنَّف ضمن الكتل اليهودية الثلاث الأساسية: الإشكناز، والسفارد، ويهود العالم الإسلامي وضمن ذلك اليهود المستعربة، وإنما يُنظَر إليها باعتبارها كتلة مستقلة. اجتذبت إيطاليا كثيراً من أعضاء الكتل الكبرى، فهاجر إليها الإشكناز، حيث وصلت حركة الهجرة إلى الذروة عام 1400، واستقروا في شمالها. وهاجر إليها السفارد بعد عام 1391، ووصلت حركة الهجرة ذروتها عام 1492. كما استقر بعض اليهود المستعربة في صقلية. ولم يندمج هؤلاء على الفور بل احتفظ كل بخصائصه. وقد كانوا يكرهون بعضهم بعضاً كراهية المسيحيين لليهود والأتراك (أي المسلمين) على حد قول ليو دي مودينا، ولذا كان يُشار إلى اليهود بأنهم «تراي ناسيوني» أي الأمم الثلاث. وبلغت العداوة درجة أن اليهود الأصليين كانوا أحياناً يستعْدون السلطات على المهاجرين الجدد ويطلبون طردهم (وهذا نمط تكرَّر في كل الجماعات اليهودية، وآخر تعبير عنه هو الحركة الصهيونية التي أسسها يهود الغرب المندمجون لترحيل يهود اليديشية بعيداً عنهم) . ولكن، بعد عصر النهضة، اندمجت الجماعات اليهودية كافة في جماعة واحدة واصطبغوا بالصبغة الإيطالية. ظهر بين يهود إيطاليا أدباء يكتبون بالإيطالية والعبرية متأثرين تماماً بمحيطهم الحضاري، من بينهم عمانوئيل هارومي أي «الرومي» (1270 ـ 1330) والذي كان يُعرَف أيضاً باسم عمانوئيل داجوبيو الذي كتب أشعاراً بالإيطالية وتعليقات على التوراة. وبعد عصر النهضة، ظهر عدد من الكُتَّاب من بينهم يهودا ابرابانيل المعروف باسم ليو هبرايوس أو ليو العبراني، وكان شاعراً وفيلسوفاً وعالماً كتب عدة كتب بالإيطالية من أهمها حوار عن الحب وهو كتاب ينتمي إلى كتب الحب (قواعده وطرقه) التي انتشرت إبان عصر النهضة في أوربا. وقد أحرز كتاب ليو العبراني شعبية غير عادية، فتُرجم إلى عدة لغات. ويتجلى اندماج يهود إيطاليا الكامل في محيطهم الحضاري في انصرافهم عن العقيدة اليهودية وفي تعديلها وإصلاحها بما يتفق مع معايير الحضارة المحيطة بهم. فنجد أن معمار المعبد اليهودي في روما كان يشبه معمار الكنائس، وكان يزينه تمثال نصفي لموسى وصور للملائكة والحيوانات والأشخاص. وكانت المواعظ تُعطَى بالإيطالية تقليداً للمواعظ المسيحية ومتأثرة بها أكثر من تأثرها بالتلمود. كما كان الحاخامات يشيرون في مواعظهم إلى المؤلفين الكلاسيكيين الوثنيين مثل أرسطو وشيشرون. وتُرجم كتاب الصلوات إلى الإيطالية. بل كانت بعض المعابد تغني القصائد الدينية اليهودية فيها على ألحان إيطالية. وتحوَّل عيد النصيب إلى الكرنفال الإيطالي، فكان اليهود يلبسون الأقنعة ويتمتعون بالحريات المتطرفة التي كان يتمتع بها الإيطاليون في مثل هذه المناسبات، كما كانوا يعرضون مسرحيات على النمط الإيطالي داخل الجيتو. وانتشرت الحرية الجنسية بينهم، وزاد عدد الأطفال غير الشرعيين والزيجات المُختلَطة. وأصبح كثير من نساء اليهود إما عشيقات لأعضاء النخبة الحاكمة المسيحية أو عاهرات. وحتى نبيِّن مدى انتشار الإباحية بين أعضاء الجماعة، يمكن أن نشير إلى فلورنسا التي كان عدد أعضاء الجماعة فيها لا يزيد على مائة أسرة. ومع هذا كان عدد القضايا التي رُفعت ضدهم ثمان وثمانون قضية من بينها أربع وثلاثون قضية لها علاقة بالسلوك الأخلاقي والآداب، وسبع عشرة قضية لها صلة بالمقامرة. ولابد أن هذه الإحصاءات لا تبين الصورة الحقيقية، إذ تُوجَد ولا شك حالات لم يتم الإبلاغ عنها. ويمكن القول بأن المجتمع اليهودي الصغير في إيطاليا كان انعكاساً كاملاً للمجتمع الكبير، كما أن الأنماط الاجتماعية والأخلاقية السائدة بين الجماعة اليهودية لم تختلف كثيراً عن تلك السائدة في المجتمع. ومع عام 1545، وبداية الإصلاح المضاد الذي قامت به الكنيسة الكاثوليكية، فُرض على اليهود في روما ملازمة الجيتو (بعد أن كان الجيتو ميزة يتمتعون بها) . ويُطلَق على هذه الفترة «فترة الجيتو» . ولكن، مع هذا، استمر المؤلفون اليهود في وضع مؤلفاتهم الدينية والدنيوية بالعبرية والإيطالية. ومن أهم المؤلفين اليهود ليو دي مودينا وسيمون لوتساتو الذي يَعُده بعض المؤرخين مؤسس الأدب المكتوب بالعبرية. ولكن يُلاحَظ أن هذه المؤلفات ليست لها أهمية كبيرة من منظور غربي أو إنساني عام. ومما تقدَّم، يمكن القول بأن أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا كانوا جزءاً من محيطهم الحضاري، ومن ثم كان موقفهم من اليهودية الحاخامية موقفاً نقدياً، موقف من ينظر إليها من الخارج. كما لم تكن مُثُل التنوير والإصلاح غريبة عليهم. ولذا، فحينما ظهرت حركة التنوير في ألمانيا، لم تترك أثراً عميقاً فيهم لأنها لم تكن تمثل شيئاً جديداً. انتهت هذه الفترة بإعتاق أعضاء الجماعة أثناء حروب الثورة الفرنسية ابتداءً من عام 1796. وأُلغيت حقوق اليهود مع سقوط نابليون، ولكنها تأكدت مرة أخرى مع تأسيس إيطاليا الموحَّدة (1840 ـ 1870) . وظهرت حركة تنوير يهودية في إيطاليا، من أقطابها حاييم لوتساتو. ومع تَزايُد إعتاق اليهود، تزايدت معدلات اندماجهم في المجتمع. ولم يتأثر هذا الوضع كثيراً بوصول موسوليني والفاشيين إلى السلطة إذ أن موسوليني كان متعاطفاً مع المشروع الصهيوني، وكان يتصور أن بوسعه تحويل اليهود إلى عنصر ممالئ له يوظفه في خدمة مشروعه الاستعماري بل في خدمة الفاشية. وبلغ عدد يهود إيطاليا واحداً وعشرين ألفاً عام 1600، و31.400 عام 1800، وبلغ سبعة وثلاثين ألفاً عام 1840، زاد إلى 42.963 عام 1901، وبلغ عام 1931 ستة وأربعين ألفاً. ولكن عددهم أخذ في التناقص بعد ذلك، ففي الفترة (1931 ـ 1935) كان عدد اليهود يتناقص بمعدل 5.28 في الألف، كما تزايدت معدلات الاندماج والتنصر والزواج المُختلَط. ويذكر روفائيل باتاي أن عدد يهود إيطاليا انخفض إلى خمسة وثلاثين ألفاً عام 1939، ثم وصل العدد إلى 29.117 يهودياً إيطالياً. ومع هذا، انضم إليهم 26.300 مهاجر، وبذلك ارتفع العدد إلى 55.417 في الأربعينيات. وبلغ العدد عام 1956 نحو 27.705، ووصل إلى خمسة وثلاثين ألفاً عام 1967. وتناقص عدد اليهود حتى وصل إلى 31.000 عام 1992 من مجموع السكان البالغ عددهم 57.826.000 نسمة. ومعظم يهود إيطاليا مركزون في روما وميلانو، ولا يختلف بناؤهم الوظيفي والمهني عن بقية الجماعات اليهودية في أوربا. ففي عام 1931، كان 34.3% منهم تجاراً، و52.2% من عمال الياقات البيضاء، و10.8% مهنيين. ولا يزال معدل الزواج المُختلَط بينهم مرتفعاً للغاية، كما لا تزال معدلات الاندماج والعلمنة آخذة في التزايد. والجماعة اليهودية جماعة مسنة تعيش في المدن، وكل هذا يعني تَزايُد الإحجام عن الإنجاب وتَناقُص الخصوبة، الأمر الذي يؤدي إلى موت الشعب اليهودي. والمنظمة التي تنظم أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا هي اتحاد الجماعة اليهودية الإيطالية. ويترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية كبير الحاخامات والمجلس الحاخامي. وأغلبية المعابد اليهودية سفاردية، إلا إنه يوجد عدد قليل من المعابد الأرثوذكسية الإشكنازية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
يهود اليديشية أو يهود شرق أوربا
Yiddish or East European Jews.... «يهود اليديشية» مصطلح نستخدمه في معظم الأحيان بدلاً من مصطلح «يهود شرق أوربا» . وهذا المصطلح الأخير هو المصطلح الشائع في الدراسات التي تتناول الجماعات اليهودية، وهو مصطلح مطاط غير محدَّد ولكنه يشير عادةً إلى الجماعات اليهودية الموجودة شرق ألمانيا، (في بولندا وروسيا) . ولذا، فهو لا يتفق بالضرورة مع الحدود السياسية المعروفة بمنطقة شرق أوربا في الوقت الحالي والتي تضم، على سبيل المثال، رومانيا وتشيكوسلوفاكيا. وأصل المصطلح ألماني، ويعبِّر عن إحساس يهود ألمانيا بأنهم ينتمون إلى الغرب، أي غرب أوربا، وأنهم يختلفون عن يهود الشرق. وقد انتشر المصطلح مع القرن التاسع عشر وبداية حركة القومية السلافية. ونحن نفضل استخدام مصطلح «يهود اليديشية» الذي استخدمه يهود إنجلترا، من السفارد وغيرهم، للإشارة إلى المهاجرين الجدد من روسيا وبولندا. ويهود اليديشية يشكلون أغلبية يهود العالم، وتعود أصولهم إلى القرن الثاني عشر، مع حروب الفرنجة، حين بدأت تهاجر جماعات من اليهود الألمان، مع التجار الألمان، واستوطنت بولندا بدعوة من حكامها لتشجيع حركة التجارة وحملت معها لغتها وثقافتها الألمانية. وقد دخلت على لغتهم الألمانية بعض الكلمات السلافية والعبرية، ثم كتبوها بالحروف العبرية حتى أصبح يُشار إليها باللغة اليديشية، وهي في واقع الأمر لهجة ألمانية وحسب. وأصبحت هذه اللهجة، التي يُقال لها لغة، سمتهم الثقافية الأساسية التي حملوها معهم أينما ذهبوا ومن هنا كانت التسمية. ويذهب آرثر كوستلر إلى أن أصل يهود اليديشية ما يسميه هو «الدياسبورا الخزرية» ، أي تشتُّت أو انتشار يهود الخزر واستقرار أعداد منهم في شرق أوربا. وينقسم يهود اليديشية إلى تقسيمات فرعية مثل يهود البولاك والليتفاك والجاليسيانر، وهي كلمات يديشية تعني «البولندي والليتواني والجاليشي» . (كانت جاليشيا وليتوانيا أجزاء من بولندا) . وثمة اختلافات دقيقة بين الأنواع الثلاثة لها دلالاتها، ولكن هناك وحدة أساسية وخصوصية يستمدها أعضاء الجماعة اليهودية من وجودهم داخل التشكيل السياسي الحضاري البولندي بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف المال والتجارة وبمهن وحرف معيَّنة. والجماعات الوظيفية عادةً ما تحتفظ بعزلتها وبسماتها الإثنية (التي أحضرتها معها من وطنها الأصلي، وهو ألمانيا) حتى يتسنى لها الاضطلاع بوظيفتها في المجتمع التقليدي التي وفدت إليه. وكان يهود شرق أوربا يتحدثون اليديشية في وسط يتحدث إما البولندية وإما الأوكرانية، ويرتدون أزياء مميَّزة، ويؤمنون باليهودية في وسط يؤمن بالمسيحية. وقد عاشوا في مدن صغيرة تُسمَّى «شتتل» وفرت لهم تربة يهودية يديشية معزولة نسبياً عن عالم الأغيار. ولكن عقيدتهم اليهودية نفسها، بدأت تدخلها عناصر صوفية بتأثير القبَّالاه وبتأثير المسيحية الأرثوذكسية الشعبية والهرطقات الدينية المختلفة التي وجدوها بين الفلاحين السلاف. ومما يجدر ذكره أن المستوى المعيشي ليهود اليديشية حتى بداية القرن الثامن عشر، كان مرتفعاً قياساً إلى عامة الشعب من الفلاحين والأقنان، بل إلى أعضاء الطبقات الوسطى الهزيلة في بولندا. وكان لا يفوقهم في مستواهم المعيشي سوى النبلاء البولنديين (شلاختا) . بل إن النخبة الثرية بين اليهود كانت تعيش في مستوى اقتصادي يفوق صغار النبلاء. ولكن بعد ذلك التاريخ، ونتيجة تحولات عديدة، أخذ مستواهم الاقتصادي ينحدر. وتعرَّض تَماسُك يهود اليديشية لعدة هجمات وضربات من الخارج كانت أولاها هجمات شميلنكي عام 1648، التي بدأت تُخلخل وضع الجماعة اليهودية، ثم كانت الضربة الثانية تقسيم بولندا (الأول والثاني والثالث) في الفترة 1772 ـ 1795 والذي انتهى باختفاء بولندا عام 1795 بوصفها وحدة سياسية مستقلة، وبتقسيمها بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية النمساوية وألمانيا (بروسيا) . وكانت الأراضي التي ضمتها روسيا تضم أكبر عدد من يهود اليديشية. وكانت البلاد الثلاثة التي اقتسمت بولندا فيما بينها بلاداً زراعية متخلفة. ومع هذا، بدأت تظهر فيها، بتشجيع من الملكيات المطلقة، اتجاهات نحو التصنيع. ورغم ضعف النظام الإقطاعي، فإن الأرستقراطية الزراعية ظلت ممسكة بزمام السلطة. وشهدت هذه الفترة حركة تحرير الأقنان في روسيا، الأمر الذي أدَّى إلى خلل في الأوضاع الاجتماعية، وخصوصاً أن الرقعة الصالحة للزراعة لم تكن واسعة، وهو ما أدَّى إلى زيادة الصراعات الاجتماعية وإلى ظهور توترات بين النبلاء والفلاحين. وقد ازداد بؤس الفلاحين وزاد تعاطيهم للخمور. ومع تركز أعضاء الجماعة اليهودية في صناعة الخمور، وجدوا أنفسهم في مركز الأزمة الاجتماعية، وأشارت أصابع الاتهام إليهم باعتبارهم مسئولين عن بؤس الفلاحين. وقد كانت حكومات البلاد الثلاثة، التي اقتسمت بولندا وسكانها اليهود فيما بينها، يحكمها حكام مطلقون مستنيرون (فريدريك الثاني في بروسيا، وجوزيف الثاني في النمسا، وكاترين الثانية في روسيا) ، فتبنت هذه الحكومات مقياس مدى نفع اليهود وإمكانية إصلاحهم وتقليل عزلتهم. فتم تقسيمهم إلى نافعين وغير نافعين. وكان الهدف هو إصلاح اليهود، وزيادة عدد النافعين بينهم، وطرد الضارين منهم أو منع زيادة عددهم. وارتبطت هذه العملية بعملية إعتاق اليهود، فلم يكن يُعتَق منهم سوى النافعين. ومن السمات المشتركة الأخرى لهذه البلاد ظهور القوميات العضوية فيها جميعاً التي تدور حول مفهوم الشعب العضوي (فولك) ، وهي قوميات تنبذ الأقليات ولا تفتح أمامها فرصة الاندماج، كما حدث في إنجلترا وفرنسا وغرب أوربا بشكل عام. فالقوميات العضوية تنكر إمكانية تحول الإنسان واندماجه إذ أن الشخصية والهوية، حسب تصورها، ليست مكتسبة وإنما موروثة، وتكاد تكون بيولوجية. وتتميَّز الدول الثلاث بأن الدولة المركزية فيها كانت مطلقة ومستنيرة على عكس البيروقراطيات التابعة لها، التي كانت متخلفة وغير مستنيرة بالمرة ومليئة بالأحقاد ضد الأقليات، وخصوصاً في ظروف التحول الاجتماعي. ولذا، فحينما حاولت الدولة إصلاح اليهود بإصدار قرارات كانت البيروقراطية تعوق تنفيذ هذه القرارات. ولقد تلقَّى يهود اليديشية هذه الضربات من الخارج، في مرحلة كانت اليهودية تمر فيها بأخطر أزماتها الداخلية ابتداءً من القرن الثامن عشر. فقد رجَّت المناظرة الشبتانية الكبرى أرجاء العالم اليهودي، وظهرت الحركة الفرانكية والحسيدية التي تحدت سلطة مؤسسات اليهودية الحاخامية. ونشب صراع حاد بين الحسيديين والمتنجديم، كما كانت التوترات الاجتماعية على أشدها داخل الجماعة. ومما أدَّى إلى تفاقم الأوضاع السيئة، الانفجار السكاني الذي حدث بين يهود العالم الغربي، وخصوصاً يهود اليديشية، إذ زاد عدد يهود العالم، في الفترة 1850 ـ 1935 ستة أضعاف. وحيث لم يكن يهود الغرب يتزايدون، بل كانوا آخذين في التناقص، فإن نسبة الزيادة بين يهود اليديشية كانت في واقع الأمر أكثر من ستة أضعاف. ولكل ما تقدَّم، بدأت وحدة يهود اليديشية وخصوصيتهم في التداعي ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. واستغرقت هذه العملية مرحلة زمنية طويلة (امتدت حتى منتصف القرن العشرين) وانتهت باختفاء اللغة والثقافة اليديشية ودمج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم حضارياً واقتصادياً وتَحوُّلهم من جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع الروسي والبولندي إلى أعضاء في الطبقات الوسطى وغيرها من الطبقات في المجتمعات التي ينتمون إليها، وهذه المرحلة الزمنية هي في واقع الأمر مرحلة المسألة اليهودية التي كانت مسألة يهود شرق أوربا بالدرجة الأولى. هاجرت أعداد كبيرة من يهود اليديشية، وخصوصاً في الفترة 1881 ـ 1914، فبلغت نحو 2.750.000؛ ذهب منهم 350 ألفاً إلى أوربا، وخصوصاً ألمانيا وفرنسا، و200 ألف إلى إنجلترا، و115 ألفا إلى الأرجنتين، و100 ألف إلى كندا و40 ألفاً إلى جنوب أفريقيا، ومليونان (أي حوالي 85%) إلى الولايات المتحدة. وهم بذلك يكّونون الأغلبية الساحقة من يهود تلك البلاد التي كانت تضم جماعات يهودية صغيرة جداً قبل وفود يهود اليديشية. وأدَّى وفودهم إلى زيادة معدلات معاداة اليهود نظراً لتخلفهم وتميزهم الوظيفي والإثني. ومن هنا كان رد الفعل العنصري في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، الأمر الذي أدَّى إلى طرح الفكرة الصهيونية في إنجلترا في بداية الأمر، ثم بقية دول غرب أوربا ومنها إلى وسطها فشرقها. قام هرتزل بزيارته الأولى إلى إنجلترا لمناقشة موضوع يهود اليديشية وكيفية التخلص منهم أو حل مسألتهم، وفي هذا المناخ وُلد وعد بلفور. أما في الولايات المتحدة التي هاجر إليها الملايين، فكانت تُوجَد أمام المهاجرين من يهود اليديشية مجالات للعمل، ولذلك لم تحدث توترات اجتماعية. وقد تزايد عددهم حتى أصبحوا العنصر الغالب بين أعضاء الجماعة اليهودية هناك. وكان يهود اليديشية العنصر اليهودي الغالب في الإمبراطورية النمساوية المجرية وألمانيا. وغني عن القول أن يهود اليديشية كانوا هم أيضاً العنصر الغالب في الاتحاد السوفيتي حيث كانت تُوجَد جماعات يهودية أخرى مثل يهود جورجيا ويهود الجبال. اختفت اليديشية تقريباً مع نهاية الثلاثينيات من هذا القرن، واختفى يهود اليديشية واختفت المسألة اليهودية معهم. أما أبناؤهم وأحفادهم فتم دمجهم في مجتمعاتهم. ومن هنا يُشار الآن إلى المهاجرين اليهود السوفييت إلى إسرائيل والولايات المتحدة بأنهم «الروس» لأن معظمهم يتحدث الروسية، كما أنهم روس من الناحية الثقافية. ومن الملاحظات الجديرة بالذكر أن جميع الحركات الإصلاحية في العقيدة اليهودية، أو بين أعضاء الجماعات اليهودية، كان مصدرها دائماً وسط أوربا داخل صفوف اليهود الذين يتحدثون الألمانية في ألمانيا والنمسا. فحركة التنوير كان زعيمها مندلسون الألماني. وظهرت اليهودية الإصلاحية وكذا علم اليهودية في ألمانيا، كما أن الصهيونية نفسها، في أطروحاتها الأولى التي طرحها كل من موسى هس وماكس نوردو وتيودور هرتزل حمل لواءها ألمان. وكانت اللغة الرسمية للمؤتمرات الصهيونية هي الألمانية. ونظراً لأن الكثافة البشرية اليهودية كانت متركزة في شرق أوربا، فإن هذه الأفكار والحركات الفكرية كانت تظل مجرد أطروحات فكرية إلى أن تصل ليهود اليديشية الذين كانوا يحولونها إلى حركات سياسية وثقافية حقيقية. ويظهر هذا في تاريخ كل من حركتي التنوير والصهيونية. فالقيادات والزعامات كانت في البداية من أصل ألماني، لكن المفكرين والزعماء من يهود اليديشية بدأوا يستولون عليهما بالتدريج، وظهرت حركة تنوير يديشية وأدب يديشي وقومية يديشية (إن صح التعبير) دعا إليها دبنوف منطلقاً من مفهوم اصطلاح «قومية الدياسبورا» . وفكرة القومية اليديشية تَصدُر عن تجربة يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر، حين أصبح لهم ما يشبه الهوية القومية المستقلة التي استمدوها من وجودهم في وضع معيَّن داخل الحضارتين الروسية والبولندية إبان مرحلة الانتقال من وضعهم المتميِّز كجماعة وسيطة إلى أن تم دمجهم وصهرهم، وهي مرحلة اتسمت بتَعثُّر عملية التحديث في شرق أوربا. وهي تجربة تكاد تكون فريدة في تواريخ الجماعات اليهودية، ويتمثل تفردها في وجود كتلة بشرية يهودية بهذه الضخامة داخل رقعة أرض متصلة (منطقة الاستيطان) تتحدث لغة مختلفة عن لغة البلد الذي تعيش فيه. وظهر حزب البوند ليعبِّر عن هذا الوضع الطبقي وشبه القومي المتميز. وحينما أسس الاتحاد السوفيتي منطقة بيروبيجان، فإنه كان يتحرك في إطار القومية اليديشية، ولم تنجح التجربة بسبب اختفاء اليديشية وثقافتها، واختفاء أية معالم للخصوصية اليديشية. أما فيما يتصل بالصهيونية، فقد تولت العناصر اليديشية قيادتها ابتداءً من المؤتمر الحادي عشر عام 1913. وظل هذا العنصر هو المهيمن حتى إعلان الدولة الصهيونية، وتكوَّن منه عصب النخبة الحاكمة فيها. كما أنه يشكل ما يُسمَّى «الحرس القديم» ، ومن صلبه جاء جيل الصابرا. ويبلغ تعداد يهود شرق أوربا في الوقت الحالي (ما عدا كومنولث الدول المستقلة، أي الاتحاد السوفيتي سابقاً) 88.600. ولأول مرة في التاريخ الحديث يزيد عدد يهود غرب أوربا (دعاة الصهيونية التوطينية) عن يهود شرقها (المادة البشرية الاستيطانية) فيهود غرب أوربا يبلغ عددهم 1.036.300 أما يهود شرق أوربا (وضمن ذلك كومنولث الدول المستقلة) فهو 868.400. يهود شرق أوربا East European Jews انظر: «يهود اليديشية» . بولندا حتى القرن السادس عشر Poland, to the Sixteenth Century كانت حدود بولندا عبر تاريخها غير مستقرة لعدة أسباب من بينها موقعها الجغرافي بين القبائل الألمانية والقبائل الليتوانية والسلاف. ثم إنها واقعة على الحدود بين ثلاث دول عظمى (ألمانيا والنمسا وروسيا) ، بل على حدود الدولة العثمانية في نهاية القرن السابع عشر. كما أن غياب أية عوائق طبيعية تحيط بها، وكونها أساساً أرضاً مستوية يجعلها عرضة للغزوات المستمرة. ولم يكن العنصر السكاني في بولندا متجانساً، فالعناصر غير البولندية كانت تشكل نسبة مئوية كبيرة تصل أحياناً إلى أكثر من الثلث. وبولندا، بذلك، فريدة بين دول العالم الغربي التي تتسم بتجانسها السكاني الشديد. ويُلاحَظ أن تاريخ بولندا السياسي العاصف وكذلك موقعها كمعبر وساحة للصراع بين القوى يجعلانها تشبه فلسطين قبل الفتح الإسلامي من بعض الوجوه. ولا يمكن دراسة تاريخ الجماعة اليهودية في بولندا إلا بأخذ كل هذه العناصر في الاعتبار. وإذا كانت حدود بولندا غير مستقرة، فإن مصطلح يهود بولندا نفسه غير واضح، فهو مصطلح فضفاض للغاية له معنيان أساسيان: 1 ـ المعنى الضيق: اليهود الذين يقطنون بولندا الكبرى (بوزنان) والصغرى (كراكوف) ، وهي الأجزاء الأساسية في بولندا. 2 ـ المعنى الواسع: اليهود الذين كانوا يعيشون في المنطقة الشاسعة التي كانت تضمها مملكة بولندا وليتوانيا المتحدة. وبالتالي، فإن هذا المعنى الأخير يشير إلى اليهود الذين وقعوا تحت الحكم البروسي والروسي والنمسوي بعد تقسيم بولندا، وهذا هو التعريف الذي سنأخذ به. وهو، بهذا المعنى، مرادف تقريباً لمصطلح «يهود اليديشية» . ولم يكن يهود بولندا عنصراً واحداً متجانساً بل كان يُشار إلى أقسام ثلاثة أساسية منهم باليديشية «البولاك» ، وهم: يهود بولندا، و «الليتفاك» وهم يهود ليتوانيا الذين كانت معظم القيادات الصهيونية منهم، و «الجاليسيانر» . وهم يهود جاليشيا. ويعود تاريخ بولندا إلى القرن العاشر حين قامت أسرة بياست بتوحيدها. ويُعَدُّ عام 966 عام تأسيس بولندا إذ اعتنق مايسكو الأول (963 ـ 992) فيه المسيحية. وخضعت بولندا لنفوذ الكنيسة الكاثوليكية في روما عام 990 حتى لا تخضع للكنيسة الألمانية. وأدَّى الغزو التتري لبولندا في 1241 ـ 1242 إلى تدميرها تماماً، كما قام الليتوانيون الوثنيون بالغارات عليها. وفقدت بولندا كثيراً من أراضيها، ولكنها استعادت وحدتها، مع بداية القرن الثالث عشر، وبدأت حركة لإعادة بناء الاقتصاد وتشييد المدن. ففي حكم كاسيمير الثالث ـ الأعظم (1333 ـ 1370) ، تم بناء سبع وأربعين مدينة جديدة. وأقيمت في المدن مبان حجرية على النمط القوطي، كما شيدت قلاع حجرية للدفاع عن المدن. ولذا، يشار إلى كاسيمير في التاريخ البولندي بأنه «وجد بولندا خشباً وتركها حجراً» . وقد عُيِّن كاسيمير حاكماً ملكياً لكل مقاطعة يُسمَّى باللاتينية «ستاروستا كابيتانيوس Starosta Capitanus» ، ويُسمَّى بالبولندية «فويفود» ، وظل هذا أهم المناصب الإدارية مدة 470 عاماً. وجمع كاسيمير القوانين وصنفها في القانون البولندي (إيوس بولونيكم Ius Polonicum) والقانون التيوتوني (إيوس تيوتونيكم Ius Teutonicum) . وكان الأول يطبق على النبلاء والثاني على سكان المدن. ووسع كاسيمير أطراف مملكته، وأصبحت إمبراطورية تعددية تضم بولنديين كاثوليك وألمان وروثينيان (سكان أوكرانيا، أو روثينيا، الأصليون) ، كما ضمت الأرثوذكس والفلمنك واليهود والأرمن والتتر المسلمين واليهود القرّائين ممن كانوا من أصل خزري ويتحدثون التركية، أي أن السكان كانوا يتبعون عدداً كبيراً من الديانات وكانوا يتحدثون اثنتى عشرة لغة. وتأسست أسرة ياجيلون (1386 ـ 1572) حينما تُوِّجت يادفيجا «ملكاً» لبولندا عام 1384 وتزوجت من دوق ليتوانيا الوثني الذي اعتنق المسيحية بعد موتها. وقد ظلت الوحدة أساساً وحدة بين أسرتين مالكتين ولكنها مع ذلك أدَّت إلى تحويل بولندا إلى دولة كبيرة بلغت أربعة أضعاف حجمها الأصلي. وتُعَدُّ إمبراطورية ياجيلون أكثر تعددية من سابقتها إذ ضمت عناصر سكانية جديدة. وأدَّى الاتحاد إلى حماية بولندا من هجمات التتار، ولكنه كان يعني أيضاً الاشتباك مع فرسان التيوتون الذين كانوا يهددون ليتوانيا. وقد ضمت بولندا روسيا الحمراء (جاليشيا) وبودوليا، وأكدت سيادتها على دوقية مولدافيا، وامتدت حدودها من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، أو «من البحر إلى البحر» . ومع سقوط القسطنطينية في يد القوات العثمانية عام 1453، أصبحت بولندا معبراً أساسياً للتجارة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وخصوصاً أنها كانت تضم كثيراً من الأنهار التي تربط بين أراضيها وموانيها على البلطيق وتسهل انتقال السلع. وبذلك سيطرت بولندا على تجارة أوربا الدولية. عاش اليهود في بولندا منذ القرن التاسع. لكن مصدرهم غير معروف على وجه الدقة، هل جاءوا من ألمانيا وبوهيميا أم من الإمبراطورية البيزنطية وكيف؟ والأرجح أن بعض يهود الخزر انضموا إليهم، بل ويذهب آرثر كوستلر إلى أن معظم يهود بولندا، في واقع الأمر، من أصل خزري. وكان المستوطنون الأوائل من التجار. وتدل النقوش العبرية التي ظهرت على بعض العملات على مدى أهميتهم في عالم المال. ويبدأ الوجود اليهودي الحقيقي في بولندا بعد الغزو التتري الذي أفرغ بعض المناطق من سكانها. وفي محاولتهم إعادة تعمير بلدهم قام ملوك بولندا، بتشجيع تجار ألمانيا على الهجرة لتأسيس مدن تتبع قانون ماجدبرج الألماني (الأمر الذي كان يعني استقلالها النسبي) وأُصدرت لهم المواثيق حسب هذا القانون. وكان من بين المهاجرين الألمان تجار يهود هاجروا ومعهم لغتهم الألمانية (التي أصبحت اليديشية فيما بعد) والتلمود والطقوس الإشكنازية في العبادة. ومما شجع اليهود على الهجرة إلى بولندا، تدنِّي وضعهم في أوربا الغربية إبّان حروب الفرنجة، وفقدانهم وظيفتهم كتجار، وتَحوُّلهم إلى مرابين وتجار صغار. كما أن بولندا كانت البلد الوحيد تقريباً في أوربا الذي لا يتوقف فيه حق المواطنة على الانتماء إلى الكنيسة، كما كان الحال في بقية أوربا. وقد أصدر بوليسلاف التقي ميثاقاً عام 1264 يعرف باسم «ميثاق كاليسكي» لتنظيم الأحوال القانونية لأعضاء الجماعة اليهودية وتحديد إطار التعامل الاقتصادي والثقافي بينهم وبين المسيحيين، وكذلك حمايتهم وحماية أملاكهم. وكان هذا الميثاق نفسه ميثاقاً مهاجراً مثل الجماعة اليهودية، إذ كان على نمط ميثاق فريدريك الثاني دوق النمسا والمواثيق المماثلة التي مُنحت لأعضاء الجماعة في وسط أوربا في بوهيميا والمجر. وضمن لهم الميثاق حرية الإقامة في أي مكان والحرية الدينية وحرية الاتجار وحرية التقاضي، كما حرَّم اتهام اليهود بتهمة الدم دون سند قوي. ثم قام كاسيمير الثالث بتوسيع نطاق هذا الميثاق عام 1334 بحيث أصبح يتمتع به يهود روسيا البيضاء وبولندا الصغرى ثم يهود ليتوانيا (1388) وسائر يهود المملكة. وأُعفي اليهود من الخدمة العسكرية، ولم يكن عليهم تزويد الجنود بالمؤن في زمن الحرب، ولكن كان يتعين عليهم دفع ضريبة إضافية نظير ذلك، وهو الوضع الذي استمر حتى تقسيم بولندا. وفي حالة التقاضي، لم يكن للبلديات أو الكنيسة سلطة قضائية عليهم، إذ كانوا خاضعين للملك مباشرة من خلال وكيله أي الحاكم الملكي (فويفود) . وكان الحاكم الملكي يضطلع بنفسه بوظيفة قاضي اليهود، أو يُعيِّن أحد النبلاء للقيام بهذه المهمة. وكل هذه القوانين تفترض أن اليهود جماعة متماسكة، وطبقة اجتماعية منفصلة عن كل الطبقات الأخرى تتمتع بوصاية التاج مباشرة وتقوم أساساً بالعمليات المالية، وخصوصاً جمع الضرائب والإقراض. ومعنى هذا أن أعضاء الجماعة اليهودية أصبحوا أقناناً للبلاط الملكي برغم أن هذا المصطلح نفسه لم يكن مستخدماً. ولعب أعضاء الجماعة اليهودية نتيجةً لذلك دوراً مهماً في اقتصاد بولندا. وتُوجَد إشارات إلى أنهم كانوا يشتغلون بالزراعة وأنهم امتلكوا الضياع وأداروها. ولكن دورهم الأساسي كان في تطوير الاقتصاد النقدي والتجاري، فكانت معظم التجارة الداخلية والدولية في يدهم، وكانوا يُصدِّرون المحاصيل الزراعية المحلية مثل: الماشية والحبوب والجلود والأخشاب وخيوط القنب، وكانوا يستوردون السلع المصنوعة من الغرب وسلعاً أخرى مثل: التوابل والأصباغ والحرير والمنسوجات القطنية من الشرق. كما احتفظوا بعلاقات تجارية نشيطة مع ألمانيا والدولة العثمانية ومدن شبه جزيرة القرم وجنوا والبندقية. وكانوا إما منافسين للنبلاء في التجارة الدولية أو وكلاء لهم، وأصبحوا ملتزمين بجمع الضرائب، كما استأجروا مناجم الملح. وكان الإقراض بالربا من أهم وظائفهم. ومع هذا، لم تكن هذه الوظيفة حكراً عليهم. كما كان يوجد بين اليهود جزارون وخياطون. وقد بلغ ازدهار اليهود في بولندا درجة أن أحد الحاخامات فسَّر اسمها (من قبيل اللعب بالألفاظ) فقال: إن بولندا بالعبرية هي «بوه لين» ، أي «هنا ستستريح» . أدَّى استقلال أعضاء الجماعة اليهودية، وتمتعهم بحماية التاج، وتنظيمهم كجماعة تجارية، إلى تَحوُّلهم إلى طبقة ثالثة لها نشاطها وحيويتها ووجودها الملحوظ في كل المجالات التجارية والمالية. ووجد التجار البولنديون أن من الصعب التنافس مع التجار من أعضاء الجماعة اليهودية، وخصوصاً أنهم كثيراً ما كانوا يجدون ثغرات في القانون يتسللون منها، كما كانت لهم شبكة اتصالات بتجار آخرين خارج بولندا، الأمر الذي يَسَّر لهم عملية التصدير والاستيراد. كما كان التجار اليهود يتسمون بالجسارة التي تقترب من الوقاحة في عملية التسويق، فكانوا لا يتورعون عن الذهاب إلى منازل الزبائن، وكان هذا يُعدُّ أمراً مشيناً حينذاك لا يليق بتاجر يحترم نفسه. كما كانوا يحتكرون بعض المواد الخام التي يحتاج إليها الحرفيون، ويستوردون من الخارج سلعاً أرخص من السلع المنتجة محلياً. وأدَّى هذا الوضع إلى ظهور التوترات بينهم وبين معظم الطبقات الأخرى في المجتمع. فحاول التجار الألمان والبولنديون الحد من نطاق التجارة اليهودية، كما أن البلديات كانت تقف ضد توسيع حدود الجيتو، كما حدَّت من عدد البيوت التي يمكنهم تَملُّكها. كما أن الكنيسة الكاثوليكية كانت تطالب بعزلهم عن المجتمع المسيحي. وانعكس ذلك الصراع في شكل توجيه اتهامات الدم وتدنيس خبز القربان إلى اليهود. وفي عام 1454، تعرَّض التجار في بعض المدن لبعض الهجمات، وخصوصاً في الأماكن التي كانوا يمثلون فيها منافسة اقتصادية للتجار المحليين، ثم طُردوا من وارسو عام 1483 ومن كراكوف بعد ذلك بفترة وجيزة. ويُلاحَظ أن هذه الفترة شهدت ظهور طبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) التي قُدِّرت لها السيطرة في مراحل لاحقة على الحياة السياسية في بولندا وارتبط بها أعضاء الجماعة اليهودية ارتباطاً كاملاً. ولكن السلطة المركزية الملكية نجحت في هذه المرحلة في تأكيد نفسها والسيطرة على بولندا والمجتمع البولندي. ولأن اليهود، كجماعة وظيفية وسيطة، يرتبطون دائماً بالطبقة الحاكمة، فإننا نجد أنهم كانوا تابعين للتاج في هذه الفترة وأن علاقتهم بالنبلاء كانت أحياناً كثيرة تتسم بالعداء. بولندا من القرن السادس عشر حتى انتفاضة القوزاق Poland, from the Sixteenth Century to the Uprising of the Cossacks كان يوجد في بولندا وليتوانيا في نهاية القرن الخامس عشر نحو ستين جماعة يهودية. وبلغ عدد اليهود الإجمالى فيها 16 ألفاً، منهم 13 ألفاً في المدن و3 آلاف في القرى. وقد تحسَّن وضعهم حينما اعتلى الملك ألكسندر (1501 ـ 1506) العرش، فبعث ميثاق بوليسلاف الثاني لليهود وجعله جزءاً من قوانين بولندا عام 1506. وفي العام الذي سبقه، فرض النبلاء البولنديون (شلاختا) على الملك أن يقبل أن يكون البرلمان (سييم) مصدراً وحيداً للتشريع. وتحت حكم سيجسموند الأول (1506 ـ 1548) ملك بولندا ودوق ليتوانيا، انتشرت البروتستانتية في بولندا الأمر الذي أدَّى إلى خلق جو من التعددية والتسامح. واستمر سيجسموند في سياسة تشجيع التجارة، فأصدر مراسيم تؤكد المزايا التي حصل عليها أعضاء الجماعة اليهودية. وأكد سيجسموند الثاني (1548 - 1572) حقوق أعضاء الجماعة اليهودية، وزادت أهمية الدور الذي كانوا يلعبونه في الأعمال المالية كملتزمي ضرائب وصيارفة يعملون في الأمور المالية، وكان منهم عدد كبير من الأطباء. وكان أعضاء الجماعة اليهودية حتى ذلك التاريخ يعتمدون اعتماداً كاملاً على الملك، فكانوا يحصلون منه على المزايا والامتيازات ويتبعونه بشكل مباشر، وكان هو يزودهم بالحماية من بطش الطبقات المعادية لهم. وكانت مجالس القهال الإطار التنظيمي الذي مارس اليهود من خلاله الإدارة الذاتية. وازدادت قوة القهال الاقتصادية وتم تنظيمها في إطار مجالس البلاد الأربعة، وهو ما أدَّى إلى زيادة مقدرتها على التنافس مع المدن البولندية. وأدَّى وضع أعضاء الجماعة اليهودية المتميِّز، بقربهم من الملك، إلى زيادة التوتر بينهم وبين الكنيسة وطبقات المجتمع الأخرى سواء طبقة النبلاء (شلاختا) أو سكان المدن أو الكنيسة. وفي منتصف القرن السادس عشر، بعد موت سيجسموند الثاني، تحوَّلت بولندا إلى «جمهورية ملكية» يُنتَخب فيها الملك من قبل برلمان يضم كل النبلاء ولا يرث أبناؤه العرش. وكانت معظم القرارات تُتَخذ داخل البرلمان، وانتقلت السلطة الفعلية إلى أيدي كبار النبلاء. وتزامن هذا التطور مع ظهور الملكيات المطلقة في أوربا التي أسَّست حكومات مركزية قوية تُعَدُّ نواة الدولة القومية الحديثة. وهذه الحكومات اهتمت بالتجارة المحلية والدولية وشجعتها فيما يُعدُّ تعبيراً عن الثورة التجارية التي خرجت من رحمها حركات الاكتشاف والاستعمار من إسبانيا والبرتغال ثم إنجلترا وهولندا وفرنسا، الأمر الذي حوَّل طريق التجارة وجعل الدول الأطلسية مراكز للتجارة العالمية. وقد أدَّى ذلك إلى اضمحلال المدن البولندية في بادئ الأمر ثم إلى اضمحلال بولندا نفسها. وازدادت الدول المحيطة ببولندا قوة في تلك الحقبة أيضاً، كما كان هناك السويد والإمبراطورية النمساوية التي كان لها أطماع في الأراضي البولندية. ولكن بزوغ نجم بروسيا من ناحية، وتَعاظُم القوة الروسية من ناحية أخرى، كانا العنصر الحاسم في مسار التاريخ البولندي إذ أن التفكك الذي أصاب بولندا كان يقابله تَزايُد في تماسك الكتل السياسية المحيطة وتَعاظُم قوتها. لذا، لم يكن من الغريب أن يتم تقسيم بولندا في أواخر القرن الثامن عشر وأن تختفي تماماً ككيان سياسي مستقل خلال القرن التاسع عشر كله. وقد انتُخب الدوق ستيفن باثوري (1576 - 1586) ملكاً لبولندا، فكان ثاني الملوك المنتخبين. ورغم أنه كان متعصباً دينياً وصديقاً لليسوعيين، فإنه تَبَنَّى سياسة التسامح تجاه اليهود وأكد كل المواثيق الممنوحة لهم، وأصدر عام 1576 قرارات تُحرِّم تهمة الدم. ورغم استمرار سياسة التسامح هذه، استمر تدهور وضع أعضاء الجماعة اليهودية، وزادت محاولات الحد من نشاطهم التجاري والحرفي، وبدأت المدن تعطي نفسها السلطة القضائية على اليهود فأصدرت قرارات للحد من حرية إقامتهم فيها. وفي عام 1633 أُسِّس أول جيتو. ونتيجة ضعف نفوذ الملك، وتَصاعُد نفوذ النبلاء (شلاختا) ، أصبح هؤلاء حماة الجماعة اليهودية واقترنت مصالح الأرستقراطية الاقتصادية بأعضاء الجماعة. وأدَّى هذا التقارب بين النبلاء واليهود إلى تغيير وضع يهود بولندا بشكل جوهري، وهو الوضع الذي وسمهم بميسمه. ولا يمكن فهم التطورات اللاحقة التي أدَّت إلى ظهور الصهيونية إلا بفهم طبيعة هذا التحول. كان النبلاء في بولندا، برغم سطوتهم وقوة نفوذهم، يتبعون قوانين جامدة، فكانوا يتمتعون بمكانتهم (إذا كانوا من صلب إحدى الأسر النبيلة) ماداموا لا يعملون بالتجارة، وكان اشتغالهم بالتجارة يعني فقدانهم مكانتهم ووضعهم. ولذا، كان يوجد نبلاء فقراء (النبلاء الحفاة) معدمون يفضلون الجوع والفاقة على العمل بالتجارة. وأدَّى ذلك إلى التحالف بين قطاعات منهم وبين اليهود كعنصر تجاري نشيط يمتلك الخبرات والأموال المطلوبة للأعمال التجارية. وبلغت أهمية أعضاء الجماعة اليهودية درجة كبيرة حتى أنه حينما فكرت أعداد منهم في الهجرة إلى الدولة العثمانية في القرن السادس عشر، منعهم ملك بولندا بالإقناع والقوة. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون أية خطورة على النبلاء لأنهم لم يكن بوسعهم، كعنصر غريب أجنبي، المطالبة بنصيب في السلطة السياسية يتناسب مع وزنهم الاقتصادي، وذلك على عكس العناصر البورجوازية المحلية التي عادةً ما تطالب بمزيد من الحقوق كلما تزايدت قوتها الاقتصادية. وشهدت الفترة 1539ـ 1549 قيام النبلاء الإقطاعيين بتوزيع السلطة القانونية على أعداد كبيرة من اليهود الذين لم يعودوا تحت الحماية الملكية. وبلغ عدد اليهود الذين يعيشون على أراض يملكها النبلاء الإقطاعيون ما يزيد على نصف أعضاء الجماعة الذين أصبحوا منقسمين إلى نصفين: يهود النبلاء ويهود الملك. وكان لكليهما إطاره القانوني. ولكن عدد يهود النبلاء أخذ في الزيادة، ومع منتصف القرن الثامن عشر، بلغ عددهم ثلاثة أرباع يهود بولندا. فكان إذا طردت إحدى المدن الملكية اليهود منها انتقلوا إلى مدن النبلاء أو إلى جيوب شبه حضرية داخل ضياع النبلاء. وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية يستقرون في مدن صغيرة أسسها النبلاء، فكانوا يمنحونهم حق السكنى فيها نظير الدفاع عنها، وهي المدن التي عُرفت باسم «الشتتل» . وكان سكان هذه المدن من اليهود أساساً. والواقع أن التطور الأساسي الذي ربط مصير أعضاء الجماعة اليهودية بالنبلاء البولنديين هو إبرام اتحاد برست ليتوفسك (ويُسمَّى أيضاً اتحاد لوبلين) عام 1569 بين ليتوانيا وبولندا. وهو الاتفاق الذي حوَّل الوحدة الإسمية (وحدة الأسرتين المالكتين) بين البلدين إلى وحدة حقيقية. وقامت بولندا بضم أوكرانيا نتيجة هذه الوحدة. وكانت أوكرانيا، حتى ذلك الوقت، تُسمَّى «روثينيا» . أما كلمة «أوكرانيا» فتعني «منطقة الحدود» ، وتمتد من جاليشيا إلى نهر الدون حتى البحر الأسود، وتقع بين روسيا وبولندا والدولة التترية في القرم. وكانت أوكرانيا النقطة التي التقت فيها عناصر عديدة غير متجانسة أهمها النبلاء البولنديون الإقطاعيون الكاثوليك والفلاحون الأوكرانيون الأرثوذكس والتجار اليهود غير المنتمين لهذا أو ذاك، إلى جانب الغجر والتتار وبعض الأرمن. ثم بدأت عملية استيطان بولندية في أوكرانيا، وكانت تتطلب خبرات ورؤوس أموال كبيرة لاستصلاح الأراضي وتأمين الطرق، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور ما نسميه «نظام الإقطاع الاستيطاني» . وكانت حاجة النبلاء الإقطاعيين إلى المال تزداد يوماً بعد يوم، فكانوا يقترضون من اليهود. وأدَّى هذا كله إلى ظهور نظام الأرندا (الاستئجار) كشكل أساسي من أشكال الإقطاع الاستيطاني. فكان النبيل الإقطاعي يستدين من المرابي اليهودي مبالغ طائلة للوفاء باحتياجاته بضمان ضيعته وغلتها وعوائدها. وبالتدريج، اضطلع أعضاء الجماعة اليهودية بعملية استئجار المزرعة وإدارتها نيابةً عن النبيل الإقطاعي الغائب في وارسو، والذي كان يترك زمام الأمور في يد الوكيل. وكانت مدة عقود الإيجار تصل أحياناً إلى عدة سنوات. وأدَّى هذا إلى تَحوُّل الأرندا إلى نظام استثمار تجاري استغلالي لا تخفف من حدته الروابط الإقطاعية بما تحمل من مسئولية أخلاقية مباشرة من النبيل الإقطاعي تجاه فلاحيه وأقنانه وتراث ثقافي وديني مشترك، فهو إقطاعي في علاقاته الاقتصادية الأساسية بين النبيل والأقنان، ولكنه إقطاع بلا علاقات اجتماعية أو ثقافية إقطاعية، إذ أن الطبيعة الاستيطانية للنظام ووجود عنصر سكاني غريب يكون بمنزلة همزة الوصل بين الإقطاعي وفلاحيه قضيا على احتمال قيام مثل هذه العلاقات المباشرة وقضيا على الرقعة الثقافية والدينية المشتركة. ولا شك في أن النبلاء البولنديين كانوا ينظرون إلى أعضاء الجماعة كعنصر ريادي استيطاني كفء ونافع يساهم في تعمير المناطق غير المأهولة بالسكان وكأداة تُستخدَم لتنشيط الاقتصاد الزراعي الخامل وإدخال بعض النشاطات التجارية فيه حتى يزيد ريع الأراضي الزراعية. لكل ما تقدَّم، أصبحت السلطة المباشرة شبه المطلقة في يد اليهودي الذي كان يدير الضيعة، فهو الذي يُطبِّق القانون ويقرر العقوبات والغرامات وينفذها بمساعدة الجنود البولنديين. وكان الملتزم أو الأرنداتور اليهودي يحصل على كل الامتيازات الممكنة مثل إدارة الحانات وطواحين الغلال ومعامل الألبان ومعامل التقطير وصناعة الكحول ومناجم الملح وقطع الأخشاب وصنع الغراء ودبغ الجلود وصنع الصابون. كما كانوا يجمعون ضرائب المرور على الكباري والبوابات. بل لم تكن إقامة الصلوات الأرثوذكسية ممكنة إلا بعد العودة للوكيل اليهودي إذ لم يكن بمقدور القساوسة الحصول على مفتاح الكنيسة أو استعارة ردائهم الكهنوتي لإقامة شعائر الصلاة إلا بعد دفع ضريبة. وكان اليهود يشترون أيضاً المحصولات من الفلاحين. ولأنهم كانوا يمتلكون وسائل النقل النهري، فقد كانوا هم أيضاً الذين يقومون بنقلها. وكان أعضاء الجماعة اليهودية هم أيضاً تجار القرية الذين يبيعون الفلاحين ما يريدونه من السلع الضرورية مثل الملح والسلع التَرَفية. وأصبح بعض يهود بولندا وروسيا من كبار تجار الأخشاب والحبوب في أوربا. ونشأت علاقة قوية بين يهود البلاط في دول أوربا الوسطى، ويهود الأرندا إبّان حرب الثلاثين عاماً، حيث كان يهود البلاط يستوردون الحبوب من بولندا. وكان يهود الأرندا يقومون بتدبير الغلال المطلوبة التي كانت تتزايد حاجة أوربا إليها. وهذا يبين كيف كانت العلاقات بين الجماعات اليهودية تسهل اتصالاتهم وتجعلهم شبكة قوية ووحيدة للتجارة الدولية. وساهم الوضع الاقتصادي العام في أوربا آنذاك في تحسين وضع بولندا، إذ كان سكان أوربا الغربية آخذين في الزيادة وهو ما اضطر دول هذه المنطقة إلى استيراد كميات كبيرة من الحبوب. واستفادت بولندا من هذا الوضع، فأصبحت في الفترة من 1577 إلى 1654 بمنزلة المصدر الأساسي للقمح في أوربا. فكان يتم تصدير القمح البولندي إلى فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، وأحياناً إلى العالم الإسلامي من خلال أمستردام حيث كانت هناك أهم بورصة لبيع الحبوب. وأصبحت جدانسك أهم مدينة تجارية في أوربا بعد أمستردام إذ كانت تُصدِّر مواد عديدة مثل الحبوب والأخشاب والكتان والقنب والبوتاس والماشية. واحتكر النبلاء البولنديون هذه السلع وطوروا ضياعهم لإنتاجها فشددوا قبضتهم على الأقنان وحولوهم إلى عبيد تقريباً. فكان كبار النبلاء الإقطاعيين يمتلكون الأرض في أوكرانيا ويؤجرونها، والألمان يديرون الموانئ على بحر البلطيق، والهولنديون يمتلكون السفن البحرية لنقل السلع. أما أعضاء الجماعة اليهودية، فقاموا ببقية العملية ومن بينها نقل المحاصيل بوسائل النقل النهري التي كانوا يمتلكونها. وقبل اتحاد ليتوانيا وبولندا عام 1569، كان لا يوجد سوى أربعة وعشرين تجمعاً يهودياً في أوكرانيا لا يزيد عدد أعضائها على أربعة آلاف. ولكن، مع حلول عام 1648، كان عدد التجمعات 115 تجمعاً يبلغ عدد سكانها 51.325، أي أن أعضاء الجماعة اليهودية زاد عددهم 13 مرة خلال ثمانين عاماً. ونظراً لأن أعضاء الجماعة اليهودية لم يكونوا مسلحين، فقد كانت تساندهم فرق مسلحة بولندية حتى يمكنهم الاستمرار في استغلال الفلاحين. وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية بعلاقتهم القوية مع النبلاء والقوى التجارية الدولية محميين من تقلبات المجتمع الإقطاعي ومن غش وخداع البلديات والموظفين الملكيين، ووجدوا المناخ المستقر الذي يحتاج إليه النشاط التجاري والمالي دون ضغوط وتهديد. وتَحسَّن وضعهم ودخلوا دورة اقتصادية جديدة. وربما يُفسِّر سبب بقاء واستمرار الجماعة اليهودية وسبب استمرار أعضائها أهم عنصر في الاقتصاد النقدي رغم عمليات الطرد في أواخر القرن الخامس عشر. وقد ازدهرت الدراسات الدينية بحيث أصبحت بولندا مركز الدراسات التلمودية لا في العالم الغربي فقط وإنما في العالم بأسره. ولكنهم رغم ازدهارهم، بل وبسببه، ظلوا في نهاية الأمر عنصراً تجارياً إدارياً غريباً يعيش في بيئة فلاحية، وتحولوا إلى أداة استغلال كاملة مباشرة في يد الأرستقراطية الإقطاعية الغائبة المستفيدة من هذا الاستغلال، ومَثَّل هذا وضعاً متفجراً يتسم بعدم الاستقرار. تسبَّب نظام الأرندا في عزل أعضاء الجماعة اليهودية داخل الشتتلات وإلى تَزايُد غرورهم تجاه الفلاحين، كما تزايد اعتمادهم على السلطة الحاكمة، وعلى القوة العسكرية البولندية. وكان القانون البولندي، بسبب الوضع المتفجر، يُلزم رب العائلة اليهودية بالاحتفاظ ببنادق بعدد الذكور، وبثلاث خرطوشات وثلاثة أرطال من البارود. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يبنون معابدهم على هيئة حصون تُوجَد بحوائطها كوات تخرج منها فوهات البنادق وتُنصَب فوقها المدافع ضد الأقنان والعبيد. ومع نهاية القرن السادس عشر، كان عدد كبير من يهود بولندا الموجودين في أوكرانيا يقوم بعملية الاستغلال هذه ويشكل جسماً غريباً يتحدث أعضاؤه اليديشية (في وسط سلافي) ويؤمنون باليهودية ويمثلون النبلاء البولنديين الكاثوليك (في وسط أوكراني أرثوذكسي) ويقومون بأعمال تجارية (في وسط زراعي فلاحي) مستغرقين إما في الدراسات التلمودية التي أصبحت شكلية وخالية من المضمون والروح منفصلة عن الحياة وإما في التأملات القبالية التي تمنح اليهود مركزية في الكون لا أساس لها في الواقع. وتواجد أعضاء الجماعة اليهودية بأعداد كبيرة في مدنهم التجارية الصغيرة (الشتتلات) الأمر الذي كرَّس عزلتهم بشكل يكاد يكون كاملاً. ويُلاحَظ مدى تَداخُل الانتماء الإثني والديني والطبقي في أوكرانيا وبولندا. ولعل هذا الوضع يشكل الأساس المادي لمقولة أبراهام ليون الخاصة بالشعب/الطبقة، ولبعض المقولات الصهيونية كقولهم " من الطبقة إلى الأمة "، ولحديث بوروخوف عن الهرم الإنتاجي المقلوب عند اليهود. ولكننا نفضل استخدام مفهوم الجماعة الوظيفية (المالية/الاستيطانية) في هذه الحالة. ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن يهود الشتتل كانوا بمنأى عن الثقافة اليهودية الرفيعة (مقابل الثقافة الشعبية) التي كانت توجد مراكزها في المدن حيث كانت توجد المدارس التلمودية العليا (اليشيفات) . وقد بدأوا يتفاعلون مع محيطهم الثقافي واستوعبوا كثيراً من العادات والمعتقدات الفلاحية الشعبية المسيحية السلافية. وكان لهذا أعمق الأثر في التطور اللاحق لليهودية إذ أن الدراسات التلمودية الجافة لم تَعُد تلائم هذا الجو المشبع بالأساطير والخرافات. وقد أخذ عدد أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا في التزايد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر زيادة كبيرة، فكان عددهم عام 1500 يتراوح بين 25 و30 ألفاً من مجموع خمسة ملايين بولندي. وفي عام 1575، زاد عدد سكان بولندا إلى سبعة ملايين نسمة. ولكن عدد أعضاء الجماعة اليهودية زاد إلى 150 ألفاً. ومع منتصف القرن السابع عشر، بلغ عددهم 350 ألفاً (ويُقال 500 ألف) يشكِّلون 5% من مجموع سكان بولندا. وحتى عام 1550، لم يكن هناك يهود يعيشون بشكل قانوني في إنجلترا أو فرنسا أو هولندا أو إسبانيا أو البرتغال أو الدول الإسكندنافية أو إمارة موسكوفي. وكان يهود أوربا كافة مركزين أساساً في بولندا وبعض أجزاء من ألمانيا أو إيطاليا بحيث كان يوجد، في القرن السابع عشر، مركزان أساسيان في العالم لليهود: أحدهما في الإمبراطورية العثمانية وهو الذي استوعب العديد من اليهود الذين طردوا من أوربا الغربية وشبه جزيرة أيبريا، وثانيهما في بولندا وليتوانيا. واستمر يهود بولندا في الزيادة، حتى أن أغلبية يهود العالم في بداية القرن العشرين كانت من نسل يهود بولندا. النبلاء البولنديون (شلاختا) (Polish Nobility (Szlachta «شلاختا» كلمة بولندية معناها «نبلاء» . والشلاختا تركيب طبقي فريد يستمد تفرده من طبيعة التشكيل السياسي الحضاري البولندي. وظهرت بولندا بوصفها وحدة سياسية بعد أن قام ملوك أسرة بياست (966 ـ 1386) بتوحيد أقاليمها. وحافظت أسرة ياجيلون (1386 ـ 1572) على هذه الوحدة من خلال حكومة ملكية تتمتع بشيء من المركزية، وتفرض سلطتها على كل أطراف المملكة، وتتبع سياسة موحَّدة تجاه تطوير المجتمع وتعمير البلاد في الداخل وعمليات صد الغزاة وتوسيع رقعة البلاد في الخارج. وشهدت هذه الفترة توسيع رقعة بولندا حتى أصبحت أكبر دول أوربا وأقواها، تمتد من البحر إلى البحر، من بحر البلطيق إلى البحر الأسود. وفي محاولة تطوير البلاد، قام ملوك بولندا بتشجيع عناصر أجنبية (الألمان واليهود والأرمن) على الاستيطان وتشييد مدن تُحكَم بالقانون الألماني (قانون ماجدبرج) . واستقرت في هذه المدن أيضاً عناصر بولندية محلية صبغت هذه المدن بالصبغة البولندية. وكانت هذه المدن تتبع الملك مباشرة (ولذا سُمِّيت «مدن التاج» ) وكانت ذات شخصية اعتبارية مستقلة ولمجالسها البلدية صلاحيات كثيرة. وإلى جانب سكان المدن، كان يوجد الفلاحون الذين يعيشون داخل نظام الإقطاع البولندي كأقنان عليهم أن يعملوا في مزارع النبيل الإقطاعي. كما كان يُوجَد عدد كبير من الفلاحين الأحرار الذين يستأجرون الأرض من النبيل الإقطاعي. ولم تكن سلطة النبلاء (على الأقنان أو الفلاحين) مطلقة في بداية الأمر إذ كانت لهم أيضاً مجالسهم المستقلة ومحاكمهم، وكانت بعض القرى قد نجحت في الحصول على الحقوق والمزايا التي منحها القانون الألماني للمدن. بل إن بعض الفلاحين الأحرار كانوا ضمن العناصر الأجنبية التي استقرت خلال محاولة تعمير بولندا. أما أهم الطبقات، من منظور التطور السياسي اللاحق لبولندا، ومن منظور تبلور المسألة اليهودية في شرق أوربا وظهور الصهيونية، فهي طبقة النبلاء. وهي طبقة لم تكن قط تابعة للملك وإن كان قد نجح بعض الوقت في فرض سلطته عليها. وإذا كان التطور اللاحق في معظم أرجاء أوربا هو تَعاظُم سلطة الملك داخل النظام الإقطاعي وتقليم أظافر النبلاء الإقطاعيين وتأسيس الدولة المطلقة تحت حكم الملوك المطلقين، فإن العكس هو الذي حدث في بولندا إذ تعاظم نفوذ النبلاء حتى أصبحوا الحكام الحقيقيين وأصحاب القرار في الدولة البولندية. وظهر أول اتحاد لهم في منتصف القرن الرابع عشر، وكونوا مجلس شورى للملك (1385 ـ 1493) ، ثم نجحوا في الفترة 1422 ـ 1433 في تدعيم امتيازاتهم، كالإعفاء من الضرائب وعدم سجن أي منهم إلا بعد المحاكمة. وتحوَّل مجلس شورى الملك عام 1493 إلى مجلس تشريعي يُسمَّى السييم أو البرلمان. وفي عام 1505، ساد العرف القائل «نيهيل نوفي nihil novi» (وهي عبارة لاتينية تعني «لا تجديد» ) ، الأمر الذي يعني تأكيد حق برلمان النبلاء وحده في إصدار القوانين والتشريعات. ومن خلال البرلمان (سييم) ، تَمكَّن النبلاء من تقويض دعائم النظام الملكي المركزي تماماً حتى تحولت بولندا من مملكة يحكمها ملك إلى مملكة تحكمها طبقة اجتماعية هي طبقة النبلاء. ولعل تَزايُد نفوذ النبلاء يعود إلى سمة فريدة في بولندا بين الدول الغربية، وهي تعددية الإمبراطورية البولندية إثنياً وجغرافياً ودينياً، وهي تعددية زادت بعد توحيد ليتوانيا وبولندا عام 1386 باتحاد الأسرتين الملكيتين في البلدين. وكانت بولندا تضم بولنديين كاثوليك يتحدثون الألمانية، وليتوانيين يتحدثون لغتهم، ويهود يتحدثون اليديشية، وألمان يتحدثون الألمانية، وأرمن مسيحيين يتحدثون الأرمنية، وتتراً مسلمين يتحدثون لغتهم، وغير هؤلاء كثيرون، حيث بلغ عدد اللغات اثنتى عشرة لغة. كما وُجدت في بولندا الديانات التوحيدية الثلاث، وكذلك معظم الشيع المسيحية: الأرثوذكسية والكاثوليكية والأرمنية والبروتستانتية، ومثل هذه التعددية تتطلب إطاراً إدارياً فضفاضاً. وانتهى حكم أسرة ياجيلون بتوقيع اتحاد لوبلين (برست ليتوفسك) عام 1569، والذي حوَّل الوحدة بين بولندا وليتوانيا من وحدة ملكية (من خلال الأسرة المالكة) إلى وحدة حقيقية بين البلدين. ولكن كان يُوجَد في كل من البلدين طبقتان من النبلاء، لكلتيهما مصالحها وظروفها التي لا تنوي التنازل عنها. ولإنجاز الاتحاد، كان لابد أن تتنازل السلطة المركزية الملكية عن كثير من سلطاتها الأمر الذي أدَّى إلى تَزايُد ضعف السلطة المركزية وتَزايُد نفوذ النبلاء. وبعد أن اتحدت مملكة بولندا ودوقية ليتوانيا، احتفظت كل منهما بقوانينها وإدارتها، ولكن أصبح لها حكومة واحدة تحت حكم ملك واحد ينتخبه البرلمان (سييم) . وقد سموا هذا الكيان «ريس بوبلكا res publica» وهي كلمة لاتينية معناها «الجمهورية» ، وأُطلَق عليها «جمهورية بولندا وليتوانيا المتحدة» ، أي أن المملكة الجديدة تحوَّلت من ملكية تتحكم فيها طبقة اجتماعية إلى جمهورية ملكية أي جمهورية يحكمها ملك منتخب، وهو أمر فريد في العالم الغربي وربما في العالم بأسره. وكان الملك يُنتخَب انتخاباً مباشراً من قبَل النبلاء. ولم يكن يتم تتويج الملك إلا بعد أن يُقسم على أنه سيلتزم بميثاق يحوي العديد من البنود، مثل: قبوله بأن يُختار الملك بالانتخاب وأن عليه دعوة البرلمان للاجتماع والموافقة على أن يقوم ستة عشر سناتوراً بالرقابة على السياسة الملكية وأن يحافظ على امتيازات النبلاء وحقهم في الموافقة على فرض الضرائب وإعلان الحروب وتوقيع المعاهدات. ومن ثم كانت السيادة الكاملة للنبلاء، وأصبح الملك مثل المدير الذي يتم التعاقد معه لتنفيذ خطة محددة موضوعة له. وكانت سلطة ملك بولندا أقل كثيراً من سلطة ملك إنجلترا الذي كان يملك ولا يحكم، فهذا كان لا يملك ولا يحكم. ووصل نظام الجمهورية الملكية إلى قمة سخفه في نظام الليبروم فيتو librum veto (وهي عبارة لاتينية تعني «الفيتو الحر» ) وهو نظام يعطي لأي عضو في البرلمان حق الفيتو وهو ما كان يعني ضرورة أن تَصدُر القرارات بالإجماع. وقد أصاب هذا النظام البرلمان بالشلل وزاد تفكك بولندا وتحوُّلها إلى أقسام يحكم كلاًّ منها نبيل أو ربما يتحكم فيه. وتزامنت عملية تقنين سلطة النبلاء مع عدة عمليات تاريخية داخلية وخارجية: 1 ـ شهدت سبعينيات القرن السادس عشر ازدهار بولندا التجاري نتيجة تحوُّلها إلى معبر للتجارة بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، فهي بلد يقع في قلب أوربا ويمتد من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، أي من السويد وروسيا وألمانيا وبمحاذاة العديد من بلاد أوربا ووسطها ليصل إلى حدود الدولة العثمانية. وبدأت بولندا في تصدير العديد من السلع الغذائية. واستفاد النبلاء من هذا الوضع إذ احتكروا الاتجار في هذه السلع وراكموا الثروات. 2 ـ شهدت الفترتان من 1496 إلى 1508 ومن 1520 إلى 1532 صدور عدة قوانين شددت قبضة النبلاء على الفلاحين وسلبتهم حريتهم وحولتهم إلى أقنان بحيث أصبحوا ملكية خاصة للنبلاء وأصبحوا مجرد مصدر للعمالة الرخيصة في مزارع البلاد. 3 ـ نجم عن الوحدة بين ليتوانيا وبولندا أن أُتيحت فرصة للاستثمار أمام النبلاء البولنديين في أوكرانيا (1569 ـ 1648) . وانحصر اهتمام النبلاء في ريع ضياعهم في أوكرانيا دون أيِّ إحساس بالمسئولية الإقطاعية تجاه فلاحيهم ودون أية مشاركة في ثقافتهم. وأدَّى هذا إلى تَزايُد استغلال النبلاء للفلاحين في أوكرانيا وخارجها، وتحوَّل نظام الأقنان إلى نظام عبودي إذ لم تكن هناك قوة تقف في وجه النبلاء وتضع حدوداً لاستغلالهم. وقد أصر النبلاء على حقهم المطلق في إقرار الحياة والموت بالنسبة إلى الأقنان. وظل رجال الكنيسة وسكان المدن اليهود (أي الجماعات التي كان يتقرر وضعها بموجب مواثيق ملكية) خارج نطاق تحكُّم النبلاء. واستمر استقلالهم، ولكنهم لم يشتركوا في البرلمان أو في انتخاب الملك باستثناء بعض كبار رجال الكنيسة. وكانت ثقافة الشلاختا تدعو للمساواة التامة بين مختلف النبلاء دون تفرقة على أساس الثروة أو النفوذ. ولم يكن هناك تمييز بين كبار النبلاء والشريحة المتوسطة منهم أو ما كان يُسمَّى «النبلاء الحفاة» أو «سابلة النبلاء» وهو عدد هائل من النبلاء الذين كانوا لا يملكون أرضاً ولا ثروة، ومع هذا كانوا أعضاء في طبقة الشلاختا. ويُلاحَظ أن طبقة النبلاء، في مختلف بلاد أوربا، كانت لا تزيد على 1 ـ 2% من مجموع السكان. أما الشلاختا، فكانت تصل إلى ما بين 8% و12%. ولذا، كانت تُعَدُّ أكبر طبقة لها حق الانتخاب في أوربا في ذلك الوقت. ورغم مجموعة القيم الديمقراطية التي تَمسَّك بها أعضاء الشلاختا، أو ربما بسببها، فإنهم كانوا مسئولين إلى حدٍّ كبير عن ضعف بولندا واختفائها في نهاية الأمر. فقد اهتم النبلاء كل بمصلحته الخاصة وهو أمر لم يكن ليَخفَى على الدول المجاورة (ذات الأطماع في بولندا) التي أخذت تتدخل في السياسات الداخلية لبولندا من خلال النبلاء وتتحكم فيها، وهو ما أدَّى إلى تَزايُد النفوذ الأجنبي. وتزامنت هذه المرحلة مع ظهور الملكيات المطلقة ذات السلطة المركزية في بقية أوربا وظهور ألمانيا وروسيا والنمسا كإمبراطوريتين لهما أطماع في بولندا. وحدث تَطوُّر مُتوقَّع داخل طبقة النبلاء ذاتها إذ أخذت شريحة كبار النبلاء (التي كانت تضم حوالي ثلاثمائة أسرة) في التبلور كأقلية تتحكم في طبقة النبلاء نفسها، وفي الوظائف الأساسية في الدولة ومن ثم في بولندا بأسرها. وكانت ثروات كبار النبلاء أكبر من ثروات الملك، كما كانت ضياعهم دولة داخل دولة فعلاً، ويعيش فيها مئات الألوف من الأقنان/العبيد. وكان حجم بعضها أكبر من حجم بعض الدوقيات الألمانية، كما كانت تتبع كل نبيل قوة مسلحة خاصة به لضمان الأمن الداخلي. وتحوَّل صغار النبلاء إلى موال لهم يمتثلون لأوامرهم. وقد أسس النبلاء مدناً خاصة بهم تتنافس مع المدن الملكية وتفوقها في الثروة والنفوذ، وساهموا في إضعاف الطبقة الوسطى إذ استوعبوا ثروات بولندا وركزوها في أيديهم. ومع اكتشاف أمريكا، وصلت إلى أيديهم كميات كبيرة من الذهب تم استيرادها من العالم الجديد. ولكن الثروات التي راكموها لم يُعَد استثمارها في الاقتصاد، بل بُدِّدت في مظاهر الترف، الأمر الذي أدَّى إلى التضخم وعدم الازدهار الاقتصادي. وقد أدَّى كل هذا إلى استقطاب شديد في المجتمع البولندي بحيث كانت تُوجَد من ناحية طبقة الشلاختا التي على رأسها شريحة كبار النبلاء تتحكم في المجتمع بأسره (دون ضوابط) بمساندة القوى الأجنبية أحياناً، وكانت تُوجَد من ناحية أخرى طبقة عريضة من الفلاحين الذين تحولوا بالتدريج إلى أقنان/عبيد، كما كانت تُوجَد طبقة وسطى هزيلة غير قادرة على النمو بسبب سيطرة كبار النبلاء. ومع تَصاعُد نفوذ النبلاء وضعف نفوذ السلطة المركزية الملكية، تزايد اعتماد اليهود على النبلاء ابتداءً من القرن السابع عشر وانتقل مركز الجاذبية بالنسبة إليهم من غرب ووسط بولندا إلى المناطق الشرقية في أوكرانيا وغيرها. ومن منتصف القرن السابع عشر، أصبحوا الطبقة الثالثة، أو الجماعة الوظيفية الوسيطة بين النبلاء والأقنان. وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية أداة النبلاء في ممارسة سلطتهم الجائرة غير المستنيرة. فقام اليهود بمهمة إدارة مزارع النبلاء الكبيرة في أوكرانيا وغيرها تساندهم القوة العسكرية البولندية فيما عُرف بنظام الأرندا، وذلك داخل إطار الإقطاع الاستيطاني في مدنهم الصغيرة (شتتل) التي بناها لهم النبلاء. وكذلك أصبح أعضاء الجماعة أداة النبلاء في كبح جماح الطبقة الوسطى، أو سكان المدن البولندية. فالنبلاء كانوا يفضلون التجار اليهود على غيرهم لأنهم كانوا يحققون لهم عائداً أكبر من العائد الذي يحققه التجار البولنديون أو الألمان. وحتى في المدن البولندية، التي كان محظوراً على اليهود السكنى أو الاتجار فيها، كانت منازل النبلاء تقع خارج نطاق قوانين المدينة، ولذا كان بوسع اليهود أن يقيموا فيها كي يقوموا بنشاطهم التجاري لصالحهم ولصالح النبلاء أيضاً. ومما دعم العلاقة بين اليهود والنبلاء أن النبيل الإقطاعي كان محرماً عليه الاشتغال بالتجارة، كما كان يفقد مكانته ووضعه الطبقي إن فعل، ولذا كان مضطراً لاستخدام وسيط تجاري ليضطلع بهذه الوظيفة نيابة عنه. وازدهرت الجماعة اليهودية بسبب ارتباطها بالنبلاء الذين كانوا يجدون فيها أداة طيعة لا تمثل أية خطورة عليهم بسبب عزلتها عن السكان ولأنها ليست لها مطالب سياسية على عكس الوسطاء المحليين. ويُقال إن بولندا، في هذه المرحلة، كانت السماء بالنسبة لليهود والجنة بالنسبة للنبلاء، ولكنها كانت تمثل جهنم بالنسبة للأقنان، ويمكن أن نضيف وللتجار البولنديين. ويمكن أن نرى هنا الجذور الحقيقية للمسألة اليهودية إذ أن تحول اليهود إلى أداة استغلال، أو إلى جماعة وظيفية وسيطة، يعني أنهم كانوا يقفون ضد أغلبية طبقات المجتمع لا يرتبط مصيرهم بمصيره، وخصوصاً أن الطبقة التي ارتبطوا بها لم تكن طبقة وطنية بل طبقة مرتبطة بالنفوذ الأجنبي. ولذا، فحينما ظهرت طبقة بورجوازية وطنية في بولندا، لم يكن بإمكان اليهود أن ينخرطوا في سلكها فظلوا خارجها. كما ارتبطوا بطبقة كانت عملياً مسئولة عن ضعف بولندا وتَحوُّلها من دولة عظمى إلى دويلة صغيرة ثم عن اختفائها نهائياً مع بداية القرن التاسع عشر. واختفت طبقة النبلاء مع تقسيم بولندا وتَحوَّل كثير من النبلاء إلى مهنيين. ونحن نرى أن علاقة كبار النبلاء باليهود كجماعة وظيفية وسيطة وعميلة، تُستخدَم أداة لامتصاص خيرات البلد وفائض القيمة من جماهيره داخل إطار الإقطاع الاستيطاني والأطر الأخرى، تشبه علاقة الولايات المتحدة بالمستوطنين الصهيونيين داخل إطار الاستعمار الاستيطاني الإحلالي. بولندا من انتفاضة القوزاق إلى التقسيم Poland, from the Cossack Uprising to the Partition بدأت الفترة التي تُعرَف باسم «الطوفان» في تاريخ بولندا في منتصف القرن السابع عشر، وهي فترة استمرت نحو ثلاثين عاماً. وشهدت المرحلة السابقة الضعف المتزايد لسلطة الدولة المركزية، وضعف الملكية تحت حكم ملوك الساكسون، وزيادة قوة النبلاء البولنديين (شلاختا) الذين كان يدين بعضهم بالولاء لدول أجنبية. وتزامن ضعف السلطة المركزية مع ظهور دول مجاورة قوية مثل السويد أو روسيا التي بدأت تتحدد معالمها كدولة عظمى. وبدأ الطوفان بثورة القوزاق، وهم جماعة حدودية من الجنود وقطَّاع الطرق كونوا فرقاً شبه عسكرية متجولة، بتشجيع من ملوك بولندا لحماية المنطقة من هجمات التتار. ولكنهم أخذوا يتمردون على الحكم البولندي، واندلعت أول انتفاضة لهم عام 1637. وأعقب ذلك فترة جفاف في أوكرانيا سادت عشرة أعوام، وهو ما زاد بؤس الفلاحين وزاد ضغط اليهود عليهم ليفوا بالالتزامات المالية. ثم هبت العاصفة الحقيقية على شكل انتفاضة بوجدان شميلنكي عام 1648 التي اكتسحت البولنديين وأعوانهم من اليهود. ورغم توقيع معاهدة مع بولندا اعترفت فيها باستقلال دولة القوزاق بزعامة شميلنكي، فإن الصراع في المنطقة استمر دون هوادة. ولم يتمكن أي من الفريقين من إحراز انتصار حاسم. وكان شميلنكي، منذ بداية الثورة، قد عقد تحالفات مع روسيا والدولة العثمانية والتتار، كما وقع معاهدة عام 1654 مع روسيا وُضعت بمقتضاها دولة القوزاق الأوكرانية تحت حماية القيصر، وأصبح القيصر بعدها قيصر روسيا الصغرى (أي أوكرانيا) أيضاً. وهنا دخلت روسيا الحروب مع بولندا التي تحالفت مع التتار. وكانت النتيجة أن أوكرانيا عاشت فترة امتدت 32 عاماً من الغزو الأجنبي والحروب الأهلية والتقلبات الاجتماعية. ودخلت القوات السويدية الحرب عام 1655. وشهدت الفترة أيضاً هجمات الهايدماك وهجمات الفلاحين والأقنان تحت قيادة قوزاق من جماعة الزابروجيان من أتباع شميلنكي (مات عام 1657) ، كما شهدت كذلك تصارعاً بين جماعات القوزاق المختلفة. وانتهى الأمر بتقسيم أوكرانيا بين بولندا وروسيا والدولة العثمانية التي ضمت أجزاء من أوكرانيا، من ضمنها بودوليا، ظلت تحت الحكم العثماني حتى عام 1699. ووقعت معاهدة السلام الأزلي بين روسيا وبولندا عام 1686، ومع هذا اندلعت الحرب مرة أخرى ولم تنته إلا عام 1709 حين انتصرت روسيا على السويد وبولندا. وتحطَّم الاقتصاد البولندي تماماً في هذه المرحلة إذ توقفت تجارة الحبوب من خلال بحر البلطيق وانخفض مستوى المعيشة (كان مستوى معيشة المواطن البولندي عام 1750 أقل منه عام 1550) ، وتدهورت المدن، وفَقَدت ثلاثة أرباع سكانها، وشهدت بولندا أسوأ تَضخُّم في تاريخها. وهبط عدد سكان بولندا إلى أربعة ملايين عام 1668 وهو يعادل 45% من عدد السكان قبل هذا التاريخ، ثم ارتفع العدد إلى أن بلغ 11.420.000عام 1772. وكانت هذه المنطقة من أوربا تضم نصف يهود العالم تقريباً. وترى الدراسات الحديثة أن التصورات القديمة الخاصة بأن ثورة شميلنكي أبادت عشرات الألوف من اليهود واجتثت مئات الجماعات هي تصورات مبالغ فيها إذ أن أعداداً كبيرة من اليهود هربت ثم عادت بعد استقرار الأمور بعض الشيء. ومع هذا، ثمة اتفاق على أن هذه الهجمات، ثم الصراعات العسكرية والاجتماعية التي تلتها، أدَّت إلى ضعضعة الوجود اليهودي في بولندا وخلقت جواً من الذعر وعدم الطمأنينة. ورغم أن أعضاء الجماعة اليهودية قاموا بمحاولة إعادة البناء بمساعدة الملك جون كاسيمير (1648ـ 1668) ، إلا أن نفوذه كان ضعيفاً، كما أن رأس المال اليهودي كان قد تبدَّد إلى حدٍّ كبير. وكذلك كان عدم الاستقرار سائداً. ولذا، لم تنجح التجربة هذه المرة، وازدادت الأعباء المالية الملقاة على كاهلهم وعلى كاهل مجالس القهال، وبدأ نمط الهجرة الحديثة بين أعضاء الجماعات، الهجرة من البلاد المتخلفة في شرق أوربا إلى البلاد المتقدمة في غربها والهجرة الاستيطانية إلى العالم الجديد. وفي منتصف القرن الثامن عشر، كان البناء الطبقي والوظيفي لأعضاء الجماعة اليهودية على النحو التالي: 2ـ3% من كبار التجار. 40% من صغار التجار وضمن ذلك مستأجرو الحانات ويهود الأرندا. 33% من الحرفيين. 10% من الحرف المرتبطة بنشاطات الجماعة اليهودية. 15% من الفقراء والعاطلين والمتسولين. وكان معظم الجماهير اليهودية في تلك المرحلة قد ابتعد عن مراكز الدراسات التلمودية والتقاليد الثقافية الحاخامية التي كانت قد بدأت تفقد صلتها بالواقع، وأصبحت غير قادرة على أن الاستجابة للحاجة الروحية لدى الجماهير اليهودية، الأمر الذي أدَّى إلى انتشار القبَّالاه. ورغم أن اليهود كانوا وسطاء ممثلين للإقطاع البولندي، فإنهم اكتسبوا كثيراً من صفات الفلاحين الأوكرانيين والبولنديين بكل خرافاتهم ونزعاتهم الدينية الغيبية، بل تأثروا بتقاليدهم الدينية المسيحية، وخصوصاً بجماعات المنشقين الدينيين الروس وبالخليستي على وجه التحديد. وتزامن ظهور الحركة مع التدهور التدريجي للاقتصاد البولندي إذ طُرد كثير من يهود الأرندا وأصحاب الحانات من القرى والمدن الصغيرة. وتسبَّب كل ذلك في ازدياد تَغلغُل الرؤى القبَّالية، الأمر الذي جعل أعضاء الجماعة اليهودية تربة خصبة للنزعات المشيحانية. ولذلك، ترك شبتاي تسفي أعمق الأثر في بعض قطاعاتهم، وأصبحت بولندا، وخصوصاً بودوليا، مركزاً للحركات الشبتانية والفرانكية على وجه الخصوص. وفي نهاية الأمر، ظهرت الحسيدية في المناطق الزراعية في بولندا التي ضُمَّت فيما بعد إلى روسيا وهي أوكرانيا وروسيا البيضاء. وكانت القيادة الاجتماعية للحركة الحسيدية هي الطبقة الوسطى الصغيرة من بقايا يهود الأرندا ومستأجري الحانات وأصحاب المحال الصغيرة والباعة المتجولين. والحسيدية حركة دينية حلولية تنادي بالتواصل مع الخالق مباشرة، بل الالتصاق به، متجاوزة بذلك المؤسسات الدينية التقليدية، كما أنها تؤكد أهمية التجربة الصوفية والإحساس بالنشوة بشكل يجعلها معادية للنزوع العقلي أو الذهني المجرد للمؤسسات التلمودية. ولكن هذه النزعات نفسها ساهمت في تخفيف البؤس على الجماهير. وأحلَّت الحسيدية التساديك محل الحاخام، والتساديك شكل من أشكال القيادة الكاريزمية في وقت كانت القيادات الحاخامية قد تخلَّت فيه عن مسئوليتها. والتساديك على عكس الحاخام ملتصق بمريديه، يعرف مشاكلهم وبوسعه أن يُدخل على قلوبهم الطمأنينة. ازداد الصراع بين أعضاء الجماعة والبورجوازية البولندية، فصدرت عام 1720 تشريعات حدَّت من النشاط التجاري لليهود. وهذا الصراع إحدى السمات الأساسية للوجود اليهودي في بولندا، فنتيجةً للتاريخ الاقتصادي المنفصل لأعضاء الجماعة، أي لكونهم جماعة وظيفية وسيطة وأعواناً للأرستقراطية وعملاء لها في إطار الإقطاع الاستيطاني ونظام الأرندا، ونتيجة عزلتهم الحضارية وكونهم عنصراً غريباً مستقلاًّ، كان من الصعب إنشاء تحالف بينهم وبين البورجوازية البولندية، الأمر الذي كان يعني أن يظل اليهود منذ البداية خارج نطاق النضال الثوري. وقد أُلغي مجلس البلاد الأربعة عام 1764. وبلغ عدد يهود بولندا في ذلك العام 749.968 يهودياً (منهم 548.777 في بولندا و201.191 في ليتوانيا) يعيش معظمهم في المدن. وإذا عرفنا أن نصف مليون بولندي فقط كانوا يعيشون في المدن لتبيَّن لنا أن سكان المدن، خصوصاً المدن الصغيرة، كانوا أساساً من اليهود. وقد قُسِّمت بولندا للمرة الأولى عام 1772 ثم قُسِّمت مرة أخرى عام 1793. وحدثت محاولة لإصلاح اليهود كما نُشرت دراسات ومشاريع تهدف إلى تحديث اليهود ودمجهم في الأمة البولندية، وتمت مناقشة المسألة اليهودية في البرلمان البولندي (1788 ـ 1792) ، ولكن قامت معارضة شعبية لعملية الدمج هذه. وشُكِّلت لجنة عام 1790 لبحث المسألة اليهودية قررت وجوب إلغاء ديون القهال أولاً ثم إخضاع أعضاء الجماعة لعملية التنوير. وأدَّى تقسيم بولندا إلى تقسيم أعضاء الجماعة فيها، فتم ضم عدد من يهود بوزنان إلى بروسيا، وأصبحت جاليشيا تابعة للإمبراطورية النمساوية، وتم ضم يهود المقاطعات الشرقية إلى روسيا. وحينما اندلعت ثورة كوشتشوكو القومية، اشترك فيها اليهود إلى جانب البولنديين. وكانت مثل هذه اللحظات النادرة من الكفاح الوطني المشترك بوتقة الصهر التي كان يتم من خلالها وإبّانها دمج الجيوب الإثنية والدينية المختلفة في التشكيلات القومية، ولكن لم يُقدَّر لهذه اللحظات أن تتكرر في حالة يهود بولندا. ولم يُقدَّر للاتجاه الاندماجي الاستمرار لعدة أسباب: 1 ـ كان الاندماجيون بين اليهود شريحة اجتماعية صغيرة للغاية، تَوجُّهها الثقافي بولندي ويتركز معظم أعضائها في وارسو أو في غيرها من كبرىات المدن. أما الجماهير اليهودية العريضة، فكانت جماهير فقيرة تتحدث اليديشية ولم تتأثر بالقيم التحديثية والقومية الجديدة، كما كانت تعيش داخل مدنها الصغيرة (الشتتل) بمعزل عن الحضارة القومية. وكانت أعداد الجماعة اليهودية في بولندا من الضخامة بحيث أن اليهودي كان يُولَد ويَكبُر ويموت دون أن يضطر إلى الاحتكاك بشكل دائم ويومي مع الحضارة الأم. وأصبحت الجماهير اليهودية ذات ثقافة فلاحية طابعها مسيحي. وحينما نقول ثقافة فلاحية في بولندا، فنحن نقصد أنها ثقافة متخلفة إلى حدٍّ ما، ومنعزلة عن الثقافة العالية وضمن ذلك الثقافة التلمودية نفسها. فانتشرت بين اليهود المعتقدات الشعبية والخرافات، وهو ما جعلهم أقل تَقبُّلاً لمحاولات التحديث والتنوير. ومما ساهم في زيادة الوضع سوءاً الانفجار السكاني بين أعضاء الجماعة اليهودية. 2 ـ ومن أهم العناصر التي أفشلت محاولات الاندماج ميراث الجماعة اليهودية التاريخي والاقتصادي الذي جعلها بمعزل عن التطور القومي البولندي، بل وضعها في مجابهته وجعل يهود بولندا أعداءً لكل الطبقات الأخرى باستثناء بعض قطاعات من طبقة النبلاء. ومعنى هذا أنه كان هناك أساس ثقافي واقتصادي قوي للمواجهة بين البورجوازية البولندية وأعضاء الجماعة اليهودية يحتاج إلى فترة طويلة من الكفاح القومي المشترك حتى يتسنى التوصل إلى أساس مشترك للكفاح والاندماج. كان أعضاء الجماعة مركزين في مناطق حدودية تتصارع عليها دول ذات ثقافات مختلفة بل متصارعة، فكان هناك أولاً بولندا نفسها، ثم روسيا التي كانت تشجع الثقافة الروسية وعمليات الترويس. ومن الناحية الأخرى، كان هناك ألمانيا والنمسا ذات الثقافة الألمانية. وكان اليهود أنفسهم يتحدثون اليديشية وهي رطانة ألمانية دخلت عليها كلمات سلافية. وبعد كل تقسيم، كان يتعيَّن على اليهود، كنوع من الدواعي الأمنية، إعادة صياغة أنفسهم بما يتفق مع ثقافة الدولة المهيمنة. وقد نشأ، على سبيل المثال، صراع داخل شريحة المثقفين اليهود في جاليشيا بين كل من دعاة العبرية والألمانية والبولندية واليديشية. ومثل هذا الجو، الذي لا يتسم بالتحدد الثقافي، لا يساعد كثيراً على تحديد شخصية اليهود الثقافية ولا على الولاء أو الانتماء القومي. القوزاق Cossacks «قوزاق» ، من كلمة «كازاك» ، وهي كلمة تركية مشتقة من كلمة «خزر» ، وكلمة «خزر» مترادفة في لغات شرق أوربا مع «تتري» و «تركي» و «مغولي» و «الساراسين» أي المسلم. ولكنها، مع القرن السادس عشر الميلادي، كانت تشير إلى جماعات من الأقنان السلاف المسيحيين الذين فروا من ضياع النبلاء البولنديين في أوكرانيا واستقروا في أراضي الإستبس على ضفاف نهري الدنيبر والونيستر وفي شبه جزيرة القرم. ويبدو أنهم كانوا من أصل روسي تجري في عروقهم دماء مغولية وتترية، وكانوا يؤمنون بالأرثوذكسية التابعة لبابا روما. وينقسم القوزاق إلى قسمين: القوزاق الأوكرانيون أو قوزاق المدن، وهؤلاء كانوا يعيشون إلى جوار المدن كما كانوا أكثر تحضراً، أما القسم الآخر فكان هو القوزاق الزابروجيان. وهؤلاء كانوا مستقلين تماماً ويعيشون خلف نهر الدنيبر (كلمة «زابروج» تعني «عبر النهر» ) ، وكان تنظيمهم الاجتماعي زراعياً عسكرياً، كما كانوا يعيشون في مراكز محصنة تُسمَّى «السيخ» ، وكانت بمنزلة معسكر وسوق ومركز إداري. وكان السيخ مستقراً نسبياً ويقام في جزر في نهر الدنيبر. وقد كان كل من قوزاق المدن وقوزاق الزابروجيان على علاقة وطيدة. ومن الإشكاليات الأساسية، التي كانت تواجهها ثورات الفلاحين في دول أوربا، عدم وجود أرض عذراء تمكن زراعتها. ولذا، كانت هذه الثورات تبوء بالفشل. ولكن بالنسبة إلى هؤلاء الفلاحين القوزاق المتمردين، فإن مساحات الإستبس الشاسعة كانت تشكل مجالاً حيوياً لهم. ومكَّنهم ذلك من الإفلات من مصير معظم ثورات الفلاحين، ومن ثم فإنهم نجحوا في تأسيس جمهورية حرة (جمهورية القوزاق الزابروجيان) تخضع للتنظيم العسكري حيث كان كل مواطن جندياً وكان يقود الجيش والجماعة قائد يُسمَّى «أتمان» . ولا ندري أيمكن أن يكون هؤلاء الفلاحون قد أطلقوا على أنفسهم اسم «قوزاق» باعتبار أنهم أحرار مثل التتار، ومن أعضاء القطيع الذهبي مثل المغول، أم أن النبلاء البولنديين سموهم بذلك الاسم احتقاراً لهم. وقد تزايدت صفوفهم بانضمام عناصر من سائر الأنواع والأجناس؛ من فقراء ونبلاء وتتر بل ويهود. استفادت بولندا، في بداية الأمر، من جماعة قوزاق المدن في حماية حدودها ضد هجمات التتار والمغول. ولكن القوة الروسية الصاعدة تبنت قضيتهم وشجعتهم باعتبارهم وسيلة لفصل أوكرانيا عن بولندا التي كانت تستغلها عن طريق الإقطاع الاستيطاني ويهود الأرندا. وتحالف قوزاق المدن وقوزاق الزابروجيان تحت قيادة شميلنكي (أهم قادة القوزاق) الذي قاد الانتفاضة ضد الحكم البولندي ونجح في طرد البولنديين والاستقلال بأوكرانيا التي انضمت إلى روسيا القيصرية. واستخدم القياصرة جيوش القوزاق فيما بعد في غزواتهم وفي عمليات القمع الداخلي. وتُعدُّ جماعات الهايدماك أيضاً من جماعات القوزاق. الهايدماك Haidmaks «هايدماك» من الكلمة التركية «هايدا» بمعنى «ينتقل» . والهايدماك جماعات شبه عسكرية من القوزاق والفلاحين قامت بالهجوم على التجار من سكان المدن في أوكرانيا البولندية في القرن الثامن عشر، وهي منطقة كانت تضم تجمعات يهودية كبيرة. وكانت صفوفهم تضم الأقنان الهاربين من نير الإقطاع البولندي إلى مناطق الإستبس، كما كانت تضم فقراء المدن وأبناء النبلاء الفقراء ورجال الدين وبعض أعضاء الفرق الدينية المهرطقة الهاربين من روسيا وبعض التتر المسلمين بل وبعض اليهود أحياناً. والهايدماك نتاج التفاعلات الاجتماعية في أوكرانيا التي بدأت في نهاية القرن السادس عشر ووصلت إلى قمتها مع الانتفاضة الشعبية التي قادها شميلنكي لذي كان الهايدماك يعتبرون أنفسهم ورثته، ومن هنا كان عداؤهم للاستغلال ولأهل المدن واليهود. وابتداءً من عام 1720، لم يمر عام دون أن تظهر جماعة منهم. وفي عامي 1739 و1750، نجح الهايدماك في الاستيلاء على عدة مدن بولندية صغيرة في المنطقة الشرقية، وقتلوا عدداً من اليهود البولنديين. ولكن أسوأ المذابح وقعت عام 1768 في مدينة أومان حين قُتل عشرون ألف بولندي من بينهم بضعة آلاف من اليهود، ولكن لا يمكن التحقق من دقة هذه الأعداد بسبب التهويل الذي يميل إليه الراصدون المعاصرون لتلك الأحداث. وقامت الحكومتان البولندية والروسية بمقاومة الهايدماك حتى نجحتا في إخماد نشاطهم في نهاية الأمر. وأدَّت هجمات الهايدماك إلى تحطيم معنويات أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا وإلى إفقارهم وتجذير الإحساس لديهم بعدم الطمأنينة وغياب الاستقرار. المعبد/ القلعة Fortress Synagogue «المعبد/القلعة» هو معبد يهودي كان يُستخدَم للعبادة والقتال. والمعبد/القلعة ظاهرة فريدة في تاريخ الطرز المعمارية لأماكن العبادة، إذ من المحتمل ألا يكون له أي نظير. وقد ظهر في بولندا، وبخاصة في المناطق الحدودية التي تفصل بينها وبين روسيا. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يقومون بالعبادة والدراسة في مثل هذه المعابد، التي كانت مصممة بطريقة يمكن استخدامها كحصون وقلاع عسكرية في آن واحد. ونشأت الحاجة لمثل هذا الطراز من المعابد في إطار الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا. فقد وظَّف النبلاء البولنديون (شلاختا) بعض أعضاء الجماعة اليهودية في عملية اعتصار أكبر قدر ممكن من الأرباح من الفلاحين الأوكرانيين. فأصبحت الجماعة اليهودية جماعة وظيفية من الوكلاء الماليين (أرنداتور) يعيشون في مدن خاصة بهم (شتتلات) منعزلين لغوياً ودينياً واجتماعياً وثقافياً عن جماهير الفلاحين. وكانت الجماعة اليهودية محل سخط الجماهير وغضبها (كما هو الحال مع أعضاء الجماعات الوظيفية، وخصوصاً العميلة) ولذا كانت القوات العسكرية البولندية تقوم بحمايتها من الجماهير ومن الانتفاضات الشعبية المحتملة. ومع هذا كان أعضاء الجماعة اليهودية يتدربون على السلاح، وكان عليهم الاحتفاظ بأسلحة بعدد الذكور القادرين على حملها، وبكمية معيَّنة من البارود (حسبما كانت تنص العقود المبرمة بين النبلاء البولنديين ووكلائهم اليهود) . وكانت هذه المعابد/القلاع مصممة بطريقة تجعل بالإمكان استخدامها كمكان للعبادة والدراسة وكحصون وقلاع عسكرية. فكانت تُزوَّد بحوائط سميكة للغاية، كما أن المتاريس (حاجز السقف أو الشرفة) مزودة بكوات لتخرج منها المدافع والبنادق، أثناء الاشتباك مع الجماهير. ومن أشهر المعابد/القلاع معبد لتسكLutsk الذي بُني عام 1626 لخدمة الأغراض العسكرية بالدرجة الأولى. وصدر قرار ملكي ببنائه كان ينص على ضرورة أن يلتزم اليهود بتزويد معبدهم هذا بكوات من الجهات الأربع وبالسلاح الكافي (على نفقتهم) ، كما يجب أن يكون المعبد/القلعة مزوداً بعدد من الرجال يكفي لصد الهجمات عليه. وصدر أمر لمعبد ريسيسوف بأن يزود نفسه بالبنادق والرصاص والبارود. وكانت المعابد/القلاع تزود عادةً ببرج مراقبة ضخم (كان يُستخدَم في زمن السلم كسجن يُودَع فيه المجرمون من أعضاء اليهودية) . ونقاط التشابه بين المعبد/القلعة والدولة الصهيونية أمر مثير للغاية، يستحق التأمل لدلالته وطرافته. لكل هذا فنحن نرى أن المعبد/القلعة خير رمز للدولة/القلعة، بل يمكن القول بأن النموذج كان كامناً وحسب في حالة المعبد/القلعة، فأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يحملون أساساً رأسمالهم (الربوي) وخبرتهم الإدارية معهم، وكانت عملية القتال موكلة للقوات العسكرية البولندية، وكان الهدف من حمل السلاح دفاعياً ومؤقتاً لحين وصول هذه القوات. أما في حالة الدولة/القلعة فقد اكتملت الأمور تماماًز وأصبح العنصر البشري العميل يحمل السلاح بالدرجة الأولى (فوظيفته المالية ثانوية بالنسبة لوظيفة الإستراتيجية القتالية) وظهرت الطبيعة العسكرية للدولة المعبد/القلعة. ومع هذا لوحظ أثناء حرب عام 1973 أن القوات الإسرائيلية كانت تشبه تماماً الجماعة اليهودية في أوكرانيا، إذ استمرت في القتال بشكل دفاعي ومؤقت لحين تشغيل الجسر الجوي ووصول الأسلحة المتقدمة من الولايات المتحدة. وفيما يلي نقاط التشابه الأساسية بين المعبد/القلعة والدولة/القلعة: المعبد/القلعة عنصر بشري مشتول قام بغرسه عنصر خارجي (النبلاء البولنديون) في منطقة حدودية (أوكرانيا) لخدمة مصلحته المالية ولقمع السكان الأصليين (الشعب الأوكراني) العنصر المغروس تَحوَّل إلى جماعة وظيفية عميلة تعيش في شتتلات معزولة كان من المتوقع ألا يذعن العنصر البشري المقهور كان من الضروري تسليح أعضاء الجماعة الوظيفية ظهور المعبد/القلعة انتفاضات مستمرة أهمها انتفاضة شميلنكي الدولة/القلعة عنصر بشري مشتول قام بغرسه عنصر خارجي (الإمبريالية الغربية) في منطقة حدودية (فلسطين من وجهة نظر الغرب تقع على الحدود التي تفصل بين الغرب والشرق) لخدمة مصلحته الإستراتيجية والمالية ولقمع السكان ا» لأصليين (الشعب الفلسطيني) العنصر المغروس تَحوَّل إلى دولة وظيفية عميلة معزولة عما حولها كان من المتوقع ألا يذعن العنصر البشري المقهور كان من الضروري تسليح الدولة الوظيفية ظهور الدولة/القلعة انتفاضات مستمرة آخرها الانتفاضة المباركة عام 1987 |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
تقسيم بولندا
Partition of Poland من أهم الأحداث التاريخية التي تقع خارج نطاق ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، والتي أثرت في الجماعة اليهودية في شرق أوربا (يهود اليديشية) تأثيراً عميقاً، تقسيم مملكة بولندا في الفترة 1772 ـ 1795. كان التقسيم الأول عام 1772 والثاني عام 1793 والثالث عام 1795. واستغرقت العملية خمسة وعشرين عاماً ثم مرت خمسة وعشرون عاماً أخرى حتى تم تثبيت الحدود. التقسيم الأول (1772) : ضمت روسيا المنطقة التي تعرف باسم روسيا البيضاء (بيلوروسيا) في شمال شرق بولندا. أما الأجزاء الجنوبية الغربية المعروفة باسم جاليشيا (أو روسيا الحمراء) ، فضُمَّت إلى النمسا. كما ضمت بروسيا أجزاء من غرب بولندا، ففقدت بولندا بذلك ثُلث أراضيها وخُمس سكانها. وكان هذا يعني أن ثُلث يهود بولندا أصبحوا تحت حكم كل من النمسا وروسيا وبروسيا، وكانت أغلبيتهم في جاليشيا (التابعة للنمسا) . التقسيم الثاني (1793) : زادت كل من روسيا وبروسيا ممتلكاتهما، فقسمتا نصف بولندا تقريباً فيما بينهما. التقسيم الثالث (1795) : تم تقسيم البقية الباقية من بولندا بين روسيا وبروسيا والنمسا. وأدَّى التقسيمان الثاني والثالث إلى توزيع 800.000 يهودي بين النمسا وبروسيا وروسيا. التقسيم الرابع (1815) : ظهر نابليون عام 1806 وأسس دوقية وارسو التي اقتطعها من الجزء الذي كان قد ضُمَّ إلى بروسيا عام 1793، ثم ضم إليها أجزاء من المنطقة التي كانت النمسا قد ضمتها. ولكن، في مؤتمر فيينا عام 1815، رُسمت الخريطة السياسية فيما يعتبر التقسيم الرابع، فأبقت النمسا على جاليشيا، وضمت بروسيا ثورن والمناطق المجاورة التي اتحدت مع بقية المناطق البولندية التي ضمتها بروسيا وسميت دوقية بوزنان، وظهرت دولة كراكوف الحرة واستمرت حتى عام 1846 حيث ضمتها النمسا إلى جاليشيا. أما روسيا، فاحتفظت بغنائمها التي حصلت عليها في التقسيمين الأول والثاني وضمت المقاطعات الجنوبية والغربية. أما الجزء الأوسط من بولندا، أي مقاطعة وارسو، فأصبح مملكة بولندا، وهي كيان سياسي شبه مستقل كان يتبع روسيا إلى أن أصبح مقاطعة روسية بعد عام 1831. التقسيم الخامس (1939) : بعد الحرب العالمية الأولى، والحرب الروسية ـ البولندية (1920 ـ 1921) ثم معاهدة ريجا بين روسيا وبولندا (مارس1921) ، تقررت حدود بولندا وأصبحت مضمونة بموجب معاهدة عدم الاعتداء السوفيتية البولندية (1932) التي تم تجديدها سنة 1934 لعشرة أعوام. ويرى بعض المؤرخين أن تقسيم بولندا بين ألمانيا وروسيا هو التقسيم الخامس، وهو التقسيم الذي تقرر بناءً على البنود السرية للاتفاق الألماني السوفيتي المؤرخ في 23 أغسطس 1939. وفي أعقاب هذا الاتفاق، غزت القوات الألمانية الأراضي البولندية في الأول من سبتمبر 1939، وغزت القوات السوفيتية شرق بولندا خارقة بذلك معاهدة عدم الاعتداء المجددة عام 1934. بوزنان Poznan مدينة في بولندا الكبرى، وبوزنان عاصمة مقاطعة تحمل الاسم نفسه. وفي الألمانية، يشار لكل من المقاطعة والمدينة بكلمة «بوزن» . وقد استقر فيها اليهود منذ أواخر القرن الرابع عشر حيث كانت أحد أهم المراكز اليهودية. وقد نشأت صراعات بين أعضاء الجماعة اليهودية (10% من مجموع سكان المدينة) وبقية السكان الذين حاولوا أن يقفوا ضد تجارة القطاعي اليهودية وأن يحددوا عدد منازل اليهود ويطردوا القادمين الجدد منهم. واستمرت هذه المحاولات حتى بداية القرن السابع عشر. ومع هذا، كانت أحوال الجماعة جيدة بشكل عام، فكانوا يقومون بوظيفة مهمة في المجتمع وكانوا موضوعين تحت حماية الملك. ومع القرن السابع عشر، بدأ التدهور الحقيقي؛ إذ زادت الضرائب، وبدأ يتوافد تجار ألمان من سيليزيا ليشكلوا منافسة قوية للتجار اليهود، وغرق القهال في الديون (ولم تُحل هذه المسألة إلا في منتصف القرن الـ 19) ، وواجه التجار اليهود صعوبات غير عادية في الأسواق التجارية في فرانكفورت وبراندنبرج وغيرها. وازداد حال اليهود سوءاً خلال الحرب السويدية (1655ـ 1660) ، إذ أدَّى التدهور الاقتصادي إلى زيادة حدة الصراعات الاجتماعية وتَناقُص عدد السكان، وإهمال التعليم الديني. ولم يختلف الوضع كثيراً في القرن الثامن عشر، فقد ترك اليهود المدينة بأعداد متزايدة، ولم يتمكن من تَبَقَّى منهم أن يفعل أي شيء. وظل هذا الوضع إلى أن ضُمت بوزنان (المدينة والمقاطعة) إلى بروسيا عام 1793. وبذا، كانت بروسيا تضم عام 1807 نحو 200 ألف يهودي. ثم ضمت بوزنان إلى دوقية وارسو التي أسسها نابليون ثم أُعيدت إلى الحكم البروسي عام 1815. وطبَّقت بروسيا، في بداية الأمر، القوانين الصادرة عام 1750 التي كانت تهدف إلى الحد من عدد اليهود والإبقاء على الأثرياء مهنم فقط. ولكن، بعد ذلك، تم التخلي عن هذه السياسة، وتبنت البيروقراطية الألمانية سياسة ممالئة للعنصر اليهودي الذي يتحدث اليديشية باعتباره عنصراً ألمانيا يمكن الاعتماد عليه مقابل العنصر البولندي السلافي. وتسبَّب ذلك في عزل أعضاء الجماعة عن العناصر البولندية. وحينما أُلغي الاستقلال الشكلي لدوقية بوزنان الكبرى وأصبحت مقاطعة بروسية، أصبح سائر اليهود مواطنين بروسيين لعبوا دوراً أكثر نشاطاً في الحرب الدائرة بين الاتجاه الداعي إلى ألمنتها والاتجاه الداعي إلى صبغها بالصبغة البولندية. وبطبيعة الحال، كان أعضاء الجماعة ضمن مؤيدي الاتجاه الأول. لكل هذا، كانت الحركات البولندية تهاجم اليهود باعتبارهم عناصر ألمانية معادية. وعندما ظهرت المحاولات البولندية القومية للاستقلال الاقتصادي التي أخذت شكل تعاونيات ومصارف ومشاريع اقتصادية أخرى، كان لها اتجاه معاد لليهود. ونتج عن ذلك هجرة يهودية من المدن الصغيرة إلى المدن الكبيرة، وصاحب ذلك انتقال من التجارة المحلية إلى العمل في المصارف والصناعة والمهن. ثم اتجهت الهجرة نحو بروسيا، وخصوصاً برلين وبرسلاو، وأخيراً نحو الولايات المتحدة. وقد تناقص عدد سكان بوزنان اليهود من 76.757 (5.7%) عام 1849 إلى 26.512 (1.26%) عام 1910. وكانت نسبة كبيرة من يهود المدن الألمانية الكبرى من يهود بوزنان. وبعد ضم بوزنان إلى بولندا، بعد الحرب العالمية الأولى، هاجرت البقية الباقية إلى ألمانيا ولم يبق سوى بضعة آلاف. وتسبَّب وضع بوزنان الحدودي في مشكلتين: 1 ـ فصل العنصر البولندي اليهودي عن الحركة القومية البولندية، وهو ما جعلها معادية لليهود لتعاونهم مع الألمان. 2 ـ تسببت هجرة يهود بوزنان، إلى المدن الألمانية الأساسية، في إعادة صبغ يهود ألمانيا بصبغة شرق أوربية. فيهود ألمانيا الأصليون كانوا مندمجين في محيطهم الحضاري تماماً، وكانوا لا يتحدثون سوى الألمانية، كما كانوا يدافعون عن القومية العضوية الألمانية ويتبنون أسلوب الحياة الألماني. أما يهود شرق أوربا، فلم يتم صبغهم بالصبغة الألمانية إلا في مرحلة متأخرة، ولذا كانت هويتهم الألمانية سطحية وضعيفة، بل واحتفظوا بكثير من ملامح شخصيتهم الشرق أوربية اليديشية. كما كانت تنتشر بينهم الأفكار الصهيونية. تزايد عدد المهاجرين من يهود بوزنان، ويهود اليديشية بشكل عام، حتى أصبح لهم وزن عددي كبير. وأدَّى ذلك إلى إعادة تعريف كلمة «يهودي» في العقل الألماني بحيث تمت المساواة بين يهود اليديشية الغرباء ويهود ألمانيا المندمجين، وأصبح الجميع يهوداً غرباء. ولكن الأهم من ذلك أنهم لم يكونوا غرباء وحسب وإنما كانوا أيضاً «إيست يودين» ، أي يهوداً شرق أوربيين من أصل سلافي. والشعوب السلافية، بحسب النظرة النازية، كانت تُعتبَر المجال الحيوي لألمانيا، كما كانت هدفاً للعنصرية النازية. فكأن هجرة يهود اليديشية، وضمنهم يهود بوزنان، ساهمت في إعادة تصنيف يهود ألمانيا من «العنصر الغريب الذي لابد من دمجه» إلى «العنصر الغريب الذي لابد من نبذه» ، فهو إذن ليس «الغريب» وحسب وإنما هو، أيضاً «الغريم» . جوزيف بيلسودسكي (1867-1935) Jozef Pilsudski رجل دولة بولندي وابن أحد فقراء طبقة النبلاء (شلاختا) . وُلد في فلنا (ليتوانيا) ودرس الطب. ناضل منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر من أجل استقلال بولندا عن روسيا القيصرية، وقُبض عليه عام 1887 بتهمة محاولة اغتيال قيصر روسيا الإسكندر الثالث. وفر إلى سيبريا، ولكنه عاد منها وقد ازداد إصراراً على تحرير بولندا، فانضم للحزب الاشتراكي البولندي وأصبح قائداً له وحرَّر مجلته السرية. وفي عام 1909، قُبض عليه مرة أخرى وسُجن في قلعة وارسو، فادَّعى الجنون ببراعة فائقة ونُقل إلى مستشفى عسكري في روسيا حيث فر منها. وحينما اندلعت الحرب الروسية اليابانية، اتجه بيلسودسكي إلى اليابان بحثاً عن مساعدة له في التمرد الشعبي الذي كان ينوي تنظيمه ضد روسيا. وكوَّن نواة الجيش البولندي بأموال سرقها من قطار بريد روسي. وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، حاربت قواته مع القوات النمساوية والألمانية ضد روسيا، ولكن الألمان رفضوا الاعتراف باستقلال بولندا وألقوا القبض عليه عام 1917. ولكنه أُفرج عنه بعد هزيمة ألمانيا، وعاد إلى بولندا حيث استُقبل استقبال الأبطال في 10 نوفمبر 1918. وبعد أربعة أيام من وصوله، قَبل منصب رئيس الدولة. وبذلك أصبح أول رئيس لدولة بولندا المستقلة في العصر الحديث، وظل يشغل المنصب في الفترة 1918 ـ 1923. وكان بيلسودسكي يهدف إلى إنشاء دولة فيدرالية تضم ليتوانيا وأوكرانيا وبولندا. وحينما قام الجيش الأحمر عام 1920 بهجوم على بولندا، صده بيلسودسكي محققاً النصر لبولندا. وبعد صدور دستور بولندا الجديد عام 1922، عُقدت انتخابات عامة تخلى بيلسودسكي بعدها عن سلطاته وعمل قائداً للجيش. وحينما وصل الحزب اليميني إلى الحكم، استقال بيلسودسكي من منصبه واعتزل الحياة السياسية (مؤقتاً) عام 1923. وحين وجد أن المناقشات البرلمانية التي لا تنتهي ستودي بالدولة الجديدة، استولى على الحكم بدعم من الأحزاب اليسارية، رافضاً منصب رئيس الدولة واكتفى بمنصب وزير الحرب، ولكنه كان القوة المحركة من وراء الستار. وفي عام 1930، تخلى عنه أصدقاؤه اليساريون لتحالفه مع كبار الملاك وبدأوا حملة لإسقاط الديكتاتور، على حد قولهم، فرد عليهم بيلسودسكي بمنتهى العنف إذ ألقى القبض عليهم وحكم بولندا من خلال أعوانه الجدد. احتك بيلسودسكي بأعضاء الجماعة اليهودية في بولندا، وخصوصاً العمال منهم، في مقتبل حياته السياسية. وأسس الحزب الاشتراكي البولندي الذي أصدر مجلة باللغة اليديشية، إلا أنه هاجم حزب البوند بشدة باعتباره يمثل الانفصال الديني والتجاري اليهودي ويفضل الترويس ويعارض الاستقلال البولندي. وعندما استولى بيلسودسكي على السلطة عام 1926، زاد تَدخُّل الدولة في الشئون الداخلية للجماعة اليهودية كما فرضت قيوداً متزايدة على نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي. ومما يُذكَر أن وضع الجماعة اليهودية في بولندا كان وضعاً قلقاً نظراً لميراثهم التاريخي المرتبط بطبقة النبلاء (شلاختا) التي استغلت الجماهير البولندية وعملت ضد المصالح القومية للبلاد. وبالتالي، جاء استقلال بولندا ليعمق عزلة الجماعة اليهودية في بولندا ويتجه إلى لفظها. وعزز هذا الاتجاه أيضاً نمو طبقة تجارية بولندية بدأت، ومعها الدولة البولندية، في الاضطلاع بالوظائف الوسيطة التقليدية لأعضاء الجماعة اليهودية. وفي عام 1934. أبرمت حكومة بيلسودسكي معاهدة مع هتلر بعد أن أدرك أن فرنسا غير قادرة على حماية بولندا ضد ألمانيا التي بدأت في إعادة تسليح نفسها. وحاول هتلر إقناع بيلسودسكي بالانضمام إليه في الهجوم على روسيا، ولكن بيلسودسكي رفض، وجدد معاهدة عدم الاعتداء مع روسيا. ومات بيلسودسكي عام 1935 في وارسو. بولندا بعد التقسيم حتى الحرب العالمية الثانية Poland, from the Partition to the Second World War بعد تقسيم بولندا (1772 - 1795) ، تم ضم أغلبية يهود بولندا إلى بلاد أوربية أخرى هي: النمسا وبروسيا وأساساً روسيا. وبحلول عام 1828 كان ثلثا يهود بولندا يعيشون في مدن صغيرة (شتتلات) ويشكلون 50% من سكانها، يعملون تجاراً صغاراً ويمارسون بعض الحرف مثل تقطير الخمور والصناعات المنزلية، وخصوصاً النسيج، دون تَدخُّل كبير من الحكومة المركزية الضعيفة. وبدأت عملية دمج أعضاء الجماعة اليهودية أو تحديثهم مع دخول نابليون بولندا عام 1807 الذي منحهم حقوقهم المدنية وطبق عليهم القرارات نفسها التي طُبقت عليهم في فرنسا وهي أن الحقوق تمنح لليهود بمقدار استعدادهم للاندماج، ولذا حُجبت الحقوق السياسية عنهم لمدة عشرة أعوام تُعَد فترة انتقالية كان عليهم أن يتخلصوا خلالها من سماتهم الخاصة وأن يندمجوا في بيئتهم. ثم عُقد، عام 1815، مؤتمر فيينا الذي حوَّل بولندا إلى مملكة مستقلة تحت حكم القيصر. وكان دستورها يتضمن بنوداً تحمي حقوق اليهود وتزيدها بمقدار اندماجهم في المجتمع. وكتب أحد الأساقفة البولنديين إلى المفكر الألماني اليهودي المستنير ديفيد فرايدلندر يسأله عن أفضل السبل لإصلاح (أي تحديث) يهود بولندا، فاقترح ضرورة تدريب اليهود على الحياة المتحضرة قبل إعطائهم حقوقهم المدنية، أي أنه اقترح عليه عملية التحديث الأوتوقراطي (من أعلى) التي طُبِّقت في روسيا. بعد ذلك، كوَّن بعض اليهود الأثرياء (من التجار المندمجين وأعضاء المهن الحرة) لجنة المؤمنين بالعهد القديم عام 1825 لتطوير التعليم اليهودي، وبالفعل تأسست مدرسة حاخامية حديثة. وعلى مستوى التحديث الاقتصادي، أُلغي القهال عام 1822، كما فُرضت ضريبة على تجار الخمور اليهود (وهذه من بقايا نظام الأرندا) حتى يتركوا هذه الوظيفة التي كانت تسبب سخط الجماهير ضدهم، ولتشجيعهم على الاشتغال بالزراعة. وقد ظهرت طبقة من المثقفين البولنديين اليهود، في وارسو أساساً، انتماؤهم القومي لبولندا أكثر تحدداً ووضوحاً. ومع هذا، لم يحرز أعضاء الجماعة اليهودية نجاحاً كبيراً في مجال محاولة الاندماج بسبب عدم اكتراث البورجوازية البولندية بهم وعدم ثقتها فيهم. كما يُلاحَظ أن اليهود خارج وارسو لم يُظهروا ميلاً كبيراً لعملية الدمج والتحديث. وصدر مرسوم روسي عام 1862 أعطى اليهود حرية بيع وشراء الأرض والمنازل والسكنى أينما شاءوا، وأُبطل القَسَم اليهودي، كما مُنع استخدام العبرية واليديشية لتعميق دمجهم واندماجهم. وحينما اندلع تمرد عام 1863، لم تشترك فيه أعداد كبيرة من اليهود، كما أن يهود ليتوانيا وقفوا ضده. وحينما بدأ الروس في التنكيل بالثوار، لم ينل اليهود منهم أي أذى، الأمر الذي أبعدهم عن الحركة القومية البولندية. وفي عام 1870، بدأت الحركة القومية البولندية تأخذ طابعاً معادياً لليهود (باعتبارهم جماعة وظيفية مالية) ، فطالبت بصبغ التجارة والصناعة بالطابع البولندي، واتهمت رأس المال اليهودي بأنه غريب وبأن الجماهير اليهودية معادية للحضارة الحديثة جاهلة بها. وتم تأسيس أحزاب قومية شعبية بولندية جعلت الحرب ضد دمج اليهود هدفاً أساسياً لها، كما بدأت تظهر بين أعضاء الجماعة اليهودية الاتجاهات الصهيونية. وتجدر الإشارة إلى أنه، رغم تدني أحوال اليهود بشكل عام، كانت تُوجَد طبقة ثرية تشغل مراكز مهمة في التجارة الخارجية وفي تجارة الأخشاب والغلال وفي المهن الحرة. ومع الحرب العالمية الأولى، كان وضع يهود روسيا وبولندا متشابهاً في كثير من النواحي، من أهمها الانفجار السكاني. ويُلاحَظ أنه، مع عام 1772، كان في بولندا 70% من يهود العالم وأكثر من 80% من الإشكناز (وهو القطاع الذي أفرز الصهيونية ومعظم الحركات اليهودية الأخرى) . وإذا وضعنا في الاعتبار أن اليهود الأصليين، في معظم دول أوربا، اندمجوا في السكان وكانوا لا يشكِّلون كثافة سكانية حقيقية، وأن أعدادهم تزايدت بسبب هجرة أعداد من يهود اليديشية، فيمكن القول بأن كل الجماعات اليهودية التي ظهرت في الغرب في القرنين الأخيرين هي من فروع يهود بولندا، وهو ما يجعل قول هتلر والأدبيات النازية حقيقياً حيث أعلن أن الجيب اليهودي في بولندا ومنطقة الاستيطان هو «المستودع البولندي الذي يُصدِّر الفائض البشري اليهودي وأنه يشكل البنية التحتية البيولوجية لليهودية العالمية» . وتذكر الموسوعة اليهودية أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يشكلون 6.8% من مجموع سكان بولندا عام 1816، ثم قفز العدد إلى 13% عام 1897، أي أن كل مائة بولندي كان يُوجَد بينهم ثلاثة عشر يهودياً رغم هجرة أعداد كبيرة منهم إلى خارج بولندا. وتُعدُّ هذه من أعلى النسب التي حققها أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث. ورغم صعوبة تحديد الأعداد بدقة، باعتبار أن بولندا كانت مُقسَّمة، فيمكن بالاعتماد على عدة مصادر أن تُقرَّب إلى: الدولة / سنة 1825 / سنة 1900 روسيا قبل الحرب / 1.600.000 / 5.175.000 بولندا / 400.000 / 1.325.000 أوكرانيا، روسيا الجديدة، بيساربيا / 625.000 / 2.300.000 ليتوانيا وروسيا البيضاء / 350.000 / 1.450.000 جاليشيا /275.000 / 811.000 وقد زاد عدد يهود أوربا ككل في تلك الفترة من 2.730.000 إلى 8.960.500، وبلغ عدد يهود بولندا عام 1939 نحو 3.510.000. ويمكن فهم عزلة يهود بولندا من الإحصاءات التالية: في منتصف القرن التاسع عشر (حوالي عام 1857) ، كانت هناك 181 مدينة بولندية منها 88 (أي نحو نصفها أو 6.48% منها) تضم أغلبية يهودية مطلقة. كما كان هناك 120 مدينة 40% من سكانها يهود، أي أن 66.2% من مدن بولندا كانت ذات طابع يهودي فاقع. وكان 1.5% 9من مجموع يهود بولندا يعيشون في المدن ويشكلون 33% من سكانها مقابل 16.4 % من المواطنين. وكل هذا يعني استقطاباً كاملاً وعزلة تشبه من بعض الوجوه عزلة يهود الأرندا. لكن الصورة لم تتغير كثيراً مع نهاية القرن التاسع عشر. وفي بوزنان، قفز عدد أعضاء الجماعة اليهودية من 2.775 عام 1865 (أي12.2% من مجموع سكان المدينة) إلى 166.628عام 1910 (أي 40.7% من سكانها) . وفي عام 1897، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون أكثر من 50% من السكان في 57 مدينة بولندية من واقع 110 مدن. أما المدن التي كان يشكل اليهود أكثر من 40% من سكانها، فكانت 81 مدينة. وحتى عام 1921، كان اليهود يشكلون 40% من عدد السكان في 99 مدينة (من واقع 196 مدينة) . وتزايدت معدلات الهجرة بسبب الضغوط التي مارستها الحكومة على أعضاء الجماعة اليهودية ليتركوا الريف، وبسبب جاذبية المراكز الصناعية. لكن تَركز يهود بولندا في المدن يعني أيضاً تركزهم في التجارة وعالم المال. ففي المدن البولندية، كان اليهود يشكلون 90% وأحياناً 100% من التجار والحرفيين. وفي نهاية القرن التاسع عشر، كان 18 مصرفاً (من 26 مصرفاً أساسياً في وارسو) في أيدي اليهود أو المسيحيين من أصل يهودي. وظهرت طبقة ثرية يهودية تستثمر في الصناعة، ولكن أغلبية يهود بولندا العظمى كانوا من صغار التجار الفقراء. ورغم تَشوُّه البناء الطبقي لدى يهود بولندا فإنه، مع منتصف القرن، كان الاندماج الاقتصادي لأعضاء الجماعة يتزايد كما يتضح في الوظائف والمهن التي كانوا يشغلونها. ففي عام 1857، كان 44.7% من جملة اليهود يعملون بالتجارة، مقابل 25% فقط في الحرف اليدوية والصناعات. واختلفت النسبة قليلاً عام 1897 إذ انخفض عدد العاملين بالتجارة إلى 42.6%. ولكن الأهم من هذا أن عدد العاملين في الحرف والصناعات زاد إلى 34.3%، كما زاد عدد التجار غير اليهود من 27.9% من مجموع التجار عام 1862 إلى 37.9% عام 1897. وظهرت طبقة من المهنيين اليهود، وخصوصاً في وارسو، حققت شيئاً من الحراك الاجتماعي. ولكن، مع تعثُّر التحديث في شرق أوربا، وبعد تطبيق بعض قوانين مايو 1888 الروسية (عام 1891) في بولندا، تم طرد أعضاء الجماعة اليهودية من القرى وحُدِّد النصاب المسموح لهم به. ونتج عن ذلك إغلاق أبواب الحراك الاجتماعي أمام هؤلاء المهنيين اليهود. وقد جاءت من صفوفهم معظم الزعامات الصهيونية واليهودية الأخرى. ويُلاحَظ تَحوُّل أعداد كبيرة من يهود روسيا إلى طبقة عاملة صناعية داخل منطقة الاستيطان، وهي ظاهرة ظل يهود بولندا بمنأى عنها، فقد ظلوا تجاراً صغاراً وكباراً وحرفيين تشكل الطبقة العاملة بينهم نسبة صغيرة إن لم تكن ضئيلة. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان أعضاء الجماعة اليهودية محط شك القوات الروسية باعتبارهم متعاطفين مع الألمان. وبالفعل، حينما احتل الألمان بولندا عام 1917، تَحسَّن وضع اليهود قليلاً. واتجه الألمان نحو صبغ يهود بولندا بصبغة ألمانية بسبب زيادة العنصر الألماني في المناطق البولندية التي ضمتها ألمانيا. وصدر مرسوم عام 1916 يتضمن الاعتراف باليهود كطائفة دينية لا كطائفة عرْقية. وعارض الصهاينة هذا المرسوم. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، وجد اليهود أنفسهم في مفترق الطرق بين البولنديين والليتوانيين (في فلنا) ، وبين البولنديين والأوكرانيين (في لفوف) ، ثم بين البولنديين والبولشفيك خلال حرب عام 1920. ولكن، مع استقلال بولندا (1918 ـ 1939) ، تم توحيد العناصر البولندية اليهودية، التي كانت تعيش تحت حكم ألمانيا وروسيا منذ التقسيم، مع بقية بولندا. وبذا، أصبحت بولندا تضم أكبر تَجمُّع يهودي في أوربا، حيث كان 2.845.000 عام 1921 وزاد، نتيجة ضم بعض أراضي بولندا، إلى 3.137.000 (أي 8.9% من السكان عام 1931) ، ثم وصل إلى 3.300.000مع نهاية هذه الفترة. وعشية عام 1921، كانت نسبة تركُّز أعضاء الجماعة اليهودية في القطاعات الاقتصادية واضطلاعهم بمهن ووظائف معيَّنة يختلف بشكل جوهري عن النسبة على المستوى القومي، كما هو موضح في الجدول التالي: المهنة / يهود / غير يهود الزراعة / 9.8% / 80.7% الصناعة والحرف اليدوية / 32.2% /7.7% التجارة والتأمين / 35.1% / 1.5% النقل / 2.7% / 1.7% المهن الحرة / 4.4% / 2.3% ويُلاحَظ أن 67.3% من يهود بولندا تركزوا في التجارة والتأمين والصناعة والحرف اليدوية مقابل 2.9% من البولنديين. وكان عدد التجار اليهود لا يزال 20 ضعفاً مقارناً بعدد التجار غير اليهود. وتَملَّك اليهود 74 ألف محل مقابل 123 ألف محل للبولنديين كافة. وكان 76% من اليهود يعيشون في المدن ويشكلون 30% من جملة سكان وارسو و35.5% من سكان لودز و 31.5% من سكان لفوف. وضمنت معاهدة الأقليات في يونية 1919، التي وقعها الحلفاء المنتصرون ومعهم بولندا، حقوق الأقليات الدينية واللغوية ونصت على مساواتهم ببقية المواطنين، كما أعطت اليهود الحق في إدارة مدارسهم. وتم ضم هذه المعاهدة إلى الدستور البولندي الصادر عام 1921. كما نص دستور عام 1935 على تساوي المواطنين كافة أمام القانون. ولكن الحقوق السياسية تختلف في كثير من الأحيان عن الوضع المتعين، فقد ازداد الوضع الاقتصادي لليهود تدنياً وبدأت الفلسفات الشمولية تسيطر على نظم الحكم في أوربا بأسرها، وخصوصاً في ألمانيا. واستولى جوزيف بيلسودسكي على الحكم في بولندا عام 1926 عن طريق انقلاب. ولم يكن هذا الانقلاب معادياً بالضرورة لليهود، فقد نص دستور عام 1935 على تَساوي المواطنين كافة أمام القانون. ولكن الجو العام، والبنية الثقافية والاقتصادية للمجتمع، كانا يلفظان اليهود، فظهر حزب بولندي متطرف ذو توجهات نازية طالب بمصادرة أموال اليهود وطردهم، وأصبح البرلمان البولندي نفسه منبراً لترديد الدعاية المعادية لليهود كعنصر غريب فائض يجب اجتثاثه من المجتمع البولندي. وزاد النشاط الاقتصادي للطبقة الوسطى البولندية في الثلاثينيات، وحاولت أن تحصل على نصيب متزايد من التجارة والمهن، وقامت بحركات مقاطعة للأعمال التجارية التي يمتلكها يهود بولندا وقفت وراءها الدولة. ولأن عملية التنمية في بولندا كانت تتم من خلال الدولة، أكبر ممول رأسمالي آنذاك، فإن عملية تضييق الخناق على أعضاء الجماعة اليهودية اكتسبت أبعاداً ضخمة، فقامت محاولة لاستبعاد أعضاء الجماعة من سلك الحكومة وبنوك الدولة والاحتكارات التي تمتلكها الدولة، مثل صناعة الطباق، واستبعادهم كذلك من سلك التجارة الخارجية (الذي كان مركزاً في أيديهم) . وقامت حركات مقاطعة أيضاً في المهن الحرة والحرف اليدوية. وبسبب توجهها القومي الواضح، ألقت الكنيسة الكاثوليكية في بولندا بثقلها وراء الحركات الشعبية المناهضة لليهود. وكانت كل هذه الحركات تهدف إلى طرد أعضاء الجماعة اليهودية من قطاعات اقتصادية معيَّنة، وهو أمر ممكن من الناحية النظرية، ولكن لم يقابله اتجاه مماثل نحو خلق فرص اقتصادية جديدة في مجالات أخرى. والواقع أن الهدف كان طرد اليهود ونقلهم لا دمجهم في المجتمع. ومن هنا كان تأييد الحكومة البولندية للحركة الصهيونية ولجهودها الرامية إلى تهجير اليهود إلى فلسطين. وقد بلغ عدد العاطلين عن العمل بين اليهود 300 ألف عام 1938. ولذا، شهدت هذه المرحلة استمرار الهجرة من بولندا، حيث بلغ عدد الذين هاجروا في الفترة 1921 ـ 1937 نحو 395.235 هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى فلسطين. ومع هذا بلغ عدد اليهود 3.200 مليون عام 1939 عشية الغزو النازي. ورغم تردِّي وضع اليهود، فإن العناصر الليبرالية وقفت إلى جانب أعضاء الجماعة، وكان ثمة أحزاب سياسية تنادي بالمساواة أمام القانون انخرطت في سلكها عناصر يهودية. كما يبدو أن معاداة اليهود لم تجد طريقها إلى صفوف الطبقة العاملة البولندية، وخصوصاً العناصر الثورية. ونظم حزب البوند عدة إضرابات من أجل حقوق اليهود أيَّدتها عناصر بولندية مسيحية. ولكن، مع هذا، كان تأييد اليهود الليبراليين والثوريين تأييد أقلية لأقلية. وكما نوهنا من قبل، كان وضع اليهود داخل التشكيل القومي البولندي وضعاً قلقاً يستند إلى تراث تاريخي معاد للجماهير ومصالحها. وقد اتجه المجتمع البولندي، شأنه شأن معظم المجتمعات الأوربية في تلك الفترة، نحو مزيد من التطرف والاستقطاب. ففي مقابل التطرف القومي البولندي، بدأ أعضاء الجماعة اليهودية يتجهون نحو مزيد من الانفصال فكان لهم ما يُسمَّى بالنادي البرلماني اليهودي (وهو جماعة ضغط تضم كل الممثلين اليهود داخل البرلمان البولندي) . وهذه الجماعة كان لها ثقلها ووزنها العددي، ولذا كانت الحكومات البولندية تحاول خطب ودها لضمان تأييدها. وقد سيطر أتباع الصهيونية العامة على هذا النادي، فكانوا يشكلون عام 1922 نحو 50% من جملة النواب اليهود. وازداد الوضع تطرفاً، فمع الثلاثينيات يُلاحَظ أن الصهاينة العماليين والتصحيحيين هم الذين استولوا على القيادة في المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (1933) ، وهم عناصر متطرفة من منظور الاندماج في المجتمع البولندي، رافضون له تماماً ولا يرون حلاًّ للمسألة اليهودية إلا بتهجير اليهود من بولندا بل وإخلاء أوربا من فائضها اليهودي، أي أنهم كانوا يشكلون فرقة تطالب بحل نهائي وجذري للمسألة اليهودية. ويُلاحَظ أن الأحزاب الصهيونية في بولندا كانت أقوى الأحزاب الصهيونية في العالم. وإلى جانب الأحزاب الصهيونية، كان يُوجَد حزب البوند الذي أصبح من أهم الأحزاب اليهودية في بولندا إن لم يكن أهمها على الإطلاق، بل إنه كان أكثر قوة من الصهاينة. ولكن يبدو أنه كان يعبِّر عن قوته السياسية من خلال تحالفات مع الأحزاب السياسية (غير اليهودية) الأخرى. وإلى جانب هاتين القوتين، كانت هناك أحزاب دينية تقليدية تحاول الانسحاب من المجال السياسي أو تكتفي بتأييد الوضع القائم. ولم يكن انعدام التجانس مقصوراً على المجال السياسي، وإنما شمل المجال الثقافي كما يتضح من النظم التعليمية اليهودية المنفردة في منتصف الثلاثينيات. وقد كان للحركة الصهيونية شبكة من المدارس تضم مدرسة زراعية للتدريب على الاستيطان ومدارس حضانة وابتدائية وثانوية. كانت لغة التدريس فيها العبرية كما كان عدد الطلبة فيها 44.780 طالباً. وكانت هناك شبكة أخرى تشرف عليها مؤسسة زيشو (الاختصار البولندي لمصطلح: المنظمة المركزية للمدارس اليديشية) وهي شبكة مشبعة بالروح الاشتراكية والثقافية اليديشية، وكانت لغة الدراسة فيها هي اليديشية، وكان عدد الطلبة في هذه الشبكة 15.486 ألفاً. كما كان يوجد عدد من المدارس التجارية لغة الدراسة فيها هي اليديشية. وكان هناك شبكتان من المدارس الدينية يشرف على الأولى منظمة المزراحي (الدينية الصهيونية) تضمان عدة مدارس دينية ابتدائية وثانوية وكليات دراسات دينية عليا، وكانت لغة التدريس في هذه المدارس العبرية والبولندية. وأخيراً، كانت هناك شبكة دينية تتبع المؤسسة الدينية الأرثوذكسية لغة التدريس فيها اليديشية. وإلى جانب ذلك، كان هناك اليهود الذين التحقوا بالنظام التعليمي الحكومي. وقد تلقَّى هؤلاء الدروس بالبولندية. ففي إحصاء عام 1931، قرَّر 381.300 يهودي أن لغتهم الأصلية البولندية، كما كان هناك أولئك الذين سافروا إلى غرب أوربا للدراسة. بولندا من الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر Poland from the Second World War to the Present انحسرت موجة معاداة اليهود بعد الهجوم النازي على براغ عام 1939، وانخرط اليهود في سلك الجيش البولندي للدفاع عن الوطن، وقامت السلطات البولندية بالقبض على زعماء الجماعات المعادية لليهود. وفي العام نفسه، تم تقسيم بولندا إذ ضم الاتحاد السوفيتي رقعة من بولندا تضم ثلث سكانها وعدداً كبيراً من اليهود يبلغ 1.309.000. أما بقية بولندا، فخضعت للنفوذ الألماني. وضمت ألمانيا الجزء الغربي متضمناً مدينة لودز الصناعية. أما باقي بولندا، فكانت تحكمه حكومة بولندية تابعة لألمانيا تُسمَّى «الحكومة العامة» . وكانت المنطقة الأولى تضم 632.000 يهودي، أما منطقة الحكومة العامة فكانت تضم 1.269.000 زاد إلى 1.700.000 عام 1941 (أي 12.1% من السكان) . وتذكر الموسوعة اليهودية أن عدد اليهود الخاضعين لحكم النازي كان يبلغ 2.042.000. وقد حول النازيون التمييز العنصري إلى عملية منهجية منظمة من خلال مجموعة من القوانين تم إصدارها لهذا الغرض. وكان كثير من هذه القوانين تهدف إلى تسخير قطاعات الشعب البولندي كافة لخدمة النظام النازي، ولكننا سنقتصر هنا على الإشارة إلى تلك القوانين التي تخص أعضاء الجماعة اليهودية. وقد صدر مرسوم عام 1939 فرض أعمال السخرة على اليهود وتم بمقتضاه تكوين فرق عمالة يهودية. وكان على اليهود الذين يزيد عمرهم على عشرة أعوام أن يعلقوا نجمة داود. كما صودرت أموال عديد من اليهود. ولكن أهم أعمال النازيين في هذا المضمار تأسيس جيتو وارسو، وكان مؤسسة من مؤسسات الحكم الذاتي ينطلق من الإيمان الصهيوني بأن اليهود شعب عضوي وأن اليهودي يهودي بالمولد وليس بالعقيدة (تعريف قوانين وورمبرج وقانون العودة) وكانت علاقة الدولة النازية بجيتو (دويلة) وارسو علاقة استغلال استعمارية لا تختلف كثيراً عن علاقة إنجلترا بمصر أو علاقة الدولة الصهيونية بالضفة الغربية. وقامت حركة مقاومة بولندية قوية ضد النازيين اشترك فيها أعداد من اليهود، ونظمت انتفاضة جيتو وارسو في أبريل عام 1943. ولكن، يبدو أن الصهاينة لم يشتركوا في هذه الانتفاضة بصورة كافية بدعوى أن حل مشكلة اليهود لا يتم داخل إطار الوطن الأم وإنما عن طريق الهجرة إلى فلسطين. ومع نهاية الحرب، بلغ عدد يهود بولندا 250.000 (وفي إحصاء آخر أنهم كانوا أقل من ذلك بكثر) ، وحلت الأحزاب الصهيونية البولندية والبوند عام 1949، سُمح للصهاينة بالهجرة، وبدأت نقط التجمع السكانية اليهودية في الاختفاء. ورغم إعادة توطين 25 ألف يهودي بولندي من الذين فروا من بولندا إلى الاتحاد السوفيتي إبّان الحرب، إلا أن أبواب الهجرة إلى إسرائيل فُتحت، فهاجر 140 ألفاً بين عامي 1948 و 1958 (ويتضمن هذا الرقم اليهود ممن أُعيد توطينهم في بولندا بعد فرارهم إلى الاتحاد السوفيتي إبان الحرب) . وتمت تصفية الجماعة اليهودية نهائياً بين عامي 1968 و1969 حين هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى إسرائيل والولايات المتحدة، بحيث لم يبق في بولندا سوى ستة آلاف يهودي. ويبلغ عدد يهود إسرائيل من أصل بولندي نحو 470 ألفاً؛ منهم 170 ألفاً هم من هاجروا قبل عام 1948 (ونسلهم) ، والباقون (300 ألف) هم من هاجروا بعد ذلك التاريخ. ومعظم أعضاء النخبة السياسية الحاكمة في إسرائيل من أصل بولندي، أي من يهود اليديشية، فمنهم بن جوريون وبيجين وشامير وبيريس. وإذا أضفنا إلى هؤلاء أعضاء النخبة من أصل روسي، وهم أيضاً من يهود اليديشية، فيمكن القول بأن نخبة من يهود اليديشية تحكم إسرائيل. وقد استفادت البقية الباقية من أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا من جو الانفتاح السياسي والاقتصادي في شرق أوربا، ومن الدعم الغربي لنقابة التضامن. ولكن جو الانفتاح أدَّى أيضاً إلى تَصاعُد القومية البولندية وثيقة الصلة بالكاثوليكية وهو ما أدَّى إلى الصدام مع الجماعة اليهودية داخل وخارج بولندا، وخصوصاً بشأن قضية الإبادة، إذ تحاول المؤسسة الصهيونية احتكار رموز الإبادة وفرض مضمون صهيوني عليها، الأمر الذي يرفضه البولنديون الذين ذاقوا الأمرَّين من النازي، ربما بدرجة تفوق ما لحق بأعضاء الجماعات اليهودية. ومن التنظيمات والمؤسسات التي ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا: أ) المجلس المركزي للجمعية الثقافية والاجتماعية ليهود بولندا واختصاره TSKZ. وترسل الجماعة اليهودية مراقبين لاجتماعات المؤتمر اليهودي العالمي. ب) أما المنظمة الدينية الأساسية فهي الجمعية الموسوية الدينية. وهناك أربعة معابد يهودية، ولكن لا يوجد حاخامات محليون، ولذلك يتم إحضار حاخامات من الخارج (في الغالب من المجر) لإجراء الشعائر الدينية في الأعياد الدينية المهمة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
روسيا من القرن التاسع حتى التقسيم الأول لبولندا
Russia, from the Ninth Century to the First Partition of Poland.... يعود وجود الجماعات اليهودية في روسيا إلى القرن التاسع الميلادي حين توسعت مملكة الخزر اليهودية في وادي الفولجا ومناطق أخرى من روسيا. وقد اشترك يهود الخزر، حسبما ورد في الموروثات الشعبية الروسية، في المناظرة الدينية التي عقدت بين ممثلي الديانات التوحيدية الثلاث عام 986 أمام أمير كييف وقد اعتنق بعدها المسيحية وأصبحت الأرثوذكسية هي الدين الرسمي لروسيا. وبعد أن استقر اليهود في المدينة باعتبارها مركزاً تجارياً يربط بين منطقة البحر الأسود وآسيا وغرب أوربا وأصبح لهم جيتو خاص بهم، قوبلوا بعداوة شديدة من بلد اعتنق المسيحية لتوه ويضم طبقة تجار بدائية للغاية. وبعد غزو التتار لروسيا في القرن الثالث عشر وتدهور إمارة كييف، زاد النشاط التجاري لأعضاء الجماعة لأن الإمبراطورية التترية جمعت الجماعات اليهودية كافة داخل إطار سياسي واحد سهَّل عملية انتقالهم. كما يبدو أن التتار كانوا يعتبرون اليهود من ذوي القربى باعتبار أن الجميع من أصل تركي. وفي القرن الخامس عشر، ظهرت فرقة متهودة بين الروس في مدينة نوفجورود. ورغم أنه تم القضاء عليها، فإنها عمقت مخاوف المؤسسة الدينية الأرثوذكسية من اليهود. واستمرت الحركة التجارية لأعضاء الجماعة اليهودية، مع هذا، من وإلى روسيا. وكان إيفان الرهيب (1533 ـ 1584) أول حاكم روسي يقرر طرد أعضاء الجماعة اليهودية من روسيا، ويعود هذا إلى رغبته في استبعاد أية عناصر تجارية أجنبية. وبعد الفترة التي تُعرف باسم «زمن المتاعب» في التاريخ الروسي (1598 ـ 1613) والتي شهدت اعتلاء أمير بولندي العرش الروسي، ونشوب حرب أهلية، زاد عمق الرفض الروسي لليهود حيث إن مغتصبي العرش من البولنديين أحضروا معهم كثيراً من صنائعهم اليهود. لكل هذا، مُنع أعضاء الجماعات اليهودية من دخول روسيا إلا لأسباب خاصة مثل حضور سوق تجاري أو غيره من الأسباب. وظل هذا الحظر أحد ثوابت السياسة الروسية حتى تقسيم بولندا في أواخر القرن الثامن عشر. ولعل خوف روسيا القيصرية من أعضاء الجماعات اليهودية هو خوف العناصر الزراعية التقليدية من عنصر غريب له علاقات دولية واسعة في دولة جديدة لم تكن سلطتها قد تدعمت بعد (ولم تتدعم لمدة طويلة نظراً لترامي أطراف البلاد ونظراً لأنه عنصر تجاري له مصالحه المالية الخاصة التي لا تتفق بالضرورة مع مصالح الدولة) . كما أن هناك قوى اجتماعية داخل روسيا لم يكن في صالحها البتة السماح لليهود بالاستقرار، من أهمها التجار الروس الذين كانوا يرزحون تحت عبء الضرائب والذين كان عليهم أن يدخلوا منافسة غير متكافئة مع بعض أعضاء طبقة النبلاء الذين اشتغلوا بالتجارة والذين كانوا يتمتعون بمزايا عديدة وبمساندة البيروقراطية الحكومية. بل كان هؤلاء التجار يجدون أنفسهم (أحياناً) في منافسة مع الفلاحين الذين كانوا يشتغلون بالتجارة والصناعات المنزلية، كل هذا داخل سوق محدودة مكبلة بالقوانين الإقطاعية الاستبدادية التي لا حصر لها. وإذا أضفنا إلى هذا كله أن الحجم المالي للتجار الروس كان صغيراً في معظم الأحوال، لأدركنا سبب وقوف التجار الروس ضد دخول العنصر اليهودي التجاري النشيط الذي لا تكبله القيم المسيحية أو القوانين الطبقية والذي يتحكم في رأسمال سائل لا بأس به. ووجد هذا الموقف صدى في نفس حكومة كانت تكتسب شيئاً من شرعيتها باعتناقها الأرثوذكسية. ورغم أن الفكر المركنتالي وجد طريقه إلى روسيا في مرحلة لاحقة، إلا أن التجار استمروا في معارضة نشاط اليهود التجاري وفي المطالبة بالحد منه حتى اندلاع الثورة البلشفية. ومن الثوابت الأخرى التي كانت عنصراً قوياً ومحدداً في السياسة الروسية القيصرية أن اليهود كانوا يشكلون عنصراً متحركاً غير مستقر على رقعة أرض مقصورة عليهم، كما هو الحال مع الشعوب والأقوام والأقليات والطوائف الأخرى داخل الإمبراطورية، الأمر الذي خلق لهم وضعاً خاصاً ومشاكل معينة. وقد ضمت روسيا مقاطعة روسيا البيضاء في أول تقسيم لبولندا عام 1772، وضمت في التقسيم الثاني منطقة منسك في الشمال وفولينيا (في مقاطعة كييف) ومنطقة بودوليا في الجنوب، أي أنها ضمت بذلك أوكرانيا كلها. ثم ضمت في التقسيم الثالث ليتوانيا. وقد ضمت كل هذه المقاطعات (وضمن ذلك كورلاند وبيالستوك التي حصلت عليهما روسيا فيما بعد) إلى روسيا نفسها، بينما أصبحت بولندا المركزية (التي كانت تضم نحو ثلاثة أرباع دوقية وارسو النابليونية) تكوِّن ما يُسمَّى «بولندا المؤتمر» أو «بولندا الروسية» (وكان اسمها الرسمي «مملكة بولندا» حتى عام 1830 كما كان لها دستورها الخاص) . وكانت هذه المقاطعات تضم أغلبية يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) الذين انطلقوا من هذه المناطق بعد ضمها، واستوطنوا المناطق الجنوبية من روسيا وساحل البحر الأسود ومقاطعة بيساربيا، وهي مناطق كانت تابعة للدولة العثمانية، وقامت روسيا بضمها باسم «روسيا الجديدة» (كانت توجد جماعات يهودية أخرى فيها ولكنها كانت جماعات صغيرة للغاية ولم يكن لها مسألة يهودية فقد كانت مندمجة تماماً في محيطها الحضاري) . ولذا فرغم وجود جماعات يهودية إلا أننا نتحدث في معظم الوقت عن «الجماعة اليهودية» وحسب، وتعني «يهود اليديشية» لأنهم كانوا الأغلبية الساحقة وكذلك كانوا أصحاب «المسألة اليهودية» . كما تسللت مجموعات صغيرة من اليهود إلى وسط روسيا نفسها. وكان وضع أعضاء الجماعة اليهودية في المناطق البولندية متميِّزاً تماماً من الناحية الثقافية والاجتماعية والوظيفية. إذ كانت أعداد كبيرة منهم تعمل بنظام الأرندا (استئجار عوائد القرى وضمنها الضرائب والمطاحن والغابات والحانات من النبلاء البولنديين الغائبين) كما كان بين اليهود تجار وأصحاب حوانيت وباعة جائلون. وكان الباقون حرفيين يعملون للنبيل الإقطاعي والفلاح. وحسب التقديرات، كان التركيب الوظيفي لليهود على النحو التالي: 1% فقط كانوا يعملون في الزراعة، و3% في الأعمال الدينية، و30% يعملون في نظام الأرندا، و30% يعملون في التجارة والرهونات، و15% في الحرف المختلفة. وكان من أهم الوظائف التي يضطلع بها اليهود، والتي أصبحت جزءاً أساسياً من مشكلتهم، تقطير الخمور وبيعها في الحانات التي استأجروها من النبلاء في إطار نظام الأرندا. كما يُلاحَظ أن التجارة اليهودية كانت تجارة طفيلية، وكان التجار اليهود يشتغلون بتهريب البضائع ويتهربون من الضرائب نظراً لوجودهم في المنطقة الحدودية وبسبب استخدامهم اليديشية وسيلة للتفاهم، الأمر الذي يسَّر لهم عمليات التهريب والتهرب والتلاعب بالأسعار. ومع هذا، ظلت نسبة كبيرة من أعضاء الجماعة تعاني من الفاقة، فكان هناك 21% منهم بدون وظيفة محدَّدة. ولكن لم يكن التميز وظيفياً أو طبقياً وحسب وإنما كان ثقافياً ولغوياً. وأعضاء الجماعة اليهودية كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة يدين أعضاؤها باليهودية ويتحدثون اليديشية ويمثلون المصالح المالية للنبيل البولندي الذي يتحدث البولندية ويدين بالكاثوليكية بين الفلاحين والأقنان الأوكرانيين الذين يتحدثون الأوكرانية ويدينون بالمسيحية الأرثوذكسية. وأعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية هم عنصر ألماني يعيش في وسط سلافي، ويظهر تميزهم حتى في الطريقة التي كانوا يحلقون بها رؤوسهم (واللحية والسوالف) وفي أزيائهم المتميِّزة (كفتان) وفي أسمائهم. كما تظهر عزلتهم في نظامهم التعليمي المقصور عليهم، وفي الشتتلات التي أسسها لهم النبلاء الإقطاعيون البولنديون (وهي مدن صغيرة تضم التجار والوكلاء والحرفيين اليهود) . وكان اليهود يكوِّنون أغلبية السكان في هذه المدن الصغيرة، وهو ما كان يعني عدم احتكاكهم بالسكان. كما كانت تعيش أعداد كبيرة منهم في بعض القرى. كانت هذه الكتلة البشرية اليديشية اليهودية على وشك الزيادة الهائلة إثر انفجار سكاني لم تعرف الجماعات اليهودية مثيلاً له في التاريخ. وهي برغم عزلتها، لم تكن متماسكة، إذ كانت الصراعات الاجتماعية قد بدأت تترك أثرها في مؤسسة القهال، وهي منازعات أخذت شكل الصراع بين الحسيديين ومعارضيهم من أعضاء المؤسسة الحاخامية الذين أُطلق عليهم المتنجديم. وكانت المنطقة التي ضمتها روسيا تضم أهم مناطق تركز الحسيديين وأهم المدارس التلمودية العليا (يشيفا) الخاصة بالمتنجديم في ليتوانيا. وضمت روسيا، كما تَقدَّم، بودوليا التي كانت مركز الحركة الفرانكية والحسيدية. وحينما دخلتها القوات الروسية، أطلقت سراح فرانك، وكانت اليهودية الحاخامية قد دخلت أزمتها الكبرى. وفجأة، وجدت هذه الكتلة البشرية نفسها تابعة لتشكيل اقتصادي سياسي حضاري جديد (روسيا القيصرية) ، تشكيل كان يرى دائماً ضرورة نبذهم والتخلص منهم، تسيِّره حكومة استبدادية متخلفة لا تسمح بالتعددية الدينية أو الفكرية أو المهنية، سياستها في جوهرها هي سياسة الملوك المطلقين المستبدين المستنيرين على نحو ما كان في وسط أوربا والنمسا وألمانيا (أي التحديث بالقوة ومن فوق) . ولم تكن لدى هذه الحكومة أية خبرة باليهود أو مشاكلهم، كما أن روسيا نفسها كانت على عتبات انفجارات اجتماعية ضخمة نتيجة عملية التحديث والعلمنة التي كانت تخوضها (وهي انفجارات أدَّت في نهاية الأمر إلى قيام الثورة البلشفية) . وتاريخ المسألة اليهودية في روسيا هو تاريخ الاحتكاك بين الكتلة البشرية اليهودية المنعزلة، بكل تَخلُّفها ومشاكلها وتَميُّزها من جهة، والبيروقراطية القيصرية المتخلفة بكل وحشيتها وتَعصُّبها وانعدام كفاءتها من الجهة الأخرى. وظلت المشكلة قائمة دون حل. وكلما احتدمت الأزمة، كانت الحكومة الروسية تشكل لجنة لدراسة الموقف لترفع بدورها توصياتها للحكومة. وكانت هذه التوصيات تستند في معظم الأحيان إلى فلسفات شمولية مطلقة، وتنبع من جهل عميق بآليات الظواهر الاجتماعية ويتولى تنفيذها جهاز تنفيذي متعصب جاهل فاسد يتسم بعدم الكفاءة. وظل التناقض الأساسي في سياسة الحكومة القيصرية بين رغبتها في التحديث والتنمية الاقتصادية من جهة والشكل الاستبدادي السياسي الذي يُفشل كل المحاولات التي تستهدف حل المسألة اليهودية من جهة أخرى. وقد تعثر تماماً تحديث اليهود بل تحديث المجتمع ككل، في أواخر القرن التاسع عشر، واحتدم التناقض بين الحقيقة الاجتماعية والشكل المتكلس، الأمر الذي نجمت عنه مجموعة من الاضطرابات والثورات انتهت بالثورة البلشفية التي حلت المسألة اليهودية والمسائل القومية الأخرى بطريقة نوعية مختلفة. روسيا من تقسيم بولندا حتى عام 1855 Russia, from the Partition of Poland to1855 أدَّى تقسيم بولندا إلى ضم أجزاء كبيرة منها إلى روسيا، وبذلك ضمت روسيا أجزاء كبيرة من الكتلة البشرية اليهودية اليديشية. ولأن النبلاء البولنديين كان محرماً عليهم التجارة (حيث تفرغوا لأعمال السياسة والحرب) ، وكان الأقنان ملتصقين بالأرض، كما كانت طبقة التجار ضعيفة للغاية، اضطلع اليهود بوظيفة طبقة التجار والحرفيين وأصبحوا جماعة وظيفية وسيطة. هذا على عكس روسيا إذ لم تكن التجارة هناك مهنة وضيعة، وكانت هناك طبقة من الحرفيين تزداد قوة. كما كانت الحكومة نفسها تقوم بالتجارة ويضطلع بعض النبلاء بالوظيفة نفسها. وكانت روسيا، من الناحية الاقتصادية، مستعمرة إنجليزية أو منطقة نفوذ للاقتصاد الإنجليزي. وبعد الحصار الذي فرضه نابليون على إنجلترا على نطاق القارة كلها، حدث تَقدم صناعي وتجاري نظراً لاضطرار روسيا إلى الاعتماد على نفسها. وعلى سبيل المثال، كانت روسيا تملك عام 1804 نحو 199 مصنع قطن زاد إلى 423 عام 1814، وزادت واردات القطن من الولايات المتحدة من 204 أطنان عام 1809 إلى 3787 طناً عام 1811. ومن كل هذه الحقائق، يمكن القول بأن الاقتصاد الروسي لم يكن في حاجة إلى أعضاء الجماعة اليهودية. ومع هذا، تم ضمهم نتيجة توسُّع الدولة القيصرية. ولم تكن المسألة اليهودية المسألة الوحيدة التي جابهتها الحكومة القيصرية، فقد كان هناك مسألة إسلامية ومسألة تترية ومسألة بولندية ومسألة أوكرانية، إذ كانت الإمبراطورية القيصرية مترامية الأطراف تضم مئات الأقليات والتشكيلات الحضارية المختلفة التي كانت تحاول أن تفرض عليها ضرباً من الوحدة حتى تتمكن الحكومة المركزية من التعامل معها. وقسَّمت الحكومة القيصرية هذه الأقليات إلى قسمين أساسيين: الأقليات السلافية (أوكرانيا وبولندا وغيرهما) ، والأقليات غير السلافية. وكان يُطلَق على الأقليات غير السلافية مصطلح «الإينورودتسي inorodtsy» . وهذه كلمة روسية كانت تشير في بادئ الأمر إلى قبائل السكان الأصليين التي تقطن سيبيريا، ثم اتسع نطاق الكلمة الدلالي فأصبحت تشير إلى كل الشعوب غير السلافية. وكانت السياسة العامة تهدف إلى ترويسهم. وغني عن البيان أن إجراءات الترويس، بالنسبة للأقليات غير السلافية، كانت أكثر راديكالية وعنفاً، وخصوصاً إذا كانت تلك الأقليات لا تدين بالمسيحية (ومع هذا ينبغي الإشارة إلى أن اللون أو العرْق بدأ يكتسب دلالة محورية مع تصاعد معدلات العلمنة في الإمبراطورية الروسية وتعمُّق الرؤية العرْقية. وحيث إن يهود اليديشية كانوا من البيض، ومع تَزايُد معدلات ترويسهم، أُعيد تصنيفهم بحيث أصبحوا «روساً» ووُطنوا على هذا الأساس في روسيا الجديدة وفي الخانات التركية التي ضمتها روسيا وذلك باعتبارهم عنصراً روسياً استيطانياً) . ومهما كان الأمر، فإن الإمبراطورية القيصرية كانت «سجناً للشعوب» . وقد بدأت الحكومة القيصرية علاقتها بأعضاء الجماعات اليهودية بالاعتراف بالقهال وبصلاحياته الدينية والقضائية، كما تم الاعتراف بالجماعة اليهودية (اليديشية) بوصفها جماعة مستقلة في المدن والقرى. وفي عام 1783، صُنِّف اليهود ضمن سكان المدن وأصبحت لهم حقوق غير اليهود نفسها (مثلاً: انتخاب مجالس المدن والبلديات وحق التمثيل فيها) . واستقر بعض التجار اليهود في موسكو وسمولنسك، فدخلوا في منافسة مع التجار المسيحيين بطرق شرعية وغير شرعية. وحينما اشتكى تجار موسكو من هذا الوضع، صدر فرمان عام 1791 يحظر على اليهود الاتجار خارج روسيا البيضاء. ويُعَدُّ هذا الفرمان الأساس القانوني لمنطقة الاستيطان، وقد سُمح لمجالس القهال بأن تستمر في عملها بكل صلاحياتها. وشهدت هذه المرحلة قيام روسيا بضم بعض الإمارات الإسلامية التابعة لتركيا على ساحل البحر الأسود، وسُمِّيت هي ومناطق أخرى باسم «روسيا الجديدة» . ولما كان أعضاء الجماعات اليهودية يُنظَر إليهم، في التشكيل الحضاري الغربي، باعتبارهم عنصراً ريادياً حركياً وجماعة وظيفية استيطانية يمكن استخدامها في مثل هذه العملية، كما فعل شارلمان من قبل وكما فعلت القوات المسيحية في إسبانيا والنبلاء البولنديون في أوكرانيا والاستعمار الغربي في فلسطين فيما بعد، قامت الحكومة القيصرية بتشجيعهم على الاستيطان في المناطق الجديدة، باللجوء إلى طريقة الطرد والجذب، فضوعفت الضريبة المفروضة على التجار اليهود في الإمبراطورية، بينما أُعفي المستوطنون في روسيا الجديدة من الضرائب كافة. واستثنى هذا المرسوم اليهود القرّائين، وكان هذا أيضاً أحد ثوابت السياسة القيصرية تجاه اليهود. وفي الوقت نفسه، تفاقمت مشكلة السُكْر بين الفلاحين، وساعدت المجاعة التي وقعت عام 1797 على تعميق المشكلة. ورغم أن اليهود كانوا السبب الواضح والمباشر أمام الجميع (إذ أن أغلبية صانعي الخمر وبائعيها كانوا من اليهود، كما أنهم هم الذين كانوا يديرون معظم الحانات) ، إلا أنهم لم يكونوا في واقع الأمر السبب الحقيقي لإدمان الفلاحين الروسيين المشروبات الكحولية. وشُكِّلت لجنة لبحث المسألة اليهودية في روسيا برئاسة الشاعر الروسي السناتور جافريل ديرجافين (1743 - 1816) الذي رأى أن اليهود يستغلون الفلاحين الروس وأن عزلتهم الطبقية والحضارية هي سبب العداء ضدهم. وبناء على ذلك، طالب ديرجافين بضرورة ترويسهم بالقوة وتغيير بنائهم الاقتصادي والوظيفي حتى يتسنى استيعابهم كيهود نافعين في المجتمع الروسي. ووضع بذلك الإطار الأساسي لجميع المحاولات التي بذلتها الحكومة القيصرية لحل المسألة اليهودية. وبعد أن اعتلى ألكسندر الأول العرش (1801 ـ 1825) ، شُكِّلت لجنة تدعى مجلس الشئون اليهودية التي أصدرت قراراتها عام 1804، والتي سمىت «قانون اليهود الأساسي» أو «دستور اليهود» . وجاء ضمن هذه القرارات أن اليهود يجب نقلهم خارج المناطق الزراعية بين عامي 1807 و 1808، كما أوصت القرارات بضرورة إبعادهم عن استئجار الحانات أو استئجار الأراضي الزراعية بهدف الربح (حتى يمكن تحويلهم إلى عنصر اقتصادي منتج) . ولتنفيذ هذا المخطط، وُضع تحت تصرفهم بعض أراضي القيصر، وأُعفي المزارعون اليهود من الضرائب لمدة تتراوح بين خمسة وعشرة أعوام، كما أنهم لم يُصنَّفوا كأقنان مرتبطين بالأرض، بل احتفظوا بحقوقهم في حرية الحركة والسكنى. ووعدت الحكومة كذلك بتقديم العون للمصانع التي تقوم باستئجار العمال والحرفيين من أعضاء الجماعة اليهودية. وسُمح للعاملين بالصناعة من أعضاء الجماعة اليهودية أن يستقروا داخل روسيا، وضمن ذلك موسكو وسانت بطرسبرج. كما حدَّ القانون الأساسي من سلطة القهال، وأصبح تنظيم الأمور الدينية والعبادات من اختصاص الحاخامات الذين كان يتم اختيارهم دون الرجوع إلى القهال. ولم تتجاوز صلاحيات القهال، في القانون الأساسي، تحديد الضرائب وجمعها وإحصاء عدد السكان اليهود. وتقرر ألا يوجد سوى قهال واحد في كل مدينة، كما سُمح لكل فرقة دينية بأن يكون لها معبدها اليهودي وحاخامها الخاص (الأمر الذي أدَّى إلى تحسين وضع الحسيديين) وفُتحت أبواب المدارس الحكومية العلمانية أمام أعضاء الجماعة اليهودية. وتقرر أنه ما لم يرسل اليهود أولادهم فإنه سيتم فتح مدارس يهودية علمانية خاصة على حساب أعضاء الجماعة اليهودية. وأصبح من شروط شغل وظيفة حاخام، أو عضوية مجلس إدارة القهال أو البلدية، معرفة الألمانية أو الروسية أو البولندية. كما تقرر أن يكتب أعضاء الجماعة جميع وثائقهم وأوراقهم التجارية بإحدى اللغات الثلاث دون العبرية أو اليديشية. وأكد القانون حق اشتراك اليهود في الانتخابات الخاصة بالحكومات المحلية ومُنع ارتداء الأزياء اليهودية التقليدية وقص الشعر على الطريقة اليهودية وترك السوالف، وأصبح توجيه تهمة الدم جريمة يعاقب عليها القانون (1818) . وكانت استجابة الجماعات اليهودية سلبية إلى أقصى درجة، وصاموا حداداً على صدور هذه القرارات بل اقترحت بعض القهالات تأجيل الإصلاحات إلى فترة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين عاماً. ولم تنجح الحكومة القيصرية في تنفيذ توصيات اللجنة بسبب ضعف البيروقراطية وفساد النظام الإداري (فكثيراً ما كان الموظفون يتقاضون الرشاوى ويتغاضون عن تعليمات الحكومة) ، وبسبب عدم الثقة المتبادل بين الحكومة وأعضاء الجماعة اليهودية. كما أن القرارات الخاصة بنقل أعضاء الجماعة اليهودية من القرى لم تكن واقعية إذ أن وجودهم فيها لم يكن أمراً من اختيارهم وإنما كان واقعاً اجتماعياً فرضته عليهم ظروفهم والظروف الاقتصادية المحيطة بهم، فقد كان أعضاء الجماعة يقومون في واقع الأمر بوظيفة مهمة بالنسبة للريف الروسي حتى ولو كانت لهذا جوانب سلبية من الناحية الاجتماعية. وعلى كل حال، لم تُتَخذ خطوات تنفيذية لطرد اليهود من القرى إلا عام 1822، وخصوصاً في مقاطعة بيلوروسيا أي روسيا البيضاء. ولكن كثيراً ما كان يتم طرد اليهود دون تأمين الأرض الزراعية لهم، الأمر الذي كان يعني محاولة تغيير وضع اليهود الوظيفي فشلاً مؤكداً. بل كان يتم أحياناً تأمين الأرض ثم يصل المستوطنون ليكتشفوا أنه لا توجد تسهيلات للسكنى أو الري أو الصرف. وتوقف كثير من الإصلاحات أثناء الحرب الروسية الفرنسية حين قام نابليون بغزو روسيا. وقد وقف أعضاء الجماعة اليهودية أثناء هذه الحرب، إلى جانب الحكومة الروسية، لأن المؤسسة الحاخامية كانت تعتبر نابليون عدو اليهودية اللدود، بل قام اليهود بالتجسس لحساب الحكومة القيصرية على القوات الفرنسية (وإن كان هذا لم يمنع وجود بعض حالات متفرقة قام فيها اليهود الروس بالتجسس على روسيا لحساب الفرنسيين) . وفي أواخر حكم ألكسندر الأول، كانت هناك محاولة لتنصير اليهود عن طريق الوعد بإعتاقهم وإعطائهم حقوقهم السياسية. وكان العقل المدبر وراء هذه الفكرة هو لويس واي، رئيس جمعية الكتاب المقدَّس في إنجلترا الذي أسَّس جمعية المسيحيين الإسرائيليين عام 1817 تحت رعاية الإمبراطور. ثم صدر قرار بمنع اليهود من استئجار خدم مسيحيين ومن السكنى في منطقة طولها خمسون فرسخاً (نحو 33 ميلاً) على الحدود، ولم يستثن من ذلك سوى ملاك الأراضي. وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ الجماعة اليهودية باعتلاء نيقولا الثاني العرش (1825 - 1855) ، وهذا بعد إخماد الثورة المعروفة باسم «ثورة الديسمبريين» ، وهم مجموعة من النبلاء المتأثرين بالأفكار الغربية، وكان من بينهم صاحب الأفكار اليعقوبية بول بستل، وهو صاحب مشروع صهيوني لحل المسألة اليهودية. وقد صعَّد نيقولا سياسة الترويس والدمج القسرية، فصدر مرسوم عام 1827 بفرض الخدمة العسكرية على يهود روسيا، وكانوا قبل ذلك يدفعون ما يشبه البدل النقدي، وكانت فترة الخدمة في الجيش الروسي تستمر خمسة وعشرين عاماً، وأوكل للجماعة اليهودية نفسها أن تقوم باختيار الفتيان الذين يتم تجنيدهم، وكانت كل جماعة يهودية تعين خطافين ليمسكوا الفتيان (من أبناء الفقراء في العادة) لتسليمهم إلى الحكومة، وهو ما زاد حدة الصراعات الاجتماعية. ويُلاحَظ أن هذا القانون لم يُطبَّق على يهود بولندا وحسب وإنما كان يُطبَّق على الروس كافة من مسيحيين وغيرهم. وكان الاختلاف الوحيد في عدد المجندين، فبينما كانت النسبة 7 من ألف بين المسيحيين، كانت 10 من ألف بين غير المسيحيين. وأُعفي المثقفون والتجار والحرفيون من الخدمة العسكرية نظير ألف روبل، كما أعفي العاملون في القطاع الزراعي في مرحلة لاحقة. وكان الهدف من الخدمة العسكرية هو مزيد من الدمج والترويس القسريين. ومع هذا، كان نظام التجنيد قاسياً بل غير إنساني، وذلك لصغر سن المجندين على وجه الخصوص. ولكن لم يُجنَّد في نهاية الأمر سوى عدد صغير من أعضاء الجماعة اليهودية يتراوح بين 26 و60 ألفاً في فترة 28 سنة. فإذا أخذنا بالمتوسط وهو 45 ألفاً، فإن هذا يعني أن عدد المجندين لا يزيد على ألف وخمسمائة مجند في السنة من مجموع يهود روسيا البالغ عددهم آنذاك ثلاثة ملايين. ثم صدر قرار عام 1835 لم يكن مختلفاً في جوهره عن قرار عام 1804، فأُعيد بمقتضاه تحديد منطقة الاستيطان. وحرَّم القانون استئجار الخدم المسيحيين، وحظر على أعضاء الجماعة اليهودية الزواج المبكر، وحدَّد الحد الأدنى لسن الزواج بثماني عشرة سنة للذكور وست عشرة سنة للإناث، كما حظر استخدام اليديشية أو العبرية في الأعمال التجارية وغيرها من النشاطات. وحُدِّدت المهن التي يُسمح لأعضاء الجماعة اليهودية أن يعملوا فيها، كما حُرِّم عليهم (عام 1825) دخول القرى. وأبقى القانون على القهال ليقوم بجمع الضرائب وتطبيق القوانين الروسية، وليصبح مسئولاً عن الأمور الدينية والخيرية، وصرح ببناء المعابد شريطة أن تكون على مسافة معقولة من الكنائس، واعتُبر الحاخامات موظفين حكوميين لا تقتصر مهمتهم على الجوانب الدينية فأصبح من واجبهم الرقابة على الجوانب الأخلاقية العامة وعلى أداء أعضاء الجماعة اليهودية لواجباتهم المدنية للدولة والمجتمع. وفُتحت أمام أعضاء الجماعة اليهودية أبواب المدارس العامة، وفُرضت الرقابة على كتبهم (عام 1836) . ويبدو أن الحكومة القيصرية بدأت تشعر في هذه المرحلة بأن ما سمته الروح التلمودية (وليس اليهودية نفسها) هو سبب عزلة اليهود. ولذا، قامت الحكومة باستشارة أثرياء اليهود الروس باعتبارهم خبراء في الشئون اليهودية، كما طلبت العون من المفكرين اليهود دعاة التنوير ومن يهود الغرب الذين تم تحديثهم. وكانت نتيجة المشاورات والمداولات مؤيدة لموقف الحكومة. وكان أهم داعية لهذه السياسة وزير التعليم أوفاروف وكان كثير من دعاة التنوير اليهود يتفقون معه، من بينهم إسحق بير ليفينسون في كتابه التعليم في إسرائيل (عام 1828) . وأُغلق كثير من المطابع العبرية بهدف الحرب ضد الخرافات الحسيدية والتعصب الناجم عن دراسة التلمود. ويُلاحَظ أن موقف الحكومة القيصرية من القرّائين كان متسامحاً للغاية لأنهم لا يؤمنون بالتلمود. واتجهت الحكومة الروسية أيضاً نحو علمنة التعليم اليهودي، وحاولت تطبيق المشروع الذي طرحه ليفينسون في كتابه. ولتحقيق هذا الهدف، استدعت التربوي الألماني اليهودي ماكس ليلينتال (1815 ـ 1882) حتى يمكنه أن يقرب فكرة التعليم العلماني ليهود روسيا وليؤكد لهم حسن نية الحكومة. وكان ليلينتال يعمل مدرساً في إحدى المدارس التي أسسها دعاة التنوير اليهود في ريجا. فقام برحلة استطلاعية، ولكنه قوبل بعداوة شديدة من الجماهير اليهودية التي سمته «الحليق» ، أي الذي حلق لحيته وسوالفه. وكان كثير من دعاة التنوير اليهود يرون أن تحديث الجماهير اليهودية لا يمكن أن يتم بالطرق الديموقراطية، وأنه لابد من استخدام نوع من القسر والإرهاب، وأيَّدهم في ذلك أعضاء البيروقراطية الروسية. وأوصى ليلينتال بإغلاق المدارس الدينية التقليدية ومنع المدرسين التقليديين من التدريس واستجلاب مدرسين من الخارج. وتم بالفعل تأسيس مدارس علمانية يهودية مُوِّلت من ضريبة الشموع (شموع السبت) ، وقام بالتدريس في هذه المدارس مسيحيون ويهود من دعاة التنوير، وأُسِّست مجموعة من المدارس لتدريب حاخامات ومدرسين يهود، وكانت هذه المدارس الإطار الذي تم فيه تدريب وتعليم أعداد كبيرة من دعاة التنوير المتحدثين بالروسية والذين لعبوا دوراً مهماً في الحركات الاندماجية والثورية والعدمية. وتبع ذلك إلغاء القهال (عام 1844) مع الإبقاء على إطار تنظيمي إداري عامّ. واستمر المسئولون عن التجنيد وكذلك جامعو الضرائب في أداء عملهم. وابتداءً من عام 1851، بدأت الحكومة الروسية تنهج النهج الألماني في تقسيم أعضاء الجماعات اليهودية إلى يهود نافعين ويهود غير نافعين. وكان الفريق الأول يضم كبار التجار والحرفيين والمزارعين الذين كانوا يتمتعون بمعظم حقوق المواطن الروسي. أما الفريق الثاني الذي كان يضم بقية اليهود من صغار التجار وأعضاء الطبقات الفقيرة، فكان الأمر بالنسبة إليهم مختلفاً إذ كان عليهم أداء الخدمة العسكرية حيث كان بوسعهم أن يتعلموا بعض المهن النافعة، فإن تعلموها صُنفوا ضمن النافعين وأُعفوا من الخدمة العسكرية. ونجحت السياسة بشكل محدد إذ أُقيمت أربع عشرة مستوطنة زراعية في خرسون، وعدد مساو في إيكاترينوسلاف، وخمس وأربعون مستوطنة في كييف، كما أُقيمت عدة مستوطنات في بيساربيا بلغ عدد سكانها خمسة وستين ألف يهودي. وقام سير موسى مونتفيوري بزيارة روسيا في هذه الفترة في إطار محاولة الحكومة القيصرية أن تُوسِّط يهود الغرب المندمجين في إقناع يهود روسيا بتقبُّل عمليات الدمج والتحديث والترويس. ويمكن القول بأن هذه العمليات لم تحقق كثيراً من النجاح. ألكسندر الأول (1801-1825) Alexander I أحد قياصرة روسيا. في عهده بدأت الحكومة القيصرية في محاولة إيجاد حل للمسألة اليهودية في روسيا بعد ضم أجزاء من بولندا. فشكلت لجنة لدراسة القضية والتوصية ببعض الحلول. وشهد عهده عدة محاولات لدمج اليهود وترويسهم. نيقولا الأول (1825-1855) Nicholas I قيصر روسي حاول دمج اليهود في المجتمع الروسي عن طريق إصلاحات تُفرَض عليهم من الخارج، لكن سياسته لم تُحرز نجاحاً كبيراً. منطقة الاستيطان اليهودية في روسيا Pale of Settlement «منطقة الاستيطان» ترجمة للعبارة الروسية «كرتا أوسدلوستي Cherta Osedlosti» حيث تُترجم كلمة «كرتا» إلى «نطاق» أو «حدود» أو ربما «حظيرة» وهي الترجمة الدقيقة. ولأن هذا النطاق كان يتسع ويضيق، فتضم إليه مناطق وتستبعد أخرى، فإننا نفضل استخدام كلمة «منطقة» . ومنطقة الاستيطان هي منطقة داخل حدود روسيا القيصرية لم يكن يُسمَح لمعظم أعضاء الجماعة اليهودية بالسكنى أو الاستقرار خارج المدن الواقعة فيها. وكانت الحكومة القيصرية تقوم بفرض مثل هذه القيود وهو أمر كان يُعَد جزءاً أساسياً من سياستها العامة ومن موقفها من حرية الأفراد في التنقل، وهي سياسة لم تكن تُطبَّق على أعضاء الجماعة اليهودية وحسب وإنما كانت تُطبَّق على معظم سكان روسيا سواء أكانوا من الأقنان أم كانوا سكان مدن أو تجاراً. فكان على هذه القطاعات، التي تشكل أغلبية السكان، البقاء في مواطن استيطانها لا تغادرها إلا لسبب محدد وبإذن خاص. ويبدو أن هذه القوانين صدرت بسبب طبيعة روسيا كإمبراطورية مترامية الأطراف تُوجَد بها مناطق شاسعة غير مأهولة بالسكان، الأمر الذي جعل بوسع أي مواطن أن يترك محل إقامته ليستوطن إحدى المناطق غير المأهولة بعيداً عن سلطة الحكومة. ولما كانت الحكومة المركزية ضعيفة نظراً لرغبتها في تدعيم أسس الإمبراطورية وضمان شيء من الثبات، ظهرت فكرة ربط المجموعات البشرية بمواطن محددة كما حدث مع الفلاحين حينما تم تحويلهم إلى أقنان، ثم مع أعضاء الجماعة اليهودية حين تم ضم أعداد كبيرة منهم إلى الإمبراطورية بعد تقسيم بولندا. ولكن، إلى جوار هذه الأسباب العامة المتعلقة بسياسة روسيا القيصرية تجاه رعاياها، هناك أسباب خاصة بيهود روسيا من أهمها الصراع الاجتماعي الناشب بين التجار اليهود الذين كانوا يشتغلون بتقطير الخمور وبيعها وبأعمال الرهونات والالتزام من جهة، والفلاحين السلاف الذين كانوا يتعاطون الخمر بشراهة (ربما بسبب تزايد بؤسهم) وضعف النظام الإقطاعي من جهة أخرى. وكانت البيروقراطية الروسية متخلفة غير مدركة لأبعاد المشكلة الاجتماعية في الريف الروسي أو البولندي. ولذا، أُلقي باللوم على أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم مسئولين عن سُكْر الفلاحين وإفقارهم. كما كان تجار روسيا يجأرون بالشكوى دائماً من العناصر اليهودية التجارية التي تلجأ إلي الغش والتهريب لتحقيق الربح. لكل هذا، حُظر على أعضاء الجماعة اليهودية أن يتحركوا خارج تلك المناطق التي ضُمَّت من بولندا، ولكنهم مُنحوا حق الاستيطان في المناطق التي ضُمَّت من تركيا في أواخر القرن الثامن عشر باعتبارهم عنصراً استيطانياً نافعاً، وهي التي كانت تقع أساساً حول البحر الأسود وسُمِّيت «روسيا الجديدة» . وقد ضمَّت منطقة الاستيطان منطقة كبيرة امتدت من ليتوانيا وبحر البلطيق في الشمال إلى البحر الأسود في الجنوب، ومن بولندا وبيساربيا في الغرب إلى روسيا البيضاء وأوكرانيا في الشرق، وتضم خمساً وعشرين مقاطعة تشكل مساحة قدرها مليون كيلو متر مربع، أي ما يساوي مساحة فرنسا تقريباً. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون نحو 11.6% من سكان منطقة الاستيطان عام 1897، وبلغ عددهم 4.899.427من مجموع يهود روسيا البالغ عددهم 5.054.300، ويُلاحَظ أنه كان يوجد 161.500 فقط من يهود الجبال وجورجيا، وهم ليسوا من يهود اليديشية، أي أن منطقة الاستيطان كانت تضم أغلبية يهود روسيا الذين كان معظمهم يتحدث اليديشية. وكانت منطقة الاستيطان تتكون من ثلاث مناطق تتميَّز الواحدة عن الأخرى تماماً: 1 ـ ليتوانيا وبيلوروسيا أو روسيا البيضاء: وتضم جرودنو منسك وفلنا وفايتبسك (بوكوتسك سابقاً) وكوفنو وموجيليف. 2 ـ أوكرانيا: وتضم فولينيا وبودوليا ومقاطعة كييف (ماعدا مدينة كييف) وتشرينجوف وبولتافا. 3 ـ روسيا الجديدة: وتضم خرسون (ماعدا مدينة نيقولاييف) وإيكاتيرينوسلاف وتاوريدا (القرم) وبيساربيا التي تضم أوديسا، أهم مدن اليهود في روسيا. واستقرت حدود المنطقة عام 1835. وكانت منطقة الاستيطان تضم رسمياً كل المناطق التي ضمت من بولندا ما عدا مقاطعات وسط بولندا والتي ظلت رسمياً خارج النطاق وداخله من الناحية الفعلية. وكانت منطقة الاستيطان تضم أوكرانيين وبولنديين وروسيين وليتوانيين ومولدافيين وألماناً. وكان لكل جماعة قاعدتها الإقليمية أو أرضها المتركزة فيها ما عدا أعضاء الجماعة اليهودية والألمان. ومن هنا ظهرت إحدى السمات الخاصة للمسألة اليهودية في روسيا. وقد قررت الحكومة القيصرية (عام 1843) ، لاعتبارات أمنية، عدم السماح لأعضاء الجماعة اليهودية بالسكنى على مسافة 50 فرسخاً (نحو 33 ميلاً) من الحدود. وحسب القانون الصادر لتنظيم منطقة الاستيطان، لم يُسمَح لليهود بالانتقال خارجها ولم يُسمح لهم بالدخول إلى وسط روسيا إلا مدة ستة أسابيع للقيام بأعمال محدَّدة على أن يرتدوا الأزياء الروسية. وكان متاحاً لتجار الدرجة الأولى أن يمكثوا ستة أشهر، كما كان مسموحاً لتجار الدرجة الثانية أن يمكثوا ثلاثة أشهر. ومع حكم ألكسندر الثاني، بدأت الحكومة القيصرية في تخفيف القيود عن بعض العناصر اليهودية النافعة والمندمجة، وذلك بهدف تحويل اليهود إلى قطاع منتج مندمج في المجتمع. فسُمح لتجار الفئة الأولى (عام 1859) بأن يستوطنوا خارج منطقة الاستيطان، وكذلك لخريجي الجامعات عام 1861 وللحرفيين عام 1865، كما سُمح للمشتغلين بالطب عام 1879 وللجنود المُسرَّحين بهذه الميزة. ولم يزد العدد المسموح لهم بها حسب تعداد 1897 على مائتي ألف يهودي. وكان من بين الفئات المسموح لها بمغادرة منطقة الاستيطان الفتيات اليهوديات اللائي كن يعملن بالبغاء، فكان بوسع الفتاة أن تنتقل إلى موسكو أو أية مدينة أخرى لتمارس هذه الوظيفة وتحقق قدراً من الحراك الاجتماعي والجغرافي دون أن يكون في إمكان أسرتها اللحاق بها. وقد حوَّل هذا منطقة الاستيطان إلى أهم مصدر للبغايا في العالم حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى وربما حتى الثلاثينيات من هذا القرن. وتم توسيع منطقة الاستيطان عام 1879 بضم مملكة بولندا إليها رسمياً، وأُبطل العمل على الحدود بقانون الخمسين فرسخاً. وكان 11.6% من سكان منطقة الاستيطان من أعضاء الجماعة اليهودية موزعين في القرى والمدن. وكان عددهم 4.900.000 (يشكّلون حوالي 94% من كل يهود روسيا) . وبعد عمليات الطرد من القرى، أصبح أعضاء الجماعة اليهودية مركزين أساساً في المدن. فمع بداية القرن التاسع عشر، كان 10 - 15% من سكان المدن داخل منطقة الاستيطان يهوداً، وكان أكبر تجمُّع يهودي يضم عشرة آلاف. ولكن، مع نهاية القرن، كان مليون ونصف مليون يهودي (أي ثلث اليهود في منطقة الاستيطان) من سكان المدن، وكانوا يشكلون 30% من مجموع السكان فيها وكانوا يشكِّلون 50% من مجموع سكان كثير من المدن. وكانت حوالي 41 جماعة يهودية تتكون كل منها من عشرة آلاف نسمة. وفي إحصاء عام 1897، بلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية من ساكني المدن 78% (حوالي 3.800.000) . وأدَّى الانفجار السكاني إلى ازدياد الازدحام داخل منطقة الاستيطان. ومع نهاية القرن التاسع عشر، كان 94% من مجموع يهود روسيا يعيشون في منطقة الاستيطان. وتختلف نسبة عدد السكان اليهود إلى مجموع السكان، كما تختلف درجة تَركُّزهم في المناطق الحضرية، ومعدلات التصنيع والتحديث، من منطقة إلى أخرى. فكثير من الصناعات داخل منطقة الاستيطان كان يملكها يهود، وكان نصفها تقريباً في صناعة النسيج ثم في صناعة الأخشاب والتبغ والجلود أي في صناعات خفيفة. وكان الصراع الطبقي محتدماً، كما كانت العلاقة بين صاحب العمل والعمال اليهود تحكمها علاقات السوق الرأسمالية وليس التضامن الديني أو الإثني. ولذا، فكثيراً ما كان صاحب العمل اليهودي يفضل عمالاً غير يهود لأنهم عمالة رخيصة ولا يمثلون أية ضغوط اجتماعية عليه ليعاملهم بطريقة خاصة ويعطيهم إجازات في الأعياد اليهودية. ولكن الرأسماليين من يهود روسيا كانوا مضطرين على وجه العموم إلى استئجار عمال يهود بسبب وجودهم بأعداد كبيرة في المدن. وكانت نسبة اليهود العاملين في التجارة هي 38.6% من مجموع اليهود. أما نسبة العاملين في الحرف (أساساً في الخياطة وصناعة الأحذية) فكانت 35.4%، وكان 72.8% من جملة التجار في منطقة الاستيطان من أعضاء الجماعة اليهودية وكذلك 31.4% من الحرفيين. وكانت الحركة الحسيدية منتشرة في صفوف يهود روسيا، وكذلك الحركات الثورية العدمية، كما ظهرت طبقة وسطى يهودية اكتسبت الثقافة الروسية. وكان نظام التعليم اليهودي التقليدي لا يزال قائماً إلى جانب المدارس العلمانية المختلفة. ومع أن الأغلبية كانت تتحدث اليديشية، فإن تعلَّم اللغة الروسية بشكل جدي بدأ يقطع أشواطاً كبيرة، كما فُتحت مدارس لتعليم العبرية بتأثير الحركة الصهيونية. وقد صدرت عام 1881 قوانين مايو التي منعت إنشاء أية مستوطنات خارج مدن منطقة الاستيطان، وتقرر أن اليهود الذين يعيشون في بعض قرى منطقة الاستيطان يحق لهم السكنى في هذه القرى دون غيرها. وأُعطي الفلاحون حق طرد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعيشون بين ظهرانيهم. وأحياناً كان يُحظَر على اليهود الإقامة في بعض المدن، مثل روستوف ويالطا، كما طُرد آلاف الحرفيين اليهود من موسكو إلى منطقة الاستيطان. وكانت هذه القرارات تعبيراً عن تَعثُّر التحديث في روسيا. وقد بُدئ في تخفيف حدة هذه القيود ابتداءً من عام 1903 بسبب الضغوط على الحكومة الروسية، فصُرِّح لأعضاء الجماعة اليهودية بالاستيطان في بعض القرى التي اكتسبت شكلاً حضرياً، وصدرت تعليمات عام 1904 تصرِّح لهم بالاستيطان خارج مناطق الاستيطان، وأيضاً بالاستقرار في المناطق الزراعية الواقعة في نطاق هذه المناطق. وقدَّمت العناصر الديموقراطية في الدوما (البرلمان) الروسي عام 1910 مشروع قرار لإلغاء منطقة الاستيطان، ولكن العناصر الرجعية وقفت ضده، وأُلغيت المنطقة نهائياً بعد الثورة البلشفية. والواقع أن تاريخ التجمع اليهودي، داخل منطقة الاستيطان، من أهم فصول تجربة يهود شرق أوربا في القرن التاسع عشر، وذلك للأسباب التالية: 1 ـ لاقى التجار والحرفيون اليهود منافسة شديدة من التجار والحرفيين المحليين، كما أن التحولات الاجتماعية التي كان يخوضها المجتمع الروسي أدَّت إلى تحوُّل أعداد كبيرة من اليهود إلى أعضاء في الطبقة العاملة. ولعل هذا التطور كان مهماً للغاية من منظور عملية الدمج والتدريب التي قامت بها الحكومة السوفيتية فيما بعد. 2 ـ كانت الأوضاع الاجتماعية السيئة، التي صاحبت التآكل في القيم التقليدية اليهودية، من العناصر الأساسية التي جعلت أعضاء الجماعة اليهودية مرتعاً خصباً للأفكار الثورية والحركات القومية العلمانية. 3 ـ أدَّى الانفجار السكاني وإغلاق أبواب الحراك الاجتماعي إلى هجرة اليهود بأعداد متزايدة إلى غرب أوربا والولايات المتحدة. وكانت مدينة برودي على حدود منطقة الاستيطان المحطة التي هاجر منها الملايين. 4 ـ أدَّى تَركُّز أعضاء الجماعة اليهودية داخل مناطق بعينها، وبالذات داخل المدن، إلى احتفاظهم بشيء من هويتهم الإثنية اليديشية إذ كان بمقدورهم أن يتحدثوا، فيما بينهم، باليديشية وأن يقرأوا الصحف المكتوبة بتلك اللغة داخل الجيتو الكبير، فنشأ أدب يديشي داخل مناطق الاستيطان، كما ظهرت بدايات الحركة الصهيونية (أحباء صهيون) بين يهود روسيا، وكذلك حركات مثل البوند وفكر قومية الدياسبورا (أو القومية اليديشية) ، وكلها محاولات للتعبير عن هذه الهوية بشكل أو آخر. ويميل بعض المؤرخين اليهود مثل جرايتز ودبنوف إلى أن يصوروا منطقة الاستيطان وكأنها وطن قومي يهودي في المنفى له شخصيته القومية المحددة. ولكل هذا، مع قيام الثورة البلشفية، وإلغائها منطقة الاستيطان، وفتحها كل روسيا أمام اليهود للاستقرار فيها، وإتاحتها فرص الحراك الاجتماعي والتنوع الوظيفي والاقتصادي، هاجر الألوف من اليهود إلى داخل روسيا. وبالتالي، نجح الاتحاد السوفيتي في القضاء على الأساس السكاني والحضاري للهوية اليهودية اليديشية وهو ما أدَّى إلى اختفاء هذه اللغة بحيث يمكننا أن نقول إنها تكابد الآن سكرات الموت. أوديسا Odessa مدينة بناها القياصرة على البحر الأسود مكان مدينة تركية صغيرة كانت تُسمَّى «خاتجيبي» استولت عليها القوات الروسية عام 1789 ولم يكن بها حينذاك سوى ستة من اليهود. وفي محاولة لتطوير المدينة، شجعت الحكومة القيصرية كل العناصر البشرية على الاستيطان فيها، فأصبح الأقنان الذين استقروا فيها مستأجرين أحراراً. وأصبحت أوديسا المركز التجاري الصناعي لجنوب روسيا أو روسيا الجديدة. وكانت أهم السلع التي تصدَّر منها الحبوب. فزاد حجم الصادرات خمس مرات. وأُسِّست فيها جامعة، عام 1865، وعدد من المسارح بل ودار للأوبرا. واجتذبت أوديسا أعداداً كبيرة من الأجانب حتى أنهم كانوا يشكلون ثلاثة أرباع السكان حتى عام 1819. وفي عام 1850، كان مجموع السكان 90 ألفاً منهم عشرة آلاف أجنبي. وقد تخصَّص كل عنصر بشري في نشاط اقتصادي ما، فكان اليونانيون والإيطاليون والألمان من تجار الجملة، وكان الفرنسيون يشتغلون بتجارة الخمور وتجارة التجزئة، كما كان اليهود القرّاءون يشتغلون في تجارة التبغ والسلع الشرقية، أما اليهود الحاخاميون فاضطلعوا بعدة وظائف تجارية ومالية تتداخل مع الوظائف الاقتصادية للأقليات الأخرى. وكان الجو الأممي (كوزموبوليتاني) في المدينة متطرفاً بمعنى الكلمة حتى أن أسعار تحويل العملات كانت تُكتَب باليونانية وكانت لغة الحديث بين الناس الفرنسية، وكانت علامات الطرق تُكتَب بالإيطالية والروسية، وكانت الفرق المسرحية تُقدِّم المسرحية الواحدة بخمس لغات مختلفة (وهي تشبه إلى حدٍّ ما في هذا الإسكندرية قبل قيام ثورة 1952) . وقد ساد الفكر المركنتالي سيادة تامة في أوديسا حتى بين صفوف البيروقراطية الروسية. فالهدف الذي حددته الحكومة لهم هو تحويل المدينة إلى ميناء تُصدّر منه روسيا صادراتها الزراعية، وخصوصاً القمح. ولذا، حكَّمت البيروقراطية مفاهيم المنفعة وقيمها وهو ما أدَّى إلى تَناقُص تعصبها ضد أعضاء الجماعة اليهودية والأجانب بسبب نفعهم. لكل هذا، كانت أوديسا نقطة جذب لأعداد كبيرة من يهود روسيا من جميع الطبقات الذين كانوا يرفضون الجيتو واليهودية الحاخامية والذين كانوا يشعرون بالرغبة في الهرب من منطقة الاستيطان. بل استقر في أوديسا مهاجرون يهود من جاليشيا وألمانيا، ليتمتعوا بالحريات التي مُنحت لأعضاء الجماعة اليهودية فيها وبالجو الأممي. ولذا، تزايد عدد اليهود من 10% من كل السكان عام 1795 إلى 20% (12 ألف يهودي) عام 1840 ثم إلى 34.4% (165 ألفا) عشية الحرب العالمية الأولى. وأصبحت أوديسا مركزاً لثاني أكبر تجمُّع يهودي في الإمبراطورية الروسية بعد وارسو عاصمة بولندا التابعة لروسيا آنذاك. وكان أعضاء الجماعة اليهودية جزءاً عضوياً من اقتصاد المدينة الجديدة، فساهموا في نموها الاقتصادي حتى بلغت نسبة أعضاء الجماعات اليهودية 56% من أصحاب الحوانيت الصغيرة و63% ممن يعملون في الحرف اليدوية وتصدير الحبوب والصيرفة والصناعة الخفيفة. وكان يوجد عدد كبير منهم في المهن الحرة. وفي عام 1910، كان 80% من تجارة تصدير الحبوب يمتلكها أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يمتلكون 50% من تجارة الجملة بشكل عام. كما كان يوجد عدد كبير من العمال اليهود (يشكلون ثلث عدد اليهود) انتشرت بينهم الحركات الثورية. وساد الاندماج واكتساب الصبغة الروسية، وظهرت طبقة من المثقفين اليهود الذين تبنوا مُثُل الحضارة الروسية والذين كان بوسعهم تحقيق درجة كبيرة من الحراك الاجتماعي في جو ثقافي منفتح. وتَدعَّم هذا الاتجاه نحو الانفتاح حينما صدرت قوانين ألكسندر الثاني عام 1860 التي حُرِّر بمقتضاها الأقنان وسُمح لأعضاء الجماعة اليهودية بدخول الجامعات. وتعاظم نفوذ العناصر الليبرالية الداعية إلى التنوير حتى أصبحت أوديسا أول مدينة يتولى قيادة الجماعة اليهودية فيها دعاة التنوير الذين تعاونوا مع السلطات لضرب المؤسسة الدينية اليهودية وللقيام بعمليتي الترويس والدمج. ففُتح العديد من المدارس اليهودية وكانت لغة التدريس فيها الروسية، كما كانت الموضوعات التي تُدرَس فيها موضوعات علمانية عامة، ولم تشغل الموضوعات اليهودية سوى مرتبة ثانوية. ودخل العديد من الأطفال اليهود المدارس الحكومية الروسية. وإلى جانب هذا، أُسِّست في أوديسا أول مدرسة عبرية على النمط الغربي، وهذا يعكس التناقض الأساسي الكامن في حركة التنوير في روسيا التي كانت تدعو إلى الاندماج في المجتمع ولكنها كانت تدافع في الوقت نفسه عن الأشكال اليهودية التقليدية. وقد بلغ عدد الطلبة اليهود في مدارس أوديسا ثلاثة أضعاف النسبة داخل منطقة الاستيطان. وأُسِّست فيها جمعية نشر الثقافة بين يهود روسيا التي كانت تهدف إلى ترويس أعضاء الجماعة. واشتهرت أوديسا بتراخي أهلها عن إقامة الطقوس والشعائر وتخليهم عن القيم الدينية اليهودية (بل عدم الاكتراث بها في كثير من الأحيان) حتى كان يُضرَب بها المثل: "إن نار جهنم تشتعل حول أوديسا على مسافة عشرة فراسخ". وكان مصير أوديسا مثل مصير حركة التنوير في روسيا، فمع تعثُّر التحديث حدث هجوم (بوجروم) على اليهود عام 1817 بسبب صراعهم مع جماعة وظيفية أخرى وهي الجماعة اليونانية. ولم يُحسَم التناقض داخل حركة التنوير في روسيا لصالح الاندماج كما حدث في إنجلترا وفرنسا وألمانيا، ولذا نجد أن بعض شرائح دعاة التنوير من مثقفي الطبقة الوسطى يتبنون الحل الصهيوني، فصدرت في أوديسا نداءات ليلينبلوم وبنسكر بعد أن شهدت نشاطاتهم الاندماجية من قبل. وأصبحت المدينة مركزاً لجماعة أحباء صهيون وجمعية بني موسى التي أنشأها آحاد هعام، وارتبطت بأسماء كثير من الزعامات الصهيونية مثل أوسيشكين وديزنجوف وبياليك وجابوتنسكي. كما صدر فيها عدد كبير من المجلات الأدبية العبرية، فأصبحت المدينة مركزاً للثقافة العبرية ولنشرها. وكانت تُنشر فيها مجلة آحاد هعام هاشيلواح. وبعد الثورة البلشفية، استمر عدد اليهود في الزيادة إذ بلغ 180 ألفاً عام 1931، ولكن نسبتهم إلى عدد السكان أخذت في الانخفاض فأصبحوا يشكلون 29.8%. ولا يزال يوجد بعض أعضاء الجماعة اليهودية في أوديسا، ولكن أعدادهم آخذة في التناقص. وهذا يتفق، في واقع الأمر، مع النمط العام لتطور الجماعة اليهودية، فمع تَزايُد التصنيع زاد انتشار أعضاء الجماعة وانتقلت أعداد كبيرة منهم من المناطق السكنية القديمة إلى المناطق الصناعية الجديدة. الترويس Russification «الترويس» مصطلح نُحت من لفظة «روسيا» ، وهو على صيغة المصدر من الفعل المنحوت «روَّس» . ويشير هذا المصطلح إلى صبغ الأقليات الدينية والعرْقية والإثنية في الإمبراطورية القيصرية بالصبغة الروسية، وهو جزء من عملية التحديث والتوحيد التي قامت بها الإمبراطورية الروسية والتي حاولت من خلالها فرض سلطة الحكومة المركزية على كل جوانب الحياة الخاصة والعامة للمواطنين بحيث يصبح انتماؤهم لها كاملاً وولاؤهم نحوها غير منقوص. وقد كانت الجماعة اليهودية إحدى هذه الأقليات، فحاولت الحكومة القيصرية أن تشجعهم أو ترغمهم على أن يغيِّروا لغتهم اليديشية ويتحدثوا الروسية أو البولندية أو الألمانية، وأن يستبدلوا بأزيائهم أزياء غربية حديثة ويرسلوا أولادهم إلى مدارس روسية علمانية أو مدارس روسية يهودية مختلطة. وعملية الترويس، في جوهرها، عملية تحديث وعلمنة، وهي تتداخل مع عمليات أخرى مثل «التطبيع» و «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» . وقد نشأت جمعيات مثل جمعية نشر الثقافة الروسية بين اليهود الروس في أوديسا لتشجيع هذا الاتجاه. كما أن تجنيد الشباب اليهودي في الجيش الروسي في سن مبكرة كان من أنجع الوسائل. ومع هذا، فإن كل هذه المحاولات باءت بالفشل إلى حدٍّ كبير لأن عملية الترويس كانت في جوهرها عملية إعلامية سطحية لم تواكبها تحولات بنيوية في المجتمع تفتح السبل أمام أعضاء الجماعة اليهودية ممن يرغبون في اكتساب الهوية الروسية المطروحة أمامهم. ولكن، بعد الثورة البلشفية، حدثت هذه التحولات البنيوية ومن ثم تصاعدت عملية الترويس. ويُلاحَظ أن هذه العملية، التي بدأت كجزء من مخطَّط فُرض بشكل فوقي، أصبحت حركية تلقائية نابعة من داخل الجماهير اليهودية في روسيا وغير مفروضة عليهم. فانصرافهم عن اللغة اليديشية تعبير عن الرغبة الإنسانية العامة في الحراك الاجتماعي حتى لو كان على حساب الهوية. وقد استمرت هذه العملية إلى أن اختفت اليديشية تقريباً وتروَّس يهود اليديشية، ومن ثم يُشار الآن إلى المهاجرين السوفييت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، بأنهم «الروس» وحسب. وعملية الترويس، في مراحلها التلقائية (أي حينما لا تحتاج إلى أي قسر خارجي) لا تختلف عن أمركة أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة أو أيٍّ من مختلف عمليات الدمج الحضاري التي يمر بها أعضاء الأقليات الإثنية والدينية المختلفة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
روسيا من عام 1855 حتى عام 1881
Russia, from 1855 to 1881.... تغيَّرت الصورة كثيراً مع اعتلاء ألكسندر الثاني (1855 ـ 1881) العرش إذ تميَّز حكمه بأن حركة التحديث في روسيا خطت خطوات واسعة واتخذت شكلاً ليبرالياً بعد هزيمة روسيا في حرب القرم. فعلى سبيل المثال، تم تحديث النظام القضائي عام 1864 ونظام البلديات عام 1870 وكذلك نظام التجنيد، بل بدأ الحديث عن قيام حكومة دستورية. ولعل أهم القرارات قرار إلغاء نظام الأقنان عام 1861 الذي صدر نزولاً على إرادة النبلاء الإقطاعيين الذين ظهرت بينهم تطلعات نحو الانتقال إلى صفوف البورجوازية الكبيرة سواء من خلال إقامة المزارع الحديثة ورسملة الزراعة أو من خلال التوجه للعمل في المجالات التجارية والصناعية. ويشكل هذا القرار أخطر منعطف في تاريخ المجتمع الروسي حيث شهدت هذه الفترة زيادة معدلات التصنيع والتحديث بشكل كبير، فمُدت السكك الحديدية وفُتحت أبواب الحراك الاجتماعي أمام الكثيرين، ولكن بدأت أيضاً معالم أزمة النظام القيصري في الظهور. لقد حرَّرت الدولة الروسية الأقنان ولكنها لم توفر لهم أرضاً، وبدأت القرى تقذف الملايين إلى المدن ليعيشوا تحت ظروف اقتصادية أشد وأقسى مما كانت عليه في عهد الإقطاع. ولم تكن هناك أية مؤسسات وسيطة (الأسرة أو الكنيسة) لتحميها وتوفر لها شيئاً من الطمأنينة النفسية (الحقيقية أو الوهمية) . كما أن هؤلاء الملايين كانوا يتقاضون أجوراً منخفضة لم تكن تفي بحاجاتهم بقدر ما كانت تؤدي إلى التراكم الرأسمالي السريع الذي كان يؤدي بدوره إلى تَصاعُد عملية التحديث وازدياد إفقار الجماهير وانتشار الحركات الثورية وزيادة الأوتوقراطية من جانب النظام السياسي، وهي الحلقة المفرغة التي أدَّت في نهاية الأمر إلى الثورة البلشفية. وقد فُتحت أبواب الحراك الاجتماعي والاقتصادي أمام أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم من القطاعات والأقليات في المجتمع. ورُبطت عملية إعتاق اليهود بمدى تحوُّلهم إلى عنصر نافع وعنصر اقتصادي منتج. ولتشجيع أعضاء الجماعة على تَقبُّل التحديث والترويس، قامت الحكومة بتوسيع نطاق حقوق اليهود النافعين، وخصوصاً حق السكنى في روسيا بأكملها، خارج منطقة الاستيطان بالنسبة للتجار الأثرياء الذين يُعتبَرون تجاراً من الدرجة الأولى (عام 1859) ولخريجي الجامعة (عام 1861) والحرفيين (عام 1865) والجنود اليهود المُسرَّحين (عام 1867) . ومن الأشياء المؤسفة أن العاهرات كن يُعتبَرن نافعات وهو ما شجع كثيراً من الفتيات اليهوديات، داخل منطقة الاستيطان، على امتهان البغاء كوسيلة للحراك الاجتماعي والجغرافي. وصُرح ليهود منطقة الاستيطان بالسكنى في بولندا عام 1868. وفي عام 1879، أصبح لكل من يعمل بمهنة الطب حق السكنى في أي مكان. ووُسع نطاق منطقة الاستيطان نفسها فأُبطل العمل بالقانون الذي يحظر على أعضاء الجماعة اليهودية السكنى في المنطقة الممتدة خمسين فرسخاً داخل الحدود. وفي عام 1856، أُلغيت القوانين الخاصة بتجنيد أعضاء الجماعة اليهودية والعقوبات الخاصة التي كانت تُوقَّع عليهم، وتمت مساواتهم ببقية الشعب الروسي. وفي عام 1874، اعتُمد نظام التجنيد الإجباري العام لمدة أربع سنوات ولم يَعُد مقصوراً على الفقراء، وانضم آلاف الشباب اليهودي إلى الجيش ومُنحوا حقوقاً ومزايا عديدة، كما خُفِّضت مدة خدمة المجندين الذين أنهوا دراستهم من أربع سنوات إلى سنة واحدة. وفي حقل التعليم، بعد فشل تجربة أوفاروف، أُغلقت المدارس اليهودية الحكومية عام 1873 ماعدا مائة مدرسة، وفُتحت المدارس الحكومية المعادية أمام أعضاء الجماعة اليهودية واعتبرت هذه الطريقة الأسلوب الأمثل لعملية الترويس. وأخذ عدد اليهود الذين التحقوا بهذه المدارس في التزايد. كما فتحت الجامعات أبوابها لهم، فزاد عدد الطلبة اليهود في الجامعات بين عامي 1853 و1872 من 1.25% من مجموع الطلبة إلى 13.2%. وظهر فكر حركة التنوير الذي كان من أقطابه ليفنسون ومابو ويهودا ليب جوردون. وكانوا في البداية معارضين لليديشية على النمط الألماني، لكن بعضهم تبناها كلغة قومية لا كلغة دينية. وظهر أدب يديشي من أعلامه منديل موخير سفاريم وغيره. وظهرت مطبوعات يهودية بالعبرية واليديشية والروسية. وتركت الثقافة اليهودية الروسية العلمانية الجديدة أعمق الأثر في أعضاء الجماعة اليهودية، حتى وصل ذلك الأثر إلى المدارس الدينية نفسها. ونشأ إحساس عام لدى يهود روسيا بأن الحكومة تأخذ مسألة الدمج بشكل جدي ومعقول، فاشتركوا في الحياة الروسية العامة، وظهر من بينهم عازفون موسيقيون، كما نشأت طبقة من التجار الأثرياء والمثقفين الداعين إلى الدمج والترويس. وقد أسَّسوا جمعية نشر الثقافة الروسية بين يهود روسيا عام 1863. وقام كبار المموِّلين اليهود ببناء الطرق والقلاع والسكك الحديدية وبتزويد الجيش بالتموين والغذاء، وامتلكوا المناجم وصناعات الطعام والنسيج وتصدير الأخشاب، وساهموا في تأسيس شبكة المصارف الجديدة في روسيا. وكانت هذه الطبقة تتركز في سانت بطرسبرج وموسكو وأوديسا ووارسو. وكان من أقطابها أسرتا جونزبرج وبولياكوف اللتان اعتبرتا نفسيهما قيادة الجماعة اليهودية. وارتبطت هذه الطبقة بالمثقفين اليهود الروس من المشتغلين بالمهن الحرة ومحرري الصحف والعلماء والكتاب. وكانت ثقافة هذه الطبقة والشرائح المحيطة بها روسية تماماً. ويُلاحَظ أن عدداً كبيراً من الشباب اليهودي بدأوا في هذه المرحلة يعملون ضباطاً في الجيش الروسي. وساهمت هذه الجيوب الحديثة في عملية تحديث بقية يهود روسيا، إذ كانوا يرفضون الحديث باليديشية كما كانوا يتعاونون مع الحكومة في عملية التحديث، ويساهمون في نشر الثقافة الروسية بين اليهود. ولكنهم، مع هذا، ونظراً لوضعهم الطبقي المتميِّز، كانوا منعزلين عن بقية الجماهير اليهودية التي كانت تدفع وحدها ثمن التحديث بينما كانوا يجنون هم ثمراته. ومما ساعد على ازدهار أعضاء الجماعة اليهودية داخل منطقة الاستيطان أن هذه المنطقة لم تشهد أية حروب في الفترة 1812 ـ 1914، كما أن وجود يهود روسيا داخل إمبراطورية واحدة سهَّل الحركة بين الجماعات المختلفة وأكد تَماسُك الجماعة اليهودية. وقد تزايد عدد يهود روسيا بسرعة تفوق معدل زيادة السكان، ففي عام 1825 بلغ عددهم 1.600.000 أي 3% من مجموع سكان الإمبراطورية و12% من سكان المناطق التي تواجدوا فيها. وفي عام 1850، بلغ عددهم 2.350.000. وبلغ عددهم عام 1880 أربعة ملايين، أي أن عددهم زاد بنحو 150% خلال 50 عاماً تقريباً. ومع هذا تعثَّر التحديث في روسيا وبدلاً من دمج أعضاء الجماعة اليهودية تحوَّلت روسيا القيصرية إلى قوة طاردة لهم في الوقت الذي كانت أعدادهم آخذة في التزايد. وكانت استجابة يهود روسيا لتعثُّر التحديث هي الهجرة التي كانت حتى عام 1870 هجرة داخلية من ليتوانيا وروسيا البيضاء إلى جنوب روسيا (روسيا الجديدة) . فحتى عام 1847، كان 2.5% من يهود روسيا يعيشون في هذه المنطقة. ومع حلول عام 1897، كانت نسبتهم تصل إلى 13.5%. ولكن نمط الهجرة اختلف بعد عام 1880 إذ اتجهت كليةً إلى خارج شرق أوربا. فهاجر 2.750.000 يهودي تركوا شرق أوربا خلال 1881 ـ 1914 (نحو مليونين من روسيا وحدها) بينما كان عدد يهود العالم عشرة ملايين، وهو ما يعني أن ربع يهود العالم كانوا في حالة هجرة. وظهرت حركة حزب البوند الثورية الذي كان يُعَد أكبر تنظيم ثوري اشتراكي في أوربا، كما ظهرت الحركة الصهيونية، وهما تعبيران مختلفان عن تعثُّر التحديث. ولعل أكبر دليل على تعثُّر محاولات الدمج والتحديث أن الهرم الوظيفي لأعضاء الجماعة، رغم تصاعد معدلات التحديث الاقتصادي، كان لا يزال بلا تغيير كبير إذ كان 38% من أعضاء الجماعة يعملون بالتجارة و35% يعملون بالحرف اليهودية والصناعات المرتبطة بها و3% فقط يعملون بالزراعة. ولذلك، كانت عملية اغتيال القيصر (ألكسندر الثاني) عام 1881 على يد مجموعة من الشباب الروسي الثوري، من بينهم فتاة يهودية ملحدة، تعبيراً عن المشاكل البنيوية العميقة التي يواجهها المجتمع الروسي، وخصوصاً مشكلة التناقض بين البنية الاقتصادية المتطورة والأشكال السياسية والاجتماعية المتكلسة. فشُكِّلت لجنة لإعادة النظر في المسألة اليهودية أعلنت فشل سياسة التسامح، أي فشل عملية التحديث القيصرية، وأصدرت قوانين مايو التي طُرد اليهود بموجبها من موسكو عام 1891 وحُدِّدت نسبتهم في المدارس الثانوية. وأدَّت هذه القوانين إلى طرح المسألة اليهودية على العالم الغربي بأسره إذ بدا أن روسيا بدأت تُصدِّر فائضها اليهودي إلى الجميع. تعثر التحديث في روسيا القيصرية Setbacks of Modernization in Tsarist Russia لم يُقدَّر لمحاولات دمج أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا النجاح لأسباب عدة، من أهمها ما يلي: 1 ـ خلق الانفجار السكاني بين أعضاء الجماعات اليهودية فائضاً بشرياً ضخماً لم يكن من الممكن توفير الفرص الكافية للعمل والتعليم له. كما أن الانفجار السكاني كان يخلق تجمعات يهودية مركزة يتعامل من خلالها أعضاء الجماعة مع بعضهم البعض دون حاجة إلى العالم الخارجي، الأمر الذي كان يُبطئ عملية الاندماج ويعوقها. 2 ـ كما يُلاحَظ أن عملية التحديث نفسها كانت لها جوانب سلبية عديدة. فحظر الاتجار في الخمور على أعضاء الجماعة اليهودية كان يهدف إلى تقليل الاحتكاك بين اليهود والفلاحين، ولكن مع هذا حُرم آلاف اليهود من مصادر الدخل الوحيدة المتاحة لهم، فكان منهم مقطرو الخمور وموزعوها وتجارها. كما أن إنشاء السكك الحديدية التي مولها كبار الرأسماليين اليهود كما تَقدَّم، قضى على مصادر الدخل الأساسية لآلاف اليهود الذين كانوا يعملون في صناعة وتجارة العربات التي تجرها الخيول. 3 ـ ومما عقَّد الأمور أن عملية إعتاق أعضاء الجماعة اليهودية تزامنت مع إعتاق الأقنان، الأمر الذي جعل رقعة الأرض المتاحة للزراعة ضيقة جداً، وخصوصاً أن التاجر أو المرابي اليهودي لم يكن من السهل تحويله إلى مزارع. وأدَّى إعتاق الأقنان أيضاً إلى وجود عمالة رخيصة في السوق، الأمر الذي أدَّى بالتالي إلى طرد اليهود من كثير من وظائفهم التقليدية وإلى انحدارهم إلى مستوى الطبقة العاملة وتحوُّلهم إلى عمال، هذا مع ملاحظة أن المستوى المعيشي لغالبية أعضاء الجماعة اليهودية، حتى في أكثر أيامهم فاقة وفقراً، كان أعلى بكثير من مستوى القن الروسي أو القن البولندي. 4 ـ وكلما ازدادت معدلات التحديث، ازدادت صعوبة التكيف مع الاقتصاد الجديد، الأمر الذي كان يزيد عدد ضحايا التقدم، ففي مرحلة ما قبل 1880 خفَّف آلام الانتقال إلى النمط الرأسمالي في الإنتاج أن هذا النمط احتفظ في مراحله الأولى بأشكال إنتاج بسيطة وهو ما أتاح لعدد من أعضاء الجماعة اليهودية أن يجدوا مجالاً رحباً للعمل (في المدن الصناعية) في التجارة الجديدة وللعمل في الحرف. غير أن النمو الرأسمالي لم يتوقف عند هذه المرحلة، فقد اتسعت رقعة الصناعة لتشمل الصناعة الخفيفة أيضاً، فكان ذلك بمنزلة ضربات قاضية دمرت الاقتصاد الإقطاعي ودمرت معه الفروع الرأسمالية الحرفية حيث كان اليهود يتركزون بنسبة مرتفعة. وهكذا تشابكت عملية تحويل التاجر اليهودي لمرحلة ما قبل الرأسمالية إلى عامل حرفي أو تاجر رأسمالي مع عملية أخرى هي القضاء على عمل اليهودي الحرفي نفسه. وحينما كان اليهودي يتحول إلى عامل، فإنه كان يواجه منافسة الفلاحين الروس المُقتلَعين الذين كانوا يقنعون بأجور منخفضة بسبب أسلوب حياتهم البسيط. ومما زاد الأمور تشابكاً وتعقداً أن الحرفي اليهودي (كما يبيِّن أبراهام ليون) كان يعمل فيما يمكن تسميته «الحرف اليهودية» التي وُلدت بالشتتل. فالحرفي اليهودي لم يكن يعمل من أجل الفلاحين المنتجين بل كان يعمل من أجل التجار والصيارفة والوسطاء. ولذلك، نجد أن إنتاج السلع الاستهلاكية هو الشاغل الرئيسي للحرفي اليهودي لكون زبائنه يتألفون من رجال متخصصين في تجارة الأموال والبضائع، أي غير المنتجين أساساً. أما الحرفي غير اليهودي، فإن ارتباطه بالاقتصاد الزراعي جعله لا ينتج سلعاً استهلاكية لأن الفلاح كان يكفي نفسه بنفسه. وهكذا، إلى جانب الفلاح، كان هناك الحرفي غير اليهودي (الحداد مثلاً) ، وإلى جانب رجل المال اليهودي كان هناك الحرفي اليهودي (الترزي مثلاً) . وقد ساعد على تطوُّر الحرفي غير اليهودي ارتباطه بالتاجر المسيحي الذي كان يوظف أمواله في حرف متخصصة غير مرتبطة بالنظام الإقطاعي مثل نسج الأصواف، وهي حرف كان الغرض منها الإنتاج للتصدير لا الاستهلاك المباشر، أي أنها حرف تقع خارج نطاق النظام الإقطاعي وتمثل نواة الاقتصاد الجديد، وبالتالي فإنها لم تسقط مع الاقتصاد القديم. وانعكس هذا الوضع على أعضاء الطبقة العاملة من اليهود، فالحرف الأقل قابلية للتطور إلى صناعة كانت محصورة في أيدي الحرفيين اليهود، بينما انحصرت المهن الأكثر قابلية لهذا التطور في أيدي الحرفيين غير اليهود. 5 ـ وقويت شوكة الطبقة الوسطى الروسية، وخصوصاً بعد تَدفُّق رؤوس الأموال الأوربية الغربية على روسيا، بحيث فُتحت آفاق جديدة أمامها وأصبحت قوة اقتصادية لها وزنها يمكنها التفاهم مع البيروقراطية الحكومية (الروسية الأرثوذكسية) التي كانت تحابيها وتعطيها الأولوية والأفضلية. وتسبب كل هذا في إضعاف المموّلين اليهود وأعاق عملية تحوُّل كثير من أعضاء الجماعة اليهودية إلى أعضاء في الطبقة الوسطى الروسية. 6 ـ أدَّى القضاء على ثورة بولندا عام 1863 إلى حرمان آلاف اليهود ممن كانوا يعملون في نظام الأرندا وكلاء للنبلاء البولندين (شلاختا) من وظائفهم. 7 ـ وفي الحالات القليلة التي كان بعض أعضاء الجماعة يحققون فيها مكانة مرموقة أو حراكاً اجتماعياً، كانوا يصبحون محط الحقد الطبقي في وقت كانت الضائقة الاجتماعية آخذة في التزايد. ومن هنا، كان اتهام اليهود بالسيطرة الاقتصادية واستغلال غير اليهود، ومن هنا أيضاً ارتسمت صورة اليهودي كرأسمالي جشع. 8 ـ ومن قبيل المفارقات أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعة اليهودية سقط ضحية التقدم وتحولوا إلى أعضاء في الطبقة العاملة الحضرية التي فقدت جذورها الثقافية ونمط حياتها وانتماءها الديني ومصدر حياتها. وقد وصل الفقر إلى درجة أن ثلث يهود روسيا عاشوا على معونات المنظمات اليهودية الغربية. وكل هذا يعني أن الجماهير الفقيرة لم تكن مستفيدة تماماً من عمليات التحديث ولم تكن ترى فيه حلاًّ لمشاكلها الحضارية. ولذا، التفت قطاعات كبيرة منهم، وخصوصاً صغار التجار، حول القيادات الحسيدية التي منحتها شيئاً من الطمأنينة في عالم لم تكن تفهمه البتة. 9 ـ ولكن، بالنسبة للعمال اليهود الروس والمثقفين العلمانيين، أدَّى تردِّي وضعهم إلى انخراطهم بمعدلات كبيرة في صفوف الحركات الثورية، وخصوصاً أن مستواهم الثقافي كان، كما تَقدَّم، أعلى من مستوى الأقنان. ففي عام 1899، كانت نسبة اليهود في الحركات الثورية تبلغ 24.8% في وقت كانت نسبتهم إلى عدد السكان 4.1%. 10 ـ ويمكن أن نضيف بعض العناصر الثقافية التي أدَّت إلى فشل عملية التحديث، من بينها أنها كانت تتم رغم أنف اليهود. وقد بدأت هذه العملية بقضها وقضيضها من داخل المجتمع الروسي لا من داخل الجماعة اليهودية التي ظلت رافضة إياها. ولاقت هذه العملية مقاومة شديدة من جانب الجماهير اليهودية المتخلفة التي رفضت إرسال أطفالها إلى المدارس الروسية العلمانية، وخصوصاً أن عملية التحديث كانت كما تَقدَّم تضيرها اقتصادياً في كثير من الأحوال وتحولها إلى طبقة عاملة حضرية مفتقدة للمعنى الذي كانت تجده في وجودها التقليدي. 11 ـ قامت الدولة الروسية الاستبدادية الملتصقة بالكنيسة الأرثوذكسية المتعصبة بالإشراف على عملية التحديث. وقام بتنفيذ هذه العملية بيروقراطية روسية ضيقة الأفق مرتشية تفتقر إلى خبرة كبيرة باليهود وبأمورهم، ذلك أن إمبراطورية القياصرة كانت تحظر على اليهود دخولها. وكانت عملية التحديث تتم داخل إطار فكرة القومية السلافية الروسية التي كانت تَصدُر عن منطلقات عضوية ضيقة تفترض أن ثمة تفاوتاً بين الناس وأن السلافية (أو الروسية) خاصية لا يكتسبها المرء وإنما يولد بها على نقيض فكرة القومية الليبرالية في بلاد غرب أوربا. وكانت عملية التحديث تتم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي شهد انتكاسة الفكر الليبرالي في أوربا بشكل عام وظهور الفكر السياسي الرجعي بشكله الرومانسي. ونجم عن ذلك تَصاعُد ظاهرة معاداة اليهود الذين أصبحوا بؤرةً تصب فيها أحقاد ضحايا التحديث: الرأسماليين الروس الذين كانوا يخافون منافسة الرأسماليين اليهود، والطبقة العاملة الروسية التي كان يرى أعضاؤها الرأسمالية اليهودية واقفة ضدهم. أما اليهود من أعضاء الطبقة العاملة، فوجدوا أنفسهم في عزلة. وكان أعضاء النخبة الروسية ينقسمون إلى ثوريين روس يرون الانعزالية اليهودية شكلاً من أشكال الرجعية المعادية للثورة، ومثقفين روس (من بينهم دوستويفسكي) يرون اليهودي رمزاً لاقتحام الغرب والأفكار الغربية لأمهم روسيا السلافية. ووجد يهود روسيا أنفسهم في مواجهة كنيسة أرثوذكسية تخشى العلمانية التي كان اليهود أهم دعاتها كما تخشاهم باعتبارهم أعداء المسيح، وفي مواجهة حكومة روسية رجعية وجدت أن الثوريين الروس يضمون، في كل مكان، أعداداً متزايدة من اليهود. وظهرت كتابات معادية لليهود، من أهمها كتاب جيكوب برفمان (وهو يهودي متنصر) اسمه كتاب القهال عام 1869، كما ظهرت فكرة الحكومة اليهودية العالمية التي تتآمر على الجنس البشري ومنشورات أخرى عن التلمود وتهمة الدم، وهي أفكار ظلت على السطح دون تأثير قوي. ومع هذا، بدأت هذه الأفكار تؤثر في تفكير البيروقراطيين ثم أخذت شكل مذبحة ضد اليهود في أوديسا عام 1871.ووُجهت تهمة دم عام 1878 ولكن المتهم بُرِّئ بعد محاكمته. ويجب أن نبين أن الجماعة اليهودية لم تكن وحدها المُستهدَفة وإنما كانت عنصراً واحداً في بانوراما اجتماعية اقتصادية، فقد بدأ المناخ العام في روسيا يتغيَّر. ومع تَصاعُد وتيرة التحديث وتعثُّره، زاد ضحايا التقدم وزادت كذلك الهجمات على الغرباء كافة من أعضاء الأقليات سواء من الأرمن أو المسلمين أو اليهود أو حتى من المسيحيين من غير الأرثوذكس أو الأوكرانيين. لكن التحولات الاقتصادية كانت ذات طابع بنيوي عميق ولم يواكبها أي تحديث في الأشكال السياسية للمجتمع. ومن الواضح أن المجتمع الروسي كان قد وصل، مع نهاية السبعينيات، إلى طريق مسدود لم يكن من الممكن تجاوزه، كما لم يكن من الممكن استئناف التحديث إلا عن طريق ثورة اجتماعية. ألكسندر الثاني (1855-1881) Alexander II قيصر روسيا بدأ حكمه بمحاولة التوصل إلى طرق ليبرالية لدمج اليهود. وبالفعل، شهد عهده ظهور حركة التنوير بين يهود روسيا وتَزايُد معدلات العلمنة والاندماج بينهم. ولكن، بدأت تتضح في نهاية عصره أزمة النظام القيصري، كما ظهرت الاستجابات اليهودية المختلفة لأزمة اليهودية واليهود، وبدأت أعداد متزايدة من الشباب اليهودي تنخرط في الحركات الثورية. وقامت جماعة إرهابية شعبوية، بينها فتاة يهودية ملحدة، باغتياله. روسيا من عام 1881 حتى الثورة البلشفية (1917) Russia, from 1881 to the Bolshevik Revolution (1917) اتسمت عملية التحديث في روسيا القيصرية بالتنافر الشديد بين الأشكال السياسية الاستبدادية السائدة في المجتمع ومعدلات التنمية الاقتصادية السريعة التي كانت تتزايد وتدفع بالملايين من القرى إلى السوق، تاركين أنماط حياتهم التقليدية حيث يتحولون من أقنان وفلاحين وحرفيين صغار إلى عمال أجراء، مع ما يتبع ذلك من آلام وضياع ثم إحساس بالفردية ورغبة في المشاركة في السلطة. ولم تقدم الحكومة القيصرية أية صيغ عقائدية تساهم في تقليل آلام الانتقال أو في توسيع نطاق المشاركة في تسيير دفة الحكم. بل إنه مع اعتلاء ألكسندر الثالث الحكم (1881 ـ 1894) ، ازداد التشدد والأوتوقراطية، وخصوصاً تحت تأثير بُوبيدونستسيف الذي كان يرفض المثل الديموقراطية تماماً. وقد تلقى القيصر نفسه تعليماً دينياً تقليدياً، كما ظهر عديد من المفكرين الرجعيين (مثل كاتكوف وليونتييف) الذين طالبوا بضرورة وضع حدود صارمة على الشعب الروسي وضرورة الحد من حرياته من جديد. فقد نمت روسيا وتطورت ـ في رأيهم ـ مع نمو التفاوت بين الطبقات في المجتمع الروسي، ومع تأسيس نظام الأقنان وتَطوُّر الوظائف التي تُشغَل بالوراثة. وسيطرت تلك الروح الرجعية على جميع مجالات الحياة في روسيا ووصل أثرها إلى حياة الفئات والطبقات والجماعات كافة، فأُعيدت التشريعات التي تحدد التعليم على أساس طبقي، وأصبح من العسير على أبناء الطبقات الفقيرة أن يلتحقوا بالمدارس. وفي منشور صادر من وزارة التربية معروف باسم «منشور أبناء الطباخين» ، جاء أن من الواجب عدم قبول «أبناء قائدي العربات والخدم والطباخين وأصحاب الحوانيت الصغيرة والغسالات ومن شابههم» . كما زيدت مصاريف الجامعات حتى تقلل فرص الالتحاق بها أمام الفقراء. وأُلغي الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية، فعُيِّن في العادة بدلاً من القضاة في الريف رؤساء قرويون من طبقة النبلاء يقومون بإصدار الأحكام وتنفيذها. وتم تقييد حرية الصحافة تماماً، وطورد أعضاء الجماعات المسيحية التي لا تدين بالأرثوذكسية. وفي كثير من الأحيان، كانوا يُمنعون تماماً من إقامة شعائرهم بل كان يتم خطف أطفالهم منهم. وتجلت السياسة القومية الرجعية أيضاً في القيود الشديدة التي فُرضت على مختلف الجماعات غير الروسية (السلافية وغير السلافية) الموجودة على الحدود، مثل البولنديين، إذ فُرض عليهم برنامج قاس للترويس. وانتهى عصر القيصر ألكسندر الثالث بمجاعة وقعت عام 1891 زادت بؤس الجماهير. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية سوى أحد القطاعات البشرية المنكوبة التي وقعت ضحية عملية القمع الرجعية هذه. فقد بدأ عهد ألكسندر الثالث بسلسلة من الهجمات على كثير من مراكز اليهود السكانية استمرت نحو ثلاثة أعوام وتأثر بها نحو 60 ألف يهودي. وقد وقعت الهجمات بعد أن قامت بعض الصحف الروسية الرسمية بشحن الجو ضدهم باعتبارهم مستغلي الفلاحين. وتشكلت لجنة للتحقيق في الحوادث توصلت إلى أن نشاط اليهود الاقتصادي هو السبب في هذه الهجمات (ولكن اللجنة، مع هذا، لاحظت أن سلوك الشرطة والجيش لم يكن فوق الشبهات) . ثم شُكِّلت لجنة أخرى لإعادة النظر في المسألة اليهودية طرحت اقتراحات لا تختلف كثيراً عن اقتراحات وتوصيات اللجان السابقة. وبناء عليه، أصدر وزير الداخلية الكونت إجناتييف قوانين مايو المؤقتة عام 1882 باعتبارها إجراءات استثنائية تنطبق على منطقة الاستيطان وتهدف إلى حماية المواطنين الروس من اليهود باعتبارهم عنصراً أجنبياً غريباً. ولكن، ظهرت صعوبات كثيرة عند تطبيق هذه القوانين، فشُكِّلت لجنة أخرى عام 1883 لمناقشتها واستمرت اللجنة الجديدة في اجتماعاتها خمسة أعوام وأوصت عام 1888 بضرورة رفع القيود عن اليهود وإعتاقهم. ولكن البيروقراطية تجاهلت تلك التوصيات وقامت بطرد اليهود من موسكو عام 1891 وتحديد عددهم في المدارس، وهو ما أدَّى إلى سفر أعداد متزايدة من الشباب اليهودي إلى الخارج حيث تم تسييسهم وتثويرهم. ولم يتغيَّر الوضع كثيراً في حكم نيقولا الثاني (1894 ـ 1918) آخر قياصرة آل رومانوف. وقد شهدت المرحلة تصاعداً في تطور الصناعة الرأسمالية والتصنيع لم يواكبها تحديث في النظام، فشهد عام 1893 تصاعداً في تطور الصناعة الرأسمالية بقدر لم يسبق له نظير، وتضاعف عدد أعضاء الطبقة العاملة. وقد زاد إنتاج الفولاذ والبترول ثلاثة أضعاف، وزاد طول السكك الحديدية من 28 ألفاً إلى 49 ألف فرسخ. ورغم السياسة التي اتبعتها الحكومة التي تهدف إلى تقليل فرص التعليم أمام الفقراء، زاد عدد الطلبة في المدارس وقلت نسبة الأمية. ففي بلد كانت الأمية فيه كاملة تقريباً في بداية القرن، وصل عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة عام 1897 إلى 27.8%. وزاد حجم الطبقة العاملة، فكانت الألوف تهجر القرى وتنضم إلى الطبقة العاملة الحضرية. وكرد فعل لهذه التغيرات، زادت النزعات القومية السلافية الروسية وزاد قمع الأقليات والشعوب التابعة، وخصوصاً غير السلافية، فتم قمع الأوكرانيين والبولنديين والمسلمين في الإمارات الإسلامية، وكذلك تم قمع أعضاء الجماعة اليهودية. ومن أشهر الأحداث التي شهدتها الفترة حادث يوم الأحد الأسود في 9 يناير 1905 حين قام مائتا ألف عامل من الرجال والنساء والأطفال يقودهم الأب جابون بالسير إلى قصر الشتاء ليقدموا شكواهم لأبيهم القيصر. وبدلاً من أن يقابلهم القيصر، انهالت عليهم رصاصات الحرس القيصري فحصدت نحو سبعين منهم وجرحت ما يزيد على الألف. واستمر الفوران، فشهد أكتوبر 1905 إضراباً عاماً شل الحياة تماماً. واضطر القيصر إلى أن يمنح الشعب الحريات البرلمانية بعد هزيمة القوات الروسية أمام اليابان، ولكنه ظل يماطل ويُعدِّل القوانين إلى أن تم تعديلها بشكل جعلها تفقد كثيراً من فعاليتها. وظهرت جماعات إرهابية مثل جماعات المائة السود التي اغتالت زعماء المعارضة وهاجمت تجمعات اليهود. وبلغ النظام القيصري نهايته مع ظهور راسبوتين (1872 - 1916) وسيطرته على زوجة القيصر ثم على القيصر نفسه بحلول عام 1905. وكان راسبوتين، كما يقول سكرتيره اليهودي آرون سيمانوفيتش، شخصية كاريزمية جاء من صفوف الفلاحين وكان يتلذذ بإذلال أعضاء الطبقة الأرستقراطية، وخصوصاً النساء، ولا يعيِّن منهم إلا من يروقه أو من يدفع له الثمن. وقد اغتيل راسبوتين عام 1916، بعد أن كان قد هزَّ النخبة الحاكمة القيصرية من جذورها وبعد أن كان قد تم تصفية عناصر كثيرة منها. وقد كان يهود روسيا جزءاً من هذه العملية الانقلابية، فوقعت مذبحة كيشينيف عام 1903 (ويُقال إنها تمت بتحريض من وزير الداخلية فون بليفيه، وهو أمر غير مستبعد تماماً، فقد كانت الحكومة القيصرية تلجأ إلى مثل هذه الأساليب في قمع معارضيها) . وكانت مذبحة كيشينيف هذه جزءاً من سلسلة من الهجمات دُبرت ضد أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم، كما وُجِّهت تهمة الدم الشهيرة إلى بيليس عام 1911، ولكن العناصر الليبرالية دافعت عنه وتمت تبرئته تماماً. وحينما عُقدت الانتخابات عام 1907، اختير اثنا عشر مندوباً من اليهود في الدوما (البرلمان) ، كما كان هناك عدد كبير من النواب الليبراليين الذين دافعوا عن حقوق اليهود، ولكن التشكيل السياسي نفسه كان محافظاً، وكانت أكبر الكتل السياسية داخل الدوما (اتحاد الشعب الروسي) معادية لليهود. ولذا، فحينما طُرح اقتراح بشأن إلغاء منطقة الاستيطان، أُجِّل بحثه ثم حُلَّ الدوما نفسه في العام نفسه، وعُدِّلت القوانين الانتخابية ذاتها بحيث تم القضاء تماماً على العناصر الليبرالية في الدوما. وكان التركيب الوظيفي ليهود روسيا في نهاية القرن الماضي (حسب إحصاء 1897) كما يلي: 31.6% يشتغلون بالتجارة، 37.9% يشتغلون بالحرف والصناعات اليدوية نصفهم يعمل بالخياطة، و6.61% يشتغلون كخدم منازل وعمال يومية، و5% في المهن الحرة والإدارة، و3.2% في النقل، الأمر الذي يعني أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية العاملين في التجارة كان لا يزال مرتفعاً. وقد سيطر التجار اليهود على تجارة الحبوب داخل منطقة الاستيطان، كما سيطروا على تجارة السكر والفرو والجلود والماشية ومختلف المنتوجات الزراعية. وارتفع بعض التجار من يهود روسيا إلى مصاف كبار الرأسماليين وأصبحوا من أصحاب المصارف والوكالات العامة. وانخرط بعض هؤلاء التجار في المشاريع الصناعية، غير أن هذه المشاريع اتصفت بالطابع الاستهلاكي، كالنسيج والتبغ ودبغ الجلود والصابون والمطاحن وأعمال التقطير، وكلها من بقايا نظام الأرندا البولندي، وكانت هذه المشاريع الصناعية أصغر بشكل عام من حجم مثيلاتها الروسية حيث كان المموِّل اليهودي يميل إلى توزيع رأسماله بين عدة مشاريع مختلفة بدلاً من حصرها في مشروع واحد. وقد امتلك الرأسماليون من يهود روسيا نحو نصف مجموع المشاريع الصناعية داخل منطقة الاستيطان. وكثيراً ما كان العمال اليهود ينظمون الإضرابات ضدهم كما كانوا في كثير من الأحيان يفضلون العمال غير اليهود بسبب رخصهم وبسبب عدم وجود ضغوط اجتماعية عليهم من قبل الجماعة اليهودية. ومن الملاحَظ أن تركُّز اليهود في مهن مثل التجارة والصناعة يعني أنهم كانوا متركزين تماماً في المدن. والواقع أن نحو 80% من جملة اليهود كانوا يقطنون المدن، ولم يكن يشتغل منهم سوى 1.07% في الزراعة، وكان هناك نحو 5.49% بدون وظيفة محددة. واستمر تَزايُد أعضاء الجماعة اليهودية فبلغ عددهم 6.946.000 أي 4.07% من مجموع سكان روسيا، وتزايد في هذه الفترة عدد العمال اليهود حتى أصبح 600 ألف. ولكن لم يكن يعمل منهم في المصانع سوى 70 ألفاً، و300 ألف عامل حرفي يدوي، و100 ألف بائع، أما الباقون فكانوا عمال يومية، ومن هنا تَضارُب الإحصاءات إذ تذكر المصادر الأخرى أن عدد العمال لم يكن يزيد على 300 ألف. ومن الواضح أن هذا الإحصاء الأخير استبعد الباعة وعمال اليومية وكثيراً من الحرفيين. وقد تركت كل هذه التحولات أعمق الأثر في أعضاء الجماعة اليهودية واستجابوا لها استجابات متباينة بحسب وضعهم الطبقي أو مدى استفادتهم من عملية التحديث أو مدى تركُّزهم في المدن أو خارجها. وكانت الاستجابة الثورية أولى الاستجابات إذ انخرط الشباب اليهودي في صفوف الحركات الثورية بنسبة تفوق كثيراً نسبتهم إلى عدد السكان. ويُلاحَظ أن الشباب اليهودي في روسيا كان من أكثر العناصر ثورية لأن ثقافته التقليدية (الدينية واليديشية) قُضي عليها إلى حدٍّ كبير. كما أنه اقتُلع من بيئته التقليدية وأُلقي به إلى عالم حديث رموزه القومية مسيحية، الأمر الذي زاد غربته وحداثته، على عكس الشباب الروسي الذي كان يجد شيئاً من الخصوصية ويمارس نوعاً من التجذر من خلال القومية السلافية ذات البعد الأرثوذكسي القوي. ورغم أن الشباب من أعضاء الجماعة اليهودية كان قد فقد جذوره الثقافية، فإنه لم يكن قد استقر بعد في التقاليد الثقافية الروسية. ومما زاد نسبة الثوريين في صفوف اليهود تَزايُد معدلات التحديث الذي حوَّل صغار التجار والحرفيين، الذين كانوا يتمتعون بمستوى ثقافي لا بأس به، إلى بروليتاريا صناعية حضرية تشعر بتدنيها في السلم الاجتماعي وتمارس إحساساً بالاضطهاد الواقع عليها وحولها إلى تربة خصبة للأفكار الثورية. أما الاستجابة الثانية، فهي الهجرة. وقد شهدت هذه المرحلة هجرةً على نطاق واسع لم يشهد أعضاء الجماعات اليهودية مثلها من قبل في تجاربهم التاريخية المختلفة. وقد ترك روسيا، في الفترة من 1881 إلى 1914، نحو مليوني يهودي (2.750.000 من كل شرق أوربا) . ونتج عن ذلك تَحسن نسبي في مستوى المعيشة، لأن المهاجرين كانوا يرسلون إلى أقاربهم وأسرهم معونات مالية، كما أن ذلك حلَّ مشكلة الانفجار السكاني حلاًّ مؤقتاً. وقامت مؤسسات يهودية خيرية في الغرب بالمساهمة في تسهيل عملية الهجرة. فعرض البارون دي هيرش نقل ثلاثة ملايين يهودي إلى الأرجنتين على أن تقوم بذلك جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) . ومع هذا، فإن تَزايُد عدد يهود روسيا كان يحيِّد الآثار الإيجابية لهذا العنصر. وبلغ عدد اليهود الناطقين باليديشية (وفق إحصاء 1897) نحو 5.054.300، وكان معظم يهود روسيا (4.899.427) مركزاً في منطقة الاستيطان بما يشكل 11.6% من سكانها. ويُلاحَظ كذلك وجود 161.500 من يهود الجبال ويهود جورجيا وغيرهم من يهود القوميات غير الناطقة باليديشية. أما الاستجابة الثالثة، فهي ظهور الصهيونية بين اليهود بشقيها الشرقي (الاستيطاني) والغربي (التوطيني) . ففي شرق أوربا، أدَّى تَوقُف الحراك الاجتماعي في بعض قطاعات البورجوازية الصغيرة المتعلمة وفي غيرها من القطاعات اليهودية إلى إحساسها بالإحباط وبعبث محاولة تحقيق نفسها إثنياً وطبقياً من داخل التشكيل السياسي الروسي، فبدأت هذ القطاعات في التفكير في أشكال أخرى مثل الهجرة إلى الولايات المتحدة (وهو النمط السائد) أو الاستيطان الصهيوني. وأدَّت الهجرة اليهودية المكثفة إلى غرب أوربا والولايات المتحدة إلى فزع قطاعات كبيرة من يهود الغرب، فتبنوا الحل الصهيوني (التوطيني) كوسيلة لتحويل سُبل الهجرة عن بلادهم. ومن أهم الاستجابات الأخرى، ظهور اتجاه قومية الدياسبورا (أو قوميات الأقليات اليهودية أو القومية اليديشية) التي كان سيمون دبنوف أهم مفكريها. وقد تبنَّى حزب البوند، الذي ظهر في هذه المرحلة، هذا الاتجاه الذي ينظر إلى أعضاء الجماعة في شرق أوربا باعتبارهم قومية لا بمعنى أنهم يمثلون اليهود في كل مكان وزمان وإنما بمعنى أنهم جماعة قومية شرق أوربية تتحدث اليديشية وتتحدد هويتها على هذا الأساس الإثني وليس على أساس ديني. ومثل هذه الاستجابات الواعية، ذات الطابع النظري، كان يتم طرحها في وقت تتم فيه العملية اليومية للدمج على قدم وساق على المستوى البنيوي الكامن، وذلك رغم تعثُّرها على مستوى الشكل الظاهر. ألكسندر الثالث (1881-1894) Alexander III قيصر روسيا، اعتلى العرش مع تفاقم أزمة النظام القيصري، وتبنَّى سياسة رجعية انعكست في قوانين مايو عام 1882. نيقولا الثاني (1894-1918) Nicholas II آخر قياصرة آل رومانوف. وصلت أزمة النظام الروسي القيصري في عهده إلى ذروتها، ثم اندلعت الثورة البلشفية التي أعدمته. وقعت عدة مذابح في عهده ضد أعضاء الجماعات اليهودية. وكان راسبوتين من أهم الشخصيات في بلاطه الملكي. قوانين مايو May Laws «قوانين مايو» مجموعة من القوانين المؤقتة أصدرتها الحكومة الروسية في مايو عام 1882، وبمقتضاها أصبح من المحظور على أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا أن يعيشوا أو يمتلكوا أي عقار إلا في المدن الموجودة داخل منطقة الاستيطان اليهودي. ولقد أصدرت الحكومة الروسية هذه القوانين بعد أن قامت، خلال سنين عديدة، بعدة محاولات لدمج الجماعة اليهودية اقتصادياً وحضارياً في المجتمع الروسي. وباءت كل هذه المحاولات بالفشل لأسباب عدة من بينها تخلف يهود روسيا الاقتصادي. ورغم اندماج أعداد لا بأس بها منهم في المجتمع، فإن معدل تَزايُد يهود روسيا كان يفوق كثيراً معدل الهجرة والاندماج. ومما عقَّد الأمور، ظهور الأفكار السلافية القومية الاستبدادية المعروفة بعدائها للغرب (المنحل) ولأفكار الرأسماليين (الماديين) . وكان هناك عنصر مسيحي أرثوذكسي قوي في هذه الدعوة السلافية، وهو ما أقام كثيراً من الصعوبات في طريق أعضاء الجماعة اليهودية نحو الاندماج الحضاري. ولقد كان من أسباب تفاقم المشكلة أيضاً زيادة معدلات تطور الرأسمالية الروسية، الأمر الذي أدَّى إلى سرعة تحطيم الكثير من مخلفات الإقطاع، مثل الجيتو والشتتل، والكثير من الأشكال الاقتصادية الاجتماعية الأخرى التي كان اليهود مرتبطين بها، شأنهم في ذلك شأن بعض الأقليات القومية والدينية الأخرى، وكذلك سكان المناطق الآسيوية. كما أن الوجود اليهودي الملحوظ في الحركات الثورية الاشتراكية، جعلهم هدفاً لهجمات العنصريين الرجعيين، أي أن فشل يهود روسيا في التأقلم مع الاقتصاد الجديد وتخلُّفهم الحضاري وتكاثرهم، وسرعة معدل تطوُّر الرأسمالية الروسية، واستبدادية القومية السلافية، واشتراك اليهود في الحركات الثورية، هذه العناصر جميعاً أدَّت إلى فشل محاولات تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج، وأدَّت بالتالي إلى اتخاذ الحكومة الروسية إجراءات قانونية اقتصادية لمجابهة هذا الوضع. وفي 22 أغسطس عام 1881، أصدر القيصر أوامره بالقيام بتحريات عن النشاطات الاقتصادية " الضارة " التي تمارسها الجماعة اليهودية توطئةً للقضاء عليها. وفي أكتوبر 1889، أصدر القيصر أوامره إلى اللجنة المكلفة بإعادة النظر في المسألة اليهودية. وعُرفت هذه اللجنة باسم «لجنة إيجناتييف» ، اشترك فيها ممثلون عن مختلف الطبقات والجماعات وترأسها حاكم المقاطعة لتقرير أنواع النشاط الاقتصادي التي تضر بحياة السكان. وعبَّر الفلاحون وسكان المدن عن شكواهم من اليهود، وحاول ممثلو الجماعة اليهودية الدفاع عن أنفسهم. وفي ربيع عام 1882، قدمت هذه اللجنة تقريرها عن المسألة اليهودية. وجاء في هذا التقرير أن سياسة ألكسندر الثاني «المتسامحة» فشلت، وأن قيام المعارضة الشعبية ضد اليهود في روسيا نفسها برهن على أنه من الواجب اتخاذ إجراءات جديدة ضد اليهود الروس. وفي نهاية التقرير، قدمت اللجنة عدة توصيات لعلاج الموقف. وأخذت الحكومة بهذه التوصيات ووضعها موضع التنفيذ في صورة إجراءات مؤقتة. ونظراً لأن هذه الإجراءات المؤقتة صارت نافذة المفعول في يوم 2 مايو عام 1882، فإنها يُشار إليها دائماً بأنها «قوانين مايو» . وكانت هذه القوانين أو هذه الإجراءات تَصدُر تباعاً، وعلى فترات، كلما رأت الحكومة الروسية خطراً عليها من النشاط السياسي أو الاقتصادي الذي يمارسه اليهود. ويمكن أن نوجز هذه القوانين فيما يلي: 1 ـ لا يُسمَح لليهود بالسكنى خارج المدن أو في المدن الصغيرة في أية منطقة ريفية في روسيا (حتى لو كانت داخل منطقة الاستيطان نفسها) . 2 ـ من حق السكان الروس في القرى طرد اليهود من قراهم، وذلك بقرار خاص يصدره رئيس القرية. 3 ـ أي يهودي يغادر قريته لا يُسمح له بالعودة إليها مرة ثانية. 4 ـ لا تُحدَّد عقود الإيجار المبرمة مع اليهود. 5 ـ لا يُسمح بتشغيل أي يهودي في المناطق الريفية. 6 ـ لا يُسمح لليهود المقيمين في المناطق الريفية باستجلاب أي قريب لهم إلى هذه المناطق، وإذا حدث ذلك يُطرَد اليهودي من قريته. 7 ـ عدد الطلاب اليهود في المدارس الإعدادية والثانوية أو في الجامعات يكون بنسب معيَّنة يحددها المجلس التعليمي في روسيا. وحُدِّد النصاب المسموح لليهود عام 1886 بنحو 10% داخل منطقة الاستيطان و3% خارجها. 8 ـ خُفِّضت نسبة عضوية الأعضاء اليهود في سلك القضاء الروسي من 22% إلى 9% (مُنع اليهود منعاً باتاً من الانضمام إلى سلك القضاء عام 1889) . 9 ـ أي يهودي يعيش خارج منطقة الاستيطان ويقوم بتوسيع مجال نشاطه الاقتصادي يُعاد فوراً إلى منطقة الاستيطان. 10 ـ أي يهودي يغيِّر وضعه من مهني إلى تاجر، يسقط حقه في الإقامة في روسيا ويُعاد إلى منطقة الاستيطان. 11 ـ تحريم إقامة اليهود في موسكو (صدر هذا القرار عام 1891) . 12ـ إغلاق معبد موسكو وتحريم استخدامه. كما تم حرمان اليهود من حق الاشتراك في الحكومة المحلية. قلَّصت قوانين مايو نطاق منطقة الاستيطان، كما قضت على فرص اندماج بعض القطاعات اليهودية في المجتمع الروسي، وهو ما زاد معدلات هجرتهم إلى الولايات المتحدة، كما خلقت مناخاً اقتصادياً فكرياً قضى على الحركات التنويرية الاندماجية وشجع الأفكار الصهيونية، وخصوصاً أن صدور قوانين مايو صاحبه وقوع بعض الحوادث الدامية ضد الأقليات الدينية والقومية في روسيا. ووجهت اللجان الروسية القيصرية نقدها إلى هذه القوانين وطالبت بإلغائها. بل إن وزير داخلية روسيا، مثل فون بليفيه، وجد أن القوانين مجحفة وتخل بالأمن، ولكن الحكومة استمرت مع ذلك في وضعها موضع التنفيذ. ومع هذا، فقد خُفِّفت ابتداءً من عام 1903 حينما صُرح لأعضاء الجماعة اليهودية بالاستيطان في القرى التي أصبحت مدناً صغيرة وكان عددها يبلغ ثلاثمائة قرية. وتؤرخ الكتابات الصهيونية لظهور الحركة الصهيونية بوقوع حوادث عام 1881 الدامية، متجاهلة أن السبب الأساسي الذي أدَّى إلى وقوع المذابح وصدور قوانين مايو هو وضع اليهود كأقلية مثل سائر الأقليات الأخرى داخل بناء اقتصادي حضاري ينتقل من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى، ومتجاهلة أيضاً أن الاضطهاد الموجه ضد اليهود ليس سبباً لهجرة اليهود إلى الولايات المتحدة ولا لانتشار الأفكار الصهيونية بين اليهود وإنما تعبير جزئي عن بناء كامل متكامل. وإذا أردنا استخدام الواقعة التاريخية الجزئية (الجزء) للإشارة إلى الحركة التاريخية الكاملة المتكاملة (الكل) ، فإننا نجد أن «قوانين مايو» أشد دلالة من المذابح الدامية، ذلك أن المذابح الدامية مسألة متكررة في حياة الأقليات كافة في روسيا وضمن ذلك اليهود. وقد كانت مذابح شميلنكي، ومن قبلها مذابح الصليبيين، أكثر عنفاً وضراوة من أية حوادث وقعت عام 1881. ومع هذا، فإن هذه المذابح لم تؤد إلى ظهور الصهيونية أو أية نزعات مماثلة. أما قوانين مايو، فإنها تصلح كمؤشر على ظهور الحركة الصهيونية بين اليهود لأنها تعبير متكامل عن حركة التاريخ الروسي في أواخر القرن التاسع عشر وعن تعثُّر التحديث في المجتمع الروسي وأزمته العامة. وقد ظلت قوانين مايو أو الإجراءات المؤقتة نافذة المفعول حتى عام 1915 حيث أُلغي العمل بها. ثم أُلغيت رسمياً عام 1917 بقيام الثورة البلشفية حيث حُلَّت المسألة اليهودية (أو أخذت شكلاً جديداً) ضمن عملية حل أزمة المجتمع الروسي ككل. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الاتحاد السوفيتي من عام 1917 حتى الحرب العالمية الثانية
The Soviet Union, from 1917 to the Second World War.... أخذت حدود الاتحاد السوفيتي شكلها النهائي عام 1920. وكان هذا يعني أن عدداً كبيراً من اليهود الذين كانوا يعيشون داخل مناطق تابعة لدول حصلت على استقلالها (بولندا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وبيساربيا التي ضُمت إلى رومانيا) أصبحوا تابعين لهذه الدول. ولم يبق سوى 2.680.000 يهودي داخل الاتحاد السوفيتي (مقابل ما يزيد على خمسة ملايين قبل الحرب) ، 80% منهم كانوا يعيشون في أوكرانيا وروسيا البيضاء. كانت أوكرانيا تضم 1.574.428 (5.4% من مجموع سكانها) ، وكانت روسيا البيضاء تضم 407.428 (8.2% من مجموع سكانها) . كما كانت الجمهوريات الآسيوية تضم 109.851 (0.40% من مجموع سكانها) . وزاد عدد اليهود إلى ما يزيد على ثلاثة ملايين عشية الحرب العالمية الثانية. وتركَّز 87% من جملة اليهود في المدن، وتركَّز 40% منهم في ست مدن على وجه التحديد، وكان أعضاء الجماعة يعملون أساساً بالتجارة. وكانت أولى الخطوات التي اتخذتها الحكومة البلشفية هي إعتاق اليهود وإعطاؤهم حقوقهم السياسية كافة. فأصبحت معاداة اليهود جريمة تصل عقوبتها إلى الإعدام، وحُدِّد الانتماء العرْقي على أساس اختيار المواطن ووفق ما يدلي به كل فرد باختياره المحض، كما تم الاستناد في تحديد الانتماء القومي إلى اللغة التي يحدد العضو أنها لغته القومية. ولكن الحكومة البلشفية أهملت، مع هذا، الجوانب الخاصة للمسألة اليهودية في روسيا، وقللت من شأن سماتها المحددة ربما بسبب رؤيتها الثورية الأممية. فلينين ومن بعده ستالين، تأثرا بتجربة ماركس الألمانية وبطرحه العالمي أو الأممي للمسألة اليهودية الذي يرى أن ثمة ظاهرة يهودية عالمية واحدة وأن ثمة حلاًّ واحداً هو الثورة الاجتماعية ودمج اليهود. ففي ألمانيا التي كان يعرفها ماركس، لم تكن هناك كتلة بشرية يهودية ضخمة ذات سمات ثقافية محددة تضم الطبقات كافة، وإنما كانت هناك أقلية صغيرة معظم أعضائها من البورجوازية موزعون داخل دولة تسودها أغلبية متجانسة عرْقياً. ولذا، كان الاندماج هو الحل الأمثل بالنسبة إليها، على أن تَعقُب ذلك أو تتزامن معه ثورة اجتماعية. هذا هو الحل الذي طرحه ماركس وكاوتسكي وباور. وكان الحل الذي تبناه لينين والبلاشفة، مع بعض التعديلات، ليطبقوه على وضع مختلف تماماً. فنادى بأن لا أساس لوجود أمة يهودية مستقلة وأن شعار الثقافة اليهودية «هو شعار الحاخامات والبورجوازية، شعار أعدائنا» . وأن القضية هي ببساطة قضية انعزال واندماج وثورة اجتماعية. وطرح ستالين تعريفه الشهير للأمة وقال «إن اليهود أمة على ورق» . ويُلاحَظ أن لينين وستالين يستخدمان مصطلح «أمة» بالمعنى العام للكلمة تماماً مثلما فعل ماركس. ولكن حيث إن التشكيل السياسي الروسي مختلف تماماً عن التشكيل السياسي الألماني، وحيث إن وضع الجماعات اليهودية داخله كان متميِّزاً، فإن تاريخ السياسة السوفيتية تجاه المسألة اليهودية في روسيا هو تاريخ التناقض بين الرؤية الماركسية الأممية (الألمانية) والواقع الروسي الخاص. ولعل أولى القضايا التي أفلتت من يد البلاشفة أن لفظ «يهودي» ، في الاتحاد السوفيتي، كان يشير إلى عدة مجموعات حضارية ودينية واجتماعية علاقتها بعضها بالبعض واهية، فكانت لفظ «يهودي» يشير إلى: 1 ـ يهود روسيا الذين يتحدثون اليديشية في المقام الأول، أي يهود اليديشية، وهؤلاء كانوا ينقسمون إلى عمال وتجار صغار ورأسماليين كبار وفلاحين. ويُلاحَظ أن عمر الثقافة اليديشية كان قصيراً جداً، فلم يظهر الأدب اليديشي إلا في أواخر القرن التاسع عشر. ولذا، لم تثبت اليديشية كثيراً أمام تيارات التحديث وبدأت تظهر عليها أعراض الشيخوخة. 2 ـ قطاعات من يهود روسيا تتحدث اليديشية ولكنها تكتب مؤلفاتها بالعبرية باعتبارها لغة العبادة في الماضي واللغة القومية في المستقبل، وهؤلاء كانوا أساساً من الصهاينة الذين بدأوا يؤسسون أدباً مكتوباً بالعبرية. 3 ـ اليهود الذين تم علمنتهم ودمجهم في المجتمع الروسي ولا يتحدثون سوى الروسية. 4 ـ اليهود ذوي الأصل الألماني ويتحدثون الألمانية. 5 ـ اليهود القرّائين الذين لا يؤمنون بالتلمود وكانت أعداد كبيرة منهم تتحدث التركية والتترية. 6 ـ يهود جورجيا الذين يتحدثون الجورجية. 7 ـ يهود الجبال الذين يتحدثون لغة التات، ويتبعون تشكيلات اجتماعية قبلية. 8 ـ يهود بخارى ويتحدثون الطاجيكية وهي لهجة فارسية. 9 ـ مجموعات قبلية يهودية صغيرة أخرى ذات تراث ثقافي متميِّز مثل الكرمشاكي. 10 ـ كما كانت لفظ «يهودي» يشير، بطبيعة الحال، إلى كل يهود العالم، وخصوصاً يهود ألمانيا وفرنسا وإنجلترا. وكان من الصعب، بطبيعة الحال، إطلاق لفظ «قومية» على كل هذه الجماعات اليهودية التي تتحدث بعدة لغات وتعيش داخل مناطق مختلفة وليست لها أرض مقصورة عليها (ربما باستثناء يهود الجبال والمجموعات القَبَلية الصغيرة الأخرى) . ومن الناحية المنطقية المجردة، فإنهم ليسوا أمة على الإطلاق لأنهم لا يشكلون جميعاً قومية واحدة. ومع هذا، فمن الممكن اعتبارهم جماعات يهودية مختلفة، بعضها دون هوية إثنية خاصة مثل يهود إنجلترا وألمانيا، والبعض الآخر يتمتع بمثل هذه الهوية بدرجات متفاوتة من الاستقلال. وبدلاً من التفكير في إطار القومية العالمية، أو الجماعة الواحدة، كان من الممكن التفكير في إطار الجماعات القومية وغير القومية داخل التشكيل السياسي الروسي، وكان من الممكن طرح سياسات متعددة تختلف باختلاف الأوضاع الثقافية للجماعات اليهودية المختلفة. وهو ما لم يفعله السوفييت في بادئ الأمر، وإن كان الواقع فرض عليهم تعددية الحلول بعد أن ظلوا يتحركون داخل أطر «علمية» أحادية بسيطة. شهدت الشهور الأولى للثورة اندلاع الحرب الأهلية في عدة مناطق من أهمها منطقة أوكرانيا الحدودية التي كانت تحارب فيها عدة جيوش من بينها الجيش الأوكراني القومي تحت قيادة بتليورا وعصابات الفلاحين التابعين له، والجيش الأحمر الذي كان يضم وحدات أوكرانية وجيوش صغيرة وقوات أخرى. ولجأت القوات السوفيتية إلى استخدام العنف ضد الفلاحين، وخصوصاً أن سياسة مصادرة الحبوب أدَّت إلى تمرُّد العناصر الفلاحية الأوكرانية التي رأت في أعضاء الجماعة اليهودية عناصر مقترنة بالنظام السوفيتي الجديد وبالسلطة الحاكمة، فهاجمتهم كما هاجمتهم قوات بتليورا. وأدَّى كل هذا إلى التفاف اليهود حول الثورة (وقد حلت كثير من التنظيمات اليهودية الاشتراكية نفسها وانضمت إلى الثورة، في حين تعاون الزعيم الصهيوني جابوتنسكي مع بتليورا وقواته) . وانضم الشباب اليهودي في أوكرانيا وغيرها من المناطق إلى الجيش الأحمر الذي أسسه ليون تروتسكي وكان من قادته البارزين زينوفييف وسفردلوف. وفي عام 1926، كان عدد الضباط اليهود 4.4% من مجموع ضباط الجيش الأحمر. ولعب أعضاء الجماعة اليهودية دوراً مهماً في إعادة بناء الهيكل الإداري للدولة الجديدة بعد أن هاجرت أعداد كبيرة من المثقفين والموظفين الروس البيض إلى الخارج. ولكن، ورغم انعتاق أعضاء الجماعة اليهودية سياسياً، فإن السياسة الاقتصادية للنظام السوفيتي تسبَّبت موضوعياً في اقتلاعهم وتغيير نمط حياتهم. فالثورة البلشفية (كما كانت تُطلق على نفسها) ثورة عمال وفلاحين، ولم تكن غالبية يهود روسيا عمالاً ولا فلاحين. وحتى أعضاء الطبقة العاملة من اليهود، كانت نسبتهم صغيرة. ولم يكونوا مرتبطين بالطبقة العاملة الروسية ارتباطاً حضارياً أو حتى اقتصادياً، إذ تركزوا في المصانع الصغيرة والحرف اليدوية وقطاعات معيَّنة من الصناعات الاستهلاكية. كما أن الظروف فرضت عليهم الارتباط إلى حدٍّ كبير بالرأسماليين اليهود الصغار. أما بقية اليهود من أعضاء البورجوازية الصغيرة والكبيرة، فكانوا إما يمتلكون صناعات استهلاكية، وإما يضطلعون بدور الوسيط التجاري في المدن الصغيرة. وأدَّت الممارسات الاقتصادية البلشفية إلى اكتساح الأساس الاقتصادي لوجود الكتلة البشرية اليهودية وتركزها في مناطق معينة. فانفرط عقدها، وبدأت عملية ذوبانها التدريجي، وهي عملية استمرت حتى قُضي على معظم التجمعات السكانية اليهودية داخل منطقة الاستيطان. وشهدت مرحلة شيوعية الحرب (1918 ـ 1921) عديداً من القرارات الاقتصادية ذات الطابع الثوري، مثل تحويل أجور المستخدمين إلى أجور عينية، وإجبار المزارعين على تسليم منتجاتهم من المواد الغذائية. كما اتُخذت قرارات أخرى كان لها تأثير مباشر على اليهود، مثل تأميم الصناعة والتجارة وفرض العمل الإجباري على البورجوازية. ثم عدلت الحكومة الروسية مؤقتاً عن سياسة شيوعية الحرب وتبنت «السياسة الاقتصادية الجديدة» التي عُرفت باسم «النيب» N.E.P (1921 ـ 1927) ، وهو اختصار للعبارة الإنجليزية «نيو إيكونوميك بوليسي New Economic Policy» ، والتي سمحت بأشكال من الاستثمار الخاص والنشاط التجاري والمصانع الصغيرة. واستفاد أعضاء الجماعة اليهودية أكبر استفادة من هذه السياسة الجديدة. وكان التوزيع الوظيفي ليهود روسيا عام 1926 كما يلي: 19.1% في التجارة (كان ثُلث محلات موسكو عام 1924 يملكها يهود) ، وكان 34.3% في الصناعة والحرف، و9.2% في الزراعة، و10.2% في وظائف إدارية ومهنية. ورغم أن عدد العاملين بالزراعة قد وصل إلى 9.2% مقارنة بنحو 2.6% حسب إحصاء عام 1897، فإن نسبة المشتغلين بالتجارة كانت مرتفعة، كما يُلاحَظ أن نحو 27% من العاملين اليهود كانوا غير مصنفين وظيفياً، ويُرجَّح أن أغلبيتهم كانوا يمارسون التجارة والمضاربات سراً وتحت ستار أعمال أخرى (وكان هذا جزءاً من موروثهم الاقتصادي) . أدَّى كل ذلك إلى ظهور طبقة رجال النيب في المدينة والكولاك في القرية، الأمر الذي كان يهدد الأساس الاقتصادي للنظام الجديد. ورغم أن التجارة كانت مهنة مشروعة، فإن الدولة البلشفية الجديدة لم تكن سعيدة بهذا التطور إذ كانت تنظر بعين الشك إلى القطاعات الاقتصادية المستفيدة. ثم تم التراجع عن هذه السياسة، وبدأت الخطة الخمسية الأولى (1927 ـ 1932) التي تشكل بداية عملية التذويب الحقيقية لأعضاء الجماعة. فحسب إحصاءات العشرينيات، كان ثُلث اليهود ينتمون إلى طبقات اقتصادية، مثل طبقة صغار التجار، محكوم عليها بالاختفاء نتيجة إعادة صياغة الاقتصاد السوفيتي. ويُقال إن نحو 1.120.000 يهودي اضطروا إلى إغلاق تجاراتهم الصغيرة فزاد عدد العاطلين عن العمل على مليون، واتجهت أعداد منهم إلى التعامل في السوق السوداء. وقرر الاتحاد السوفيتي حل مسألته اليهودية عن طريق عمليتين مختلفتين متناقضتين وإن كانتا قد أدَّتا، كل واحدة منهما على طريقتها، إلى دمج أعضاء الجماعة اليهودية. أما الأولى، فهي سياسة توجيه اليهود نحو الزراعة والاستيطان الزراعي، وهي استمرار لمحاولات الحكومة القيصرية التي استهدفت تحويل اليهود إلى عنصر منتج. فأُسِّست لجنة الاستيطان الزراعي اليهودي (كوزمت) . وطُبِّقت التجربة في أوكرانيا بقدر معقول من النجاح، ولكن كان التركيز على بعض مراكز الاستيطان الزراعي السابقة مثل جنوب روسيا أو روسيا الجديدة التي كانت تضم أربعين ألف فلاح يهودي. ووقع الاختيار أيضاً على شبه جزيرة القرم حيث كانت توجد مناطق صالحة للاستيطان الزراعي. وساهمت منظمات التوطين الغربية، مثل جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) التي أسسها المليونير الألماني اليهودي هيرش، ولجنة التوزيع المشتركة في هذه العملية. وزاد عدد المزارعين اليهود زيادة هائلة، وزادت الرقعة الزراعية التي يشغلونها أربعة أضعاف. وبلغ عدد المزارع التعاونية اليهودية خمسمائة مزرعة حتى أواسط الثلاثينيات، وهي الفترة التي وصلت فيها التجربة إلى قمة ازدهارها. وبلغ عدد اليهود العاملين بالزراعة 155 ألف مزارع يهودي عام 1926، أي 6% من العاملين اليهود، ثم زاد إلى 220 ألفاً عام 1928، أي 8.5%، ثم إلى نحو 300 ألف في أوائل الثلاثينيات، أي 10.1%. ويُلاحَظ أن اضطلاع اليهود بالعمل في الزراعة لا يعني بالضرورة العمل اليدوي، وإنما يعني في الواقع قطاع الزراعة ككل بما في ذلك الأعمال الكتابية والإدارية التي كان يتركز فيها أعضاء الجماعة اليهودية. ولكن، بعد فترة، توصل المسئولون السوفييت إلى أن شبه جزيرة القرم لا توجد فيها أرض زراعية كافية، كما أن التوطين الزراعي يؤدى إلى زيادة التماسك العائلي وهو ما يدعم عملية الانفصال اليهودي. وإلى جانب هذا، عارض بعض السكان المحليين عملية توطين اليهود بينهم. ويُقال أيضاً إن القيادة السوفيتية وجدت أن شبه جزيرة القرم منطقة مهمة من الناحية الإستراتيجية تقع على مقربة من غرب أوربا، وقد يؤدي تركيز عنصر يهودي فيها إلى خلق مشاكل ذات طابع أمني في المستقبل. وشهدت الثلاثينيات بداية عملية الزراعة الجماعية والتي كانت أيضاً عملية تذويب إذ تم ضم عناصر غير يهودية في الكولخوزات اليهودية. وأدَّت العناصر السابقة جميعاً إلى القضاء على تجربة الزراعة اليهودية. وفي عام 1928، تقرَّر أن تكون بيروبيجان هي منطقة الاستيطان الزراعي اليهودية وإحدى وسائل دمج اليهود في المجتمع السوفيتي على المستويين الاقتصادي والثقافي. ولكن لم يُقدَّر لهذه التجربة أي نجاح، وأدَّى الغزو النازي إلى تدمير جميع المستوطنات الزراعية في أوكرانيا والقرم ولكن لم يجر تشييدها بعد الحرب. فشلت تجربة بيروبيجان، كما فشلت محاولة توجيه اليهود من المدن والتجارة إلى قطاع الزراعة، لا بسبب طبيعة اليهود التجارية وانعزاليتهم (كما ادعى خروتشوف) وإنما بسبب التحول العميق في الاقتصاد السوفيتي من الزراعة إلى الصناعة. وهذه إحدى ثمرات مشروع السنوات الخمس الأولى (1929 ـ 1934) ، وهي عملية متناقضة مع عملية التوطين الزراعي، ولكنها مع هذا أدَّت إلى دمج اليهود وتذويبهم ربما بمعدلات أكثر من تلك التي خطَّط لها السوفييت. وقد أكد مشروع السنوات الخمس أهمية التنمية الصناعية وخُصِّصت لها الاعتمادات الضخمة، الأمر الذي زاد الطلب على الأيدي العاملة وأتاح الفرص أمام أعضاء الجماعات اليهودية لأن يتحولوا إلى عنصر منتج من خلال الصناعة. وقامت المنظمات اليهودية التوطينية، مثل جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) ومنظمة إعادة التأهيل والتدريب (أورت) ولجنة التوزيع المشتركة، بفتح مدارس لتدريب اليهود على الحرف. كما قامت حكومات أوكرانيا وروسيا البيضاء بوضع خطط لتدريب الشباب اليهودي على الصناعة. ونجحت هذه الخطط في توفير أعمال في القطاع الصناعي والحكومي لآلاف اليهود خارج منطقة الاستيطان. ولم تكن هناك أية بطالة بين أعضاء الجماعات اليهودية بحلول عام 1930، بل نشأت من صفوفهم فئات جديدة من موظفي الحكومة والعاملين في المشاريع الصناعية. ونتيجة هذه التحولات، تزايدت هجرة أعضاء الجماعات اليهودية إلى داخل روسيا وإلى المدن. وكانت هذه أكبر هجرة يهودية منذ التدفق اليهودي اليديشي إلى أمريكا في نهاية القرن السابق. وأدَّت هذه الهجرة، مثل الهجرة إلى الولايات المتحدة، إلى دمج أعضاء الجماعات اليهودية واستيعابهم وحل المسألة اليهودية. وتظهر مدى راديكالية هذه العملية في الزيادة الملحوظة في عدد اليهود في أكبر مدينتين روسيتين، موسكو وليننجراد، حيث كانتا تضمان 26.024 يهودي فقط عام 1897. وأصبح عدد أعضاء الجماعات اليهودية فيهما، بعد ما يقرب من أربعين عاماً، نحو 575 ألفاً. وكل هذا يعني، في واقع الأمر، زيادة تَحلُّل المراكز السكانية اليهودية الضخمة، وتَوزُّع سكانها. وقد كانت أوكرانيا وحدها تضم عام 1926 نحو 76% من يهود روسيا، وانخفضت النسبة إلى 62% عام 1939، وهو اتجاه استمر حتى العصر الحديث. وتغيَّر وضع يهود روسيا الوظيفي إذ أصبح عدد العمال اليهود عام 1939 نحو 30.6% (من كل العاملين اليهود) وعدد الحرفيين 10.1% وعدد الفلاحين في الكولوخوز 5.8% (أي أن أكثر من نصف اليهود أصبحوا من العمال والفلاحين) و40.6% في أعمال كتابية، و2.9% في وظائف أخرى. ويُلاحَظ أن الوظائف الكتابية حلت محل التجارة باعتبارها أهم وظيفة يضطلع بها أعضاء الجماعات اليهودية. وتضم الوظائف الكتابية في الاتحاد السوفيتي المؤلفين والعلماء والمثقفين والموظفين الحكوميين. وكان عدد اليهود العاملين في تلك الوظائف 364.000 منهم 125 ألف محاسب. أما من الناحية الثقافية، فقد كان الاتجاه العام يسير نحو الدمج الثقافي أو تأكيد الثقافة اليديشية العلمانية اللادينية التي لا علاقة لها بالثقافة الدينية التقليدية. وقد أنشأت الحكومة السوفيتية عام 1918 قسماً خاصاً للشئون اليهودية يُسمَّى «يفيسكتسيا» أي «القسم اليهودي» (تم حله عام 1930) . ولما كان أعضاء الحزب اليهود من دعاة الاندماج، فإن هدف القسم اليهودي كان «نشر ديكتاتورية البروليتاريا بين الجماهير اليهودية» . وقد انضمت إليهم قطاعات من البوند وعمال صهيون وحزب العمال اليهودي، حيث طالبوا بتشجيع اليديشية وسيلة للتعبير عن ثقافة يهودية علمانية معادية للدين اليهودي وللعبرية والتوراة. وقد قام القسم اليهودي بتصفية الأطر التعليمية التقليدية المتبقية بين اليهود، كالمدارس وما شابهها، ومنع تدريس العبرية، كما قام بتجريم النشاط الصهيوني، واعترف باليديشية لغةً رسمية حتى أصبحت إحدى اللغات المعترف بها في المحاكم وأصبحت تدار بها الجلسات. وكذلك شجع الأدب اليديشي، وخصوصاً المسرح اليديشي، فشهدت الفترة ككل ازدهاراً حقيقياً لهذا الأدب. وأُسِّست كلية لدراسة الثقافة اليهودية، كما أُسِّست شبكة من المدارس الابتدائية والثانوية لغة التدريس فيها اليديشية، بالإضافة إلى كليات تربوية لإعداد مدرسين لليديشية. ووصل عدد اليهود الذين التحقوا بهذه المدارس إلى 51% من مجموع الطلاب اليهود عام 1926. ولكن العدد بدأ في الانخفاض التدريجي، وهو ما يبين أن الانصراف عن اليديشية وتَقبُّل الترويس (وهي العملية التي بدأت في حكم القياصرة) أصبحت عملية تلقائية تنبع من الحركيات الداخلية لأعضاء الجماعة الذين كانوا يفضلون إرسال أطفالهم إلى المدارس الحكومية الروسية لأن ذلك كان يعني زيادة فرص الحراك أمامهم. ولذا، نجد أن أعداد الطلبة اليهود في مدارس أوكرانيا وروسيا البيضاء أخذت في التزايد، وأخذت الثقافة اليديشية في الاختفاء التدريجي، وخصوصاً مع تغيير الوضع الوظيفي ليهود روسيا وهجرتهم من مراكز التجمع التقليدية إلى المدن وابتعادهم عن مراكز الثقافة اليديشية التقليدية. وهكذا انصرف كثير من يهود اليديشية عن التحدث باليديشية أو دراستها، وانصرف كثير من الكُتَّاب اليهود الروس عن الكتابة باليديشية وبدأوا يكتبون بالروسية. وتناقص عدد الطلبة اليهود الذين يدرسون في المدارس اليديشية إلى 33% عام 1931 ثم إلى 20% عام 1939، وأُغلقت عدة مدارس يديشية أبوابها لعدم وجود طلبة. كما أن الاندماج تبدَّى بكل وضوح في زيادة نسبة الزواج المُختلَط في الثلاثينيات إلى 25% من مجموع الزيجات اليهودية. ويُلاحَظ أن معدلات الاندماج بين الشباب كانت أعلى بكثير من مثيلتها بين المتقدمين في السن. ويمكن القول بأن العقيدة اليهودية لم تَعُد أحد أشكال التضامن بين أعضاء الجماعة الذين بدأت عملية علمنتهم في منتصف القرن الماضي، ثم تصاعدت هذه العملية مع نهاية القرن، ثم أخذت شكلاً عقائدياً واعياً وحاداً مع ظهور الدولة السوفيتية. وقد بلغ عدد أعضاء الجماعات اليهودية عام 1932 نحو 2.870.000 بزيادة قليلة نسبياً عنه عام 1926، وذلك نتيجة تسارع تدفُّق اليهود نحو المدن وعدم توافر الزمن الكافي للاستقرار والزواج، إضافة إلى ما تحمله الحياة في المدينة من تعقيدات في الحياة اليومية تقلِّل الرغبة في الإنجاب. وقد بلغت الزيادة الطبيعية بين اليهود 1% في مدن روسيا، بينما وصلت 2.5% في الجمهوريات الآسيوية. وحسب إحصاء عام 1939، بلغ عدد اليهود نحو 3.040.000، أي بزيادة مقدارها ثلاثمائة ألف. وقد لاحظ المؤرخ الروسي سيمون دبنوف عام 1935، عشية الحرب العالمية الثانية، أن أعضاء الجماعة اليهودية انفصلوا إلى حدٍّ كبير عن تاريخهم. وتنبأ بأن المليون ونصف المليون يهودياً سيصبحون مواطنين سوفييت لا يهوداً، أي أن السمات اليهودية المقصورة على اليهود والتي تميزهم كيهود ستأخذ في الضمور والتحلل إلى أن تختفي تماماً ويصبح اليهود السوفييت مجرد مواطنين سوفييت لا يختلفون عن بقية المواطنين في شيء، وقد أثبتت التطورات التاريخية اللاحقة صدق نبوءته اللاحقة. أما حملة التطهير التي شنها ستالين بين عامي 1936 و1939 ضد كوادر الحزب الشيوعي وقياداته، والتي شملت العديد من أعضاء الجماعة اليهودية، مثل زينوفييف وكامينيف وراديك وغيرهم، فلم تترك أثراً ملحوظاً في أغلبية اليهود الذين كانوا ينظرون إلى ما يجري باعتباره صراعاً بين ستالين ومعارضيه أو بين الستالينية والتروتسكية. الاتحاد السوفيتي من الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر The Soviet Union, from the Second World War to the Present ضمت روسيا في الفترة من 1939 ـ 1940 أراضي تضم أعداداً كبيرةً من اليهود (جاليشيا الشرقية وليتوانيا وبيساربيا وبوكوفينا وغيرها) . وقد رحبت الجماهير اليهودية بالضم السوفيتي إذ وجدت فيه حماية لها من الغزو النازي الوشيك. ولكن، مع عام 1941، قامت القوات النازية بطرد الاتحاد السوفيتي نفسه وضم سائر المناطق التي كان قد ضمها من قبل، فهرب ما يزيد على مليون يهودي منها. وبذلت الحكومة السوفيتية جهداً غير عادي لنقل اليهود، وأعطت الأولوية لهذه العملية. وساهم ذلك بدوره في عملية اقتلاع اليهود من مناطق تجمُّعهم التقليدية. أما بقية أعضاء الجماعة، فسقطوا في يد النازيين حيث تمت إبادتهم باعتبارهم أوست يودين (يهود شرق أوربا) ، كما تمت إبادة أعضاء بعض الجماعات والأقليات الأخرى. وشهدت السنوات التي تلت الحرب مباشرة فترة الإرهاب الستاليني الذي يُقال إنه كان ذا نبرة عنصرية واضحة ومعادية لليهود. ومع هذا، فإن عملية الدمج والترويس أصبحت حركياتها داخلية تنبع من داخل الجماعة نفسها وليست مفروضة عليها من الخارج من قبل الحكومة. وقد تزايدت بحيث أصبح الدمج اندماجاً. ولا يزال أعضاء الجماعة مركَّزين أساساً في المدن العظمى. ويُلاحَظ أن عدد اليهود المشتغلين بالزراعة قد تناقص، وحتى أولئك الذين يعملون في الريف معظمهم يقوم بأعمال كتابية. ويلعب أعضاء الجماعة دوراً متميزاً في المؤسسات التجارية السوفيتية. كما يُلاحَظ أيضاً أن عدد العاملين في التجارة الحرة من أعضاء الجماعات اليهودية، في أواخر الخمسينيات، بلغ نحو نصف مليون فرد من مجموع عدد العاملين في التجارة من عموم المواطنين السوفييت البالغ عددهم نحو خمسة ملايين. وهكذا شكَّل التجار اليهود نسبة 20% من مجموع العاملين بين أعضاء الجماعة ونسبة 19% من مجموع التجار، بينما لم تزد نسبة اليهود إلى عدد السكان على 1%. وقد قامت الحكومة السوفيتية في أوائل الستينيات بحملة ضد النشاطات الاقتصادية غير المشروعة، وسنت قانوناً بمعاقبة مرتكبي الجرائم الاقتصادية بالإعدام، وتم تنفيذ العقوبة في عدد من المتهمين بلغ عددهم حوالي 112 تاجراً من تجار السوق السوداء كان نصفهم من اليهود. وشهدت أواسط الخمسينيات، والسنوات التي تلتها، ارتفاعاً بالغاً في عدد الطلاب من أعضاء الجماعات اليهودية بالمعاهد العليا والجامعات وهو ما نتج عنه زيادة عدد المشتغلين (من اليهود) بالمهن الحرة. وبصفه عامة، يتمتع يهود الاتحاد السوفيتي بأعلى مستوى تعليمي بالمقارنة بسائر القوميات السوفيتية. ففي جمهورية روسيا الاتحادية تلقى 344 يهودياً تعليماً عالياً من بين كل ألف (مقابل 43 فقط بين الروس) . وإذا استبعدنا العجزة حيث تكون نسبة التعليم العالي بينهم منخفضة، وإذا استبعدنا المرحلة العمرية 11 ـ 22، حيث لم يكمل أعضاؤها دراستهم بعد، يصبح عدد المتعلمين تعليماً عالياً بين اليهود ستمائة لكل ألف. وتشير إحصاءات تعداد عام 1959 إلى أن نسبة اليهود الحاصلين على 7 سنوات من التعليم أو أكثر هي 613 لكل ألف وهي نسبة فاقت مثيلتها بين القوميات الأخرى. كما نجد أن نسبة اليهود الحاصلين على تعليم عال كانت نحو 179 عام 1959 لكل ألف شخص فوق 10 سنوات، زادت إلى 229 عام 1970 بالمقارنة بنحو 62 لكل ألف على مستوى إجمالي السكان السوفييت. وقد شكل أعضاء الجماعات اليهودية عام 1956 ـ 1957 نحو 4.2% من طلبة الجامعات والمعاهد العليا، إلا أن هذه النسبة انخفضت إلى 1.2% عام 1978 حيث شهدت فترة 1965 ـ 1978 انخفاضاً كبيراً في أعداد الطلاب اليهود (بنسبة 46.7%) نتيجة الهجرة إلى الخارج وارتفاع متوسط أعمار السكان اليهود وما ترتب عليه من تقلُّص حجم من هم في السن الجامعي. ولا يوجد عمال من أعضاء الجماعات اليهودية، سواء في الصناعة أو الأعمال الزراعية، إلا بشكل هامشي يكاد لا يُذكَر، حتى أن الإحصاءات في العقدين الأخيرين لا تورد أية إحصاءات عن عدد اليهود في المعامل والمصانع الثقيلة أو الزراعية. وقد كانت هناك نسبة عالية من أعضاء الجماعات اليهودية في القيادة العليا للجيش السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن خلال أعوام 1948 ـ 1953 أُحيل 333 من القيادات العليا من اليهود للتقاعد، ولم يتبق يهودي واحد عام 1953 بين صفوف كبار الضباط. ويبدو أن بعض المهن مثل الجيش والأجهزة الأمنية والخارجية وغيرها مغلقة تقريباً أمامهم. ويُلاحَظ أن 75% من العاملين اليهود حاصلون على تعليم عال ويتجهون إلى التمركز في المهن العلمية والحرة مثل الهندسة والطب والعلوم، ففي عام 1964 شكَّل أعضاء الجماعات اليهودية 14.7% من إجمالي الأطباء في الاتحاد السوفيتي، و8.5% من إجمالي الكُتَّاب والصحفيين، و19% من الموسيقيين، و11% من العاملين في مجالات البحث العلمي. وتدل هذه النسب على أن أعضاء الجماعات اليهودية أصبحوا يتمتعون بأوضاع اقتصادية متميزة عن بقية شعوب الاتحاد السوفيتي وبشكل أدَّى إلى منح أبناء الفئة التجارية بشكل خاص فرص دخول الجامعات والمعاهد العليا بدلاً من أن تضطرهم الحاجة الاقتصادية إلى التوجه نحو العمل في المعامل والمصانع. كما تدل من جهة ثانية على تمتعهم بالمساواة التامة في الحقوق، وعلى عدم فرض أية قيود للحد من ارتفاع نسبتهم في الجامعات والمعاهد العليا. أما في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، فقد انخفضت هذه النسبة حيث شكَّل أعضاء الجماعات اليهودية 4.5% من مجموع العاملين في مجال البحث العلمي، و6% من مجموع العاملين في مجال الفن والثقافة والأدب والصحافة، و3.4% في الطب، و6% في القانون، و7.6% من إجمالي العلماء الحاصلين على درجات علمية عليا. ويُلاحَظ أن ما ينخفض هو نسبة المهنيين من أعضاء الجماعات اليهودية إلى نسبة المهنيين على المستوى القومي. أما عدد المهنيين من أعضاء الجماعات اليهودية نفسه فهو آخذ في الارتفاع، فقد زاد عددهم من 260.900 إلى 389.000 في الفترة من 1957 حتى 1977، ولكن نسبتهم إلى مجموع المهنيين الروس في الفترة نفسها انخفضت من 9.3% إلى 3.7%. وانخفضت كذلك نسبة العاملين في مجال البحث العلمي من 18% عام 1947 إلى 5.3% عام 1977 وإلى 4.5% عام 1982. والواقع أن أسباب هذا الانخفاض هو ارتفاع متوسط أعمار اليهود العاملين مقارنة بمتوسط أعمار العاملين من السكان السوفييت، واقتراب الكثيرين منهم من سن التقاعد، وانخفاض أعداد طلبة الجامعة من أعضاء الجماعات اليهودية الذين يشكلون المصدر الأساسي لهذه الاختصاصات. وبالتالي، يلعب اليهود دوراً أقل في مجال العلوم والبحوث وتتركز غالبيتهم في المراكز ذات المكانة المتوسطة والدنيا في هذا القطاع. ويُلاحَظ أن دخل اليهودي السوفيتي أعلى من دخل المواطن السوفيتي، وهذا أمر مفهوم إذ أن عدداً كبيراً من يهود الاتحاد السوفيتي من المهنيين وهم الفئة المتميِّزة في المجتمع السوفيتي. أما نسبة أعضاء الجماعات اليهودية في الحزب الشيوعي، فقد شكلت في أوائل الستينيات واحدة من أعلى النسب القومية المختلفة داخل الحزب. إذ قُدرت هذه النسبة بنحو 3.5% عام 1961، بينما كانت نسبتهم إلى عدد السكان أقل من ذلك بكثير. كما بلغت نسبتهم عام 1982 نحو 1.5% (استناداً إلى تقدير أن عدد الأعضاء اليهود في الحزب نحو 260 ألفاً) وذلك من مجموع أعضاء الحزب البالغ في ذلك الحين نحو 14 مليون عضو. ولذلك، فإنهم يُعتبَرون سادس جماعة قومية مُمثَّلة في الحزب (عام 1976) . ويُلاحَظ أن العدد الكلي ليهود الاتحاد السوفيتي كان آخذاً في التناقص. ولعل تركُّزهم في المدن وفي المهن الحرة يفسر سرّ تناقصهم وذوبانهم (كما هو الحال في الولايات المتحدة، حيث تؤدى السمات نفسها إلى النتائج نفسها) . ويُعتبَر اليهود القومية الوحيدة في الاتحاد السوفيتي التي تناقص عددها. فقد قُدر عدد اليهود السوفييت بثلاثة ملايين بعد الحرب العالمية الأولى، ولكن عددهم نقص إلى 2.268.000 عام 1959. وقد أصبح يهود الاتحاد السوفيتي أقلية حضرية إذ يوجد 2.161.702 من اليهود في المدن، ولا يوجد سوى مائة ألف يهودي تقريباً في الريف (بعضهم مندوبون للحزب ويعملون بالوظائف الكتابية الحسابية) . وقد تناقص عدد أعضاء الجماعة عام 1970 إلى 2.151.000، أي أنه أصبح أقل من الإحصاء السابق بنحو مائة ألف نسمة، فإذا أضفنا إلى ذلك مجمل نسبة زيادة اليهود الطبيعية وهي 250 ألفاً لاتضح أن نحو 400 ألف يهودي قد ذابوا في المجتمع خلال فترة الستينيات. وحسب إحصاء عام 1979، بلغ عدد يهود الاتحاد السوفيتي 1.810.876، وهو ما يعني أن عددهم تناقص إلى 340 ألفاً: 177 ألفاً (وفي إحصاءات أخرى 200 ـ 300 ألف) من خلال الهجرة، أما الباقون (نحو 163 ألفاً) بسبب العوامل السكانية والاندماج. ويمكن أن تُضَم نسبة الزيادة الطبيعية المحتملة التي يمكن أن نقدرها بنحو 150 ألفاً إلى النقص السابق في العدد (أي 163 ألفاً) ، وذلك يعني أن نسبة الذوبان في نحو تسعة أعوام بلغت نحو313 ألفاً. وفي عام 1985، بلغ مجموع اليهود السوفييت 1.600.000 ثم هبط عددهم عام 1989 إلى 1.449.167، أي أنهم تناقصوا حوالي 400 ألف أو أكثر (أي 20%) خلال عشرة أعوام. وأوردت إحدى المراجع أن معدل تناقُص يهود الاتحاد السوفيتي السنوي هو 30 ألفاً (وإن كان معدل التناقص حسب هذا الإحصاء هو 40 ألفاً سنوياً) وهو تناقص طبيعي وليس من خلال الهجرة. ولذا فهناك تنبؤات بأن هذه الجماعة في طريقها إلى الاختفاء ولا شك في أن معدل الهجرة اليهودية الحالي وسقوط الاتحاد السوفيتي قد يعجل بذلك. وبالفعل يُلاحَظ أن عدد يهود البلاد التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي سواء في أوربا أم آسيا هو 868.400، أي أنهم تناقصوا حوالي 580.767. ويبلغ عدد يهود روسيا في الوقت الحالي (1992) 415.000، ويبلغ عددهم في روسيا البيضاء 46.000 (يذكر مصدر إحصائي آخر لعام 1995 أن عدد يهود روسيا هو 600.000 أما عدد يهود روسيا البيضاء فهو حسب هذا المصدر 34.000) . ويُلاحَظ أن أكثر من نصف مليون يهودي سوفيتي يتحدثون الروسية يوجدون الآن في إسرائيل فإذا أضفنا لهذا العدد المهاجرين اليهود الروس إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول، فيمكن القول بأن يهود روسيا يوجدون الآن أساساً خارجها! ومن المعروف أن كثيراً من أعضاء النخبة من يهود اليديشية من أصل روسي، مثل: حاييم وايزمان وإسحق بن تسفي وزلمان شازار وجولدا مائير وموشيه شاريت وجابوتنسكي. فإذا أضفنا إلى هذه المجموعة أسماء النخبة من أصل بولندي (من يهود اليديشية أيضاً) ، فيمكن القول بأن نخبة من يهود اليديشية هي التي تحكم الدولة الصهيونية. والجماعة اليهودية في الاتحاد السوفيتي جماعة مسنة تركيبها على النحو التالي: الفئة العمرية / عام 1959 / عام 1970 صفر - 15 / 30.4% / 11.2% (مقابل 35% من أعضاء القوميات لأخرى) 16 - 45 / 51% / 46% فوق 50 / 18.6% / 42.8% والتركيب العمري يدل على أن المشكلة آخذة في التفاقم، وقد بلغ العمر الوسيط (أي الواقع في الوسط) 49 سنة عام 1986 و50 سنة عام 1988. وتذكر الموسوعة اليهودية أن حوالي 26% من يهود الاتحاد السوفيتي تجاوزوا الستين مقابل 15% من أعضاء القوميات الأخرى. وتؤيد الإحصاءات الخاصة بالمهاجرين السوفييت هذه الأرقام، ذلك أن 11% منهم تجاوزوا سن 65سنة. أما عدد اليهود السوفييت تحت سن الخمسين، فإن عددهم نحو 804 آلاف من بينهم 700 ألف فقط من كاسبي الرزق. وعدد الإناث هو 400 ألف، وعدد القادرات منهن على الحمل (بين 20 و40) هو 240 ألف أنثى، ونسبة المواليد تبلغ 1.6 - 1.8 طفل للأنثى الواحدة، بل استقرت على 1.6 في آخر الإحصاءات. ويولد 14.500 طفل سنوياً منهم 10 آلاف لأبوين يهوديين، ومن ثم يُطلَب منهم تسجيلهم كيهود، وإن كانوا لا يفعلون ذلك بالضرورة. ونسبة المواليد بين اليهود هي 6.7 في الألف بالمقارنة بنحو 14.7 لغير اليهود. أما في أوزبكستان، فإن نسبة المواليد بين اليهود هي 19.9 في الألف مقارنةً بنحو 32.7 لغير اليهود. والإحصاءات الأخيرة كانت الإحصاءات الخاصة بعام 1988، أي قبل الهجرة السوفيتية. ولا شك في أن الهجرة السوفيتية وسقوط الاتحاد السوفيتي سيزيد الصورة قتامة، إذ أن الهجرة لابد أنها ستُصفي العناصر الشابة القادرة على العمل والإنجاب ولا يبقى سوى المسنين (ومع هذا لوحظ مؤخراً أن كثيراً من الشباب الروس اليهود يرسلون بآبائهم المسنين إلى إسرائيل ليتمتعوا بالمزايا التي تُمنَح للمهاجرين ونظام الرفاه الاجتماعي هناك) . والجدول التالي يبيِّن توزيع اليهود في الجمهوريات السوفيتية تبعاً للإحصاءات السكانية لأعوام 1979 و1989 و1992: الجمهورية / عام 1979 / عام 1989 / عام 1992 (الأعداد بالآلاف) روسيا / 700.7 / 551.0 / 430.0 أوكرانيا / 634.2 / 488.0 / 325.0 روسيا البيضاء / 135.4 / 112.0 / 58.0 أوزبكستان / 99.9 / 94.9 / 55.5 مولدافيا 80.1 / 66.0 / 28.5 أذربيجان / 35.5 / 30.8 / 16.0 لاتفيا / 28.3 / 24.8 / 15.8 جورجيا / 28.3 / 23.0 / 20.7 كازاخستان / 23.5 / 19.9 / 15.3 ليتوانيا / 14.7 / 12.0 / 7.3 طاجكستان / 14.7 / 14.8 / 8.2 قرغيزيا / 6.9 / 6.0 / 3.9 إستونيا / 5.0 / 4.6 / 3.5 تركمانيا / 2.8 / 2.5 / 2.0 أرمينيا / 1.0 / 0.7 / 2.3 أما فيما يتصل بالوضع اللغوي لأعضاء الجماعات اليهودية في الاتحاد السوفيتي، فقد جاء في الإحصاء الرسمي لعام 1959 التوزيع اللغوي التالي لليهود السوفييت: 1.733.000 يتحدثون الروسية 500.936 يتحدثون اليديشية 35.673 يتحدثون الجورجية 20.763 يتحدثون الطاجيكية 25.225 يتحدثون التترية 24.275 يتحدثون الأوكرانية 22.570 يتحدثون لغات أخرى وقد شكلت نسبة الناطقين باليديشية 17% فقط من مجموع اليهود (انخفضت إلى 11% في الإحصاءات الأخيرة) . وانخفضت هذه النسبة خلال الستينيات حيث أشار إحصاء عام 1970 إلى أن نحو 86.7% قد أفادوا بأن لغتهم هي الروسية، بينما توزَّع نحو 17.7% بين مختلف اللغات الأخرى (وأفاد 97% بأن لغتهم هي اليديشية قبل قيام الثورة) وقد انخفضت النسبة إلى11% في إحصاءات عام 1992، ولا يتحدث بها سوى المسنين. ومصطلح «اللغات الأخرى» يعني لغة التات والجورجية والطاجيكية والتركية ... إلخ. وجاء في إحصاء عام 1989 أن 11.1% يتحدثون ما سُمِّي «اللغات اليهودية» ، وهي لا شك إشارة لكل هذه «اللغات الأخرى» ومنها اليديشية. وإذا كان الأمر كذلك، فإن اليديشية قد آلت إلى الزوال تقريباً، ولا يتحدثها سوى المتقدمين في السن الذين يسكنون المناطق الغربية (ليتوانيا ولاتفيا ومولدافيا) التي كانت تضم كثافة سكانية يهودية في الماضي. والجدول التالي يبيِّن توزُّع اليهود السوفييت تبعاً للجماعات العرْقية واللغوية وفقاً لإحصاء عام 1992: الجماعات العرقية لليهود فى الاتحاد السوفيتي / أعداد أعضاء الجماعات / نسبة من يعتبرون لغة الجماعة هي لغتهم الأصلية إشكناز / 1.376.91 / 11.1 يهود الجبال / 19.516 / 75.8 يهود جورجيا / 16.054 / 90.9 يهود بخارى / 36.152 / 65.6 الكرمشاك / 1.448 / 38.9 وتشير المصادر إلى أن ظاهرة الزواج المختلط لا تزال منتشرة بين اليهود وإلى أن معظم هذه الزيجات تمثلت في زواج الذكور اليهود من إناث غير يهوديات. ويدعم هذه النظرية عدد الزيجات المختلطة بين المهاجرين السوفييت إلى إسرائيل. وقد تم الاستدلال، من إحصاء عام 1959، على أن واحداً من بين كل سبعة يهود كان متزوجاً من غير يهودي. وقد تزايدت النسبة أخيراً، ففي إحصاءات عام 1988 ظهر أن حوالي 40 ـ 50% من الزيجات اليهودية مختلطة (58.3% للذكور و47.6% للإناث) . وتصل النسبة في بعض المناطق إلى 80% (في روسيا الاتحادية تصل النسبة إلى 73.2% للذكور و62.8% للإناث) . والأهم من هذا أن 90% من أولاد المتزوجين زواجاً مختلطاً يُعرِّفون أنفسهم بأنهم غير يهود. أما فيما يتصل بالوضع الديني، فإن القانون يسمح للمواطنين السوفييت بالتعبد، وكل 20 متعبداً يمكن أن يكونوا جماعة دينية تُسمَّى «دفاتساتكا» ، وهي جماعة خاضعة لإشراف لجنة السوفييت المحلية ومجلس شئون العبادات الدينية، ومخولة بتعيين وطرد أعضاء مجلس المعبد اليهودي. وكثيراً ما تغلق السلطات السوفيتية المعابد لأن عدد المتعبدين يقل عن عشرين. ولذا، تنتشر جماعات المنيان (النصاب اللازم لإقامة الصلاة اليهودية) ، وهؤلاء يحق لهم التعبد بدون تسجيل، شريطة أن تتلقى السلطات إعلاماً بذلك قبل إقامة الصلاة. ويوجد حوالي 61 معبداً يهودياً وعدد صغير من الحاخامات، ولا يوجد حاخام أكبر، ولا توجد المواد اللازمة لإقامة بعض الشعائر. وعدد اليهود المتدينين 61 ألفاً حسب إحصاء 1983ـ 1985 أي 3% من جملة اليهود. وتؤيد الإحصاءات الخاصة بالمهاجرين السوفييت هذا العدد إذ أن 3% فقط منهم أرسل أبناءه إلى مدارس دينية. وحتى تكتمل الصورة، لابد أن نشير إلى ظاهرة اليهود المتخفين، وهم المواطنون السوفييت من أصل يهودي الذين كانوا يخفون ذلك. وهؤلاء استفادوا من القانون السوفيتي الذي يعطي المواطن الحق في اختيار جنسيته، فكثيرون اختاروا تسجيل أنفسهم على أنهم غير يهود. كما أن 90% من أولاد الزيجات المختلطة كانوا، كما أسلفنا، يسجلون أنفسهم على أنهم غير يهود. ويذهب جريجوري روزنشتاين (الديموغرافي الإسرائيلي) إلى وجود 3.5 مليون مواطن سوفيتي من سلالة يهودية لم يُصنَّفوا على أنهم يهود. وهم يتمتعون بمستوى تعليمي عال. ويذهب كثير من الدارسين إلى أن هؤلاء سيعرِّفون أنفسهم كيهود «حينما لا يؤدي ذلك إلى الإضرار بمكانتهم» . ومن ثم، إذا استمرت إسرائيل مركز جذب بالنسبة إليهم، فإنهم سيعيدون تسجيل أنفسهم كيهود حتى يتسنى لهم الهجرة إليها. ويبدو أن الصورة العامة تتجه نحو مزيد من الاندماج، وكان المنشقون لا يشكلون سوى جماعة صغيرة وضئيلة ليست لها قيمة تُذكَر، وغير قادرة على أن توقف عملية الاندماج التلقائية السريعة وتآكل ثقافة يهود اليديشية وهويتهم الإثنية بعد أن ضعف انتماؤهم الديني، وهو الأمر الذي أوضحه المنشق الصهيوني شارانسكي بعد خروجه من الاتحاد السوفيتي. وقد استفاد أعضاء الجماعات اليهودية من جو الانفتاح الاقتصادي والسياسي في الاتحاد السوفيتي إذ بدأوا يحققون بروزاً لم يكونوا يتمتعون به من قبل. ولكن، بالمقابل، ظهرت بعض الجماعات الروسية القومية ذات التوجه الديني الأرثوذكسي (من أهمها جماعة باميات) التي كانت تعادي أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم ممثلين للقوى المعادية للمسيحية والروح الروسية الأصيلة. وقد سمح الاتحاد السوفيتي لليهود بالهجرة، وأغلقت الولايات المتحدة الأبواب في وجههم، وبدأت المؤسسة الصهيونية في اعتماد الملايين لتوطينهم في الضفة الغربية على أمل أن تحل مشكلتها الاستيطانية. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه إلى «كومنولث الدول المستقلة» ، ستظهر حركيات متنوعة يخضع لها أعضاء الجماعات اليهودية في هذه الدول، فيهود جورجيا قد يصبحون جزءاً من تشكيل حضاري مستقل سياسياً عن أوكرانيا، ولذا فإن الصورة في المستقبل ستكون مختلفة بشكل جوهري عن الصورة في الماضي. ومع هذا، يمكن القول بأن هناك بعض الثوابت مثل الميل للهجرة والاتجاه نحو السكنى في المدينة وعدم الإنجاب ... إلخ. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
أوكرانيا
Ukraine.... كلمة «أوكرانيا» تعني «منطقة الحدود» . وتُعَدُّ منطقة أوكرانيا من أهم المناطق المرتبطة بتجربة الجماعات اليهودية في شرق أوربا (أي يهود اليديشية) ومن أهم مسارح الأحداث التي تحدَّد فيها مصيرهم، ويُطلَق على أوكرانيا أحياناً اسم «روسيا الصغرى» . وكان يهود أوكرانيا يشكلون واحدة من أكبر الجماعات اليهودية على الإطلاق حتى منتصف القرن العشرين. ثم أصبحت كلمة «أوكرانيا» تشير إلى الجمهورية السوفيتية التي كانت تحمل هذا الاسم والتي أصبحت في الآونة الأخيرة دولة ضمن كومنولث الدول المستقلة، وحدودها مختلفة عن حدود أوكرانيا القديمة (روثينيا) التي كانت تابعة لبولندا وليتوانيا، والتي قُسِّمت بعد ذلك بين روسيا وبولندا عام 1667. ثم استولى الروس عليها بأسرها عام 1793. ويعود استقرار اليهود في أوكرانيا إلى القرن التاسع، وذلك مع انتشار وتوسيع إمبراطورية الخزر. لكن الاستيطان على نطاق واسع تم في منتصف القرن السادس عشر، مع بدايات الإقطاع الاستيطاني البولندي فيها. ذلك أن النبلاء البولنديين كانوا يريدون تطوير هذه المنطقة اقتصادياً بعد ضمها إلى اتحاد بولندا وليتوانيا فقاموا بتوطين عناصر يهودية تجارية تقوم باستئجار المزارع نظير مبلغ محدد فيما يُسمَّى «نظام الأرندا» . وقد تسبَّب هذا في تحوُّل اليهود إلى جماعة وظيفية تجارية وسيطة تعتصر الفلاحين والأقنان لصالح النبلاء الغائبين الذين كانوا يقومون بدورهم باعتصار اليهود. وقد كان التقسيم الطبقي في أوكرانيا يدعمه تقسيم إثنى وديني يزيده حدة واستقطاباً. فالفلاحون أوكرانيون أرثوذكس يتحدثون الأوكرانية، والنبلاء بولنديون كاثوليك يتحدثون البولندية، والوسطاء يهود يتحدثون اليديشية. وقد بلغ عدد اليهود في أوكرانيا، مع نهاية القرن السادس عشر، 45 ألف يهودي من مجموع 100 ألف يهودي في بولندا، زاد عددهم قبل هجمات شميلنكي إلى 150 ألفاً. وحين شهد منتصف القرن السابع عشر هجمات شميلنكي، كان أعضاء الجماعة اليهودية في مركز الصراع. فقد نصت المعاهدة التي وُقعت بين شميلنكي وملك بولندا، بعد انتشار القوزاق عام 1649، على أنه «لن يُسمح لليهود بالإقامة كملاك أو كمؤاجرين ولا حتى كسكان في المدن الأوكرانية التي توجد فيها فرق قوزاق» . وبعد عامين، بعد أن ألحقت القوات البولندية الهزائم بالقوزاق، وُقعت معاهدة عام 1651 التي اعترف شميلنكي فيها بحق اليهود في أن يستقروا كسكان ومؤاجرين في ضياع جلالة الملك وضياع النبلاء البولنديين (شلاختا) ، أي أن صعود اليهود وهبوطهم كان مرتبطاً بصعود وهبوط القوة البولندية العسكرية؛ تماماً مثلما ارتبط صعود وهبوط المستوطنين الصهاينة بصعود وهبوط القوة الإنجليزية ثم الأمريكية في الشرق العربي والعالم الإسلامي. وقد قُسِّمت أوكرانيا بين روسيا وبولندا عام 1667، فضمت روسيا الجزء الذي يقع عن يسار نهر الدنيبر، وظل الجزء الذي عن يمينه تابعاً لبولندا. وقد تعرَّض يهود هذه المنطقة البولندية من أوكرانيا لهجمات الهايدماك (وهم ورثة شميلنكي الذين كانوا يقومون بذبح البولنديين وعملائهم اليهود) . ورغم كل هذا، تزايد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في أوكرانيا، فبلغ عددهم قبل التقسيم الأول لبولندا نحو 258 ألف يهودي زاد إلى 600 ألف عام 1847. وقد بلغ عددهم في أول إحصاء رسمي (عام 1887) 1.297.268، أي 9.2% من كل سكان أوكرانيا وهي من أعلى النسب العددية التي وصل إليها أعضاء الجماعات اليهودية في أي بلد في العصر الحديث. ومما يجدر ذكره أن أوكرانيا كانت تقع ضمن منطقة الاستيطان التي كان يُصرَّح لليهود بالسكنى فيها. وكانت أوكرانيا من أخصب المناطق التي انتشرت فيها الأفكار الشبتانية والفرانكية والحسيدية. ويهود أوكرانيا من أهم قطاعات يهود اليديشية، وهم يتسمون بالتميز الوظيفي والاقتصادي نفسه الذي يتسم به يهود اليديشية، بل كان تميُّزهم أكثر حدة. وعلى سبيل المثال، فإن 90% ممن يعملون في تقطير الخمور عام 1872 كانوا من اليهود. وكان معظم أعضاء الجماعة اليهودية يعملون إما في مصانع صغيرة أو يقومون بأعمال تجارية، ولكن لم يكن يوجد يهود بأعداد كبيرة في الصناعات الثقيلة. وفي عام 1897، كانت أغلبية يهود أوكرانيا الساحقة لا تعمل بالزراعة. وكان بناؤهم الوظيفي على النحو التالي: 43.2% في التجارة 32.2% في الحرف والصناعة (الخفيفة أساساً) . وأوكرانيا هي المنطقة التي ولدت فيها جمعية أحباء صهيون والبيلو وكثير من المؤسسات الصهيونية الأخرى، كما ظهر فيها كثير من الحركات الثورية بين اليهود (مثل حزب البوند) . ونظراً لوجود أوكرانيا على الحدود بين بولندا وروسيا والنمسا، وجد أعضاء الجماعة اليهودية أنفسهم في مفترق الطرق بين القوى المتصارعة. وربما كانت الفترة من 1917 حتى 1920 خير مثال على ذلك، فقد ألغى السوفييت منطقة الاستيطان وأسس الأوكرانيون مجلساً قومياً أعلن استقلال أوكرانيا عن روسيا وعقدوا تحالفاً مع أعضاء الجماعة اليهودية في أوكرانيا وجاليشيا لمقاومة النفوذ البولندي. وكانت المنطقة مسرحاً لصراعات عسكرية عديدة، فكان هناك في بداية الأمر جيش احتلال ألماني يحارب ضده الجيش الأوكراني تحت قيادة سيمون بتليورا الذي انضمت إليه جماعات من الفلاحين والقوزاق المؤيدين له، وكان هناك الجيش الروسي الأبيض أو جيش المتطوعين المعادي للبلاشفة تحت قيادة دينيكين، كما كان هناك بطبيعة الحال الجيش الأحمر. وقد وجد أعضاء الجماعة اليهودية أنفسهم في مفترق الطرق، فتحالفوا في بادئ الأمر مع الألمان، ذلك أنهم كانوا يتحدثون اليديشية (وهي لهجة ألمانية) ، كما أن ألمانيا كانت تعتبر يهود اليديشية عنصراً بشرياً تابعاً لها يمكنها تجنيده ضد غالبية السكان. وبعد انسحاب الألمان، وجد أعضاء الجماعة أن من صالحهم الارتباط بالنظام البلشفي، ذلك لأن قواته العسكرية قامت بحمايتهم، وهو ما زاد الشائعات القائلة بأن الثورة البلشفية ثورة يهودية. وقد أدَّى هذا إلى تأليب العناصر الشعبية الأوكرانية ضد أعضاء الجماعة اليهودية، ويُقال إنه قُتل منهم حوالي 60 ألف يهودي. ولا شك في أن ميراث اليهود التاريخي والاقتصادي في أوكرانيا كان له أعمق الأثر في توسيع الهوة بين الأوكرانيين وأعضاء الجماعة اليهودية. وانتصر البلاشفة في نهاية الأمر عام 1920، وضُمت أوكرانيا إلى الاتحاد السوفيتي. وقد رحب أعضاء الجماعة اليهودية بالضم السوفيتي. وفي عام 1922، تم القضاء على كل التنظيمات الشعبية المعادية لليهود في أوكرانيا والاعترف باليديشية كلغة رسمية. وفُتحت مدارس تابعة للنظام التعليمي اليديشي السوفيتي، ولكن الآباء اليهود فضلوا إرسال أولادهم إلى المدارس التي تعلِّم الروسية حتى تيتح أمامهم فرصاً للحراك الاجتماعي. وقد اعتمدت جماعة الجوينت (لجنة التوزيع الأمريكية المشتركة) 200 ألف دولار لتشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة. وخصصت حكومة أوكرانيا أرضاً لهذا الغرض، وبلغ عدد اليهود الذين استقروا على هذه الأراضي 80 ألفاً (عام 1933) من مجموع 200 ألف يهودي استفادوا من سياسة التوطين الزراعي في الاتحاد السوفيتي. ولكن السوفييت قرروا التخلص من هذه السياسة وحاولوا توطين أعضاء الجماعة في القرم في بادئ الأمر ثم في بيروبيجان. وحينما غزا النازيون أوكرانيا في يونيه ـ يوليه 1941 واستولوا عليها، فرَّت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية. وقد حاولت السلطات النازية تأليب الجماهير ضد «الثورة البلشفية اليهودية» وضد اليهود، ويبدو أنهم لم ينجحوا في ذلك كثيراً. بلغ عدد يهود أوكرانيا عام 1926 نحو 1.574.391 (أي 5.44% من كل سكانها) . ثم انخفض عام 1939 إلى 1.572.827 (أي 4.9%) . وانخفض هذا الرقم مرة أخرى إلى النصف تقريباً عام 1959 أي إلى نحو 840.319 (2% من سكانها) ، واستمر الانخفاض الحاد فوصل عددهم إلى 634.000 عام 1979، ووصل عام 1989 إلى 485.975 ثم إلى 276.000عام 1992. وبذا يكون قد تم تصفية واحدة من أهم الجماعات اليهودية في العالم (يذكر مصدر إحصائي آخر أن عدد يهود أوكرانيا عام 1995 هو 446.000) . وقد انخفض العدد بسبب هجرة يهود أوكرانيا داخل الاتحاد السوفيتي إلى المناطق الصناعية الأساسية في موسكو وكييف وغيرهما بعد تطبيق مشروعات السنوات الخمس. ومنذ عام 1924، بدأت عملية أكرنة المؤسسات (أي صبغها بصبغة أوكرانية) ، وصدر قرار بأن كل من يشغل وظيفة حكومية لابد أن يجيد اللغة الأوكرانية. وأدَّى ذلك إلى استقالة آلاف اليهود الذين كانوا يتحدثون اليديشية والروسية من وظائفهم. وقد أباد النازيون أيضاً بضعة آلاف من أعضاء الجماعة اليهودية. وساهمت حركة الهجرة إلى خارج الاتحاد السوفيتي، إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، في تناقص أعضاء الجماعة اليهودية، وخصوصاً من المراحل العمرية الشابة، ولذا أصبحت الجماعة اليهودية مسنَّة. كما أن معدلات الاندماج والزواج المُختلَط المرتفعة تُعَدُّ من أهم العناصر التي تؤدي إلى موت الشعب اليهودي في أوكرانيا. وكانت أوكرانيا من أهم مراكز الثقافة اليديشية، ولكن لم يَعُد هناك متحدثون باليديشية فيها إلا من كبار السن. ونظراً لارتفاع مستوى يهود أوكرانيا التعليمي، نجد أن المهاجرين بينهم يؤثرون الهجرة إلى الولايات المتحدة على الهجرة إلى إسرائيل. ولذا، نجد أن نسبة المتساقطين بينهم مرتفعة. وبعد استقلال أوكرانيا ورغم تصاعد نعرة القومية الأوكرانية إلا أن الجماعة اليهودية هناك مستقرة مندمجة، لا تشعر بقلق شديد حيال الظروف الجديدة. سيمون بتليورا (1879-1926) Simon Petlura زعيم قومي أوكراني أسَّس عام 1905 حزب العمال الأوكرانيين الاشتراكي الديموقراطي. كان ضابطاً في الجيش الروسي. وعند سقوط الحكومة القيصرية عام 1917، انضم للرادا (المجلس) الذي أعلن استقلال أوكرانيا، ثم عُيِّن وزيراً للحرب في الحكومة الجديدة. ولكن الألمان احتلوا أوكرانيا وأقاموا حكومة عميلة، فحاربت قواته ضدهم. وحين انسحبت القوات الألمانية (1918) ، لعب بتليورا دوراً قيادياً في حركة الاستقلال، فترأس الرادا وأصبح أتمان (أي رئيس) الحكومة الأوكرانية المؤقتة، كما أصبح قائد الجيش الأوكراني وقاد المعركة من أجل استقلال أوكرانيا. واجهت قوات بتليورا جيوش البلاشفة الحمراء وجيوش الروس البيض حيث سعى كل من الجيشين إلى الاحتفاظ بأوكرانيا كجزء من روسيا. فعند انسحاب جيوش الروس البيض في 1919، وقعت أوكرانيا تحت هيمنة السوفييت. وحتى يتمكن بتليورا من التغلب على السوفييت، عقد اتفاقاً مع يوسف بيلسودسكي رئيس الدولة البولندية وأيد البولنديين في حربهم ضد روسيا السوفيتية. وقد نجح البولنديون في صد القوات السوفيتية، ولكنهم لم ينجحوا في مساعدة أوكرانيا في الحصول على استقلالها. وفي النهاية، هُزمت قوات بتليورا واستقر هو في باريس (ولكنه احتفظ بحكومته في المنفى ووببقايا جيشه) . وإبّان هذه المعارك، هاجمت قوات بتليورا أعضاء الجماعات اليهودية، ويُقال إنها قتلت ما يزيد على ستين ألفاً. وهذا يرجع ولا شك إلى تحالف أعضاء الجماعات اليهودية مع الألمان في بادئ الأمر ثم ترحيبهم بالقوات البلشفية بعد ذلك. ولا شك في أن ميراث الأرندا والإقطاع الاستيطاني البولندي لم يكن قد اختفى تماماً، بل عزَّز الهوة بين العناصر وأعضاء الجماعة اليهودية. وعقد بتليورا اتفاقاً مع الزعيم الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي يسمح له بتكوين ميليشيات يهودية لحماية الجماعات اليهودية حين يعود بتليورا إلى أوكرانيا. ولقي بتليورا حتفه في باريس على يد أحد اليهود انتقاماً لليهود الذين قُتلوا في أوكرانيا. ويشبَّه بتليورا عادةً بشميلنكي، فكلاهما كان أتمان الحكومة الأوكرانية وكلاهما كان يبحث عن استقلال بلاده، الأول ضد بولندا بمساعدة روسيا والثاني بمساعدة بولندا ضد روسيا. وفي نضالهما من أجل الاستقلال، اصطدما بأعضاء الجماعة اليهودية الذين لم تكن لهم جذور عميقة في أوكرانيا بقدر ما كانت لهم علاقات قوية بالقوة الغازية المهيمنة. والواقع أن هجوم قوات بتليورا على أعضاء الجماعات اليهودية، مثل هجوم قوات شميلنكي عليهم، له مضمون شعبي تحريري رغم وحشيته ولاإنسانيته. ولم تُحدَّد المسئولية الشخصية لبتليورا في المذابح والهجمات الشعبية. ولكن الأوكرانيين يعتبرونه بطلاً قومياً بلا منازع، ويفسرون المذابح بأنها نتيجة الفوضى التي ضربت أطنابها أثناء حالة الحرب بين عدة جيوش متصارعة. ليتوانيا Lithuania يعود وجود اليهود في ليتوانيا إلى القرن الرابع عشر حين كان معظمهم من القرّائين (وهو ما قد يشير إلى أصولهم الخزرية) . وقد بلغ عدد اليهود في فلنا وجرودنو وكوفنو عشرة آلاف عام 1495، وكان معظمهم من الإشكناز الذين استوطنوا في بلد متخلف اقتصادياً. وقد بلغ عدد اليهود في دوقية ليتوانيا الكبرى التي كانت تضم فلنا وجرودنو وكوفنو وبرست ليتوفسك ومنسك وسمولنسك وغيرها من المقاطعات، نحو سبعة وعشرين ألفاً عام 1578، واثنين وثلاثين ألفاً عام 1676، ووصل العدد إلى 157.520عام 1766. وقد مُنح أعضاء الجماعة ميثاقاً عام 1388 لحمايتهم وضمان حريتهم حتى يَسهُل عليهم الاضطلاع بوظائفهم التجارية والمالية، وسرعان ما احتكروا التجارة الدولية والالتزام. ومع هذا، تم طردهم في الفترة 1495 ـ 1502 بسبب الصراع الذي نشب بينهم وبين النبلاء والتجار، ولكن تم السماح لهم بالعودة عام 1503 وأُعيدت إليهم حقوقهم كاملة فتمتعوا بكثير من الاستقرار. كما لعبوا دورهم، كتجار وملتزمي ضرائب، دون تدخُّل. وقد اتحدت ليتوانيا وبولندا عام 1569 بحيث أصبحتا منذ هذا التاريخ بلداً واحداً له تاريخ واحد تقريباً. وكان يهود ليتوانيا ممثَّلين في مجلس البلاد الأربعة، ولكنهم شكلوا مجلسهم الخاص عام 1623 حين أصبح لليتوانيا نظامها الضرائبي الخاص. وقد كان يهود ليتوانيا بمنأى عن هجمات شميلنكي والهايدماك، الأمر الذي ضمن لهم كثيراً من الاستمرارية والطمأنينة. ومنذ عام 1795،منذ تقسيم بولندا وحتى عام 1918، أصبحت ليتوانيا جزءاً من روسيا، وقد كانت (في ذلك الوقت) مركزاً ثقافياً مهماً لليهود الإشكناز، وكانت فيها واحدة من أهم المدارس التلمودية العليا. وكانت ليتوانيا مركزاً لحركة المتنجديم والموسار، وفي الوقت نفسه مركزاً من أهم مراكز حركة التنوير. وأثناء التمرد البولندي الليتواني ضد الحكم القيصري عام 1864، وقف يهود ليتوانيا ضد حركة المقاومة وأخذوا جانب المحتل الروسي. وبعد الحرب، حصل اليهود على حقوقهم وعلى قدر كبير من الإدارة الذاتية تضمَّن حق فرض الضرائب، تحت إشراف الحكومة، وتم تأسيس مجلس قومي يهودي تحت رعاية وزارة الشئون اليهودية. وبعد عام 1924، تقلص حق الإدارة الذاتية واقتصر على إدارة الشئون الدينية فقط، وكانت توجد عدة مدارس يهودية معظمها تدرِّس بالعبرية وبعضها باليديشية. وكان تعداد اليهود عند اندلاع الحرب العالمية الثانية 175 ألفاً، رحل 25 ألفاً منهم إلى روسيا وأبيد البعض الآخر عام 1943. وقد هاجرت أعداد كبيرة إلى جنوب أفريقيا، وبلغ عدد يهود ليتوانيا عام 1960 خمسة وعشرين ألفاً، وبلغ عددهم 6.500عام 1992. وليتوانيا هي الوطن الأصلي للحاخام إلياهو (فقيه فلنا) أهم شخصيات اليهودية الحاخامية في أواخر القرن التاسع عشر، كما أن عديداً من الزعماء الصهاينة (مثل بن يهودا وسمولنسكين) كانوا من اللتفاك، أي من يهود ليتوانيا الذين يتحدثون اليديشية بلكنة خاصة. وتوجد داخل إسرائيل الآن قطاعات من المؤسسة الدينية يُطلق عليها «الليتوانيون» ، وهم امتداد لحركة المتنجديم ويتركزون في حزب داجيل هاتورا. جاليشيا Galicia «جاليشيا» كلمة منسوبة إلى «جاليش» ، وهي عاصمة منطقة تاريخية في جنوب شرقي بولندا وشمال غربي أوكرانيا. ويُطلَق مُصطلَح «جاليشيا الغربية» على منطقة كراكوف ولوبلين، أما «جاليشيا الشرقية» فتشير إلى باقي المنطقة التي تقع بين المجر وبولندا من جهة وإمارتي كييف وفولينيا الغربيتين من جهة، وقد ظلت مطمع جيرانها نظراً لخصوبة أراضيها وعلاقاتها التجارية المهمة. وقد ضمتها إمارة كييف عام 981 ولكنها أصبحت إمارة مستقلة عام 1087. وقد حققت جاليشيا خلال القرن اللاحق قدراً كبيراً من القوة والثراء، وقامت بضم فولينيا (أو لودوميريا) فأصبحتا إمارة واحدة هزمت كلاًّ من البولنديين والمجريين الذين حاولوا الاستيلاء عليها. لكن الخلافات والصراعات الداخلية، بين الأمراء من جهة والنبلاء الذين كانوا يمتلكون السلطة الحقيقية من جهة أخرى، أضعفت الإمارة. وفي الفترة بين عامي 1327 و1241، استولى المغول على المنطقة. ورغم أن ملك جاليشيا تم تتويجه عام 1253 على يد ممثل بابويّ، إلا أنه اضطر إلى الاعتراف بسلطة الخان المغولي. ورغم ذلك، لم يجر إخضاع جاليشيا بشكل كامل للإمبراطورية المغولية مثل سائر الأراضي الروسية. وقد انتخب نبلاء جاليشيا أميراً بولندياً لجاليشيا. وبعد وفاته، قام ملك بولندا كاسيمير الثالث (الأعظم) بضم جاليشيا إلى أراضيه عام 1349. وفي ظل حكم بولندا، استوطن النبلاء البولنديون (شلاختا) في جاليشيا وأصبحوا الطبقة الحاكمة في المنطقة، فاضطر نبلاء جاليشيا إلى تَقبُّل اللغة البولندية والمؤسسات التشريعية والاجتماعية البولندية والمسيحية الكاثوليكية. وعند تقسيم بولندا للمرة الأولى عام 1772، ضمت النمسا جاليشيا الشرقية والمنطقة الواقعة في الغرب بين نهري السان والفيستولا. وفي عام 1795، تم ضم مناطق أخرى واقعة غرب وشرق نهر الفيستولا إلى النمسا. وفي الفترة التي بين عامي 1786 و1849، قامت النمسا بإدارة منطقة بوكوفينا (التي ضمتها من الدولة العثمانية) باعتبارها جزءاً من جاليشيا. وبعد التعديلات التي أقرَّها مؤتمر فيينا عام 1815، أصبحت ممتلكات النمسا في بولندا تُعرَف باسم «مملكة جاليشيا ولودوميريا» . وفي عام 1846، تم ضم جمهورية كراكوف إلى المملكة. ثم ألغت النمسا، خلال العامين 1848 ـ 1849 نظام الأقنان في جاليشيا، ثم أعطت لهذه المنطقة (بعد عام 1867) قدراً أكبر من الإدارة الذاتية فأصبحت وحدة إدارية مستقلة. ومع أواخر القرن التاسع عشر، بدأت تنمو حركة قومية بين السكان الأوكرانيين الذين كانوا يشكلون أغلبية سكان جاليشيا الشرقية حيث تزايد رفضهم لسيطرة الأقلية البولندية عليهم. وتبلغ مساحة جاليشيا 77 ألف كيلو متر مربع، وتعدادها نحو 3.500.000 نسمة. وحينما احتلت القوات النمساوية جاليشيا عام 1772، كانت المنطقة تضم بين 150 ألفاً و220 ألف يهودي يعيش ثُلثهم في القرى. وكان اليهود والألمان يكوِّنون العنصر التجاري والحرفي الأساسي في المدن. وقد بدأت النمسا بتطبيق قوانين تهدف إلى محاولة انقاص عدد أعضاء الجماعات اليهودية من خلال الطرد، والحد من الزيجات، وتقليص نشاطهم الاقتصادي. كما حُدِّدت حرية اليهود في السكنى والإقامة والانتقال، وزيدت الضرائب الخاصة على اليهود (مثل ضريبة الطعام الشرعي وشموع السبت) . لكن هذا الاتجاه تغيَّر حينما بدأ جوزيف الثاني حكمه بمحاولة تحديث أعضاء الجماعات اليهودية وإصلاحهم وجعلهم نافعين، فصدرت قوانين تحظر عليهم الاشتغال ببيع الخمور أو الالتزام بجمع الضرائب أو إدارة الفنادق، كما حرم عليهم القيام بدور الأرندا. وأصبح بإمكانهم الالتحاق بالخدمة العسكرية، وأن يشغلوا الوظائف المدنية، وأن يستثمروا أموالهم في أي قطاع اقتصادي يجدونه مناسباً، وأن يكون لكل يهودي اسم عائلة أو أن يتسمَّى بأسماء ألمانية. وفُتحت المدارس العلمانية الحكومية للأطفال اليهود، كما فُتحت أمامهم المدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد الجامعية. وكان يتم تشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة، فكان كل من يقبل منهم يُمنح قطعة أرض وقروضاً. وجرى توسيع نطاق براءة التسامح التي صدرت عام 1782 بحيث شملت جاليشيا عام 1789. وتؤكد براءة التسامح تساوي اليهود مع المواطنين جميعاً، كما تؤكد أن لهم حقوق وواجبات المواطنين، وضمنها حق التنقل والسكنى بحرية في أي مكان واختيار الوظائف التي يريدونها. وقد نُزعت جميع صلاحيات الحاخامات والقهال، فتقلص نطاق نفوذهم بحيث انحصر في الأمور الدينية وحسب، ومن ثم أُلغيت المحاكم الحاخامية. وحُظر على أعضاء الجماعة اليهودية إرسال أي نقود إلى فقراء اليهود في فلسطين أو أن يستخدموا العبرية أو اليديشية بالذات في الوثائق التجارية التي يكتبونها (منعاً للغش التجاري) . كما مُنعوا من ارتداء أزياء مميَّزة، ومن دراسة التلمود قبل الانتهاء من الدراسة في المدارس الحكومية. كما فُرض عليهم إنشاء نظام تعليمي علماني تديره الجماعة اليهودية بنفسها، ومُنحوا حق إنشاء أية مدارس يشاءون ما دامت لا تختلف عن النظام التعليمي العام. وكان الحصول على شهادة مدرسية شرطاً أساسياً للحصول على رخصة زواج، بل كان على كل من العريس والعروس أن يقرآ كتاباً معيناً هو كتاب بني صهيون الذي كتبه داعية التنوير هرتز هومبرج عام 1812، ويجتاز اختباراً بالألمانية حتى تضمن الدولة أن الزوجين قد استوعبا كل الأفكار اللازمة لتحديثهم وتحويلهم إلى مواطنين في الدولة القومية. كما صدر مرسوم بأن تكون الصلوات بالألمانية بدلاً من العبرية. وفي عام 1836، قررت الحكومة أنه سيمُنع (بعد عشر سنوات) تعيين حاخام إلا بعد تلقيه دراسة أكاديمية خاصة. كما مُنعت طباعة الكتب الدينية التلمودية وكتب القبَّالاه. وبعد ثورة 1848، بدأت أحوال عضاء الجماعات اليهودية تتحسن بشكل أكبر، فقد مُنحوا الحقوق السياسية والمدنية كافة عام 1849 وشاركوا في الحياة السياسية. وانتُخب خمسة نواب يهود عام 1874 (بين 155 نائباً في برلمان جاليشيا) ، وانتُخب الكثيرون منهم في مجالس الأقاليم، وانتُخب عشرة عُمَد يهود في عشرة مدن مختلفة. وتحسنت أحوال أعضاء الجماعات اليهودية الاقتصادية، فاستثمر أثرياؤهم أموالهم في البنوك وأعمال الاستيراد والتصدير وتجارة الزيت. وزاد عدد اليهود من ملاك الضياع، كما دخل اليهود الخدمة المدنية والقضائية فكانوا يشكلون نحو 58% من مجموع الموظفين والقضاة. وبلغ عدد مدارس البنين 107 مدارس علمانية ينتظم فيها أربعة آلاف طالب. وساعد كل ذلك على أن يسود فكر حركة التنوير اليهودية بعض الوقت في هذه المنطقة، وأصبحت جاليشيا مركزاً للأدب المكتوب بالعبرية وساد الفكر الاندماجي بين القيادات اليهودية (وإن انقسموا إلى قسمين: أحدهما اندماجي ألماني والآخر اندماجي بولندي) . غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل. ويعود ذلك إلى عدة أسباب، فجاليشيا تتميَّز بأنها لم تضم أغلبية إثنية واحدة، فكان هناك عناصر ألمانية وأوكرانية وبولندية ويديشية، كما لم تكن هناك حكومة مركزية أو رأسمالية قوية. ولذا، لم تظهر حركة قومية موحدة وإنما ظهرت حركات قومية صغيرة متنوعة. وتسبَّب هذا في ظهور جيوب اقتصادية منغلقة، فنظمت العناصر البولندية (46% من السكان) نفسها كجيب مستقل له طبيعته المستقلة ومصالحه الخاصة، كما قام الأوكرانيون (الذين كانوا يشكلون 43% من السكان) بتنظيم أنفسهم أيضاً على الأسس نفسها. وقد أدَّى كل هذا إلى خلق موقف صراعي، وإلى استبعاد أعضاء الجماعة اليهودية من الأعمال التجارية رغم أنهم عنصر تجاري بالأساس. وقد ظهر حزب اجتماعي مسيحي في النمسا قاد عملية مقاطعة اليهود، كما كان لكلٍّ من البولنديين والأوكرانيين أحزابهم القومية المعارضة لليهود والمعادية لهم. وقد زادت حدة حركة المقاطعة مع نهاية القرن، ولكن البولنديين كانوا يتحالفون دائماً مع أعضاء الجماعة اليهودية ليحتفظوا بتفوقهم العددي الضئيل على الأوكرانيين. ومما زاد الأمور تعقيداً أن أعضاء الجماعة اليهودية تزايد عددهم، فعندما ضُمت جاليشيا إلى النمسا كان عدد اليهود 224.980 ألفاً (عام 1772) أي 9.6% من السكان، ثم زاد العدد إلى 768.845 ألفاً في عام 1890 أي إلى حوالي 11.7%. ورغم أن نسبة أعضاء الجماعة اليهودية إلى عدد السكان لم تزد كثيراً، فإن العدد الإجمالي زاد زيادة هائلة واستمر في الزيادة ليصل إلى 871.895 عام 1910. وقد تركَّز اليهود في المدن، ففي عام 1910 كان 38.8% منهم يقطنون المدن الكبرى و29.3% في المدن الصغيرة و 36.06% في المناطق القروية. ولم تكن عملية التحديث تتم برضا الجماهير بل رغماً عنها، إذ كانت تُفرض من أعلى. وانضم دعاة التنوير إلى الحكومة في محاولة فرض التحديث ومن أهمهم هرتز هومبرج (وهو من تلاميذ موسى مندلسون) الذي عُيِّن مفتشاً للنظام التعليمي الجديد الذي أنشأته الدولة. وقد حاول هومبرج أن يغلق المدارس اليهودية التقليدية والمدارس التلمودية العليا (يشيفا) دون أن ينجح في ذلك. ولم ينجح التحديث في المجال الوظيفي، لأن أكثر من نصف أعضاء الجماعة اليهودية (53.5%) كانوا يعملون في التجارة والخمور والنقل، ولم يكن يعمل منهم في الزراعة والغابات سوى10.7%. وبحلول عام 1822، لم يكن يوجد سوى 836 فلاحاً يهودياً في جاليشيا بأسرها، لكن هذا العدد زاد قليلاً بعد ذلك. غير أن الصورة العامة لم تتغيَّر كثيراً. وانعكس فشل عملية التحديث والدمج في انصراف أعضاء الجماعة اليهودية عن مدارس الحكومة العلمانية. فقد قوبلت محاولة استجلاب المدرسين اليهود الألمان بمعارضة شديدة. ورغم أن المدارس والجامعات كانت مستعدة لقبول التلاميذ والطلبة اليهود بين صفوفها، فإن عدد الذين التحقوا بالمدارس كان ضئيلاً إلى أقصى درجة. وانتشرت الحسيدية في جاليشيا مع منتصف القرن التاسع عشر. وكانت أغلبية يهود جاليشيا حسيدية، وهو ما أدَّى إلى تسلُّمهم قيادة العناصر الدينية، ومنها الأرثوذكس. وانضم الفريقان إلى الحرب ضد دعاة التنوير الذين لجأوا إلى الدولة لحمايتهم وللهجوم على العناصر اليهودية التي وقفت ضدهم. ولجأ الحسيديون إلى عقوبة الطرد من حظيرة الدين، ورفضوا تسجيل الزيجات اليهودية في سجلات الحكومة، ولم يلجأوا إلى المحاكم المدنية. وتملصت المعابد من دفع الضرائب المقررة عليها عن طريق إقامة العبادة سراً في منازل خاصة. وفي بعض الأحيان، كانت المعركة تأخذ شكلاً أكثر حدة. فعلى سبيل المثال، دس الحسيديون السم للحاخام الإصلاحي أبراهام آكون ولأعضاء أسرته في مدينة لفوف عام 1848، فقضوا نحبهم، وذلك لأنه أقام احتفالاً بالبرمتسفاه (بلوغ سن التكليف الديني) في المعبد (ومن المفارقات أن البارمتسفاه أصبح فيما بعد أهم المناسبات بين يهود الولايات المتحدة) . وقد كانت جاليشيا مصدراً أساسياً للبغايا اليهوديات في العالم، وربما يعود هذا إلى عدة أسباب من بينها قلقلة الأوضاع في جاليشيا وافتقارها إلى شخصية قومية محددة. كما أن جاليشيا تقف على الحدود بين شرق أوربا ووسطها، وهي محطة أخيرة لمعظم المهاجرين ومعبر لهم. كما كانت هي نفسها من أكبر مصادر المهاجرين اليهود. ولا شك في أن معدلات العلمنة السريعة والمفاجئة أدَّت إلى خلخلة الوضع الاجتماعي، وإلى ضعضعة الأسرة اليهودية. كما أن الضائقة الاقتصادية كانت تلعب دوراً مهماً هي الأخرى، لكن الانفجار السكاني زاد حدتها. وقد أدَّت كل هذه الأسباب مجتمعة إلى ضعف القيم وتيسير تجنيد الفتيات للعمل بالدعارة. ومن الطريف أن يهود النمسا كانوا يُطلقون على جاليشيا مصطلح «فاجينا جودايوروم vagina judaiourum» وهي عبارة لاتينية تعني «فرج اليهود» (ولا ندري هل كان هذا يُطلَق عليها باعتبار أنها كانت مكاناً يتوالد فيه اليهود بأعداد ضخمة، أم لأنها كانت مصدراً مهماً للبغايا، أم لكلا السببين معاً؟) . وقد أسست جماعة أحباء صهيون فرعاً لها في جاليشيا، وبدأت تظهر التشكيلات الصهيونية الأخرى حيث انتخب يهود جاليشيا عام 1907 تسعة نواب (منهم ثلاثة صهاينة) انضموا إلى المندوبين عن منطقة بكوفينا ليكوِّنوا هيئة برلمانية يهودية (لوبي يهودي) وهذه أول مرة يحدث فيها مثل هذا في تاريخ الجماعات اليهودية في أوربا. ومع هذا، ظل الاندماجيون بين اليهود يقومون بمحاولاتهم لدمج اليهود مع بقية أعضاء المجتمع. وقد ضُمت جاليشيا إلى بولندا مرة أخرى عام 1919. ولكن، في عام 1939، بعد تقسيم بولندا بين السوفييت والنازي، تم ضم غرب جاليشيا إلى ما كان يُسمَّى «الحكومة العامة البولندية» التابعة للنازي وضُم الجزء الشرقي منها لأوكرانيا السوفيتية، وهو ما كان يعني ضم نحو 550.000 يهودي للحكم السوفيتي. رومانيا Rumania جمهورية أوربية ذات أهمية خاصة في دراسة تاريخ الجماعات اليهودية في أوربا لا بسبب حجم الجماعة اليهودية الذي كان كبيراً بالقياس إلى حجم الجماعة في فرنسا وإنجلترا وصغيراً بالنسبة إلى حجم يهود روسيا وبولندا، وإنما بسبب تاريخ رومانيا ذاته ونتيجة انتقالها الفجائي من اقتصاد العصور الوسطى التقليدي الذي يتميَّز بعدم وجود سلطة مركزية إلى اقتصاد صناعي يتميَّز بظهور دولة مركزية. وهذه الفجائية توضح للدارس بشكل متبلور العملية التاريخية التي تحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية من خلالها من جماعة وظيفية وسيطة إلى طبقة وسطى. كانت رومانيا القديمة تتكون من إمارتين: مولدافيا وعاصمتها جاسي، وفالاشيا وعاصمتها بوخارست. ثم ضمت مقاطعات بكوفينا وبساربيا وترانسيلفانيا عام 1919 وتكوَّنت بذلك رومانيا العظمى. وكان الوضع السياسي في مولدافيا وفالاشيا غير مستقر بالمرة، فرومانيا، مثلها مثل بولندا، تقع وسط ثلاث إمبراطوريات عظمى متصارعة هي النمسا وروسيا (التي أخذت تلعب دوراً متزايداً في سياسة رومانيا ابتداءً من القرن التاسع عشر) والدولة العثمانية (وهي القوة العظمى التي سيطرت فعلياً على رومانيا من القرن الخامس عشر حتى عام 1829 واسمياً حتى عام 1879) . وأدَّت هذه العوامل إلى فقدان رومانيا استقلالها وإلى تبعيتها لإحدى هذه القوى مع كل ما ينجم عن التبعية من ضعف وتدهور وتخلف حضاري واقتصادي. وظلت إمارتا جاسي وفالاشيا، منذ تأسيسهما في القرن الرابع عشر حتى 1880، دون استقلال إلا في الأمور الإدارية الداخلية، بل إن تبعيتهما كانت ملحوظة في المجال الثقافي. فقد دخلت على ثقافتهما مؤثرات سلافية ثم يونانية ثم فرنسية، ولم تظهر الرومانية كلغة لها أهميتها إلا في القرن التاسع عشر، ولم يظهر أدب روماني حتى عام 1880. وقد حكم مولدافيا وفالاشيا حكام تابعون للدولة العثمانية، كانوا في بداية الأمر جماعة وظيفية من اليونانيين المقيمين في إستنبول ثم تم اختيار الحكام، فيما بعد، من بين طبقة النبلاء المحليين (بويار) . وحتى منتصف القرن التاسع عشر، كان الفلاحون مجرد أقنان ملتصقين بالأرض، ولم يتم تحريرهم إلا عام 1864. وكان الاقتصاد زراعياً، من الناحية الأساسية، بل ورعوياً في بعض الأماكن. ولم تكن توجد أية مراكز للحضارة إلا في بعض الأديرة كما كان الحال في أوربا في العصور الوسطى. وكان كثير من أعضاء النخبة من البويار أميين يجهلون القراءة والكتابة، ولم تكن هناك بطبيعة الحال طبقة وسطى. وقد ظل الوضع مستقراً هادئاً إلى أن وقعت الحرب الروسية العثمانية (1828 ـ 1829) التي تغيَّر بعدها الوضع في رومانيا تماماً. فقد وُقعت معاهدة أدرنة بين روسيا وتركيا عام 1829، وتحوَّلت المقاطعتان (مولدافيا وفالاشيا) بمقتضاها إلى محميتين روسيتين من الناحية الفعلية، وتم فك احتكار الدولة العثمانية للتجارة، وفُتحت حدود مولدافيا الشمالية للتجارة فزادت التجارة الدولية من نقطة الصفر تقريباً لتصبح نحو 60 مليون لي (العملة الرومانية التي كانت تعادل فرنكاً ذهبياً) عام 1839 ثم إلى 210 ملايين لي عام 1859. وكانت الطبقة المحلية من التجار والحرفيين صغيرة هزيلة للغاية، بدائية إلى أقصى حد وغير مهيأة لهذا التحول، إذ كانت تنقصها الخبرة الإدارية وفهم آليات السوق المحلية والدولية ورأس المال. ومن ثم لم يكن هناك مفر من ملء الفراغ بعنصر أجنبي يضطلع بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة. وهذا ما قام به اليونانيون والأرمن وبعض عناصر من يهود اليديشية الذين أخذ يتزايد عددهم بنسبة كبيرة. ومن العوامل الأخرى التي ساهمت في زيادة عدد اليهود في رومانيا أضعافاً مضاعفة، تقسيم بولندا والأحوال المتردية فيها. وقد أدَّى ذلك الوضع إلى تسلُّل الآلاف من يهود اليديشية منها، وخصوصاً أن حدود رومانيا كانت مفتوحة تماماً. وقد بلغ عدد أعضاء الجماعات اليهودية في رومانيا عام 1803 نحو 12 ألفاً، زاد إلى 18 ألفاً عام 1838، وإلى 119 ألفاً عام 1858، ثم إلى 266.652عام 1880 (أي 4.48% من السكان) . وكان مرجع هذا تدفُّق الفائض البشري اليهودي. كما أن 200 ألف يهودي كانوا يعيشون في مولدافيا التي كان اليهود يشكلون فيها ما بين 33% و44% من سكان المدن. وفي بعض المدن، كان عدد اليهود يصل إلى 55% بل إلى 60%. وكان الرومانيون يسمون هذه الهجرة «الغزو اليهودي» . وهذه الهجرة التسللية هي التي أدَّت إلى ظهور ما يُسمَّى «المتشردون اليهود» أو «المتسولون» ، وهم جماعات من اليهود كانت تهيم على وجهها من مدينة إلى أخرى (دون وظيفة محددة) تبحث عن أية وسيلة للبقاء. ويُلاحَظ أن يهود رومانيا لم يكونوا عنصراً واحداً متجانساً، فرومانيا القديمة، كما أسلفنا، كانت في الأصل إمارتين أو مقاطعتين مستقلتين هما: مولدافيا في الشمال وفالاشيا في الجنوب. وكانت مولدافيا تضم يهوداً من أصل بولندي أوكراني. أما فالاشيا، فكانت تضم يهوداً نزحوا إليها من شبه جزيرة البلقان، كما كانت توجد فيها أقلية سفاردية. ثم ضمت رومانيا بعض المناطق منها بكوفينا (عام 1919) والتي كانت إقليماً نمساوياً منذ عام 1774 وكانت قبل ذلك خاضعة لتركيا (كجزء من مولدافيا) ، وكان العنصر اليهودي فيها نصفه نمساوي ونصفه بولندي. ثم ضمت رومانيا بعد ذلك بساربيا التي كانت روسيا قد اقتطعتها من موالدافيا عام 1812، وكان العنصر اليهودي فيها روسياً. أما المقاطعة الثالثة، ترانسيلفانيا، فكانت تحت حكم المجر منذ القرن الثاني عشر، واستوطنها يهود من جاليشيا ذوو توجه ألماني وكذلك عنصر سفاردي. وكانت هذه الجماعات ذات الأصول الإثنية المختلفة تنقسم، من وجهة نظر الرومانيين، إلى ثلاثة أقسام: 1 ـ العنصر المحلي: ويتمثل في اليهود الذين كانوا يقطنون مولدافيا وفالاشيا منذ أمد طويل، واعتُبر هؤلاء جزءاً عضوياً من الأمة الرومانية. 2 ـ الهرسوفلتسي Hrisovelitzi: وهؤلاء هم اليهود الذين استوردهم النبلاء الإقطاعيون (بويار) ومنحوهم مواثيق (بالرومانية: هرسوف Hrisov) يُمنح اليهود بمقتضاها مزايا معيَّنة من بينها الإعفاء من الضرائب عدة سنين، وأرض فضاء مجانية لإقامة معابدهم ومدارسهم وحماماتهم الشعائرية ومقابرهم. وقد صدرت معظم المواثيق في الفترة 1780 ـ 1850. وعلاقة يهود الهرسوفلتسي بالبويار تشبه إلى حدٍّ كبير علاقة يهود الأرندا بطبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) . وقد أسس النبلاء ليهود الهرسوفلتسي مدناً صغيرة (شتتلات) خاصة بهم تقريباً مثل مدينة فالتسيني (1798) وجزء من مدينة فوكساني. وقد تم تأسيس ست وثلاثين مدينة من هذا النوع في مولدافيا. كما استمرت هجرة اليهود الهرسوفلتسي حتى عام 1860. 3 ـ ولكن أعداداً أخرى من اليهود هاجرت، بعد توقيع معاهدة أدرنة، إلى إمارتي مولدافيا وفالاشيا اللتين كانتا في حاجة إلى حرفيين وصناعات ورأس مال. وقد اجتذب هذا الوضع عناصر تجارية يهودية ومسيحية من البلاد المجاورة، ولكن لم تَصدُر لهم مواثيق خاصة. وكان يهود الهرسوفلتسي، وكذلك يهود المجموعة الثالثة، يرتدون الأزياء البولندية المتمثلة في القفطان والقبعة المزينة بالفرو وخُصل الشعر (إستريميل) . وقد أثروا في بقية الجماعة اليهودية، حتى أنه، مع بداية القرن التاسع عشر، كانت الجماعة اليهودية بأسرها ترتدي الزي الواحد نفسه وتتحدث اليديشية وتتبع أسلوباً واحداً للحياة، أي أنهم أصبحوا تقريباً من يهود اليديشية. وظهرت الجماعات اليهودية كما لو كانت وحدة متماسكة ليست ذات أصول مختلفة، مع أنها لم تكن كذلك في واقع الأمر، وانعكست الانتماءات الإثنية المتنوعة على علاقتهم بعضهم بالبعض الآخر. وقد تم تنظيم اليهود كجماعة يرأسها «استاروستي» (وسمي بالعبرية «روش مدينا» أي «رئيس البلد» ) وظيفته أن يحدد الضريبة التي تُفرض على اليهود. وكان الرئيس الروحي لليهود هو الحاخام باشي (وهو لقب عثماني كان يُمنح للحاخام الأكبر في الدولة العثمانية) . وقد عين السلطان أول حاخام باشي عام 1719، ولكن اليهود الروس والنمساويين كانوا من الحسيديين ويتبع كل فريق منهم التساديك الخاص به، ولذا رفضوا سلطة الحاخام باشي الروحية وطلبوا من قناصل بلادهم التدخل لصالحهم. وبالفعل، قَّلصت الحكومة عام 1819 سلطة الحاخام باشي، ثم أُلغي المنصب تماماً عام 1834. ولكن إلغاء المنصب ساهم في تصعيد حدة الصراع بين الجماعات اليهودية المختلفة. إن هذا العنصر الغريب إثنياً (والذي أصبحت غربته قانونية كما سنبين فيما بعد) كان يلعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة، كما كان الحال في معظم دول أوربا حتى القرن الثامن عشر وفي شرق أوربا حتى القرن التاسع عشر. ولكن الوضع في رومانيا كان متميِّزاً، إذ كان أكثر حدةً ووضوحاً عنه في أي بلد آخر، وذلك بسبب تخلُّف المجتمع واتساع الهوة بين النبلاء والأقنان وافتقار رومانيا إلى طبقة وسطى. وقد ترك هذا الوضع أثره العميق في أعضاء الجماعة اليهودية، وفي أسلوب حياتهم ومناطق سكناهم وبنائهم الوظيفي والمهني. كان معظم يهود رومانيا يتركزون في المدن. وحسب إحصاء عام 1899، كان 79.73% منهم يعيشون في المدن ويكوِّنون 32.10% من سكان المدن في رومانيا، ولم يكن يقطن سوى 20% منهم في القرى، وكانت نسبتهم لا تزيد على 1.1% من عدد سكانها. وفي مولدافيا، كان اليهود يكوِّنون أغلبية السكان في بعض المدن فبلغ عددهم 57% من عدد سكان فاليتسيني، و50% من سكان جاسي. وكانت نسبتهم أكثر من ذلك في المدن الصغيرة، فكانوا 66.2% في جرتسا و65.6% في ميهايليني، وهذا يعني أنهم كانوا في عزلة عن السواد الأعظم من الشعب الروماني. كما كان 84% من السكان الفلاحين يعيشون في الريف. وكان اليهود هم الجماعة الوظيفية الوسيطة التي تشغل الفراغ الذي خلفه غياب الطبقة الوسطى المحلية، فتدل إحصاءات عام 1904 على أن 21% من مجموع التجار كانوا يهوداً. وفي مدن مثل جاسي، كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون 75% من جملة التجار و20% من مجموع الحرفيين. وتركَّز اليهود في بعض الحرف، فكانوا يشكلون 81.3% من مجموع النقاشين أو الحفارين على الخشب والمعادن و76% من السباكين و75.9% من صانعي الساعات و74.6% من مجلدي الكتب و64% من صناع القبعات و64% من المنجدين. وكان لأعضاء الجماعات اليهودية وجود ملحوظ في القطاع الصناعي الهزيل، فقد كان عدد الشركات الصناعية يزيد قليلاً على 625 وكان اليهود يمتلكون 19.5% منها. وقد تركزوا في بعض الصناعات دون غيرها، فقد كانوا يمتلكون نحو 52.8% من صناعة الخشب والأثاث و32.4% من صناعة الملابس و26.5% من صناعة النسيج. وكان التوزيع الوظيفي لأعضاء الجماعات اليهودية على النحو التالي: 42.5% في الصناعة والحرف، و37.9% في التجارة والبنوك، و2.5% في الزراعة، و3.2% في المهن الحرة، و13.7% في الوظائف الأخرى. وكان 38% من جملة الأطباء في رومانيا يهوداً. ورغم غياب أعضاء الجماعات اليهودية عن الريف، فقد لعبوا دوراً ملحوظاً في اقتصادياته حيث احتكروا صناعة تقطير الكحول والاتجار فيه، وكانوا أصحاب حانات وفنادق، كما كانوا يشترون من الفلاح محاصيله وقطعان الحيوانات التي يربيها ويزودونه بالبذور والسلع المصنوعة التي يريدها، وكانوا يقرضونه ما يحتاج إليه من نقود. وقد أصبح الفلاحون تابعين للتجار اليهود من المهد إلى اللحد، ويُقال إن نصف الأراضى الزراعية في مولدافيا وقعت في أيدي اليهود من خلال استئجارها ومن خلال القروض التي لم يستطع أصحابها الوفاء بها. وقد كان اليهود كما أسلفنا عنصراً غريباً يعيش في الشتتلات لأن مفهوم المواطنة نفسه لم يكن قد استقر بعد. وكان التركيب الاجتماعي ليهود رومانيا لا يختلف عن نظيره في بقية شرق أوربا، فقد كان على قمة الهرم الاجتماعي طبقة صغيرة من التجار الأثرياء وعدد قليل من المهنيين، ثم كان هناك عدد كبير من أصحاب الفنادق وصغار التجار والحرفيين يتركزون في حرف معينة مرتبطة في الغالب بالنشاطات المالية اليهودية الأخرى. وفي قاعدة الهرم، كان يوجد عدد ضخم من الفقراء الذين لا عمل لهم. ورغم وجود هذا العدد من محدودي الدخل والفقراء بين اليهود، فإن الشريحة الثرية المهيمنة هي التي كانت تحدد إدراك المجتمع للجماعة. هذه هي الصورة العامة لأعضاء الجماعات اليهودية. وقد اجتاحت التغيرات رومانيا مثلما اجتاحت معظم بلاد أوربا، وإن كانت التغيرات قد وصلت رومانيا في وقت متأخر نوعاً ما نظراً لوقوعها تحت الهيمنة العثمانية. وأدَّت التغيرات إلى قلقلة وضع اليهود وظهور المسألة اليهودية التي اكتسبت طابعاً خاصاً وحاداً في رومانيا بسبب طبيعة التشكيل الحضاري والسياسي فيها وبسبب وضع اليهود كجماعة وظيفية وسيطة تشبه في عزلتها الجماعات الوظيفية الوسيطة في مجتمعات العصور الوسطى في الغرب. كان أعضاء الجماعة كما أسلفنا عنصراً إثنياً غريباً يلعب دوراً وظيفياً متميِّزاً. كما أن الحكومة قسَّمت اليهود إلى قسمين من ناحية المولد والولاء السياسي. وقد كانت الحكومة، منذ نهاية القرن الثامن عشر، تستخدم مصطلح «بامانتيني» ، أي «المحليين» للإشارة إلى اليهود الذين لم يكونوا متمتعين بالحماية الأجنبية. أما اليهود الوافدون، فكان يُشار إليهم بأنهم «سوديتسي» ، أي الرعايا الأجانب. وهؤلاء كانوا تحت حماية قناصل الدول التي أصدرت لهم جوازات سفر، وبالتالي كانوا يتمتعون بنظام الامتيازات الأجنبية باعتبار أن إمارتي مولدافيا وفالاشيا كانتا تابعتين للدولة العثمانية. غير أنه حدث تحوُّل ليهود رومانيا يشبه التحول الذي حدث لمعظم يهود الدولة العثمانية، أي أن كثيراً من اليهود البامانتيني، وخصوصاً الأثرياء منهم، أُعيد تصنيفهم على أساس أنهم من السوديتسي حتى يتمتعوا بحماية الدول العظمى مثل النمسا وروسيا، وبالتالي أصبحت أغلبية يهود رومانيا أجانب شكلاً في زيهم ولغتهم وأجانب موضوعاً في وضعهم القانوني. وهذا يشبه من بعض الوجوه ما حدث ليهود مصر الذين أصبح 85% منهم من رعايا دول أجنبية، وتخلَّوا عن وضعهم القانوني كمصريين، وارتفعت بينهم معدلات العلمنة ومعدلات تقبُّل المُثُل الحضارية الغربية، فأرسلوا أولادهم إلى مدارس أجنبية (فرنسية بالأساس) ، وشغلوا مناصب مهمة في القطاع الاقتصادي المرتبط برأس المال الأجنبي حتى أصبح أغلبهم أجانب قلباً وقالباً (شكلاً وموضوعاً) عند نشوب الثورة المصرية عام 1952، وذلك رغم أنهم وُلدوا في مصر ونشأوا فيها. وكثيراً ما كان يلجأ يهود رومانيا إلى قناصل دولهم لتنفيذ رغباتهم على نحو ما حدث عام 1819 عندما رفض اليهود الإشكناز الخضوع للحاخام باشي وآثروا اتباع قادتهم الحسيديين (تساديك) وطلبوا المساعدة من قناصل دولهم. ولعب بنيامين فرانكلين بيكسوتو (قنصل أمريكا) دوراً مهماً في تاريخ أعضاء الجماعة اليهودية في رومانيا، فقد قام بحملة عام 1872 لتهجير يهود رومانيا إلى الولايات المتحدة، وقد أعلن النظام الروماني تأييده لهذه الدعوة، ولكن يهود رومانيا عارضوا ذلك، وكذلك يهود الولايات المتحدة، وذلك خشية وصول أعداد جديدة من اليهود. ولذا، حينما عقد بيكسوتو مؤتمراً للمنظمات اليهودية في العالم (أكتوبر عام 1872) لتشجيع الهجرة، وقد رفض المؤتمر الفكرة، ولكنه شجَّع يهود رومانيا على الكفاح من أجل الحصول على حقوقهم. ويمكننا أن نقول إن أعضاء الجماعة اليهودية ظلوا خارج التشكيل الروماني القومي. وحينما نشأت حركة رومانية قومية، لم ينخرط أعضاء الجماعة في صفوفها وظلوا إلى حدٍّ كبير أجانب عنها. وحتى عام 1828، كانت القوانين السائدة في رومانيا خليطاً من القوانين العثمانية التي تقبل التنوع والأعراف الأوربية. وكان مسموحاً لليهود بأن يعيشوا في أي مكان يشاءون. ثم بدأ البعث القومي الروماني الذي تزامن إلى حدٍّ كبير مع هجرة يهود بولندا، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة صبغ يهود رومانيا بالصبغة الأجنبية. وحينما هيمنت الإمبراطورية الروسية على إمارتي مولدافيا وفالاشيا، وُضع ما ُسِّمي «القانون العضوي» ، وهو لا يختلف كثيراً عن القوانين التي كانت تَصدُر في روسيا وغيرها من دول الملكيات المطلقة، ابتداءً من القرن الثامن عشر، بهدف إصلاح اليهود كجزء من عملية التحديث. وقد أكد القانون نظام الأقنان حيث قرر البند 94 منه أنه يمكن طرد المتشردين اليهود الذين لا يشتغلون بمهنة نافعة. ومنع القانون أعضاء الجماعات اليهودية من استئجار الأراضي الزراعية، ولكنه ترك لهم حرية إدارة مصانع تقطير الخمور بإذن من النبيل الإقطاعي، كما فُتحت المدارس لأبنائهم شريطة ألا يرتدوا الرداء اليهودي البولندي (القفطان) . وبعد فترة من الثورات والقلاقل في رومانيا تدخلت أثناءها القوات العثمانية والروسية لقمعها، وبعد أن هُزمت روسيا في حرب القرم، قرَّر مؤتمر باريس عام 1858 وضع رومانيا تحت الحماية الجماعية لأوربا مع بقائها اسماً تابعة للدولة العثمانية. وفي عام 1859، انتخبت الإمارتان أميراً واحداً وظهرت رومانيا كوحدة سياسية لأول مرة وبدأت محاولات توحيدها، وظهرت حركة قومية وإرهاصات طبقة وسطى رومانية نظرت إلى اليهود باعتبارهم الغريم. وفي عام 1867، أصدرت الحكومة الرومانية قراراً بطرد اليهود المتشردين، وتم ترحيل أعداد كبيرة منهم عبر نهر الدانوب. ووقعت أثناء ذلك حادثة جالاتز حينما قرر حراس الحدود العثمانيون منع اليهود المتشردين الذين طردهم الرومانيون من عبور الحدود وأعادوهم إلى الأراضي الرومانية. وقد رفض حراس الحدود الرومانيون السماح لهم بالدخول وأعادوا القارب وغرق أثناء ذلك يهوديان. وقد نصت معاهدة برلين، عام 1878، على ضرورة مساواة يهود رومانيا ببقية المواطنين. ولكن الحكومة الرومانية راوغت في تطبيق هذا المبدأ واتخذت إجراءات تهدف إلى تشجيع العنصر الروماني على الاشتغال بالتجارة. وصدرت عدة قوانين ذات طابع قومي، فإذا أراد أي يهودي أجنبي (من السوديتسي) أن يبني مصنعاً فيتعيَّن أن يكون ثُلثا مستخدميه من الرومانيين لعدة أعوام. ونصت القوانين على أن تكون معظم أسهم الشركات في أيد رومانية. وطُبِّقت قوانين مماثلة في حقل التعليم لضمان استفادة العناصر القومية من النظام التعليمي ولتدبير الكوادر اللازمة للنهضة الاقتصادية القومية. ومُنع اليهود من الاتجار في الدخان والمشروبات الروحية ومن الاشتغال كمديري بنوك. وقد عُقد أول مؤتمر عالمي لمعاداة اليهود عام 1887 في بوخارست. ونشبت ثورة الفلاحين عام 1907 ضد النبلاء الرومانيين وراح ضحيتها عملاؤهم من اليهود، تماماً كما كان الحال مع شميلنكي. وهكذا، فبينما كان اليهود يزدادون غربة وعزلة، كانت الحركة القومية الرومانية تزداد قوة ووعياً. ولذا، لم يكن من الممكن مناقشة مسألة يهود رومانيا في إطار إعتاق اليهود وإنما في إطار صهيوني، أي هجرتهم، وخصوصاً أنه بدأ يخرج من رومانيا وغيرها مئات من المتشردين يتحركون سيراً على الأقدام بملابسهم الممزقة نحو مدن أوربا الغربية حاملين الخوف والهلع والحرج ليهود ألمانيا ويهود غرب أوربا المندمجين. كان خط سيرهم من رومانيا إلى هامبورج ومنها إلى كندا والولايات المتحدة. وقد أسلفنا الإشارة إلى محاولات قنصل الولايات المتحدة تهجير يهود رومانيا. وقد عُقد مؤتمر فوكساني في 30 ديسمبر 1881 لمناقشة مشكلة هجرة اليهود واستيطانهم في فلسطين حضره المفكر الصهيوني غير اليهودي لورانس أوليفانت الذي كان قد تفاوض مع السلطات بشأن شراء أرض للاستيطان اليهودي وتأسيس شركة للهدف نفسه. وكان لظهوره فعل السحر، وانتشرت آراؤه المتصلة بتوطين اليهود في فلسطين بدلاً من الولايات المتحدة حيث كان اليهود يتهددهم الاندماج. وقام أعضاء جماعة البيلو بالاتصال به، وكتب له بعض أحباء صهيون يخبرونه بأن الخالق وحده هو الذي وضع في يده صولجان قيادة اليهود، وسموه «المخلِّص الماشيَّح» أو «قورش الثاني» . وكان عدد يهود رومانيا عام 1899 نحو 236.652، هاجر منها في الفترة 1900 ـ 1906 ما يقرب من 70 ألفاً. وشهد عام 1918 ـ 1919 صدور قوانين تمنح اليهود حقوقهم، ولكن المناخ العام ظل مع هذا معادياً لهم بسبب غربتهم وتَصاعُد الحمى القومية التي تمثلت في رغبة أهل رومانيا في المشاركة في الاقتصاد الوطني حيث كان أعضاء الجماعة اليهودية يشغلون قطاعات إستراتيجية وكبيرة فيه بقدر لا يتناسب البتة مع نسبتهم إلى العدد الكلي للسكان. وصدرت عام 1920 معاهدة الأقليات التي نصت على ضرورة اعتراف رومانيا بحق اليهود داخل حدودها في الحصول على المواطنة، وضمنهم مَنْ لا قومية لهم. ولكن دستور عام 1923 لم يمنح حق المواطنة إلا لليهود الذين كانوا مواطنين في المملكة القديمة. وفي عام 1938، صدر قانون حرم ثُلث اليهود من حق المواطنة. ومما جعل الوضع يتفاقم، الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم الغربي في الثلاثينيات، فلجأت الحكومة إلى منع أعضاء الجماعة اليهودية من العمل في الصحف وقطاع المسرح لإتاحة فرص العمل أمام الآخرين ولإتاحة الفرصة للتعبير عن الهوية الرومانية القومية. ومُنع اليهود كذلك من التحدث علناً باليديشية، كما قامت جماعات معادية لليهود (من بينها الحرس الحديدي) بترتيب هجمات ضد أعضاء الجماعة. ويُلاحَظ أن الجماعة اليهودية في رومانيا، في الثلاثينيات، كانت أكبر الكتل اليهودية في أوربا بعد روسيا وبولندا، حيث كان يبلغ عدد أعضائها حوالي 800 ألف من مجموع السكان البالغ عددهم 18 مليوناً، أي أنهم كانوا يشكلون 4.2%. وأثناء الحرب العالمية الثانية، كانت رومانيا متحالفة مع ألمانيا في البداية. وحينما طُبِّقت قوانين نورمبرج عام 1940، رُحِّل عدد من اليهود إلى معسكرات الاعتقال والإبادة. وبعد الحرب العالمية الثانية، اقتُطعت بساربيا وشمال بكوفينا من رومانيا حيث ضمتهما روسيا. أما بلغاريا، فضمت جنوب دوبردجا، وضمت المجر شمال ترانسيلفانيا. وأدَّى هذا إلى انكماش حجم رومانيا إلى 70 ألف ميل مربع يضم 475 ألف يهودي وحسب (وانخفض بعد ذلك إلى 428 ألفاً) . وشكَّل الحكم الشيوعي اللجنة الديموقراطية اليهودية (على غرار اليفيسكتسيا) . وسمح الشيوعيون بالهجرة اليهودية إلى إسرائيل، فتناقص عدد يهود رومانيا. وفي عام 1956، كان هناك 144.236 يهودياً في رومانيا، وصل إلى 100 ألف عام 1960، وبلغ عام 1992 نحو 16 ألفاً من مجموع السكان البالغ عددهم 23.377.000 نسمة. ولا يوجد في بوخارست سوى حاخامين. وقائد الجماعة هو الحاخام موسى روزين، وهو أيضاً القائد الإداري والديني الذي اتُهم بالتعاون الكامل مع تشاوشيسكو. والجماعة اليهودية الرومانية جماعة مسنة إذ أن حوالي نصف أعضائها تجاوزوا سن الستين. وينقسم الشباب الآن إلى قسمين: قسم تم استيعابه في المجتمع الروماني (أو ربما في الحضارة العلمانية) ويحاول الهجرة إلى أي بلد في العالم، وفريق آخر يحافظ على هويته اليهودية، وهؤلاء مهتمون بالهجرة إلى الدولة الصهيونية. وبهجرة أعضاء هذا الفريق ستختفي أية قيادة قومية للجماعة. ورغبة الفريقين في الهجرة تمثل تعبيراً عن تركيبة المجتمع الروماني التي لا تزال رافضة لليهود بوصفهم عنصراً أجنبياً، هذا على الرغم من سياسة الحكومة التي كانت لا تميِّز ضد أعضاء الجماعة اليهودية بل كانت تأخذ حينذاك موقفاً مؤيداً لإسرائيل ومختلفاً عن موقف الدول الاشتراكية الأخرى. وكانت هناك علاقات طيبة للغاية بين إسرائيل وتشاوشيسكو الذي سمح بهجرة أعضاء الجماعات اليهودية إلى إسرائيل. وقد استقر 200 ألف يهودي روماني في إسرائيل خلال الفترة 1948 ـ 1960، وهاجر 80 ألفاً إلى بلاد أخرى. واستمرت الهجرة بعد ذلك بمعدل بطيء (حوالي ألف كل عام) . ويبلغ عدد اليهود من أصل روماني في المُستوطَن الصهيوني من 320 إلى 330 ألفاً، فهم ثاني أكبر مجموعة بعد المغاربة. والمنظمة المركزية ليهود رومانيا هي «اتحاد الجماعات اليهودية في جمهورية رومانيا الاشتراكية» ويرأسها كبير الحاخامات، وهي أول منظمة في دولة شيوعية سُمح لها بالانضمام للمؤتمر اليهودي العالمي. وتقدِّم اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع 80% من تمويل المشاريع الخيرية والخدمة الاجتماعية. المجر Hungary توجد آثار تدل على أن وجود أعضاء الجماعة اليهودية في المجر يعود إلى أيام الدولة الرومانية قبل أن تغزو قبائل الماجيار المنطقة عام 895. ويبدو أن قبائل الماجيار كانت تربطها علاقة مع إمبراطورية الخزر، بل يُقال إنها كانت تحت رعايتها وحمايتها، وإن بعض يهود الخزر اشتركوا مع قبائل الماجيار تحت قيادة أسرة أرباد في فتح المنطقة والاستيطان فيها عام 890 إلى أن أوقفهم الإمبراطور أتو الأول عام 955. وقد اتصل حسداي بن شبروط بيهود المجر حتى يصلوه بيوسف ملك الخزر. وهناك إشارات متعددة إلى وجود اليهود في المجر مثل إشارة الكاتب البيزنطي جون سينا موسى إلى «جنود التشاليزيان» أي «المرتزقة» . ويبدو أن كلمة «التشاليزيان» ترجمة للكلمة العبرية «حالوتس» ، وهي بمعنى «الرائد» . ولذا، يُرجح المؤرخون أن التشاليزيان جنود يهود يشكلون جماعة وظيفية قتالية. ومن الأرجح أنه كانت توجد أعداد كبيرة من اليهود بالمجر في ذلك الوقت، إذ يبدو أنه مع تأسيس مملكة المجر اجتذبت هذه المملكة أعداداً كبيرة من اليهود ربما كانوا يعملون بالزراعة والتجارة، ويتمتعون بعلاقة وئام كاملة مع أعضاء المجتمع المضيف. ولكن، مع تَزايُد وفود المستوطنين اليهود من الخارج، وكانوا عادة من التجار، بدأت الجماعة في التحول إلى جماعة وظيفية وسيطة تجارية، وظهرت تشريعات لتنظيم هذا الوضع. ففي عصر الملك كلمان (1906 ـ 1116) ، نجده قد تعهَّد بحمايتهم من هجمات الفرنجة (الصليبيين) وقبل شهادتهم في المحاكم، كما حدد مكان سكنهم ومنعهم من استخدام عبيد، وهو ما كان يعني استبعادهم من مهنة الزراعة. وفي الفترة التالية حين قام صراع بين الكنيسة ومؤسسة الملكية أو بين الملك والنبلاء، كانت أعضاء الجماعة اليهودية حلبة الصراع. فحين كانت الكنيسة تهدف إلى تشديد قبضتها، وهو ما كان يعني استبعاد اليهود، كان الملوك يريدون المحافظة على استقلالهم وكان اليهود أداتهم في ذلك. فكانت الكنيسة تصدر التوجيهات والتحريمات التي كان يتجاهلها الملوك. واستمر أعضاء الجماعة اليهودية في التمتع بما تمنحهم المواثيق الملكية من مزايا، حتى أن بعض اليهود أصبحوا من كبار ملاك الأراضي وحملوا لقب «كونت» . ويمكن أن نقول إن أعضاء الجماعة اليهودية، باعتبارهم جزءاً من الطبقة الحاكمة ومؤسسة الملكية، تمتعوا بوضع ممتاز تحت حكم أسرة أرباد الذي انتهى بانتهاء حكم أندرو الثالث (1290 ـ 1301) آخر ملوك الأرباد. وقد أصدر الملك أندرو الثاني (1205 ـ 1235) الفرمان الذهبي عام 1222 بضغط من النبلاء، وكان هذا الفرمان بمنزلة دستور يدعم حقوق النبلاء مقابل الملك. وتضمَّن الدستور مادة تنص على أن اليهود والمسلمين (من التتار) لا يمكنهم أن يشغلوا وظائف جمع الضرائب والاتجار في الملح، وكانت هذه من أكبر مصادر الدخل للدولة. ويبدو أن المسلمين التتار كانوا يشكلون أيضاً جماعة وظيفية وسيطة. ومع هذا، نجد أن النبيل اليهودي الكونت تيكا كان وصياً أو حارساً على ريع الخزائن الملكية. وقد استمر كثير من اليهود في شغل وظائفهم الحكومية المالية، وهو ما اضطر البابا إلى طرد الملك أندرو الثاني من حظيرة الكنيسة، فاضطر الكونت تيكا إلى الهجرة. ولكن الملك بيلا الرابع (1235 ـ 1270) قدَّم رجاءً إلى روما بأن تسمح للكونت بالعودة بعد تدهور حالة المملكة الاقتصادية. وقد وافقت روما على طلبه شريطة أن يعيَّن معه موظف مسيحي فيقوم بالتصرف في المال العام تحت إشراف الموظف المسيحي. وبالفعل، عاد الكونت تيكا مرة أخرى وقام بتدبير المبالغ اللازمة لتجهيز الدفاع ضد هجمات التتار. وقد انتشرت شائعات بأن اليهود تعاونوا مع إخوانهم التتار، فكلتا الجماعتين من أصل تركي (باعتبار أن يهود المجر كانوا من أصل خزري) . وبالفعل، اختفى الكونت تيكا أثناء الغزو التتري، ويُقال إنه فرّ معهم عند انسحابهم. وعندما بدأ الملك بيلا الخامس إعادة بناء مملكته، دعا عناصر يهودية تجارية إلى الاستيطان للمساهمة في هذه العملية، وعيَّن يهودياً يُدعى هيتوك أميناً للخزانة الملكية تقاضى مقابل القيام بوظيفته قلعة كوماروم وإحدى وعشرين قرية تابعة لها. وقد عهد بيلا الخامس إلى اليهود بدار سك النقود (وهناك عملات تعود إلى هذه الفترة تحمل حروفاً عبرية) . ولتقنين وضع أعضاء الجماعة اليهودية، قام بيلا بإصدار ميثاق جعلهم أقناناً للخزانة الملكية بكل ما تحمل العبارة من مزايا وحقوق وواجبات (وقد جدد هذا الميثاق كل ملوك المجر حتى عام 1526) . ويُلاحَظ أن يهود المجر كانوا يتحدثون اللغة المجرية وكانت ثقافتهم مجرية. وقد استمر وضع أعضاء الجماعة اليهودية، كجماعة وظيفية وسيطة، تحت حكم الأسر الأجنبية المختلفة التي حكمت المجر (1301 ـ 1526) . وتظهر أهميتهم في أن لاجوس الأكبر (1342 ـ 1382) أوجد وظيفة جديدة تُسمَّى «قاضي كل اليهود الذين يعيشون في البلد» يضطلع صاحبها بوظيفة تحديد الضرائب على اليهود وجمعها منهم وحماية امتيازاتهم وسماع شكواهم، أي أنه رئيس الجماعة الوظيفية الوسيطة والضامن لكفاءة أدائها كأداة إنتاج في يد الملك. ويُلاحَظ أنه، منذ منتصف القرن الخامس، بدأت المدن المجرية في غرب المملكة (وقد كانت مراكز تجارية) تشكو من منافسة التجار اليهود الغرباء الذين كانوا يتحدثون الألمانية. ولتهدئة الموقف، أعلن الملك أن من حقه إلغاء الديون المستحقة للمرابين اليهود التي استدانها النبلاء أو الأبرشيات أو المدن. وشهدت هذه الفترة بداية توجيه تهمة الدم لليهود، وإلغاء الديون المستحقة لهم، ومنع رهن العقارات المسيحية لدى أعضاء الجماعة. واستمر الوضع في القرن السادس عشر واحتدم الصراع بين الملك أولاسلو الثاني (1490 ـ 1515) من جهة ومدينة سوبورون من جهة أخرى، إذ حاول الملك أن يمنع المدينة من جمع ضرائب اليهود. ولكنه، مع هذا، اضطر عام 1503 إلى إلغاء سائر الديون اليهودية في المملكة تحت الضغط الشعبي عليه (وهي عملية يمكن أن نطلق عليها «عملية تأميم» ) . وقد طلب جيكوب مندل رئيس اليهود إلى الإمبراطور الألماني ماكسيمليان أن يضع اليهود تحت حمايته، وذلك بعد أن ضُمَّت المجر إلى الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة. وفي عام 1524، قام لاجوس الثاني (1516 ـ 1526) بتعيين يهودي مديراً لدار سك النقود، كما عين اليهودي المتنصر إمري فورتوناتوس وزيراً لمالية المملكة. وأدَّى هذا إلى تَزايُد كراهية الجماهير لأعضاء الجماعة اليهودية إذ فرض فورتوناتوس ضرائب مزدوجة زادت معدل التضخم. وقد فُرض في تلك الفترة القَسَم اليهودي الذي ظل مستمراً حتى منتصف القرن التاسع عشر. وحينما ضمت الدولة العثمانية أجزاء من المجر عام 1526، هجَّر السلطان سليمان ألفي يهودي إلى تركيا. ويبدو أن العثمانيين كانوا مدركين أهمية أعضاء الجماعة كعنصر استيطاني. وأدَّى الغزو العثماني للمجر إلى تقسيمها بحيث أصبح شرق المجر تابعاً للدولة العثمانية. أما غرب المجر، فقد حكمه ملوك أسرة هابسبورج، وحكم ترانسيلفانيا النبلاء المجريون. وكان ملوك الهابسبورج متحيزين، بطبيعة الحال، إلى سكان المدن الملكية (مثل مدينة سوبورون التي أسلفنا الإشارة إليها) الذين كانوا من أصل ألماني، فسمحوا لهذه المدن بطرد اليهود ولم يجددوا مواثيق الملك بيلا الرابع. أما في المنطقة التي وقعت تحت حكم النبلاء المجريين، فقد تمتع أعضاء الجماعة اليهودية بحماية النبلاء. ولكن الازدهار الحقيقي كان من نصيب هؤلاء اليهود الذين وقعوا تحت حكم العثمانيين، فقد فُرضت عليهم ضرائب باهظة ولكنهم تمتعوا بحرية الحركة والاتجار داخل الدولة العثمانية. ومن ثم تهوَّد كثير من المسيحيين الذين تحوَّلوا إلى أقنان تحت حكم العثمانيين ليتمتعوا بالمزايا التي يتمتع بها أعضاء الجماعة اليهودية. كما أن مدينة بودا (العاصمة) أصبحت مركزاً لليهود الذين هاجروا إليها من مناطق المجر التي لم يحتلها العثمانيون. وقد وُضع أعضاء الجماعة اليهودية تحت حماية الباشا العثماني بل تحت حماية السلطان نفسه. وحينما قام الملك رودولف (1576 ـ 1612) بمحاولة استعادة بودا من العثمانيين، حارب أعضاء الجماعة اليهودية إلى جانبهم، وهو ما زاد درجة السخط عليهم في مناطق المجر الأخرى حيث طالبت المدن بطرد اليهود. وفي عام 1647، منع فرديناند الثالث اليهود من شغل وظيفة ملتزمي ضرائب. وحينما تم فتح بودا عام 1686، أنزل العقاب بالجماعة اليهودية لموقفها الممالئ للعثمانيين. وكان مخطَّط الملك ليبوت الأول (1657 ـ 1705) هو تأسيس دولة كاثوليكية خالصة، فكان على المسلمين واليهود والبروتستانت أن يعتنقوا الكاثوليكية إن أرادوا البقاء فيها. وطُرد أعضاء الجماعة اليهودية من المدن الملكية وُمنعوا من ملكية الأرض، فاضطروا إلى العمل في تجارة القطاعي وأعمال الربا، كما فُرضت عليهم ضرائب باهظة. ولكن النبلاء المجريين قاموا بحماية اليهود، فسمحوا لهم بالإقامة في المدن التابعة لهم. ونمت بعض المدن نتيجة توطين اليهود فيها، مثل مدينة كيسمارتون (أيزنشتدات) . وقد وضعت هذه المدينة الجماعات اليهودية المحيطة بها تحت حماية أسرة إستيرهازي الأرستقراطية التي منحتهم المواثيق والمزايا نظير الضرائب التي يؤدونها، بل قام بعض أسر النبلاء بتوطين بعض أعضاء الجماعة اليهودية كأقنان وفلاحين. وكانت أغلبية اليهود من صغار التجار، فاشتغلوا بصناعة تقطير الكحول وجمع الضرائب وأعمال الرهونات وبيع الملابس. وكان معظم ممولي البلاط من اليهود. وتزايد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في المجر خلال القرن الثامن عشر نتيجة هجرة اليهود من بولندا ومورافيا، فوصل عددهم إلى 11.621 عام 1735، ولم يكن بينهم سوى أقلية مجرية. أما الباقون، فكانوا من العناصر المهاجرة. ومع هذا، فحين تم تصنيف اليهود بحسب القومية، أعلن أغلبيتهم أنهم ينتمون إلى الأمة المجرية. وحينما اندلعت الحرب التركية النمساوية (1682 ـ 1699) ، نجحت أسرة الهابسبورج النمساوية في طرد العثمانيين من المجر واعترف النبلاء المجريون عام 1687 بأحقية الهابسبورج بعرش المجر، ومن ثم بدأ حكم الإمبراطورية النمساوية المجرية. وقد خضع يهود المجر لمحاولات الملكية النمساوية المطلقة التي استهدفت تحديث اليهود وتحويلهم إلى عناصر نافعة، حيث تأثروا بشكل عميق بمحاولات إمبراطور النمسا جوزيف الثاني (1780 ـ 1790) في هذا المضمار والذي أصدر براءة التسامح عام 1782. وقد تم إعتاق اليهود سياسياً ابتداءً من هذا التاريخ بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل بين منطقة وأخرى. وقد بلغ عدد يهود المجر عام 1840 نحو 200 ألف يشكلون 2.34% من مجموع السكان. ولعب أعضاء الجماعة دوراً مهماً في نمو الرأسمالية المجرية والصناعة المجرية. ويبدو أنه لم تكن هناك بورجوازية مجرية قوية. ولم يحدث الصدام بين الجماعة الوظيفية اليهودية والبورجوازية المحلية إذ اكتفت البورجوازية اليهودية بإدارة معظم البنوك والتجارة. كما لم تكن هذه الطبقة المجرية اليهودية تصطدم بالأرستقراطية الحاكمة. ويُلاحَظ أن الجماعة اليهودية كانت دائماً تحاول إثبات ولائها فتخلت عن ميراثها الألماني أو البولندي واكتسبت ثقافة المجر ولغتها. وظهرت حركة استنارة في المجر عام 1830 ترمي إلى صبغ اليهود بالصبغة المجرية. بل ساهمت الجماعة اليهودية في تعميق الهوية الثقافية المجرية من خلال الصحف وأدوات الإعلام الأخرى التي تحكمت فيها. وقد اصطبغ يهود المجر بصبغة مجرية كاملة، وظهرت حركة دينية إصلاحية تُسمَّى «النيولوج» . ولذا فإنهم، حين اندلعت الثورة المجرية ضد حكم الهابسبورج، انضموا إلى الثورة وحاربوا في صفوفها. وحينما استسلم الجيش المجري، وقَّعت القوات النمساوية عقوبات على يهود المجر من ضمنها فرض غرامة كبيرة، وقرر الإمبراطور فرانسيس جوزيف الأول (1848 ـ 1916) أن تُنفَق هذه الغرامة على إصلاح اليهود بتأسيس مدرسة لاهوتية للحاخامات وكلية تربية ومدرسة ابتدائية ومؤسسات للمعوقين اليهود. وقد تحقَّق ليهود المجر الإعتاق السياسي الكامل في عام 1867، وأقبلوا على التعليم العلماني إقبالاً شديداً، حيث نجد أن 35% من الطلبة في المدارس الثانوية المتخصصة من أعضاء الجماعة اليهودية (1910 ـ 1913) ، كما كان نصف أعضاء هيئة التدريس في كلية الطب و40% في مدرسة بودابست الفنية منهم، وكان منهم أيضاً أكثر من نصف الأطباء ونصف الصحفيين و26% من جملة المهنيين في قطاعات الفنون والآداب، وعدد كبير من العاملين في مهنة القانون. وقد تزايدت معدلات الاندماج والتنصر بين اليهود، وخصوصاً بين الطبقات الثرية. وأصبح الزواج المختلط مسألة عادية، وخصوصاً في العاصمة. وكانت نسبة الأطفال غير الشرعيين وكذلك نسبة الانتحار من أعلى النسب بين الجماعات اليهودية في أوربا، وهذه هي في الواقع الخلفية الأساسية التاريخية والحضارية لمؤسسي الحركة الصهيونية تيودور هرتزل (1860 ـ 1904) وصديقه ماكس نوردو (1849 ـ 1923) اللذين وُلدا في بودابست وقضيا سنوات حياتهما التكوينية هناك. ولا تختلف تجربتهما التاريخية كثيراً عن تجربة يهود الغرب، ولذا وصف هرتزل يهود المجر بأنهم «غصن جاف على شجرة اليهود» . وحينما أُسِّست حركة صهيونية في المجر عام 1897، لم ينضم إليها سوى أعداد صغيرة للغاية. وربما كانت تجربة هرتزل هذه، أي النشأة في مجتمع حقَّق فيه اليهود معدلات عالية من الاندماج، ثم انتقاله إلى النمسا ومنها إلى فرنسا حيث شاهد يهود اليديشية المهاجرين وما يلاقونه من المشقات أثناء فترة التحديث المتعثر، ربما ساهمت هذه التجربة في توصُّله إلى الصيغة الصهيونية في شكليها التوطيني والاستيطاني؛ فهي صهيونية توطينية بالنسبة ليهود الغرب وتعبِّر عن واقعهم الاندماجي وتقبُّله، ولكنها استيطانية بالنسبة إلى يهود اليديشية الفائضين. وقد اشترك أعضاء الجماعة اليهودية بالمجر في الحرب العالمية الأولى دفاعاً عن وطنهم، وسقطت أعداد كبيرة منهم. ومع ذلك، كان هناك بعض اليهود المشتغلين بتزويد الجيش بالجراية والإمدادات ممن استفادوا من حالة الحرب. وأدَّى هذا إلى ظهور شعور معاد لليهود بين بعض قطاعات المجتمع المجري. وقد لعب اليهود دوراً في الزراعة كملاك أراض ومقاولين في الإدارة الزراعية والتسويق (مثل يهود الأرندا) . ويُلاحَظ أنه، قبل الحرب العالمية الأولى، كان 55 ـ 60% من مجموع التجار و13% من الحرفيين و13% من ملاك الصناعات الكبيرة والمتوسطة و45% من المقاولين من اليهود. وقد تم الاعتراف عام 1895 باليهودية باعتبارها إحدى الديانات الرسمية في المجر، تماماً مثل الكاثوليكية والبروتستانتية. ويُلاحَظ أن الجيل الأول من يهود ما بعد الانعتاق حصل على حقوقه السياسية واصطبغ بالصبغة المجرية. أما الجيل الثاني، فلعب دوراً ملحوظاً في حركة التصنيع والتطور الرأسمالي بها. أما أبناء الجيل الثالث (1905 ـ 1930) ، فقد تركزوا في المهن، وخصوصاً في عالم الثقافة والصحافة. وبعد الحرب العالمية الأولى، كانت المجر إحدى الدول التي خسرت الحرب، فاستولت على الحكم مجموعة من معارضي الحكومة برئاسة الكونت ميخائيل كاروليي وكونوا مجلساً قومياً من سبعة وعشرين شخصاً من بينهم أربعة عشر يهودياً، أي أكثر من النصف. وحينما أُعلنت الجمهورية، كان يوجد وزيران يهوديان في الوزارة. وقد سقطت هذه الحكومة ودخل الحزب الشيوعي في تحالف مع الحزب الاشتراكي، فعُيِّن بيلا كون زعيم الحزب الشيوعي (وكان يهودياً) قوميساراً للشئون الخارجية. وفي مارس عام 1919، عُيِّن بيلا كون رئيساً للدولة، وأُعلنت جمهورية على النمط البلشفي السوفيتي كان الوجود اليهودي ملحوظاً فيها، فقد كان المسئولون عن قوميساريات الداخلية والتعليم والتجارة والمالية والعدل والإعلام والقوميات مجريين من اليهود الملحدين. وكان ثلثا من شغلوا وظيفة قوميسار من اليهود. ولذا، فبعد فشل الجمهورية البلشفية، ارتبطت التجربة الثورية في الأذهان بأعضاء الجماعة اليهودية، وهو ما كان له مردود سلبي عليهم. وبلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية 473 ألفاً عام 1920، أي بعد الحرب العالمية الأولى وبعد ضم أجزاء من المجر. واستمر تَناقُص أعدادهم من خلال الاندماج والتزاوج، ويُلاحَظ أن هذا التناقص في المرحلة العمرية (0 ـ 20) كانت تقابله زيادة في عدد المسنين. وكان نصف يهود المجر يعيشون في بودابست، منهم 65% من الإصلاحيين (النيولوج) و29% أرثوذكس. ولكن، نظراً لأن المجر ضمت بعض المناطق التي يوجد بها يهود، نجد أن إحصاء 1941 يحدد عدد اليهود بنحو 725 ألفاً من مجموع عدد السكان البالغ 14.683.323نسمة. ومع ظهور النازية في ألمانيا، اتبعت الحكومة المجرية سياسة ممالئة لها، ولكنها رفضت تطبيق القوانين النازية فيما يتصل بأعضاء الجماعات اليهودية. وبعد أن احتل النازيون المجر، وكان أيخمان هو المسئول عن الشئون اليهودية، تم عقد صفقة مع الحركة الصهيونية من خلال رودولف كاستنر اصطُلح على تسميتها «الدم مقابل السلع» ، وقد خدع فيها كاستنر يهود المجر وضمن عدم مقاومتهم، وسهَّل عملية ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال مقابل ترحيل بعض الصهاينة إلى فلسطين. وفي 1944، ألقت القوات البريطانية بمظليين من الهاجاناه في الأراضي اليوغسلافية ليعبروا إلى المجر ولكنهم أُسروا. وبعد الحرب العالمية الثانية، بلغ عدد يهود المجر 260 ألفاً، ولكن لم يزد عددهم عام 1992 على 56 ألفاً من مجموع السكان البالغ عددهم 10.493.000 (يذكر أحد المصادر الإحصائية الأخرى أن عدد اليهود في المجر عام 1995 هو 80 ألفاً) ، تقطن غالبيتهم الساحقة (حوالي خمسين ألفاً) في بودابست، وكان 60% منهم ممن تجاوز الخمسين ومعظمهم من اليهود الإصلاحيين (النيولوج) . وهذا يعني أن الجماعة اليهودية في طريقها إلى الاختفاء، وهذا تعبير آخر عن موت الشعب اليهودي. وقد عُقد المؤتمر اليهودي العالمي في المجر عام 1987. وهي أول مرة يُعقَد فيها المؤتمر اليهودي في إحدى دول الكتلة الاشتراكية. وأهم المنظمات التي ينتظم بها أعضاء الجماعة اليهودية في المجر منظمة التمثيل القومي لليهود المجريين، وهي المنظمة المركزية للجماعة اليهودية في المجر والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي. وهناك أيضاً اللجنة المركزية للرفاه الاجتماعي، وتقوم برعاية فقراء اليهود، وتمولها اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع. وهناك منظمة ويتى، وهي مؤسسة التمثيل القومي ليهود المجر، التي تقوم برعاية المصالح الدينية ليهود المجر منذ عام 1904 وأغلب أعضاء هذه المؤسسات من المحافظين، إلا أن هناك قسماً خاصاً باليهود الأرثوذكس. ومن الجدير بالذكر أنه بعد وفاة آخر حاخام أرثوذكسي عام 1982، تم إحضار حاخام من إسرائيل ليحل محله. وهناك محكمة شرعية (بيت دين) خاصة باليهود الأرثوذكس، وأخرى خاصة باليهود المحافظين. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
تعداد الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية ومعالمها السكانية الأساسية
Number of the Jewish Communities in Latin America and Their Main Demographic Traits لا يمكن اعتبار الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية مهمة في ذاتها، قفد ظل عدد اليهود فيها صغيراً منذ البداية. كما أنهم لم يلعبوا دوراً كبيراً في النظم السياسية فيها ولم يقدموا أية إسهامات ثقافية حقة لتراثها، إلى جانب أن دورهم في الحركة الصهيونية وفي تأسيس المُستوطَن الصهيوني دور غير مؤثر بالمرة. ولكن أهمية الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية تعود إلي أن دراسة أوضاع أعضائها توضح كثيراً من القضايا والأبعاد الخاصة بالجماعات اليهودية في العالم ككل. ومن أهم هذه الأبعاد والقضايا عدم التجانس بين الجماعات اليهودية، وقضية الهوية اليهودية، وهناك قضايا أخرى، مثل الاندماج والانعزال، ودور الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية مالية وسيطة، وفشلها في التحول إلى طبقة وسطى، وأثر الجماعات المضيفة ومجتمعات الأغلبية في أعضاء الجماعة. كما أنه من خلال عقد مقارنة بين الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية والجماعات اليهودية في الولايات المتحدة (أهم الجماعات اليهودية في العالم) ، أي من خلال تبنِّي منظور مقارن، يمكننا أن نكتشف بعض سمات هذه الجماعة الأخيرة. ويُلاحَظ كذلك أن الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية تواجه مشاكل خاصة لا تواجهها الجماعات اليهودية الأخرى الموجودة في العالم الغربي "المتقدم". ورغم أن الأسبان والبرتغاليين، حينما استوطنوا في أمريكا اللاتينية، منعوا أعضاء الجماعات اليهودية من الاستيطان فيها، فإن بعض يهود المارانو (المسيحيين الجدد) نجحوا في الهجرة إليها والاستيطان فيها، وقد قامت محاكم التفتيش بمطاردتهم لضمان تأكيد الهيمنة الكاثوليكية. ويبدأ تاريخ الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر بعد استقلال دولها وإلغائها محاكم التفتيش، وإعلانها سياسة تضمن المساواة بين المواطنين. ومع هذا، لم تهاجر أعداد كبيرة من اليهود حتى منتصف القرن التاسع عشر. ولكن أعداد المهاجرين إلى الأرجنتين والبرازيل تزايدت نسبياً (أي قياساً إلى العدد الكلي للمهاجرين اليهود إلى أمريكا اللاتينية) . ويُعَدُّ عام 1860 بداية تاريخ الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية، ففي هذا التاريخ عُقد أول زواج يهودي في الأرجنتين. ولكن عدد أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية لم يكن يزيد، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، على 150 ألفاً أغلبيتهم العظمى (110 ـ 120 ألفاً) في الأرجنتين. جاء 80% منهم من وسط أوربا وشرقها، أي إشكناز، و20% سفارد ويهود من البلاد العربية. وكانت أغلبية المهاجرين اليهود إلى الأرجنتين من روسيا من يهود اليديشية. وكان يوجد من اليهود: 500 في شيلي، ونحو 1700 في أوروجواي، وحوالي 5000 في البرازيل. وظل هذا النمط هو السائد. ففي الخمسينيات، بلغ عدد يهود الأرجنتين 385 ألفاً، وقفز عدد يهود شيلي إلى 32 ألفاً، وأوروجواي 38 ألفاً، والبرازيل 125 ألفاً. وفي عام 1970، كان تعداد يهود أمريكا اللاتينية كما يلي: الأرجنتين 450 ألفاً شيلي 30 ألفاً أوروجواي 150 ألفاً البرازيل 140 ألفاً المكسيك 35 ألفاً وهناك رأي يذهب إلى أن الأرقام السابقة مبالغ فيها، وأن الإحصاءات لا يمكن الوثوق بها تماماً، وهذا يعود إلى عناصر عديدة منها أن بعض المواطنين يسجلون أنفسهم باعتبارهم يهوداً أو يحجمون عن ذلك لأسباب لا علاقة لها بهويتهم الحقيقية (يهودية كانت أم غير يهودية) . وقد لوحظ، على سبيل المثال، أن عدد يهود شيلي انخفض في إحدى الإحصاءات، بنسبة 50%، وربما يعود هذا إلى رغبة المتخفين في أن ينصهروا تماماً. وزاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في إحدى الإحصاءات في المكسيك بنسبة 47%، ولعل هذا يعود إلى رغبة الكثيرين من سكان المكسيك في الهجرة إلى الولايات المتحدة وطمعهم في أن تقوم المنظمات اليهودية بتيسير هذه العملية لهم. ولذا، فقد سجلوا أنفسهم يهوداً، الأمر الذي جعل من قاموا بالإحصاء مضطرين إلى تجاهل نتائجه. ويُلاحَظ كذلك أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية دخلوا أمريكا اللاتينية أثناء الحرب العالمية الثانية بشهادات تعميد (تدل على أنهم مسيحيون) أصدرها لهم الفاتيكان ليساعدهم على الهرب من النازيين، وبعد أن دخلوا وزال الخطر آثروا ألا يعلنوا عن هويتهم اليهودية الأصلية. ولهذا، يرى بعض الدارسين أن عدد يهود الأرجنتين كان في عام 1970 نحو 300 ألف فحسب وأن رقم 450 ألفاً مبالغ فيه إلى حدٍّ كبير، وأن عدد يهود البرازيل كان 100 ألف وحسب. فإذا أضفنا إلى ذلك 44 ألفاً في أوروجواي، و18 ألفاً في شيلي، و70 ألفاً في بقية أمريكا اللاتينية (يُقال إن 35 ألفاً منهم في المكسيك) ، فإن المجموع الكلي يصل إلى نحو 500 ألف وحسب. وعلى أية حال، أثبتت إحصاءات عام 1986 ـ 1987 التي نشرها الكتاب الصهيوني السنوي لعام 1987 أن عدد يهود الأمريكتين «آخذ في التناقص السريع» ، فعددهم الآن لا يزيد على 418 ألفاً يوجد منهم 233 ألفاً في الأرجنتين، أي أكثر من النصف، و100 ألف في البرازيل، و30 ألفاً في أوروجواي، و35 ألفاً في المكسيك، و20 ألفاً في شيلي، و20 ألفاً في فنزويلا. ولا تختلف إحصاءات عام 1989 عن ذلك كثيراً. وإن كان كتاب الجماعات اليهودية في العالم الصادر عام 1989 يذهب إلى أن يهود البرازيل 150 ألفاً، وأن عدد سكان ساو باولو 75 ألفاً، وريو دي جانيرو 57 ألفاً، وقد أوردت الجيروساليم بوست في أواخر عام 1990 أن عدد يهود أمريكا اللاتينية يتراوح بين 400 و700 ألف من بينهم 300 ألف في الأرجنتين، و120 ألفاً في البرازيل، بينما أوردت الموسوعة اليهودية أن عدد يهود الأرجنتين لا يزيد على 228 ألفاً عام 1990، وآخر إحصاء هو الوارد في الكتاب الأمريكي اليهودي السنوي عام 1994، وورد فيه أن عدد يهود أمريكا الجنوبية هو 382 ألفاً منهم 211 ألفاً في الأرجنتين و100 ألف في البرازيل و23 ألفاً في أوروجواي و20 ألفاً في فنزويلا و15 ألفاً في شيلي. ويذكر الكتاب أن عدد يهود أمريكا الوسطى هو 51.700، أي أن المجموع الكلي ليهود أمريكا الوسطى والجنوبية (أي أمريكا اللاتينية) هو 433.700 (ويذكر مصدر إحصائي آخر أن عدد يهود الأرجنتين عام 1995 هو 250 ألف وأن عدد يهود أوروجواي في العام نفسه هو 30 ألفاً) . والواقع أن تضارب الأرقام مسألة مفهومة، فبعض أعضاء الجماعات اليهودية ينكرون انتماءهم اليهودي بينما يدَّعي بعض أعضاء الطبقات الفقيرة أنهم يهود ليستفيدوا من المعونات التي تقدمها المنظمات اليهودية الأمريكية. وإذا أضفنا إلى ذلك أن تعريف اليهودي مسألة خلافية، فإن فوضى الأرقام مسألة متوقعة. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن الاختلافات لا تؤثر في النمط العام. ولعل إحصاءات الكتاب الأمريكي اليهودي السنوي لعام 1994 هي أدقها. ويُلاحَظ أن نسبة أعضاء الجماعات اليهودية إلى شعوب أمريكا اللاتينية نسبة ضئيلة للغاية إذ يبلغ تعداد شعوب أمريكا اللاتينية نحو 439 مليوناً. وبالتالي، فإن نسبة اليهود لا تتجاوز الآن 0.1%، وقد تزيد النسبة أو تقل من بلد إلى آخر، فالأرجنتين التي تضم نصف يهود أمريكا اللاتينية يبلغ عدد سكانها 33.487.000، وتبلغ نسبة اليهود فيها 0.64%، ويبلغ عدد سكان أوروجواي 3.149.000 نسبة اليهود فيه 0.77%، وتكاد تكون هذه أعلى نسبة في القارة بأسرها. أما البرازيل، فعدد سكانها،156.578.000، منه 0.06% يهود. أما شيلي، فيبلغ عدد سكانها 13.813.000 نسبة اليهود فيه 0.11%، ويبلغ عدد سكان المكسيك 89.998.000، منه 0.04% يهود. أما بقية بلاد أمريكا اللاتينية، فتضم جماعات يهودية يمكن إهمالها إحصائياً. فسورينام، التي كانت تضم أول جماعة يهودية، وأُسِّس فيها ما يشبه الدولة الاستيطانية المستقلة التي ثار عليها العبيد ثم اسقطوها، تضم الآن مائتي يهودي، وتضم جواتيمالا 800، وبنما 5000، وهكذا. ويُلاحَظ أن المهاجرين اليهود اتجهوا أساساً إلى الأرجنتين بالدرجة الأولى، وإلى بلاد أخرى مثل شيلي والبرازيل وأوروجواي، وهي جميعاً تقع في المخروط الجنوبي. وقد ابتعدوا عن بلاد مثل بيرو وبارجواي. وهناك عدة عناصر جذبت اليهود إلى هذه البلاد: 1 ـ أنها تتسم بوجود نسبة عالية من البيض، فنحو 90% من سكان الأرجنتين من البيض، وكذا أغلبية سكان شيلي، و95% من سكان أوروجواي، و60% من سكان البرازيل، مقابل 15% في كلٍّ من بيرو وإكوادور، و20% في فنزويلا. 2 ـ تتسم كل هذه البلاد بارتفاع نسبة التعليم فيها، فنسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة في الأرجنتين وشيلي وأوروجواي تبلغ نحو 90%، وتشكل البرازيل استثناء، فالنسبة فيها تصل إلى 70%، مقابل 61% في بيرو و 29% في بوليفيا. 3 ـ تتسم هذه الدول بأنها متقدمة اقتصادياً وتوجد فيها حركة تصنيع نشيطة نسبياً. ويتجلى هذا في وجود مراكز حضرية ضخمة فيها، فحسب إحصاءات أوائل السبعينيات يقطن في المدن 80.4% من سكان الأرجنتين، و72.9% من سكان شيلي، و78.4% من سكان أوروجواي. وتمثل البرازيل استثناء من القاعدة مرة أخرى، فنحو 56% فقط من سكانها يعيشون في المدن، ولكن ذلك كان قبل حدوث ما يُسمَّى «المعجزة الاقتصادية» التي أدَّت إلى الهجرة من القرية إلى المدينة. 4 ـ ويُلاحَظ كذلك أن هذه البلاد تتسم بارتفاع الدخل، إذ يصل متوسط الدخل فيها إلى ثلاثة أضعاف دخل الفرد في بقية بلاد أمريكا اللاتينية، باستثناء فنزويلا التي حققت رخاءً غير عادي بسبب الثروة البترولية. 5 ـ تتميَّز المجتمعات التي استوطن فيها اليهود بأن معدلات العلمنة فيها عالية بالمقارنة ببقية مجتمعات أمريكا اللاتينية. 6 ـ تتسم هذه البلاد أيضاً بوجود اقتصاد حر فيها. والواقع أن الميراث الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا جعل من السهل عليهم أن يحققوا نجاحاً اقتصادياً. وتنطبق معظم هذه المواصفات على الأرجنتين وشيلي والبرازيل. ولكن من أهم العناصر التي شجعت اليهود على الاتجاه إلى الأرجنتين (أكثر من أي بلد أمريكي لاتيني آخر) أن حكومة الأرجنتين اختطت سياسة من شأنها تشجيع الهجرة، فكانت تقدم دعماً للمهاجرين وتزودهم بالأرض اللازمة للاستيطان، كما كانت تبدي تسامحاً غير عادي نحوهم. وقد رأي المليونير الفرنسي اليهودي البارون دي هيرش أن بالإمكان الاستفادة من هذا الوضع في حل المسألة اليهودية في شرق أوربا وكذلك مشكلة الانفجار السكاني الذي يقذف بآلاف اليهود على أوربا، وذلك بتحويلهم عنها وتوطينهم في الأرجنتين. وانطلاقاً من هذه الفكرة الصهيونية التوطينية، تم تأسيس جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) التي ساهمت في توطين عدة آلاف من اليهود. والواقع أن هجرة يهود أوربا إلى أمريكا اللاتينية، وتركُّزهم في بلاد بعينها، هي تعبير عن نمط الهجرة اليهودية في العصر الحديث، وهي هجرة من البلاد الأقل تقدماً إلى البلاد الأكثر تقدماً، على عكس نمط الهجرة في أوربا في العصور الوسطى حيث كانت في معظم الأحيان هجرة إلى المجتمعات الأقل تقدماً. ويمكننا أن نضيف هنا أن هذا هو أيضاً نمط الهجرة الأوربية عموماً في العصر الحديث، أو لنسمِّه التجربة الاستعمارية الاستيطانية حيث صدَّرت أوربا فائضها البشري وحلت مشاكلها الاجتماعية عن طريق توطين هذا الفائض فيما سمته «الأرض البكر» ، وهي أرض اغتصبتها من أهلها إما بإبادتهم أو نقلهم منها (ترانسفير) . والعناصر البشرية الفائضة المهاجرة هي دائماً عناصر خاضعة لقوتين متناقضتين متكاملتين: قوة طرد من الوطن الأصلي، وقوة جذب للوطن المضيف. والواقع أن العناصر المهاجرة تبحث عن فرص جديدة، وتحاول أن تحقق في المجتمع الجديد ما فشلت في تحقيقه في مجتمعاتها الأصلية، ومن ثم لم تهاجر أعداد كبيرة إلى المجتمعات الزراعية. وليس من قبيل الصدفة أن الولايات المتحدة استقبلت 85% من جملة المهاجرين الأوربيين بين عامي 1857 و1965 والبالغ عددهم 60 مليوناً، وتليها الأرجنتين التي اجتذبت 6.500.000مهاجر في الفترة نفسها، أي نحو 11%، مكث منهم 4.379.000. ويُلاحَظ تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في المدن الكبيرة، فيهود بيونس أيرس يتراوح عددهم، حسب إحصاءات عام 1970، بين 240 ألفاً و300 ألف، أي غالبية اليهود الساحقة. وهذا يعني أن نصف يهود أمريكا اللاتينية يوجدون في مدينة واحدة. ومع هذا، فهم لا يشكلون سوى 2.18% من سكانها البالغ عددهم 8.353 مليون. (وقد انخفض عددهم إلى 180 ألفاً حسب إحصاءات عام 1989) . ويقطن في ساو باولو وريو دي جانيرو 80 ألف يهودي، أي 80% من مجموع يهود البرازيل، ويبلغ سكان المدينتين نحو 10 مليون، وبالتالي يشكل اليهود أقل من 1% من عدد السكان. وتوجد نسبة الـ 20% الباقية في مدينة بورتو ألّيجري. وفي شيلي، يقطن 25 ألف يهودي في سنتياجو يشكلون 0.96% من سكان العاصمة البالغ عددهم مليونين و586 ألفاً. أما في أوروجواي، فيبلغ عدد السكان في مونتفيديو 45 ألفاً من سكان العاصمة البالغ عددهم مليوناً و450 ألفاً، وبالتالي ترتفع نسبة اليهود لتصل إلى 3.19%، وهي أعلى نسبة في أية مدينة في أمريكا اللاتينية. ويجب ملاحظة أن تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في المدن جزء من اتجاه عام في الدول النامية يتحدد في الهجرة من القرية إلى المدينة، وإن كان ثمة اختلاف فهو اختلاف في الدرجة، باعتبار أن أعضاء الجماعات اليهودية عنصر مهاجر تستقر أعداد كبيرة منهم مباشرة في المدن حيث توجد فرص أكثر للحراك الاجتماعي. كما أن أغلبية سكان المدن من البيض ذوي الدخل المرتفع القادرين على القراءة والكتابة. وتُعَدُّ المدن من أكثر المناطق نمواً في البلاد النامية، ولذا فإن اتجاه اليهود نحو المدن هو جزء من اتجاه الهجرة اليهودية الحديثة. كما يُلاحَظ أن اليهود يتركزون داخل كل مدينة في أحياء بعينها ومهن بعينها، كما أن تركُّزهم في المدن هو نفسه نتيجةٌ لتركزهم في مهن بعينها لا وجود لهم في غيرها، الأمر الذي يشجع الحديث عن «الخطر اليهودي» وما شابه ذلك من أقوال جزافية هي في الواقع نتيجة الملاحظة المباشرة العابرة التي لم تُخضَع بعد للتحليل أو النقد. وقد يكون من المفيد مقارنة معدل هجرة أعضاء الجماعات اليهودية إلى أمريكا اللاتينية وفلسطين قبل وبعد الاحتلال الصهيوني حيث نجد أن عدد المهاجرين إلى فلسطين في الفترة ما بين عامي 1901 و1920 بلغ 15 ألفاً (وذلك بطرح الـ 15 ألفاً من جملة النازحين) ، بينما بلغ عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية في الفترة نفسها 105.867 هاجرت غالبيتهم إلى الأرجنتين، وهو ما يبين نجاح الصهيونية التوطينية وفشل الصهيونية الاستيطانية الذريع حينما كانت تعتمد على ما يُسمَّى «القوى الذاتية» . وبعد وضع فلسطين تحت الانتداب، لم يتحسن الوضع كثيراً إذ بلغ عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية في الفترة من 1921 إلى 1930 نحو 129.239 اتجه منهم 73.434 إلى الأرجنتين. أما فلسطين، فلم يزد عدد المهاجرين إليها على 70.944، وهو عدد يقل عن عدد المستوطنين في الأرجنتين وحدها، وهذا يدل وبشكل أكثر حدة على مدى فشل المنظمة الصهيونية التي تتمتع بالدعم الإمبريالي الكامل في الغرب، والتي تمتلك جهازاً له فروع في معظم بلاد أوربا، كما توجد تحت تصرفها ميزانية ضخمة (وهو ما توفر لمؤسسة هيرش التي قامت بتوطين بعض أعضاء الجماعات اليهودية في الأرجنتين) . ولكن مسار الهجرة اليهودية ظل يتبع الخط العام للاستيطان الغربي، أي الهجرة إلى الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، ثم أمريكا اللاتينية. وكان الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة في الفترة من 1921 إلى 1935 حين أغلقت بلاد العالم الغربي أبوابها في وجه المهاجرين اليهود وغيرهم، فهاجر إلى فلسطين 147.502 مقابل 44.550 اتجهوا إلى أمريكا اللاتينية، وهذا العدد لا يضم اليهود الذين حصلوا على شهادات تعميد. وفي الفترة من 1936 إلى 1939، دخل فلسطين 75.510، مقابل 31.066 اتجهوا إلى أمريكا اللاتينية رغم ظروف الأزمة الاقتصادية ورغم وجود نظم فاشية تضطهد أعضاء الجماعات اليهودية ولا تشجع الهجرة. وقد شهدت سنين ما بعد الحرب، حتى عام 1948، تزايداً في عدد اليهود المهاجرين إلى فلسطين. ولكن، في المحصلة النهائية، بلغ عدد اليهود الذين استوطنوا فلسطين خلال الفترة من 1840 إلى 1942 نحو 378.956 بينما بلغ عدد من استوطنوا أمريكا اللاتينية 376.227 أي العدد نفسه تقريباً. وينطبق على يهود أمريكا اللاتينية مقولة موت الشعب اليهودي، وهي أن الجماعات اليهودية في العالم آخذة في الانقراض بحيث سيتركز اليهود في الولايات المتحدة والدولة الصهيونية وحسب، وهما تجمعان لا يزداد عدد أعضاء الجماعات اليهودية فيهما بل هو آخذ في التناقص. ويتناقص عدد اليهود في أمريكا اللاتينية بشكل أسرع منه في أي مكان آخر، بحيث أن من المتوقع ألا يبقى منهم أعداد تذكر بعد فترة قصيرة إذ أن أمريكا اللاتينية تُعدُّ منطقة نزوح للأسباب التالية: 1 ـ ربما كان السبب الأساسي هو أن نمط الهجرة الاستيطانية الغربية (واليهودية) في العصر الحديث يتجه من البلاد المتخلفة إلى البلاد المتقدمة. وأمريكا اللاتينية لا تزال تصنف أساساً باعتبارها متخلفة ومن الدول النامية. ومما يساعد على هذا الاتجاه أن الولايات المتحدة تشكل عنصر جذب شديد ليهود أمريكا اللاتينية، فهي أكثر البلاد تقدماً في العالم، وهي توجد على مقربة منهم، كما توجد فيها الآن جماعة لاتينية ضخمة تشكل نواة حضارية قوية يمكنهم من خلالها الشعور بالأمن النسبي وعدم الاغتراب. وأخيراً، ثمة علاقات قوية بين يهود أمريكا اللاتينية من جهة ويهود الولايات المتحدة وتنظيماتهم اليهودية والصهيونية من جهة أخرى، فهؤلاء يعدون أنفسهم مسئولين عن يهود أمريكا اللاتينية. 2 ـ كان معظم المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية من بلاد كاثوليكية، جاء 80% منهم من إيطاليا وإسبانيا والبرتغال. ولذا، لم تكن عملية تكيفهم مع المجتمع واندماجهم فيه عملية صعبة. أما أغلبية المهاجرين من أعضاء الجماعات اليهودية (نحو 80%) فكانوا من يهود اليديشية من إشكناز شرق أوربا، وكان يُطلَق عليهم مصطلح «روسوس» أي «الروس» ، وكانت أقليتهم من السفارد «توركوس» ، أي «الأتراك» (وهو المصطلح نفسه الذي كان يُطلَق على المسلمين) . وثقافة الروسوس، وهي ثقافة ألمانية سلافية، كانت بعيدة عن الثقافة اللاتينية. كما أن البلاد التي جاءوا منها كانت بلاداً صناعية متقدمة نوعاً، وثقافة اليهود المهاجرين منها كانت ثقافة حديثة. لكل هذا، وجد المهاجرون من أعضاء الجماعات اليهودية (وبخاصة من شرق أوربا) صعوبات إضافية في عملية الاندماج في المجتمع، فقد كانوا غرباء على ثلاث مستويات: على المستوى الديني باعتبارهم يهوداً في مجتمع كاثوليكي، وعلى المستوى الثقافي باعتبارهم من شرق أوربا ووسطها بثقافتهم الألمانية والسلافية شبه الحديثة في تربة لاتينية تقليدية، وعلى المستوى الاقتصادي والوظيفي باعتبارهم عنصراً تجارياً في مجتمع زراعي. ويجيء هذا على خلاف تجربة المهاجرين غير اليهود الذين جاءت غالبيتهم (80%) من إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، وهي بلاد كاثوليكية مستويات التحديث فيها متدنية وكثير من القيم السائدة فيها تقليدية وميراثها الثقافي لاتيني، ولذا لم تكن عملية تكيفهم مع المجتمع واندماجهم فيه صعبة. 3 ـ ومما عمَّق غربة يهود أمريكا اللاتينية أن الانتماء للنخبة الحاكمة يتطلب الانتماء الكاثوليكي وملكية الأراضي والأصل الأرستقراطي، وهي ثلاثة عناصر لم يكن بإمكان المهاجرين اليهود التمتع بها، على عكس المهاجرين المسيحيين الكاثوليك الذين ينتمون بالفعل إلى الكنيسة الكاثوليكية ويمكنهم شراء الأراضي، كما أن بعضهم يمكن أن يشتري أصولاً أرستقراطية أو يتزوج من نسل العائلات الأرستقراطية. وكل هذا يعني أن أعضاء الجماعات اليهودية اُستبعدوا من النخبة الحاكمة ومن مؤسسات صنع القرار. 4 ـ ويجب ملاحظة أن الحركة القومية التي نشأت في أمريكا اللاتينية تنتمي إلى نمط الحركات القومية في العالم الثالث الذي يتسم بالتركيز على الخصوصية المحلية في مجابهة الغزو الاستعماري الثقافي والاقتصادي الغربي، وخصوصاً الأمريكي. والاهتمام بالخصوصية يتخذ في أمريكا اللاتينية شكلاً حاداً بسبب طبيعة المواجهة مع اليانكي في الشمال. كما أن التجربة التاريخية في أمريكا اللاتينية التي تضرب بجذورها في التجربة الأيبيرية تجعل الكاثوليكية ورموزها بُعداً أساسياً في الحركات القومية اللاتينية، وخصوصاً أن الاستيطان في أمريكا اللاتينية لم يتم في غياب الكنيسة، فقد تدخلت فيه وحاولت تنظيمه وتقليم أظافر العناصر التجارية الاستيطانية، كما حاولت حماية العناصر الهندية المحلية والحفاظ على حقوق العبيد الإنسانية. هذا على عكس الاستيطان البروتستانتي الأنجلو ساكسوني في أمريكا الشمالية الذي تم في غياب أية مؤسسات دينية. ولذا، انطلقت الحركة القومية فيها من فكرة حقوق الإنسان والأفكار العقلانية العلمانية السائدة في أوربا في القرن الثاني عشر. والواقع أن تزايد البعد الكاثوليكي في الحركات القومية اللاتينية يعني بالضرورة تزايد رفض اليهود وتهميشهم باعتبارهم عنصراً مهاجراً يحمل تقاليد ثقافية أجنبية. 5 ـ ومما ساعد على تفاقم المشكلة ارتباط اليهود في الوجدان اللاتيني بالولايات المتحدة واليانكي، فالمنظمات اليهودية في الولايات المتحدة وضعت الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية تحت حمايتها، تماماً كما كانت تفعل الدول الغربية مع الأقليات في العالم العربي، الأمر الذي يؤدي إلى توسيع الهوة بين أعضاء الجماعات اليهودية والأغلبية. 6 ـ يُلاحَظ كذلك أن الحركات القومية في أمريكا اللاتينية، شأنها شأن الحركات القومية في العالم الثالث، تنحو منحى يسارياً بسبب عدم توافر ظروف التراكم الرأسمالي (من استعمار وغيره) التي توفرت للعالم الحر في مراحله الأولى (حينما كان حراً تماماً في استعمار الكرة الأرضية) . وهجرة أعضاء الجماعات اليهودية، كما أسلفنا، لا تتجه إلى البلاد المتقدمة وحسب وإنما إلى البلاد التي يسود فيها اقتصاد حر، ولذا يتركز اليهود في هذه البلاد. ونجد أن الحركات القومية واليسارية في أمريكا اللاتينية، بل وفي الولايات المتحدة، تأخذ موقفاً معادياً من أعضاء الجماعة اليهودية لارتباطها بالنخبة الحاكمة الرجعية، كما أن عداء إسرائيل للحركة القومية العربية وموقفها الاستعماري الإرهابي من الفلسطينيين يزيد عداء هذه الحركات للجماعة اليهودية التي ترتبط وجدانياً، بل وفعلياً في بعض الأحيان، بإسرائيل وبالعقيدة الصهيونية. ويُلاحَظ أن إسرائيل تلعب في الآونة الأخيرة دوراً بارزاً واضحاً في دعم النظم الرجعية والفاشية في أمريكا اللاتينية مثل نظام سوموزا في نيكارجوا، وأصبحت إسرائيل مورِّداً أساسياً للسلاح لكثير من النظم الفاسدة، كما تقدم الخدمات والحراسة لبعض الشخصيات التي لا تتمتع بسمعة طيبة في الأوساط القومية أو اليسارية. كما أن بعض المرتزقة الإسرائيليين يقومون بتدريب ميليشيات المخدرات في كولومبيا. 7 ـ ولكن، يُلاحَظ أن التغيرات التي يحدثها استيلاء اليسار والعناصر القومية المحلية على الحكم تؤدي، بغض النظر عن موقف اليسار اللاتيني من الجماعات اليهودية، إلى طرد اليهود بشكل بنيوي وإلى تهميشهم. فأعضاء الجماعات اليهودية يتركزون في المدن في قطاع التجارة والمال والصناعات الاستهلاكية (النسيج أساساً) وهذه قطاعات تخضع لعمليات جذرية من إعادة التنظيم بسبب أهميتها الإستراتيجية. فالنظم الحاكمة القومية أو الاشتراكية، على سبيل المثال، تحاول وضعها في أيدي قطاعات بشرية محلية تثق فيها. وعلاوة على هذا، فإن النظم القومية الاشتراكية نظم مغلقة من منظور أعضاء الجماعات اليهودية، ولذا لا يمكنهم من خلالها تحقيق ما يصبون إليه من حراك اجتماعي. لكل هذا، ومع استيلاء العناصر القومية أو اليسارية على الحكم، يحدث خروج يهودي. ويُلاحَظ أنه حينما انتُخب ألليندي في شيلي، نزح عدد كبير من اليهود من أعضاء الطبقة الوسطى، ولكنهم عادوا مع استيلاء بينوشيه على الحكم. والوضع نفسه ينطبق على كوبا، فقد حرص كاسترو، في بداية حكمه، على إظهار تسامح غير عادي تجاه أعضاء الجماعات اليهودية، ووفر لهم (مثلاً) اللحم المذبوح شرعياً، كما كان يوجد عضو يهودي في أول وزارة كوبية اشتراكية. ولكن إعادة تنظيم الاقتصاد على أُسس اشتراكية أدَّى إلى خروج أعضاء الجماعة اليهودية، رغم أن بعض الرأسماليين اليهود كانوا أعضاء سابقين في البوند أو على الأقل متعاطفين مع الأفكار الاشتراكية، وقد خرجوا مع أعداد كبيرة من أعضاء الطبقة الوسطى. وبحلول عام 1965، لم يبق سوى 2400 يهودي معظمهم من المسنين، ثم تناقص العدد إلى 700 عام 1992 (ولكن يجب الإشارة إلى أنه، مع تحوُّل الأبنية المهنية لأعضاء الجماعة وتركُّز أعداد كبيرة منهم في المهن الحرة، سيتزايد احتياج النظم الجديدة إليهم) . 8 ـ ومن المفارقات التي تستحق التسجيل (وهذا نمط وجدناه بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب في العصر الحديث) أنه رغم ارتباط النخبة اليهودية بالنخبة الحاكمة وارتباط أثرياء اليهود بالمؤسسات الحاكمة وعمالتهم لها، ورغم هامشية معظم الجماهير اليهودية وعدم مشاركتها في قاعدة الهرم الاقتصادي والعملية السياسية، فإن ثمة وجوداً ملحوظاً لبعض أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات اليسارية. وقد جاء مع المهاجرين أعداد من أعضاء حزب البوند الذين حاولوا تنظيم نقابات العمال. وابتداءً من الستينيات، لوحظ مرة أخرى أن كثيراً من الشباب اليهودي ينخرط في الحركات السياسية اليسارية والقومية بأعداد متزايدة تفوق نسبتهم القومية، وهو ما يجعل لهم وجوداً ملحوظاً داخل الحركات اليسارية ويربط بين اليهود وهذه الحركات. ورغم أن القيادات اليهودية تزيد، كنوع من رد الفعل، من ارتباطها بالنخبة الحاكمة وبعمالتها لها، فإن هذا لا يجدي فتيلاً إذ أن القيادة اليهودية ذات تراث إثني يديشي يعزلها في العادة عن المجتمع. وفي الوقت نفسه، نجد أن الشباب، وخصوصاً أعضاء الجيل الثالث، لهم جذور راسخة في مجتمعاتهم تربطهم به. وفي عام 1960، كان ثلث يهود الأرجنتين من الأجانب، ولكن نسبة الأجانب بين الأعمار المتقدمة (65 عاماً وما فوقها) كانت 97%، بينما كانت هذه النسبة في الأجيال الجديدة (14 سنة فما فوق) نحو 2.4%، وهو ما يعني أن الأغلبية الساحقة من شباب الأرجنتين الآن من مواليد الأرجنتين نفسها (تصل النسبة حسب إحصاءات 1989 إلى 94%) . ونظراً لاغترابهم عن تراث آبائهم الإثني، ونظراً لأنهم لا ينتمون لتراث الأغلبية الديني، فإنهم يعبِّرون عن ذواتهم من خلال الانتماء إلى الحركات الثورية. والارتباط بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والحركات اليسارية يجلب عليها عداء قطاعات كثيرة في المجتمع. يظهر هذا التناقض في شيلي، فقد ساهم السناتور اليهودي فولوديا تايتلباوم في صياغة سياسات ألليندي وبرنامج "الاشتراكية من خلال القانون أو من خلال صندوق الانتخابات"، فربط بين اليهود واليسارية. ولكن، مع انتصار ألليندي، ترك كثير من أعضاء الجماعة شيلي، ولكنهم عادوا إليها مع عودة بينوشيه، وازدادوا اعتماداً على النخبة الحاكمة، وهو ما ربط بينهم وبين النظام الفاشي. 9 ـ من العناصر الأخرى الطاردة لأعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات اللاتينية تركزهم في المدن، وفي مهن وصناعات بعينها، وهو ما أعطاهم وجوداً ملحوظاً لا يتناسب البتة مع حجمهم الحقيقي. وهذه ظاهرة عامة في البلاد النامية حينما يتركز عنصر أجنبي أو إثني في قطاع اقتصادي واحد بسبب غياب الخبرات المحلية أو بسبب التشكيل التاريخي نفسه. ولكن، ومهما كان السبب، فإن هذا الوجود الملحوظ يجعلهم عرضة للهجوم من العناصر اليمينية والقومية التي تطمع في الاستيلاء على هذه المواقع، ومن العناصر اليسارية المعادية لمثل هذه القطاعات بشكل مبدئي وبنيوي. 10 ـ من المعروف أن العناصر المهاجرة تبحث دائماً عن مكان تستقر فيه. ولذا، فهي تنظر إلى الثورات والانقلابات، التي قد تُحسِّن وضع الجماهير، بمنظار سلبي خالص، وبالتالي فإن مثل هذه الانقلابات التي قد تكون ذات عائد إيجابي للبلد تشكل عنصر طرد بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية. 11 ـ ومن عناصر الطرد الأخرى، الهيمنة الصهيونية على يهود أمريكا اللاتينية. فمعظم المؤسسات والتنظيمات اليهودية قد أصبحت خاضعة للنفوذ الصهيوني، كما أن حركيات الصهيونية، شاءت أم أبت، أصبحت تؤدي إلى خلخلة وضع الجماعات اليهودية، ذلك أن الصهيونية تترجم نفسها إلى عدم ولاء للوطن الأم. وهذا يتجلى في يهود الأرجنتين الذين يركزون جزءاً كبيراً من طاقتهم على ما يدور في إسرائيل وهو ما يعني انصرافهم عن شئون الأرجنتين. ويزيد هذا بدوره غربة الشباب اليهودي عن قيادته اليهودية. وتدار الانتخابات في فروع المنظمة الصهيونية بناء على التقسيم الحزبي في إسرائيل وكأن انتماء هؤلاء اليهود لإسرائيل لا لأوطانهم التي يعيشون فيها. ويشير يهود الأرجنتين إلى السفير الإسرائيلي باعتباره «الوكيل» ، وهي الكلمة التي كانت تستخدم في الماضي للإشارة إلى الحاكم الإسباني للأرجنتين. وقد هاجر 48.770 يهودياً من أمريكا اللاتينية إلى إسرائيل (معظمهم من الأرجنتين) هاجر نصفهم (24.136) بعد حرب 1967، وهو عدد صغير للغاية إذا أخذنا في الاعتبار أن أمريكا اللاتينية منطقة طرد ونزوح. ولا تذكر المصادر نسبة النزوح عن إسرائيل بين يهود أمريكا اللاتينية، ولكن يبدو أنها عالية إذ أن عدد يهود إسرائيل ذوي الأصول الأمريكية اللاتيني لا يتجاوز ثمانية آلاف أسرة. ورغم صغر حجم الهجرة الصهيونية، فإن هذه الهجرة تساهم في إخلاء الجماعة اليهودية من العناصر القيادية النشيطة سياسياً وتنظيمياً ومن العناصر المهتمة بهويتها اليهودية، وهذا ما يعني إفقار الجماعة اليهودية وإضعافها والقضاء على فرصة ظهور قيادة في صفوفها. وعند انتخاب منعم رئيساً لجمهورية الأرجنتين، بدلاً من ألفونسين، توقعت المؤسسة الحاكمة في الدولة الصهيونية أن بضعة آلاف من أعضاء الجماعة اليهودية سيهاجرون إليها. ولكن الذي حدث أنه هاجرت بضع مئات لم يسعدها الوضع كثيراً فعادت أدراجها أو هاجرت إلى الولايات المتحدة، نقطة الجذب الأساسية ليهود العالم. ويُلاحَظ أن الهجرة، في الماضي، كانت مقصورة على الفقراء وأعضاء الطبقة الوسطى الصغيرة، ولكن هذا النمط تغيَّر مؤخراً إذ أن عناصر الطرد في أمريكا اللاتينية تزايدت إلى درجة جعلت كل العناصر الثرية (التي تشكل النخبة القائدة) تبدأ هي الأخرى في الهجرة. والواقع أن الجماعات اليهودية ليست ملتفة التفافاً كاملاً حول الصهيونية ومُثُلها، فثمة توترات عميقة بين الجماعة اليهودية والدولة الصهيونية لعل من أهمها دعم الدولة الصهيونية لنظم فاشية شمولية تقمع كل الجماعات الرافضة وكذلك أعضاء الأقليات وضمن ذلك اليهود. وقد قامت الدولة الصهيونية ببيع السلاح للنظام العسكري في الأرجنتين، كما قام شامير ونافون بزيارة الأرجنتين في وقت كان معروفاً فيه أن الحكومة قامت باعتقال أعداد كبيرة من الشباب اليهودي بسبب انتمائهم السياسي والديني. وقد نُشرت صورة الجنود الإسرائيليين (الحرس الخاص برئيس الدولة الصهيونية) وهم يقومون بضرب بعض النساء اليهوديات اللائي كن يحاولن أن يوسطنه للإفراج عن أبنائهن. وينعكس التوتر بين أعضاء الجماعة والدولة الصهيونية في انصرافهم عن انتخابات المنظمة الصهيونية (وإن كانت هذه ظاهرة غير مقصورة على الأرجنتين) ، كما ظهرت جمعية اسمها بريرا تحاول أن تتبنى خطاً يتملص من الصهيونية. ولكن، مهما كانت درجة الالتفاف أو التملص أو حتى الرفض، فإن الصهيونية تُخَلخل وضع الجماعة وتزيد هامشيتها. وإلى جانب عناصر الطرد السابقة، هناك عناصر أخرى تساهم في عملية موت الشعب اليهودي في أمريكا اللاتينية، ولكنها عناصر عامة وليست مقصورة على اليهود وحدهم، من بينها توقُّف الهجرة من الخارج. فهذه البلاد لم تَعُد ترحب كثيراً بالمهاجرين. كما أن المصدر الحقيقي الوحيد للمهاجرين اليهود في العالم هو الاتحاد السوفيتي. وليس من المتوقع أن يتوجه أي من هؤلاء إلى أمريكا اللاتينية بحكم تكوينهم الثقافي وطموحهم الطبقي وبحكم قوانين الهجرة في أمريكا اللاتينية. كما أن نسبة المواليد منخفضة بين الجماعات اليهودية (طفلان لكل أسرة) بسبب تركزهم في المدن وارتفاع المستوى الاقتصادي. وبالتالي، نجد أن فئات العمر العالية آخذة في التزايد، وخصوصاً أن أعداداً متزايدة من الشباب إما أن تهاجر أو تسقط انتماءها اليهودي. ومن هنا نجد أن معدل الوفيات آخذ في الارتفاع. لقد تحدثنا عن هامشية أعضاء الجماعات اليهودية بالنسبة إلى المجتمع الأمريكي اللاتيني (وكانت الهامشية في المجتمعات التقليدية تؤدي إلى الانغلاق الجيتوي على التراث وإلى تكلس الهوية) . ولكن في إطار مجتمعات أمريكا اللاتينية، اختلف الوضع تماماً، فهذه التجمعات لم ترفض الزواج المختلط. ولهذا، ورغم أن المجتمع فشل في دمج اليهود عن طريق إعتاقهم، فإننا نجد أنه صهرهم عن طريق الزواج المختلط آخذ في التزايد وقد وصل إلى 30% في الستينيات، ويُتوقع له أن يزيد مع تزايد معدلات العلمنة في المجتمعات اللاتينية. كما أن كثيراً من الزيجات اليهودية تُعقد بطريقة الزواج المدني، وهو ما يدل على عزم العروسين على نبذ الانتماء اليهودي. ويُلاحَظ أن ثمة هوة بين الأجيال تزيد من انصراف الشباب عن المؤسسات اليهودية، وخصوصاً التربوية، وعن الهوية اليهودية. ومن هنا نجد أن هذا بدوره يساهم في عملية الصهر. وعلى كلٍّ، تتسم أمريكا اللاتينية بمقدرتها الفائقة على صهر الجماعات المختلفة من المهاجرين، وعلى هضمهم وصبغهم بالصبغة اللاتينية. ومن المعروف أن يهود شيلي، الذين هاجروا في أواخر القرن التاسع عشر، اختفوا تماماً. ويُقال إنه قد هاجر 150 ألف يهودي إلى البرازيل بين عامي 1885 و1935، ولم ينزح منهم سوى 5%. ومع هذا فإن عدد اليهود بلغ نحو 40 ألفاً فقط عام 1935. ولكل هذا، فمن المتوقع أن يختفي يهود أمريكا اللاتينية مع بداية القرن القادم. هويات أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية Identities of the Members of the Jewish Communities in Latin America من القضايا المهمة، التي تثيرها دراسة أوضاع الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية، قضية الهوية. ونحن نذهب إلى أنه لا توجد هوية يهودية عالمية واحدة وإنما توجد هويات يهودية مختلفة غير متجانسة، كما أن كل هوية يهودية تختلف إلى حدٍّ ما عن المحيط الثقافي المحيط بها (ومصدر الاختلاف عادةً ما يكون عناصر إثنية حملها معهم المهاجرون من أعضاء الجماعة اليهودية من مجتمعهم القديم) . ولكن اختلاف الهويات اليهودية، كلٌّ مع محيطها الثقافي، لا يعني اتفاقها الواحدة مع الأخرى، فكل هوية يهودية رغم اختلافها عن محيطها الثقافي تكتسب معظم سماتها منه وتتحدد من خلاله. وقد شبهنا هذا الوضع بالتركيب الجيولوجي الذي يحوي طبقات جيولوجية متراكمة أو متجاورة، ولكنها لا تتفاعل الواحدة مع الأخرى. وتتبدَّى خاصية التركيب الجيولوجي التراكمي في الجماعات اليهودية التي هاجرت إلى أمريكا اللاتينية، فهناك اليهود الإشكناز من شرق أوربا (يهود اليديشية) ، وهناك يهود بوزنان (في سلفادور وجواتيمالا) ، وهناك يهود بيساربيا والمجر في نيكارجوا، وهناك يهود بولندا في كوستاريكا وغيرها من البلاد، وهناك كذلك اليهود الروس واليهود الليتوانيون والجاليشيون. والعلاقات بين الجماعات السابقة لا تتسم بالمودة، فالليتوانيون والجاليشيون في حالة صراع دائم مع بعضهم البعض. أما اليهود الروس الذين يظنون أنهم يتحدثون اليديشية بطريقة أفضل، فهم يتعالون على الفريقين السابقين. وهناك، كذلك، اليهود الألمان الذين لا يعتبرهم يهود شرق أوربا يهوداً على الإطلاق، فهم مازالوا يكنون احتقارهم الألماني التقليدي للسلاف والذي يتبدَّى في شكل احتقار يهود شرق أوربا (إيست يودين) . ولا نعرف الكثير عن موقف يهود فرنسا ويهود إنجلترا من هؤلاء جميعاً. ولكن بناءً على معلوماتنا عن أمريكا اللاتينية، فإنهم يحتفظون بكل تأكيد بهويتهم الفرنسية والإنجليزية على التوالي، وإن كان من المحتمل أيضاً أنهم قد انضموا إلى إحدى المجموعات السالفة الذكر باعتبار أن معظمهم من أصل شرق أوربي (يديشي) . وفي مقابل كل هؤلاء الإشكناز، هناك السفارد الذين يتحدثون اللادينو، وهؤلاء يعتبرون أنفسهم أرستقراطية حقة، فثقافتهم إسبانية وجذورهم أيبيرية، ولذا فإنهم يعزلون أنفسهم عن الإشكناز وعن يهود البلاد العربية الذين يتحدثون العربية، وينقسمون بدورهم إلى يهود حلب ويهود دمشق، كما توجد مجموعة جاءت من المغرب. وكل هذه المجموعات تنقسم إلى أقسام مختلفة، فمنهم المتدين ومنهم الملحد ومنهم منْ تخفَّف من عقيدته دون أن يدير لها ظهره تماماً. وقد بدأت تظهر في صفوفهم اليهودية المحافظة واليهودية الإصلاحية. وينقسم أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات إثنية مختلفة لا يربطها رابط. ويتبدى عدم التجانس بين الجماعات والهويات اليهودية بشكل مثير وجلي في أمريكا اللاتينية، فإدراكهم لأنفسهم ليس موحداً، وسلوكهم تجاه أنفسهم وتجاه اليهود الآخرين وتجاه الأغلبية تحدده خلفيتهم الإثنية. ولكن، من المفارقات أننا نجد أن مجتمع الأغلبية مازال يسميهم «اليهود» ، وهي تسمية تفترض الوحدة حيث لا توجد وحدة. وتظل ظاهرة التركيب الجيولوجي لهويات الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية قائمة، بينما نجد أن الهويات اليهودية المختلفة قد اختفت في الولايات المتحدة وذابت وظهرت هوية جديدة واحدة. ذلك أن أمريكا اللاتينية لم تظهر فيها (كما حدث في الولايات المتحدة) مُثُل عليا علمانية قومية مركزية منفتحة تمنح المرء الشرعية بمقدار تحقيقه النجاح (المادي) في الحياة، أي من خلال مراكمة الثروة أو أية إنجازات مادية أخرى. ويستطيع المهاجر أن يتخلى عن هويته الإثنية أو القومية الأصلية ويكتسب هوية جديدة من خلال البوتقة التي ينصهر فيها الجميع معاً بحيث يتحوَّلون جميعاً إلى مادة بشرية أمريكية. وحين ظهرت استحالة تحقيق هذه الفكرة العضوية المتطرفة بسبب ظهور أقليات كثيرة غير بيضاء وغير بروتستانتية، اتسع نطاق الفكرة قليلاً في الستينيات فسمحت بشيء من التنوع داخل الوحدة بحيث أصبح بإمكان الأمريكي أن يحتفظ ببعض عناصر من تراثه القومي الأصلي يؤكد من خلالها هويته، شريطة ألا تتناقض إثنيته هذه مع ولائه الأمريكي الكامل، فأصبح المواطن الأمريكي أمريكياً بشرطة (بالإنجليزية: هايفينيتيد أمريكان Hyphenated American) ، فهو عربي/أمريكي أو بولندي/أمريكي أو يهودي/أمريكي، ثم تحوَّل الجميع بمرور الوقت إلى أمريكي/عربي أو أمريكي/بولندي أو أمريكي/يهودي، أي أن الجميع كان يتم صهرهم مع السماح لهم بالحفاظ على قشرة إثنية سطحية تساعد في واقع الأمر على مزيد من الاندماج وتخبئ الانصهار الفعلي. والفكرة القومية الأمريكية، سواء في صورتها الأولى أو في صورتها الثانية، تشجع المهاجر على الاندماج. وقد ساعد ذلك على تذويب الفروق بين أعضاء الجماعات اليهودية بحيث حققوا الوحدة بينهم من خلال المجتمع الأمريكي وبسببه لا رغماً عنه. أما الفكرة القومية في أمريكا اللاتينية، فلم تكن قط فكرة اندماجية على النمط الأمريكي. كما أن المثل الأعلى لم يكن قط علمانياً متطرفاً تستند الشرعية فيه إلى النجاح في الحياة وإلى مراكمة الثروات. بل إننا نجد أن ثمة عناصر أرستقراطية دخلت عليه، وأن الكاثوليكية كانت عنصراً أساسياً في تكوين الشخصية اللاتينية على مستوى الممارسة وعلى مستوى الصورة المثالية، وكان لهذا الوضع نتيجتان متناقضتان ولكنهما متلازمتان: 1 ـ تحوَّلت المجتمعات اللاتينية إلى مجتمعات مغلقة بالنسبة لليهود، وخصوصاً الإشكناز من ذوي الثقافة الغربية والألمانية، وبالتالي أصبح الانتماء الكامل مستحيلاً. 2 ـ وكعادة أعضاء الجماعات اليهودية والأقليات كافة، فإنهم يختلفون عن مجتمعهم في بعض النواحي ويتشبهون به في كثير من النواحي الأخرى. ولذا، فكما أن الكاثوليكية هي مصدر الهوية لشعوب أمريكا اللاتينية، فإن اليهودية أصبحت مصدر الهوية بالنسبة إلى يهود هذه البلاد. وحيث إن اليهودية ليست كلاًّ متجانساً، فهي تركيب جيولوجي تراكمي، وحيث إن معظم أعضاء هذه الجماعات لم يكن لديهم انتماء ديني يهودي قوي، فقد عاد كل منهم إلى تراثه الإثني اليهودي، وهو متنوع بعدد المجتمعات التي أتوا منها فأصبحت يهوديتهم مصدر فُرقة وتنوع لا مصدر وحدة وتجانس، الأمر الذي أضعف هويتهم بشكل كبير. وقد ساهمت عناصر أخرى في إضعاف هذه الهوية، من بينها أن تنوع اليهود وفرقتهم وعدم تجانسهم انعكست في التنظيمات التي تضمهم وفي مؤسساتهم اليهودية، فلا يوجد تنظيم واحد يضمهم جميعاً، وهناك تنظيمات تقوم على أسس دينية (محافظة وإصلاحية مقابل الأرثوذكس) ، أو على أسس إثنية (إشكناز مقابل سفارد) ، أو على أسس سياسية أو طبقية (البوند والشيوعيون وغيرهم مقابل الرأسماليين) . كما توجد داخل كل جماعة إثنية عشرات الجماعات. وحتى عندما ظهرت تنظيمات لادينية تستند إلى الإثنية اليهودية، فإنها لم تنجح في ضم كل اليهود. ففي بلد مثل المكسيك، على سبيل المثال، يوجد ثلاثة وستون تنظيماً تتبع لجنة مركزية واحدة، منها عشرة تنظيمات دينية وتسعة اجتماعية وثمانية ثقافية وعشرة للرعاية الاجتماعية وعشرة صهيونية وعشرة للشباب وستة لمهام مختلفة. وتوجد مؤسسات لإدارة شئون الجماعات اليهودية يُطلَق عليها اصطلاح «قهال» وقد أصبحت هذه المؤسسات ساحة قتال بين أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة (وبخاصة بين الإشكناز والسفارد) . ومن أهم نشاطات القهال الإشراف على أمور مثل الزواج والطعام والدفن. وقد أصبح الدفن بالذات من أهم نشاطات القهال، وأصبحت رسوم الدفن، التي يجأر أعضاء الجماعات اليهودية بالشكوى منها، من أهم مصادر تمويل القهال (والواقع أن سيطرة القهال على المدافن تشبه سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على الخلاص، فلا خلاص خارج الكنيسة، ولا دفن خارج القهال) . وتسيطر الحاخامية الأرثوذكسية على القهال وتأخذ موقفاً متشدداً من كثير من القضايا، الأمر الذي يعني استبعاد أعداد كبيرة من اليهود الذين تمت علمنتهم. ويتبع القهال عدد من الموظفين والحاخامات الذين لا يتمتعون بأية مكانة اجتماعية، فمكانة الحاخام في أمريكا اللاتينية أقل من مكانة الحاخام في الولايات المتحدة (مع أن هذا الأخير قد فَقَد كثيراً من أهميته) . والقيادات السياسية اليهودية منعزلة عن الشباب. وحينما اجتاحت الموجة اليسارية شباب أمريكا اللاتينية، وضمنهم الشباب اليهودي، وجد هؤلاء أن قيادتهم اليهودية التقليدية لا علاقة لها بهم ولا يمكنها أن تعمِّق هويتهم، كما لا يمكنها أن تتحدث بلغتهم. ولا توجد قيادة يهودية شابة الآن إذ أن كثيراً من العناصر الشابة تنزح إما إلى أمريكا الشمالية بأعداد كبيرة أو إلى إسرائيل. ومن الواضح أن الشباب منصرفون عن المؤسسات اليهودية، ففي انتخابات عام 1969 لم يشارك سوى ثلث اليهود، وكان معظمهم من كبار السن. ولا شك في أن نسبة المشاركين في هذه الأيام قد قلت عن ذي قبل. وقد ارتبطت القيادات اليهودية في أمريكا اللاتينية بالمنظمات اليهودية الأمريكية وتحاول التأثير على الحكومات التي تتبعها من خلال هذه المنظمات. وهو تدخُّل قد يأتي بنتيجة إيجابية مباشرة ولكنه يأتي بأثر عكسي على المدى الطويل، إذ يُقوي الإدراك المحلي لأن يهود أمريكا اللاتينية يربطهم رباط خاص بالولايات المتحدة، الأمر الذي يزيد هامشية أعضاء الجماعات اليهودية ويزيد انصراف الشباب اليهودي عنها. وينعكس الوضع نفسه على تعليم أعضاء الجماعات اليهودية، فأمريكا اللاتينية، على عكس الولايات المتحدة، لا يوجد فيها نظام تعليمي علماني إجباري مجاني قوي، وإن وُجدت مدارس حكومية فهي ذات توجه كاثوليكي قوي، وتوجد مدارس كثيرة تتبع الكنيسة. وقد انعكس هذا الوضع على نظام تعليم اليهود إذ أنشأت الجماعات اليهودية مدارس يهودية، فأنشأ السفارد مدارس تكميلية بحيث يستطيع الطالب اليهودي الانخراط في المدرسة الحكومية الأرجنتينية ثم يدرس المواد اليهودية في المدرسة اليهودية. وحينما يصل إلى مرحلة الجامعة فإنه يدخل الجامعة مع غيره من الشباب. أما الإشكناز، فأسسوا مدارس لتعليم المناهج الدراسية الأرجنتينية والإسبانية واليديشية والعبرية. وقد هاجمتهم العناصر القومية باعتبار أن مثل هذه المدارس لن تعمِّق ولاء اليهود وانتمائهم لوطنهم. ولكن المدارس اليهودية، مع هذا، لم يمكنها أن تصبح مصدراً من مصادر الهوية اليهودية. وقد أدَّى تزايد معدلات العلمنة في الأرجنتين وشيلي والبرازيل إلى اختفائها، فمثل هذه المدارس تملأ فجوة زمنية بين وصول المهاجرين بميراثهم اللغوي والثقافي وبين الاندماج الكلي لأحفادهم من أبناء الجيل الثالث أو الرابع. كما أن مثل هذه المؤسسات تساعد المهاجرين على استيعاب الصدمة الحضارية، وهي تشبه في هذا اليديشية، لغة الشارع اليهودي، التي استمرت في الولايات المتحدة حتى الأربعينيات، وفي أمريكا اللاتينية حتى الخمسينيات، واختفت تماماً بعد ذلك. ويُلاحَظ أن أحداً لا يُقبل على تَعلُّم العبرية. ولا تختلف أمريكا اللاتينية في هذا عن الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة. وقد بدأت البرتغالية والإسبانية تحلان محل أية لغات أخرى جاء بها أعضاء الجماعة اليهودية. كما يُلاحَظ أن المدارس اليهودية لا تزدهر إلا في البلاد التي لا تتمتع بمعدلات علمنة عالية والتي تسود فيها المثل الكاثوليكية كما هو الحال في بيرو، أي أن انتشار المدارس اليهودية ليس مؤشراً على مدى تَقبُّل المجتمع لليهود وتسامحه معهم أو مدى نفوذهم وسطوتهم وإنما هو مؤشر على عدم تقبُّلهم وعزلتهم. وبهذا المعنى، يمكن القول بأن الكنيسة الكاثوليكية أكبر مصادر الهوية اليهودية، وهذه مفارقة كبرى، فما يحدد مدى نجاح أو فشل المدارس اليهودية حركيات المجتمع وليس حجم الميزانيات المخصصة كما تتصور المنظمات اليهودية في أمريكا اللاتينية. ولعل هذا يجعلنا نعيد النظر في الاتهام الذي كان يوجه إلى الاتحاد السوفيتي بأنه قضى على اليديشية وعلى المدارس اليهودية. فالواقع أن معدلات العلمنة والتصنيع وإتاحة فرص الحراك الاجتماعي أمام اليهود هي التي أدَّت إلى القضاء على اليديشية وعلى المدارس اليهودية، فمع تَزايُد الفرص المتاحة أمام أعضاء الجماعة اليهودية أصبح من صالح الأسر اليهودية أن تُلحق أولادها بالمدارس الحكومية كي يتعلموا الخبرات اللازمة للاستفادة تماماً من الفرص المتاحة، كما حدث في الأرجنتين وشيلي والبرازيل، وهي البلاد التي تضم الأغلبية العظمى من يهود أمريكا اللاتينية. وكان يمكن للانتماء الديني اليهودي أن يقوي الهوية اليهودية، ولكن جماعات المهاجرين اليهودية كانت، كما أسلفنا، قد فقدت انتماءها الديني. ولذا، فإنها حولت الرموز الدينية إلى رموز إثنية، وأصبحت العبادة شكلاً من أشكال التضامن الإثني. وجمعيات الدفن التي تُعَد أهم المؤسسات اليهودية، بل المعابد اليهودية نفسها، ليست لها علاقة كبيرة بالدين أو بمعدلات الإيمان إذ يتم تأسيسها لأسباب إثنية. ومن هنا نجد أن كل جماعة يهودية لها معبدها، فالمعبد في أمريكا اللاتينية الكاثوليكية هو المعادل البنيوي لمراكز أو نوادي الجماعة في الولايات المتحدة. وبالتالي، لا يعتبر عدد المعابد اليهودية مؤشراً على الانتماء الديني إذ أن وجود المعابد لا يعني وجود العابدين. وعلى سبيل المثال، يوجد في سنتياجو عدة معابد يهودية لا يستكمل أي منها النصاب (المنيان) المطلوب لإقامة الصلاة اليهودية وهو عشرة أشخاص. وفي بيونس أيرس، يوجد خمسون معبداً يهودياً ولا يوجد حاخامات إلا في أقل من نصفها فقط. وفي عام 1970، لم يكن يوجد في أمريكا اللاتينية سوى خمسة وأربعين حاخاماً كلهم من أوربا. ولم تكن توجد مدارس لاهوتية لتخريج الحاخامات. وقد أُسِّست أخيراً مدرسة شبه لاهوتية تُدرَس فيها بعض المقررات الدينية. ولكن، لكي يُرسَّم الخريج حاخاماً، فلابد أن يدخل مدرسة لاهوتية في نيويورك أو القدس. والمدرسة اللاهوتية آنفة الذكر تابعة لليهودية المحافظة الآخذة في الانتشار في أمريكا اللاتينية. ومما يساهم في إضعاف الانتماء الديني أن الحاخامات الأرثوذكس هم المسيطرون على المؤسسات الدينية، وهم يرفضون إدخال أية تجديدات ويرفضون عقد أي زواج مُختلَط رغم تزايد عدد الزيجات المُختلَطة. وبطبيعة الحال، يتزايد الانصراف عن الدين في صفوف الشباب، فقد أعلن 55% من الطلبة اليهود الجامعيين في الأرجنتين أنهم لا يؤمنون بالإله (ملحدون ولاأدريون) . ولا يحضر الصلاة سوى 4% من الشباب. وتوجد نسبة كبيرة من الشباب اليهودي الذي لا يعرف كيف يؤدي الشعائر اليهودية ومن بينها شعيرة الصلاة. ويمكن القول بأن الموقف السائد هو موقف عدم الاكتراث من الدين وهو على أية حال النمط السائد في المجتمعات العلمانية. ويبدو أن معدلات العلمنة قد ارتفعت بشكل مذهل. فقد قال أحد الحاخامات إن يهود أمريكا اللاتينية يكرسون أنفسهم لملذاتهم الدنيوية بطريقة متطرفة، بحيث يبدو سكان تل أبيب (المشهورون بالانفتاح المتطرف) كما لو كانوا من الرهبان مقارنةً بهم. وقال الحاخام مازحاً: لقد دخلت النساء عصر ما بعد البكيني (على غرار ما بعد الأيديولوجيا وما بعد الحداثة) إذ يلبسن مايوهات صغيرة جداً تُسمَّى «دنتال فلوس dental floss» ، وهو الخيط الرفيع الذي يستخدم لتنظيف ما بين الأسنان. وقد بدأت مؤسسة جديدة تحل محل جمعيات الدفن والقهال أو المعبد، وهي النادي الرياضي، والنادي مؤسسة معروفة في معظم أنحاء أمريكا اللاتينية تؤسسها الجماعات المهاجرة، وهذه النوادي لا تشتغل بالدين أو السياسة ولا تحاول تغذية الإثنيات اليهودية المختلفة، وهي مؤسسات ضخمة كل منها عبارة عن نادي كبير فيه حمامات سباحة وقاعات ديسكو ومطاعم تقدم الطعام المباح وغير المباح شرعاً. وقد رصدنا حتى الآن عنصرين أحدهما انغلاق المجتمعات الكاثوليكية، وهو عنصر كان من المفروض أن يؤدي إلى إثراء الهوية اليهودية ولكنه أدَّى في واقع الأمر إلى تفتتها إلى هويات إثنية مختلفة. أما العنصر الثاني، فهو ضعف الهوية اليهودية الذي أدَّت إليه عناصر كثيرة مثل تزايد معدلات العلمنة وتساقط النظام التعليمي. ويمكننا الآن أن نشير إلى عنصرين آخرين ساهما في هذه العملية: العنصر الأول هو الثراء الحضاري لأمريكا اللاتينية، فلتراثها امتداد تاريخي ينعكس في الموسيقى واللغة والأدب والرموز الحضارية. ويقوم الشباب من أعضاء الجماعات اليهودية بمقارنة ذلك كله بميراثهم الحضاري الإشكنازي أو السفاردي فيكتشفون مدى ضآلته، كما أنهم ينظرون إلى الصهيونية باعتبارها إطاراً للتعامل مع الواقع يزودهم بالمعنى، فيجدون أنها لا تجيب على أي من أسئلتهم. ولذا، فهم يكتسبون الهوية اللاتينية بأعداد متزايدة. كما أن حضارة أمريكا اللاتينية قد تكون رموزها الكاثوليكية مغلقة إلا أنها لم تعارض قط الزواج المُختلَط. ولذا، فإن أعضاء الجماعات اليهودية إن كانوا لا يندمجون، فإنهم ينصهرون من خلال هذا الطريق، وتقوم أمريكا اللاتينية بهضمهم بكفاءة شديدة. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يوجدون، كما أسلفنا، بين الفلاحين بتراثهم الكاثوليكي، ولا بين العمال الذين تنتظمهم إما جماعات اشتراكية أو نقابات عمال كاثوليكية، وإنما يوجدون في المدن الكبيرة بين أعضاء الطبقة الوسطى التي تزداد بينها معدلات العلمنة، وبالتالي يتزايد الزواج المختلط الذي وصل إلى 50% في المدن الكبرى. ولكن حيث إن حجم الجماعات اليهودية في المناطق الريفية صغير، نجد أن نسبة الزواج المختلط تزيد عن مثيلتها في المدن الكبرى. وتوجد أعداد متزايدة من أعضاء الطبقات الوسطى يعارضون المؤسسة الدينية ويؤسسون جماعات معادية للكنيسة والكهنوت. وينخرط أعضاء الجماعات اليهودية في مثل هذه الجماعات، وخصوصاً في المحافل الماسونية التي تُعَد من أهم مواضع التقاء أعضاء الجماعات اليهودية بأعضاء الطبقة الوسطى اللاتينية التي تعلمنت. وفيما يتصل بالمنظمات اليهودية في أمريكا اللاتينية، فيوجد فرع للمؤتمر اليهودي العالمي على مستوى القارة مقره بيونس أيرس، وأهم الهيئات في الأرجنتين هي ديليجاسيون ديس أسوسيانيس إسرائيليتاس أرجنتيناس. (الهيئة التمثيلية للمنظمات اليهودية الأرجنتينية) Delegacion des Associanes Israelitas Argentinas، واختصارها دايا DAIA، وهي التي تتحدث باسم الجماعة أمام الحكومة وتمثل يهود الأرجنتين في المؤتمر اليهودي العالمي والقهال الإشكنازي. كما توجد عدة منظمات سفاردية أهمها: جمعية يهود السفارد في بيونس أيرس. أما أهم المنظمات في البرازيل فهي كونفدريساو إسرائيليتا دو برازيل (الاتحاد الإسرائيلي للبرازيل Confederacao Israelita do Brasil) ، واختصارها CIB ومقرها ساو باولو. وهي المنظمة المركزية التي تضم جميع الاتحادات اليهودية المحلية في البرازيل، وهي التي تمثل يهود البرازيل في المؤتمر اليهودي العالمي. وتنشط المنظمة الصهيونية في صفوف المنظمات والاتحادات اليهودية. وظائف أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية Occupations of the Members of the Jewish Communities in Latin America لا يمكن فهم الوضع الطبقي لأعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية، وتوزُّعهم الوظيفي والمهني والحرفي، إلا من خلال رؤيتهم باعتبارهم أقلية مهاجرة. وقد وصل اليهود إلى أمريكا اللاتينية بعد عدة قرون من تأسيس هذا المجتمع، وبعد أن اكتمل كثير من ملامحه الاقتصادية والثقافية. وقد نتج عن ذلك عدة أشياء من بينها أن أعضاء الجماعة اليهودية، عند وصولهم، وجدوا أن المهن الإنتاجية الأولية (الزراعة والتعدين) تم شغلها من قبَل المستوطنين الأوائل. وحتى إن وُجدت فيها فرص فهي عادةً، بسبب الميراث الحضاري، لا يغتنمها إلا السكان المحليون. ولذا، نجد أن اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية في الزراعة أقل بكثير من النسبة على المستوى القومي، وضمن ذلك الأرجنتين التي تضم أكبر مشروع للاستيطان الزراعي خارج إسرائيل. واتجه أعضاء الجماعات اليهودية المهاجرون، بطبيعة الحال، إلى القطاعات غير المتطورة في الاقتصاد وإلى أعمال الوساطة التي تقوم بها الجماعات الإثنية الغريبة والمهاجرة. وقد كان القطاعان التجاري والصناعي مُهمَلين في مجتمعات أمريكا اللاتينية بسبب سيطرة القيم التقليدية (الكاثوليكية) مثل الاحتقار التقليدي للتجارة والصناعة حيث ترتبط الأرستقراطية بفكرة الحسب والنسب وملكية الأرض. ومثل هذه المجتمعات ترفض القيم العقلانية والنفعية (البروتستانتية) ، مثل حب الإنجاز والتوجه نحوه والتلهف على مراكمة الثروة، وتفضل البحث عن السعادة والتوازن وتركز على حياة التأمل والزهد. وهي لا تؤمن بأن العمل خير في ذاته، أو قيمة مطلقة يجب الالتزام بها بغض النظر عن نتائجها، بل تراه شراً لابد منه، وهي لا تقبل التنافس والتناحر بوصفه وسيلة مشروعة للبقاء وتركز على الجماعية والتكافل والتراحم. ويُلاحَظ أن القطاع التجاري والصناعي في أمريكا اللاتينية قطاع أجنبي بالدرجة الأولى، فقد كان رأس المال أجنبياً وكذلك كان العمال المهرة. وفي الأرجنتين، على سبيل المثال، كان 80% من قطاع الصناعة والتجارة في أيد أجنبية عام 1895. وفي عام 1959، كان 45.5% من مجموع المستثمرين من الأجانب، ونسبة عالية من الباقين كانوا من مواليد الأرجنتين ولكن من أبوين مهاجرين. ولذا، لم يكن اتجاه اليهود نحو هذين القطاعين غريباً. وقد كان القطاع التجاري، كما أسلفنا، يتسم بالتخلف. ومن ثم، اعتمدت مناطق واسعة في الأرجنتين على تصدير محاصيلها وموادها الخام. ولكن هذه المناطق كانت، مع هذا، تضم عدداً لا بأس به من السكان محدودي الدخل تتزايد تطلعاتهم الاستهلاكية، وخصوصاً بعد أن بدأوا يختلطون بالمهاجرين الذين أحضروا أنماطاً استهلاكية غير مألوفة، أي أن احتياجات بشرية جديدة ظهرت وكان لابد من الوفاء بها. وهنا يأتي دور الجماعة الوظيفية المالية الوسيطة لأن التاجر الأرجنتيني المحلي لم يكن يتاجر إلا في البضائع المستوردة الفاخرة مرتفعة الثمن وهو ما جعلها مقصورة على الأغنياء بعيدة عن متناول الفقراء. كما لم يكن التاجر الأرجنتيني يقدم أية تسهيلات ائتمانية لزبائنه إذ كان عليهم أن يدفعوا الثمن نقداً. وداخل هذا الإطار، لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً ريادياً مهماً، فهم ككل الجماعات المهاجرة يتسمون عادةً بعدة سمات من بينها تحرُّرهم النسبي من التقاليد والقيم، أية تقاليد وأية قيم. وهم لا يدينون بالولاء للقيم الأخلاقية أو الدنيوية للمجتمع. ولذا، فهم يشكلون عنصراً ريادياً، كما أنهم يأتون بخبرات تجارية ومالية ليست متوافرة في المجتمع المضيف بفضل ميراثهم الاقتصادي. ففي بلادهم الأصلية، أساساً روسيا، كانوا يعملون باعة جائلين يتاجرون في السلع الرخيصة ويتحملون من المخاطر ما لا يتحمله التاجر المحلي المستقر، ويصلون إلى الأماكن التي لا تصل إليها ذراع المؤسسات الاقتصادية الحديثة. وقد جاءوا دون أي رأسمال أو جاءوا برأسمال صغير لا يُذكَر، ولكنهم كانوا يملكون مجموعة من المهارات غير المتوافرة في المجتمع، ولهذا اتجهوا نحو البحث عن مجالات جديدة في الصناعة والتجارة لا تحتاج إلى رأسمال كبير بقدر ما تحتاج إلى مهارات خاصة. وقد كان من بين المهاجرين عمال في صناعة الملابس ونجارون وصناع أثاث وجواهرجية وصناع ساعات وعمال بناء وصناع أحذية وقبعات وخبازون. فتركزوا في إنتاج هذه السلع، وارتادوا كل الأسواق، ووصلوا إلى قطاع محدودي الدخل، وخصوصاً أنهم كانوا على استعداد للبيع بالتقسيط. وقد كان كثير من التجار المتجولين حرفيين في بلادهم، فكانت العملية الاقتصادية تبدأ بصناعة السلع في المنزل داخل إطار الاقتصاد المنزلي والصناعة المنزلية حيث يقوم أعضاء الأسرة بعملية التصنيع بأنفسهم. وقد أسهم التاجر اليهودي المتجول في زيادة الإقبال على السلع الاستهلاكية والترفية، فوسَّع نطاق السوق وحجم الطلب، وهو ما ساهم في تنشيط اقتصاديات المنطقة التي يرتادها. وكان هذا واضحاً في الأرجنتين على سبيل المثال. ولكن، بطبيعة الحال، زاد هذا النشاط أيضاً حسد الوسطاء الآخرين الذين ألفوا الطرق التقليدية في التسويق. وقد كان هناك بعض أعضاء الجماعات اليهودية ممن لا كفاءات لهم، أو ممن لهم كفاءات لا يستطيع المجتمع استخدامها مثل طلبة الجامعات الروسية الثوريين الذين نفاهم النظام القيصري أو موظفي الحكومة الذين كانوا يعملون في وظائف السكرتارية ولكنهم لا يجيدون اللغة الإسبانية أو البرتغالية. كل هؤلاء استوعبتهم الوظائف الهامشية في المدينة، أو انخرطوا في صفوف الطبقة العاملة (اليهودية) حيث كانوا يعملون في المصانع التي يمتلكها يهود، وهو ما كان يجعلهم عرضة للاستغلال إذ أن فرص الالتحاق بمصانع أخرى كانت ضعيفة أو منعدمة. ويجب ملاحظة أن عدد أعضاء الجماعات اليهودية الذين انخرطوا في سلك الطبقة العاملة كان صغيراً لأن القاعدة الصناعية في أمريكا اللاتينية كانت صغيرة والأجور كانت أقل كثيراً من نظيرتها في أوربا، كما لم تكن توجد اتحادات عمالية لحماية العمال. كذلك ظهر بين اليهود صناعات منزلية بدائية فيما يُسمَّى «ورش العرق» ، وهي صناعات ملابس تُعدُّ امتداداً لتركز اليهود في أعمال الرهونات في روسيا. ومن الأعمال التي عمل بها أعضاء الجماعات اليهودية مهنة البغاء الذي يُعدُّ شكلاً من أشكال التجارة المتجولة. فالبغيّ مثل التاجر المتجول، فقيرة لا تملك شيئاً وتود أن تبيع السلعة التي يرغبها الجمهور. والظروف التي أدَّت إلى ظهور التاجر المتجول هي نفسها التي أدَّت إلى ظهور البغاء، أي وجود حاجة ما لدى المجتمع لا يمكنه الوفاء بها داخل مؤسساته القائمة، وهي في هذه الحالة وجود عدد كبير من الذكور المهاجرين بدون إناث. ويضاف إلى هذا وجود عدد كبير من الإناث اليهوديات في منطقة الاستيطان اليهودية، وخصوصاً جاليشيا، من الراغبات في الحراك الاجتماعي. وقد ظهرت شخصية القواد اليهودي الذي كان يَعدُ ضحيته بحياة مريحة فيها قسط من المتعة والراحة يختلف عن حياة الشقاء في ورش العرق والمستوطنات الزراعية. وكان القوادون دعامة المسرح اليديشي وحياة اللهو في المدن الأرجنتينية. وترتبط أمريكا اللاتينية بتجربة يهودية في الاستيطان الزراعي (تجربة البارون هيرش) وهي تجربة لم يُقدَّر لها النجاح لأسباب كثيرة ومركبة. وقد تطورت مجتمعات أمريكا اللاتينية وتزايدت معدلات التصنيع والتحديث، ولم يبق وضع أعضاء الجماعات اليهودية على ما كان عليه إذ أتيحت أمامهم فرص جديدة. وساعدت الحربان العالميتان على هذه العملية. ولذا، نجد أن اليهود حققوا حراكاً اجتماعياً في الأرجنتين والبرازيل وشيلي، وهي البلاد التي تركز فيها الغالبية العظمى من اليهود، كما أنها البلاد التي حقق سكانها دخلاً عالياً ومعدلات عالية من التصنيع. وقد أخذ هذا الحراك أشكالاً كثيرة، فالبائع اليهودي المتجول الذي عمل في هذه المهنة كعمل مؤقت، وكذا العامل الذي كان يعمل في المصنع بشكل غير نهائي لتحقيق بعض الأرباح لأنه مضطر إلى ذلك، وذلك الذي لم يكن قانعاً بوضعه بسبب جذوره الطبقية، هؤلاء كانوا يشترون محالَّ ثابتة ويتحولون إما إلى صاحب عمل ثابت أو تاجر صغير أو يتجهون إلى الصناعة مستخدمين مهارات المهاجرين اليهود من أوربا لتصنيع المواد الخام المحلية. وقد نجح اليهود في كلتا الوظيفتين لأنهم غير مرتبطين بأي وطن أصلي يرسلون إليه أرباحهم، بل كانوا يعيدون استثمار الأرباح التي يحققونها، وهو ما أدَّى إلى اتساع حجم مشروعاتهم التجارية والصناعية. اتجه أعضاء الجماعات اليهودية إلى الصناعة في فترة مبكرة. فمنذ عام 1884، تركَّز اليهود في صناعة تكرير السكر ومعامل التبغ والخشب والكيماويات والزيوت والعطور ومصانع التغليف والنظارات وأجهزة التكييف. ويُلاحَظ أن هذه الصناعات جميعاً صناعات استهلاكية وصفت بأنها صناعات قريبة من المستهلك، على عكس الصناعات الثقيلة الأولية البعيدة عن مرحلة الاستهلاك (المرحلة النهائية) . ولا شك في أن هذا يعود إلى الميراث الاقتصادي للمهاجرين اليهود. وقد عمل اليهود أيضاً منذ فترة مبكرة بالتصدير والاستيراد، كما عملوا كمديرين ومهندسين. وقد تطوَّر كل هذا بتزايد معدلات التصنيع والعلمنة، حتى نجد أن 37% من أعضاء الجماعات اليهودية في الأرجنتين كانوا يعملون، في السبعينيات، في قطاع التجارة، و22% في الصناعة، و10% كمديرين، وهي نسبة أعلى من النسبة القومية (وقد اختلفت النسبة قليلاً في الثمانينيات إذ بلغ عدد الذين يقومون بأعمال تجارية 50% مقابل 22.5% في القطاع المالي وقطاع الخدمات) . وفي البرازيل، بعد المعجزة الاقتصادية في السبعينيات، نجد أن 27% من أصحاب الأعمال منهم. وقد حقق أبناء المهاجرين من العمال وصغار التجار حراكاً اجتماعياً. ولكن هذه العملية استغرقت وقتاً طويلاً نسبياً، فأحفاد المهاجرين في أمريكا الشمالية أصبحوا مهنين، أي أفراداً في النخبة. أما في أمريكا اللاتينية، فقد حققوا معدل الحراك نفسه في أربعة أجيال بدلاً من ثلاثة. ويتضح نجاح أعضاء الجماعة في تحقيق قسط كبير من الحراك من واقع أن أعداداً متزايدة من الشباب اليهود تتلقى تعليماً جامعياً وتتركز في المهن وقطاع الخدمات أقل من تركزها في التجارة. ويمكن وصف هذه العملية بأنها تبرجز الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية، وتحوُّلها من جماعة وظيفية مالية وسيطة إلى جماعة تنخرط في سلك الطبقة الوسطى اللاتينية. ولكن ثمة خصوصية لاتينية للطبقة الوسطى تنعكس بطبيعة الحال على أعضاء الجماعة اليهودية. فيُلاحَظ، حينما يتحول العامل اليهودي في الولايات المتحدة إلى عضو في الطبقة الوسطى، أنه ينخرط في سلك طبقة وسطى قوية. أما في أمريكا اللاتينية، فإنه ينخرط في سلك طبقة وسطى محدودة وضعيفة محصورة بين الأرستقراطية وجماهير الفلاحين والعمال المعدمين. ولذا، فهم يصبحون جزءاً من الجماعات الثرية (القطط السمان) في البلاد النامية التي تتسم بوجود هوة اجتماعية واقتصادية بينها وبين الجماهير الفقيرة. وهذا الاستقطاب الطبقي يؤدي إلى ظاهرة العنف في النشاط السياسي ويخلق مشكلات أمنية. وقد تحالف أعضاء الطبقة الوسطى المعادية للكنيسة داخل المحافل الماسونية وغيرها من المؤسسات العلمانية مع أعضاء الجماعات اليهودية الذين شقوا طريقهم. توطين أعضاء الجماعات اليهودية في الأرجنتين Settlement of the Members of the Jewish Communities in Argentina ترتبط أمريكا اللاتينية بتجربة يهودية في الاستيطان الزراعي هي قيام البارون هيرش بتوطين عدة آلاف من اليهود في الأرجنتين ضمن محاولته تحويل الفائض البشري اليهودي عن أوربا وتوجيهه إلى بقعة أخرى في العالم، حيث يمكن تحويلهم من عناصر طفيلية هامشية ضارة (كما كان يُقال آنذاك) إلى عناصر إنتاجية نافعة. وقد ارتبطت الإنتاجية بالزراعة لأنها كانت كذلك في التراث الشعبي والفكر الشعبوي الروسي الذي تأثر به أعضاء الجماعات اليهودية (ومنهم الصهاينة) . وقد أشرفت عدة وكالات يهودية على عملية التوطين من أهمها رابطة الاستيطان اليهودي (إيكا) التي قامت بتوطين اليهود في الأرجنتين وجمهورية الدومينكان وبوليفيا، وهي دول كانت تحتاج إلى مهاجرين للعمل في الزراعة حيث كانت تتوافر فيها أراض زراعية تُعطَى للوافدين الجدد بتسهيلات ائتمانية مريحة. وكانت نسبة اليهود الذين يعملون بالزراعة عام 1935، أي قبل الحرب العالمية الثانية، هي: 4.3% من يهود بولندا، و4.2% من يهود روسيا، و2.2% من يهود الولايات المتحدة، و5.8% من يهود الأرجنتين، وكانت هذه أعلى نسبة في العالم. وكانت النسبة قبل ذلك أعلى كثيراً، فقد وصلت إلى 22% عام 1920، ولكن العدد انخفض وتضاءل حتى أنه لم يزد في الستينيات على 2%. والواقع أن العدد آخذ في التضاؤل حتى أن كل ما تبقى من التجربة هو آثارها وبعض الظواهر التي تتسم بالطرافة مثل ظاهرة الكاوبوي اليهودي في هذه المستوطنات. ويعود فشل التجربة في الأرجنتين إلى عدة أسباب مرتبطة بحركيات المجتمع الأرجنتيني وخصوصيته ولا علاقة لها بما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ولا بأية حركيات اجتماعية مقصورة على أعضاء الجماعة اليهودية ولا بطبيعة اليهود الأزلية التي تنفر ـ كما يقول العنصريون ـ من الزراعة: 1 ـ كانت الهيئات التوطينية اليهودية هيئات غير حكومية ليست لها صلاحيات كافية، كما أنها كانت تقوم بتوطين اليهود في أي مكان متاح في العالم، الأمر الذي كان يعني أن هذه الهيئات لم تكن مهتمة كثيراً بالأوضاع المحلية، وكانت تدرس الظروف الصالحة للتوطين من الناحية المادية والخارجية الظاهرة دون اعتبار كبير للأبعاد الثقافية الكامنة الداخلية الخاصة بجماعة المهاجرين اليهود. وقد كانت هذه الوكالات جاهلة تماماً بالظروف الثقافية المحلية وبظروف يهود شرق أوربا وبالتوترات التي يمكن أن تنجم عن توطين اليهود في أمريكا اللاتينية. 2 ـ كان يهيمن على هذه الهيئات يهود فرنسا المندمجون. وهؤلاء كانوا يرون أن الهدف من نشاطهم التوطيني ليس إنقاذ اليهود وحسب وإنما دمجهم في مجتمعاتهم تماماً كما اندمجوا هم في مجتمعهم الفرنسي اندماجاً كاملاً. وقد بذلوا جهوداً متطرفة في هذا المضمار. وهم، إلى جانب هذا، كانوا يكنون احتقاراً عميقاً ليهود اليديشية من شرق أوربا وثقافة الشتتل المتدنية. ولذا، كانوا يرون أنها ثقافة لا تستحق الحفاظ عليها. وقد قاومت هذه الهيئات فكرة إنشاء نظام تعليمي خاص باليهود، خشية أن يحافظوا على هويتهم اليديشية الشرق أوربية مع أن مثل هذا النظام التعليمي، بسبب طبيعته المختلطة، حيث يتضمن مقررات دراسية مختلطة أرجنتينية ويهودية شرق أوربية، يشكل عادةً وسيلة مهمة من وسائل التأقلم والدمج. 3 ـ هذه الهيئات لم تشرك المهاجرين في صنع القرارت الخاصة بهم والتي تحدد مصيرهم، وهو ما زاد تفاقم كثير من المشاكل. 4 ـ تم توطين المهاجرين اليهود في ضياع صغيرة (بالأسبانية: «ميني فونديا minifundia» ) وليس في الضياع الكبيرة (بالأسبانية: «لاتيفونديا latifundia» ) ذلك لأن المؤسسات اليهودية التوطينية لم يكن لديها إمكانات مالية لشراء ضياع كبيرة، كما أنها كانت ترى ضرورة ألا يحقق اليهود بروزاً أو تركزاً غير عادي في أي من المناطق. ومع هذا، يوجد الآن مزارعون يهود يملكون ضياعاً أصغرها حجماً تصل إلى ثمانية آلاف هكتار، اشتراها المستوطنون الناجحون الذين راكموا بعض الثروات، كما أن بعض اليهود استخدم ما حصل عليه من تعويضات ألمانية لشراء ضياع كبيرة. وأخيراً، هناك أعضاء الطبقة الوسطى الذين اشتروا ضياعاً كبيرة لاكتساب قدر من المكانة والهيبة. 5 ـ أدَّى ارتفاع أسعار الأراضي إلى قيام كثير من المستوطنين ببيع أرضهم واستثمار النقود في الصناعة والتجارة، وهو أمر كان يسيراً بالنسبة لهم بسبب الميراث الاقتصادي. 6 ـ كانت المؤسسات التوطينية تتكفل بتوطين المهاجرين الجدد وحسب وكانت ترفض المساهمة في دعم أبناء المستوطنين وتزويدهم بالأرض اللازمة للاستمرار في الزراعة. ولذا، لم يكن أمام أبناء المستوطنين من مفر من أن يعملوا أقناناً أو فلاحين بالأجر أو يهاجروا إلى المدينة. 7 ـ من المُلاحَظ أن كثيراً من الأراضي التي اشترتها الهيئات اليهودية لم تكن من أجود الأراضي الزراعية، وربما يعود هذا إلى انعدام خبرة القائمين على هذه الهيئات. 8 ـ أدَّى صغر حجم الضياع وتفرُّقها وتباعدها إلى صعوبة الحفاظ على الحياة اليهودية الجماعية التي تتركز حول المعبد والطعام الشرعي والمدرسة الدينية والمدفن. 9 ـ كان للمدن جاذبية خاصة بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية المهاجرة بسبب أصولهم الحضارية في شرق أوربا وعدم خبرتهم بالزراعة. وكذلك وجد اليهود في المدينة تلك المؤسسات اليهودية اللازمة لحياتهم اليهودية والتي لم توفرها لهم الهيئات التوطينية. كما أن أعضاء الجماعة كانوا أساساً جماعة حضرية لها طموحات حضرية مثل الرغبة في الأمن الاقتصادي وتحقيق الحراك الوظيفي، كما كان لها أسلوب حياة يركز على الإنجاز في مجال التعليم ذي الآفاق الواسعة، وهي أمور كان يمكن تحقيق بعضها في سياق حضري ولا يمكن تحقيقها في بيئة ريفية. 10 ـ إلى جانب العناصر السابقة الخاصة بالمؤسسات اليهودية والتكوين الحضاري الشرق أوربي لليهود، وميراثهم الاقتصادي، هناك عناصر خاصة بالمجتمع الأرجنتيني نفسه من بينها أن القطاع الزراعي في الأرجنتين والعالم بأسره كان قد بدأ يفقد شكله التقليدي ويصبح جزءاً من النظام الرأسمالي العالمي والاقتصادي النقدي والميكنة الزراعية. وكان القطاع الزراعي، كذلك، آخذاً في الانكماش أو لم يَعُد فيه مجال للمزارع الصغيرة. 11 ـ لم تدعم الحكومة الأرجنتينية جماعات المهاجرين التي اشتغلت بالزراعة كما لم تغيِّر نظام ملكية الأرض بشكل يتيحها للمهاجرين، ولم تقم الحكومات كذلك بتوفير البنية التحتية اللازمة للانتشار الزراعي من مدارس وغيرها. لكل هذا، تساقط الاستيطان الزراعي اليهودي في الأرجنتين تماماً كما تساقط كثير من المستوطنات غير اليهودية ونزحت أعداد كبيرة متجهة إلى الصناعات. وبذا، أصبحت المستوطنات مجرد محطات استراحة للمهاجرين تكيفوا أثناءها مع الحضارة المحيطة بهم واصطبغوا بالصبغة الأرجنتينية وأصبحوا مهيئين بشكل أفضل للاستقرار في المدن. علاقة أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية بالنخب الحاكمة Relationship between Members of the Jewish Communities and the Ruling Elites in Latin America أشرنا في المدخل السابق إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية بدأوا يصبحون أعضاء في الطبقة الوسطى. ولكننا حينما نقرر ذلك فنحن نفعل ذلك مع كثير من التحفظ لأنهم احتفظوا بالكثير من ملامح الجماعة الوظيفية المالية، فهم طبقة وسطى من ناحية الدخل والمقاييس الخارجية ونمط الاستهلاك ومتوسط العمر، ولكنهم ليسوا كذلك من ناحية التوزُّع الوظيفي والمهني أو من ناحية العلاقة مع النخبة الحاكمة. فالطبقة الوسطى توجد بين النخبة الحاكمة والجماهير، وهي تقوم بدور الوسيط. وهذا يتطلب علاقة قوية مع النخبة والجماهير وأن تكون الطبقة الوسطى جزءاً عضوياً من المجتمع ولا تتواجد في مسامه وحسب، وهو الأمر الذي لم يحققه أعضاء الجماعات اليهودية. فقد حققوا وضعاً اقتصادياً متميِّزاً، ولكنه كان في الواقع متميِّزاً لتركزهم في قطاعات بعينها دون غيرها، كما أن تميُّزهم هذا لم يترجم إلى مكانة سياسية. وهذا وضع مختلف إلى حدٍّ ما عن وضع يهود الولايات المتحدة الذين حققوا حراكاً اجتماعياً ترجم نفسه إلى مكانة رفيعة وهيبة وقوة. ولتفسير هذه الظاهرة، يجب الإشارة إلى أن الانضمام إلى النخبة أمر صعب في المجتمعات ذات التقاليد العريقة والامتداد التاريخي والهوية الواضحة. وهذه عناصر يتسم بها المجتمع اللاتيني بشكل واضح. كما أن وضع النخبة داخل هذا المجتمع، وطريقة الانضمام إليها، يستند إلى ثلاثة عناصر أساسية، هي: الكاثوليكية، وملكية الأراضي، والأصل الأرستقراطي العريق. وهي جميعاً أصول تستبعد اليهود باعتبارهم مهاجرين وغير مسيحيين، وخصوصاً أن ارتباط اليهود بالتجارة في الوجدان الغربي المسيحي ثم في الوجدان اللاتيني (وهو ارتباط تؤكده حقيقة وضع اليهود) زاد قوة الطرد خارج النخبة. وحينما ظهرت نخب جديدة في المجتمع، مثل القوات المسلحة، فإن عملية الانضمام إليها كانت تتسم بمعايير تستبعد اليهود. ولذا، نجد أن نسبة الضباط اليهود في القوات المسلحة نسبة لا تُذكَر. ولم يؤد ظهور نخب معارضة حديثة، مثل القوميين واليساريين، إلى ضم بعض أعضاء الجماعات اليهودية، بل أدَّى إلى مزيد من الاستبعاد لهم نظراً لأن هذه الحركات ذات بعد محلي وتؤكد الخصوصية، وهو ما كان يعني تأكيد رموز التراث اللاتيني الكاثوليكي. ومن العناصر الأخرى التي باعدت بينهم وبين القوى القومية واليسارية، اعتماد أعضاء الجماعة على الولايات المتحدة، وارتباط اليهود في الذهن اللاتيني باليانكي، وارتباطهم مؤخراً بإسرائيل (رجل أمريكا القبيح في أمريكا اللاتينية) . هذا على الرغم من وجود أعداد كبيرة من الشباب الأرجنتيني في صفوف اليسار. والجماعة اليهودية، إلى جانب هذا، صغيرة في حد ذاتها في كل بلاد أمريكا اللاتينية وصغيرة بالنسبة إلى عدد السكان وهي جماعات منقسمة فيما بينها. كما أن تركُّزهم في مهن وقطاعات اقتصادية معينة يعني استبعادهم من قطاعات أخرى، الأمر الذي يعني انعدام تأثيرهم فيها كما يعني ظهور شكل من أشكال الغيرة بين أعضاء الأغلبية الذين يتركزون في القطاعات التي يتواجد فيها اليهود بكثرة. ويعني هذا التركز أيضاً أنهم غير ممثَّلين في كل الطبقات وفي مؤسسات سياسة اجتماعية عظيمة الأهمية مثل اتحادات العمال والمزارعين، ومن ثم فلا يمكنهم أن يلعبوا دور الطبقة الوسطى العضوية. وكان من الممكن أن يلعب اليهود دوراً ضاغطاً من خلال الانتخابات. ولكن صغر حجمهم، وانقسامهم إلى جماعات مختلفة، ومعدلات الاندماج العالية بينهم، جعلت ذلك أمراً عسيراً. وعلى أية حال، فإن الديموقراطية في أمريكا اللاتينية ليست ذات مؤسسات راسخة، ذلك لأن جماعات الضغط الأخرى مثل القوات المسلحة بانقلاباتها المتكررة والحركات اليسارية تجعلها تفقد كثيراً من أهميتها. وثمة سبب أخير هو عدم ظهور شخصيات يهودية قيادية يمكنها أن تمثل اليهود داخل النخبة بسبب انقسام الجماعات اليهودية، وبسبب هجرة العناصر الشابة الواعية بهويتها إلى إسرائيل، وهجرة العناصر الشابة التي تطمح إلى مستوى أعلى من الحراك الاجتماعي إلى الولايات المتحدة. ويذهب بعض الدارسين إلى أن الجيل الأول من اليهود، الذي اشتغل بالتجارة والصناعة، كان محكوماً عليه بالهلاك إما على يد اليمين المرتبط بالقيم الإقطاعية وإما على يد اليسار الذي يعبِّر عن القوى المعادية للمشروع الخاص. أما الجيل الجديد من الشباب اليهودي، الذي يُقبل بحماس على التعليم الجامعي، فهو مركز أساساً في الأعمال المهنية الإدارية. ومن ثم، فإن المجتمع اللاتيني الجديد يحتاج إلى خدماتهم التي ستتزايد الحاجة إليها مع تزايد معدلات التحديث والعلمنة. بل إن النظم اليسارية قد تتيح أمامهم فرص الحراك الاجتماعي والانضمام إلى النخبة، وهو الأمر الذي لم يحققوه من خلال اشتغالهم بالتجارة أو الصناعة. وقد بدأ يظهر فعلاً يهود بين أعضاء النخبة الحاكمة في الأرجنتين. وذهبت إحدى الدراسات إلى أن ثلثي يهود البرازيل من النخبة. وربما يكون الأمر كذلك، لكن من الممكن أن يكون هؤلاء قد انضموا إلى أعضاء النخبة أو الطبقة الحاكمة بحسب شروط هذه النخبة نفسها. وربما سُمح لهم بذلك بعد أن أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع اللاتيني بثقافته ورؤيته. وعلى أية حال، فمع تزايد معدلات اندماج أعضاء الجماعات اليهودية تتناقص أعدادهم. ويمكن القول بأنه ليس من المتوقع أن يلعب اليهود دوراً يهودياً مستقلاًّ داخل النخب الحاكمة في أمريكا اللاتينية تماماً كما هو الحال في الولايات المتحدة. الجماعات اليهودية في كل من أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة: منظورمقارن The Jewish Communities in Latin America and the United States: Comparative Perspective لا توجد أية أهمية خاصة للجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية من منظور الصراع العربي الإسرائيلي، فهي جماعات ضئيلة العدد لا تهاجر منها أعداد مهمة إلى الدولة الصهيونية. وهي لا تشكل «لوبي» أو جماعة ضغط داخل المجتمع اللاتيني، كما أنها متجهة إلى النقصان السريع، بل ربما إلى الاختفاء. ولكنها، مع هذا، في غاية الأهمية من منظور دراسة الجماعات اليهودية في العالم ومحاولة تحديد سماتها وعزلتها وبنيتها وحركيات اندماج أعضائها. وتتزايد أهميتها حين نقارنها بأهم الجماعات اليهودية في العالم، أي يهود الولايات المتحدة، فهما عينتان جيدتان للمقارنة إذ أن جماعات المهاجرين التي اتجهت إلى الولايات المتحدة وتلك التي استقرت في أمريكا اللاتينية ستبين لنا بعض حركيات اندماج اليهود وانعزالهم وطريقة تشكيل هويتهم. ويمكننا أن نقول إن مصدر الاختلاف بين يهود الولايات المتحدة ويهود أمريكا اللاتينية هو المجتمع المضيف أو مجتمع الأغلبية أو المجتمع الجديد. وهذا، بدوره، سيبين أن فهم الجماعات اليهودية يقتضي العودة إلى حركيات المجتمعات والتشكيلات الحضارية التي يوجد فيها أعضاء الجماعات اليهودية ولا يتم بالعودة إلى هذا الشيء الوهمي الذي يُسمَّى «التاريخ اليهودي» الذي لا يمكنه أن يفسِّر هذا التنوع الهائل وعدم التجانس العميق بين أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية من جهة ووحدتها وتجانسها في الولايات المتحدة من جهة أخرى. ويمكن رؤية مصادر الاختلاف بين الجماعتين على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي على النحو التالي: 1 ـ ربما كانت أهم نقاط الاختلاف بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية أن الولايات المتحدة كيان سياسي ضخم موحد تحكمه دولة قومية قوية واحدة على عكس أمريكا اللاتينية التي انقسمت إلى عدة دويلات ودول. ويُقال إن هذا الانقسام يعود إلى طبيعة أمريكا الشمالية المنبسطة التي جعلت تطوير شبكة مواصلات ضخمة وبنية تحتية موحَّدة أمراً سهلاً، على عكس أمريكا اللاتينية التي تقسمها سلاسل الجبال الضخمة الشاهقة التي أدَّت إلى ظهور دول مختلفة وشبكات مواصلات مستقلة تستجيب لاحتياجات كل منطقة على حدة. كما أن التراث البروتستانتي في الولايات المتحدة شجع بكل تأكيد على قيام دولة قومية في وقت مبكر، ذلك لأن البروتستانتية لا تدين بولاء لكنيسة عالمية تضم كل البشر بل تعبِّر عن نفسها من خلال كنيسة قومية. كما أن ثمة ارتباطاً اختيارياً بين الرأسمالية والبروتستانتية، على النحو الذي أشار إليه فيبر. وهذا على عكس التراث الكاثوليكي ذي النزعة العالمية والذي يخلق توتراً بين النزعة القومية والنزعة الدينية إذ تعبِّر النزعة الدينية عن نفسها خارج الحدود القومية. وقد أدَّى قيام الدولة القومية في الولايات المتحدة إلى نجاحها في إعادة صياغة المهاجرين وأمركتهم، وذلك عن طريق نظام تعليمي حكومي مجاني ساعد المهاجرين وأبناءهم على التخلي عن ميراثهم الثقافي وعلى اكتساب الهوية الجديدة برموزها ولغتها ومُثلها. ولعبت المدارس الحكومية الليلية دوراً مهماً في ذلك. ومن المعروف مثلاً أن الأطفال في الولايات المتحدة كانوا يتعلمون يمين الولاء للدولة قبل تَعلُّم حروف الهجاء. كما لعب التجنيد العسكري دوراً لا يقل أهمية في عملية اندماج المهاجرين وضمن ذلك اليهود. كل هذا على عكس ما حدث في أمريكا اللاتينية حيث لم يتم تطوير نظام تعليمي قومي متكامل. وحينما تم تأسيسه في نهاية الأمر، سادت فيه القيم الكاثوليكية. أما الجيوش الوطنية، فقد تحولت بعد الاستقلال إلى أدوات قمع في يد السلطات. ولم تكن هذه الجيوش منفتحة على كل طبقات الشعب وأقلياته، مثل القوات المسلحة الأمريكية، وإنما كانت ذات توجُّه كاثوليكي أرستقراطي أو زراعي، أي أن مؤسسات الدمج الوطني الأساسية كانت غائبة أو ضعيفة في أمريكا اللاتينية، الأمر الذي ساعد على تشجيع عناصر التفتت في المجتمع. وقد انعكس هذا الوضع على أعضاء الجماعات اليهودية، فلم تنشأ منظمة مركزية تضم كل يهود أمريكا اللاتينية إذ استقل يهود كل دولة عن يهود الدول الأخرى. بل إن كل مجموعة يهودية داخل نطاق الدولة الواحدة انقسمت إلى جماعات يهودية مختلفة احتفظت كل واحدة منها بسماتها الإثنية والحضارية. 2 ـ أما المصدر الثاني للاختلاف فينصرف إلى النظام السياسي ويرتبط بالمصدر السابق. فالنظام السياسي الأمريكي يستند إلى مُثُل عصر الاستنارة والإعتاق وإلى مُثُل العقل والتجريب، ومن هنا فإنه رفض الماضي والتراث وركَّز على الحاضر والمستقبل ووجد أن مصدر المعرفة الوحيد هو العقل (المادي النفعي) والحواس. ويمكن النظر إلى الولايات المتحدة ككل باعتبارها تجربة تبدأ من نقطة الصفر، صفحة بيضاء (باللاتينية: تابيولا رازا tabula rasa) دون أية أعباء تاريخية، وهو الأمر الذي يناسب الجماعات البشرية التي تريد هي الأخرى أن تبدأ حياتها الجديدة من نقطة الصفر الافتراضية هذه. والمجتمع الأمريكي تسوده مُثُل الديموقراطية والمساواة حيث يتم انتقال السلطة فيه بشكل سلمي عن طريق الانتخابات، كما تسوده مُثُل علمانية حيث يؤمن الإنسان بأن العالم خاضع للقانون الطبيعي وبأن الإله قيمة شخصية محضة يكشف عن نفسه (إن وُجد) بالطريقة نفسها وداخل النطاق المحدود نفسه، أي من خلال القانون الطبيعي. ولذا، فهذا المجتمع يرفض أن تكون المُثُل الدينية هي محدد السلوك الإنساني، ويقوم بفصل الدين عن الدولة، ويعادي الكهنوت والكهنة. لكن هذه الرؤية لا تعطي اليهودي مركزية خاصة في الكون أو في دورة المعصية والتوبة والخلاص. وعلمانية الولايات المتحدة، علاوة على كل هذا، تم التوصل إليها دون حروب دينية، أي أنها مُعطَى وبُعْد أساسي من أبعاد الحضارة الأمريكية الحديثة. ويقف هذا الوضع مخالفاً لما في مجتمعات أمريكا اللاتينية، فهي مجتمعات لم تقبل مُثُل عصر التنوير بل تم تأسيسها على أسس إقطاعية أو شبه إقطاعية وملكية وكاثوليكية. ومارست محاكم التفتيش نشاطها في هذا العالم الجديد. كما أن دول أمريكا اللاتينية ترى نفسها استمراراً للماضي الأوربي الكاثوليكي. وحينما نشبت ثورات الاستقلال والتحرر الوطني بعد ذلك، تمت هذه الثورة بقيادة طبقة الكريول الإسبانية التي كانت تؤمن بالقيم القديمة نفسها ولم تتقبل مُثُل عصر العقل. ولذا، سادت المُثُل الإقطاعية حتى بعد أن اختفت تماماً في أوربا، وظلت لليهودي المكانة الرمزية نفسها التي كان يحتلها كغريب في أوربا في خلال العصور الوسطى، وظل التراث القديم مسيطراً. وحتى حينما أُعلن فصل الدين عن الدولة، ظل البُعْد الكاثوليكي قوياً للغاية على المستوى الثقافي، فقد لعبت الكاثوليكية دوراً قوياً في الحركات القومية كما لعبت بعد ذلك دوراً قوياً في الحركات اليسارية. وهكذا، يمكن القول بأن مجتمع الولايات المتحدة مجتمع منفتح جديد لا ينوء بثقل أي تراث أو ذاكرة تاريخية. ولذا، كان متاحاً لجماعات المهاجرين فيه، ومنهم اليهود، أن تكوِّن جماعات ضغط داخل النظام طالما أنها قبلت قيم وقوانين اللعبة الخاصة به، وأن تؤثر فيه وفي قراراته من خلال الانتخابات. بل أمكنها أيضاً دخول النخبة، وهو الأمر الذي لم يتيسر تحقيقه في مجتمعات أمريكا اللاتينية المغلقة بدونهم. وكانت الولايات المتحدة تشكل ظاهرة فريدة تماماً بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية فهي لم تصدر أية تشريعات خاصة لإعتاقهم، فمُثُل الإعتاق والاستنارة كانت سائدة قبل وصولهم بأعداد كبيرة. ولذا، فإنهم لم يحاربوا قط من أجل استصدار أية تشريعات. ومن ثم، كانت الولايات المتحدة هي الجولدن مدينا، أي البلد الذهبي، ولم تُستخدَم قط كلمة «منفى» للإشارة إليها، فهي وطن قومي ثان وربما أول للمهاجرين من أعضاء الجماعات اليهودية. 3 ـ ومما دعم نقطتي الاختلاف السابقة نوعية المادة البشرية المهاجرة التي أسست كلا المجتمعين، فالمهاجرون إلى أمريكا الشمالية هاجروا إليها بعد أن كانت أوربا قد خاضت حركة الإصلاح الديني والثورة التجارية والصناعية، وبعد أن كانت الحروب الدينية قد أضعفت هيبة الكنيسة تماماً. كما أنهم كانوا من العناصر البروتستانتية المتطرفة (البيوريتان) التي رفضت مجتمعاتها وأتت لتأسيس مجتمع جديد على أسس جديدة. ويقف هذا على النقيض من مجتمعات أمريكا اللاتينية التي بدأت تجربة الاستيطان فيها داخل إطار كاثوليكي إقطاعي، وتمت تحت رعاية التاج الإسباني أو البرتغالي. وانتقل إلى المجتمع هرم القيم السائد في المجتمع الإسباني أو البرتغالي، وكانت العناصر المهاجرة مضطرة إلى قبول هذا الهرم. كما أن المهاجرين الذين قاموا بتأسيس مجتمعات أمريكا اللاتينية لم يكونوا من العناصر التي رفضت المجتمع الإسباني أو البرتغالي الكاثوليكي، وإنما كانوا من العناصر الأرستقراطية التي رفضها هذا المجتمع، أو بتعبير أدق من العناصر التي فشلت في تحقيق الحراك داخله بسبب قوانين الميراث الإقطاعي فحاولت أن تحقق الحراك الاجتماعي خارجه، وذلك لتحقيق درجة أعلى من الانتماء إليه. وحينما بدأت موجات الهجرة الضخمة، كان المهاجرون من دول كاثوليكية أساساً. وكل هذا كان يعني، بطبيعة الحال، مزيداً من الانغلاق والتجانس، وبالتالي مزيداً من استبعاد اليهود. 4 ـ والواقع أن مجتمع الولايات المتحدة، رغم أنه مجتمع يتباهى بالتعددية والتنوع والانفتاح، يؤدي في نهاية الأمر إلى طمس معالم الهويات المختلفة ودمجها في هوية علمانية ديموقراطية واحدة، فهذا المجتمع تسوده أسطورة علمانية واحدة، ومعيار قبول اجتماعي علماني عقلاني يسمح للجميع بالانتماء شريطة أن يتخلوا عن خصوصيتهم، أي عن القسط الأكبر من هويتهم. وكلما ازداد تخليهم عن هويتهم ازدادت أمامهم فرص الحراك الجتماعي. فما يسود المجتمع ليس تنوعية حقة وإنما وحدة عقلانية علمانية عميقة وتنوعية إثنية سطحية، وهذا ما يُسمَّى «الأمركة» . وقد تُرجمت هذه الأفكار إلى فكرة بوتقة الصهر التي تفترض إنساناً أمريكياً علمانياً ديموقراطياً ذا ثقافة بروتستانتية يتحدث الإنجليزية، وهي فكرة سادت في المجتمع الأمريكي حتى منتصف الستينيات حيث كان يُفترض أن يتأقلم المهاجر تماماً وينسى هويته ليصبح أمريكياً قلباً وإن أمكن قالباً أيضاً. ومن هنا، كانت هناك مشكلة السود الذين لم يكن بوسعهم تغيير لون جلدهم. وحينما انحسرت أسطورة بوتقة الصهر، حلّت محلها أسطورة أكثر تركيباً وإن كانت لا تقل عنها أحادية، إذ أصبح بالإمكان الاحتفاظ بالميراث الإثني القديم في الحياة الخاصة أو حتى العامة مادام ذلك لا يتعارض مع الولاء الأساسي للدولة (ذلك المطلق الذي يلتف حوله العلمانيون) . وهكذا، تُعامَل الإثنية نفسها معاملة الدين، أي يتم الاعتراف بها ما دامت أمراً خاصاً تماماً. كما أصبح الدين من المسائل الخاصة بالضمير، لكن كلاهما لا يصلح أن يكون دليلاً أو أساساً أو إطاراً لسلوك الإنسان في الحياة العامة (فأخلاق المواطن المدنية هي وحدها الأساس والإطار والدليل) . وكل هذا يعني، في واقع الأمر، طمس كل الهويات والخصوصيات لتحل محلها هوية قومية واحدة. وعلى أية حال، لا تستطيع الدولة القومية الموحدة أن تمارس نشاطها كاملاً إلا بالسيطرة على معظم أشكال الحياة العامة والمهمة، وقد كان هذا جوهر وصميم المشروع القومي. ووجد أعضاء الجماعة اليهودية هذا الوضع مناسباً، وكانوا من الأقليات الأولى التي تمت أمركتها تماماً، وتقبلوا أسطورة بوتقة الصهر ثم بعد ذلك تقبلوا أسطورة الاندماج المعدلة التي تقبل عناصر إثنية شريطة أن تكون سطحية، فأصبحوا أمريكيين يهوداً وهم الذين نطلق عليهم مصطلح «اليهود الجدد» نظراً لاختلافهم الجوهري عن يهود أوربا وبقية العالم. ويقف هذا على الطرف النقيض من مجتمعات أمريكا اللاتينية التي لا تزال أسطورتها القومية كاثوليكية تستبعد اليهود. وحينما جاءت جماعات المهاجرين اليهود، وجدت التشكيل الحضاري المحلي (الهندي) الذي لا يتاح للغرباء أن يضربوا بجذورهم فيه، كما وجدت التشكيل الحضاري الكاثوليكي الذي ينبذها. ونجم عن ذلك انكفاء المهاجرين، كلٌّ على هويته التي أتى بها، فتشبث بها وعمَّقها، ولم تظهر هوية يهودية لاتينية إذ ظلت هناك هويات يهودية من ناحية، وهوية لاتينية من ناحية أخرى، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة الانقسامات بين الجماعات اليهودية المختلفة. وإذا بدأت تظهر، مع تزايد معدلات التحديث والترشيد والعلمنة في أمريكا اللاتينية، مثل هذه الهوية اللاتينية اليهودية، فإنها ستكون في واقع الأمر هوية لاتينية وحسب، إذ سيظل البعد الإثني اليهودي سطحياً للغاية، ربما أكثر سطحية من إثنية يهود أمريكا. 5 ـ وإذا انتقلنا إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي، فإننا نجد أن مجتمع الولايات المتحدة أسسته من البداية عناصر بروتستانتية تجارية ترى أن التجارة أهم النشاطات الإنسانية وترى أن قيم التنافس ومراكمة الثروة قيم إيجابية، بل إن الثروة علامة الرضا الإلهي. ثم استمر النظر إلى التجارة والمنافسة باعتبارهما نشاطات إيجابية كريمة حتى بعد أن ضعفت المسيحية البروتستانتية واختفت كمحدد أساسي للسلوك والرؤية. ثم أصبحت التجارة في نهاية الأمر نشاطاً ضرورياً محايداً، لا تنتظمه أية قيم أخلاقية وإنما تنتظمه آليات التنافس والبقاء، أي أن النشاط التجاري تمت علمنته تماماً وكذلك ترشيده وإخلاؤه من أية أبعاد أخلاقية أو عاطفية غير عقلانية متخلفة! وتم الشيء نفسه بالنسبة إلى العمل الإنساني، فالحرفي التقليدي يتوارث الخبرة من أسرته، وعمله هو مصدر احترامه لنفسه وهويته. وهو يتبع إيقاعاً خاصاً يتفق مع حياته ومتطلباتها، وينتج سلعاً خاصة ترتبط بقيمه الحضارية والأخلاقية. هذا على عكس المجتمع الذي يقوم بعلمنة العمل الإنساني وترشيده تماماً، أي وضعه داخل إيقاع مادي آلي. ولذا، فهو يشكل بوتقة صهر حقيقية للبشر. فالمصنع مؤسسة مادية تم ترشيدها تماماً، كل ما فيها محسوب وبطريقة رياضية آلية صارمة. والعامل الصناعي يخضع لهذا الإيقاع الآلي، إذ يجب عليه أن يصبح تابعاً للآلة بدلاً من أن تصبح الآلة تابعة له، بل يجب عليه أن يصبح مثل قطعة الغيار تماماً، ولا يهم إن كان العامل يهودياً أم مسيحياً، ذكراً أم أنثى وفي المراحل الأولى للتصنيع، كان لا يهم إن كان كبيراً أم صغيراً، وقد استُخدم الأطفال في كل أفرع الصناعة، وفي كل الأعمال الممكنة. ولم يكن يهم أية خصوصيات أو انتماءات يتمتع بها العامل أو يعاني منها، مادام يؤدي عمله الآلي ويضبط حركته، في حضوره وانصرافه وإيقاع جسده وحياته، بما يتفق مع حركة المصنع، أي أن المصنع يقوم بعلمنة العمل الإنساني تماماً ويفصله عن كل قيمة (وضمن ذلك القيمة الإنسانية نفسها) بحيث لا توجد فيه أسرار ولا إبداع ولا حركات غير محسوبة. ولقد عرَّف ماكس فيبر الترشيد الكامل بأنه تحويل العالم إلى حالة المصنع، فالمصنع هو الخلية المثلى أو النموذج الأساسي في المجتمع الصناعي العلماني الذي يتحول فيه البشر إلى مجرد مادة بشرية تنتج طاقة! وهذان العنصران (علمنة كل من النشاط التجاري والعمل الإنساني في المجتمع الأمريكي) ساهما بشكل عميق في دمج المهاجرين اليهود، وخصوصاً أن القطاعين التجاري والصناعي في الولايات المتحدة من الضخامة بحيث استوعبا أعداد المهاجرين القادمين وفتحا لهم أبواب الحراك الاجتماعي. وقد كان الانخراط في التجارة والصناعة ثم المهن أسرع الطرق التي تمت بها أمركة يهود الولايات المتحدة. والأمركة هي علمنة اليهود مع صبغهم بالصبغة الأمريكية، أي دمجهم في المجتمع العلماني الأمريكي بحيث تحوَّل اليهود من جماعات اقتصادية هامشية وجماعة وظيفية وسيطة إلى أعضاء في الطبقة الوسطى التي تشكل جزءاً عضوياً أساسياً من النظام الاقتصادي السياسي؛ يستثمرون في الصناعة، ويلعبون دوراً في تنظيم نقابات العمال، ولهم صوت يُعتَد به في الانتخابات، ويشكلون قوة ذاتية مهمة. وقد بدأت أعداد متزايدة من أعضاء الجماعة اليهودية في الانخراط في سلك النخبة، وهم في هذا لا يختلفون عن كل جماعات المهاجرين الأخرى، وإن كانت درجة حراكهم أسرع باعتبار أنهم كانوا من أسرع الأقليات استجابة للأمركة والعلمنة. وقد أصبح اندماج أعضاء الجماعة اليهودية كاملاً، فهو لم يَعُد اندماجاً مدنياً بمعنى تَقبُّل القيم الثقافية المشتركة والسائدة وإنما اندماج بنيوي بمعنى الدخول في المؤسسات العامة والخاصة كافة، وضمن ذلك مؤسسة الزواج حيث أصبحت أعداد متزايدة من الأمريكيين الذين لا يكترثون بالدين يتزوجون من أعضاء الجماعة اليهودية الذين لا يكترثون بالدين أيضاً، أي أن الرقعة المشتركة هنا هي التخلي عن الهوية الدينية وتَقبُّل الآخر داخل إطار الهوية العلمانية الجديدة. كل هذا مختلف عما حدث في أمريكا اللاتينية؛ فالنشاط التجاري ظل موضع ازدراء في حضارة لا تزال قيمها الأساسية أرستقراطية إقطاعية، كما ظلت المنافسة ومراكمة الثروة تحملان إيحاءات سلبية مظلمة. وقد بدأ التصنيع في وقت متأخر وحقق اليهود حراكاً اجتماعياً لا بأس به من خلال تزايد معدلات التصنيع. ولكن، مع هذا، ظلت المكانة في المجتمع والانتماء إلى النخبة يُحدَّدان بمعايير تقليدية مثل الحسب والنسب وما شابه. لكل ما تقدَّم، ظهرت الاختلافات بين الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة والجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية. فيهود الولايات المتحدة، بغض النظر عن أصولهم الإثنية والعرْقية والدينية، أصبحوا جماعة واحدة، ومن هنا نستخدم صيغة المفرد للإشارة إليهم. وتوجد جيوب هنا وهناك مثل اليهود الأرثوذكس (في وليامزبرج) الذين يتحدثون اليديشية، ولكن مقدرة المجتمع الأمريكي الامتصاصية الفائقة تتبدى في تحويل مثل هؤلاء إلى منظر يشاهده السياح، أي «فُرْجَة» ، وبالتالي تهميشهم تماماً، وقد اندمج اليهود في مجتمعهم اندماجاً مدنياً وبنيوياً وتَقبُّلهم المجتمع على أساس تقبُّلهم الفكرة العلمانية الديموقراطية الأساسية. أما يهود أمريكا اللاتينية، فلم تُطرَح أمامهم أسطورة قومية علمانية يمكنهم المشاركة فيها، إذ أن الفكرة السائدة كانت تستبعدهم. كما أن المؤسسات القومية لم تصبغهم بصبغتها، فاستمروا ينتمون إلى هوياتهم القديمة، وهو ما أدَّى إلى انقسامهم. ولم تكن هناك قنوات ديموقراطية يمكنهم التأثير من خلالها، أي أن المجتمع المضيف عزل نفسه عنهم، فقاموا هم بعزل أنفسهم عنه. ومن ثم، عزلت كل جماعة يهودية نفسها عن الجماعات اليهودية الأخرى، وظلوا جماعة وظيفية وسيطة محصورة في دور اقتصادي محدَّد ومُستبعَدة من النخبة الحاكمة. وقد حقق أعضاء الجماعة اليهودية نجاحاً اقتصادياً، ولكنهم مع هذا احتفظوا بهامشيتهم. ورغم كل هذا الاستبعاد، فإن مجتمعات أمريكا اللاتينية لم ترفض الزواج المختلط مع اليهود. ومن هنا نجد أنه، مع تَزايُد عدد الشباب اليهودي في الجامعات، تتزايد نسبة الزواج، الأمر الذي ينتج عنه الانصهار الكامل وليس الاندماج. وكل هذه الفروق تبين أن ثمة نموذجاً تفسيرياً واحداً وأساسياً، وهو أن كل جماعة يهودية توجد داخل محيطها وتكتسب هويتها منه. وقد ذهب أحد الدارسين إلى القول بأن يهود أمريكا بروتستانت بينما يهود أمريكا اللاتينية كاثوليك. فيهود أمريكا البروتستانت قد قبلوا بالعلمانية، وقبلوا أن يتراجع الدين، وقبلوا قيم العملية والمرونة والبرجماتية، كما قبلوا بالإصلاح الديني، فانكمشت اليهودية الأرثوذكسية واكتسحتهم اليهودية الإصلاحية والمحافظة وأخيراً التجديدية. أما في أمريكا اللاتينية، فلا تزال الحاخامية ترفض الإصلاح الديني، تماماً كما يرفض بعض أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية أية إصلاحات، ومن ذلك الإصلاحات التي أدخلتها كنيسة روما نفسها. ولقد تم تشبيه هيمنة الحاخامية على المقبرة اليهودية، وعلى قرار من يُدفَن فيها ومن لا يدفن، بسيطرة الكنيسة الكاثوليكية على عملية الخلاص التي لا يمكن أن تتم خارج الكنيسة. وهناك نقطة اختلاف أخرى، وهي أن أمريكا اللاتينية منطقة نزوح بالنسبة لليهود، بينما لا تزال الولايات المتحدة بالنسبة إليهم نقطة الجذب الأساسية. ولكن، ورغم هذا الاختلاف، فإن الهجرة إلى إسرائيل من كلتا المنطقتين تكاد تكون منعدمة، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة، فاليهود في الولايات المتحدة لا يحتاجون إلى الهجرة بعد تحقيقهم المستويات المعيشية المرتفعة، أما يهود أمريكا اللاتينية فلا يهاجرون إلى إسرائيل لأن الولايات المتحدة هي نقطة الجذب الأساسية بالنسبة لهم. ولكن ينبغي الإشارة إلى أن معدلات العلمنة آخذة في الارتفاع في أمريكا اللاتينية، حيث يتضح هذا في ظهور العقائد العلمانية ذات الديباجات الدينية والعقائد شبه الدينية التي لا تختلف بنيتها عن بنية الفكر العلماني، مثل الماسونية والبهائية والربوبية، كما يُلاحَظ تزايد انتشار البروتستانتية. وكما هو مُتوقَّع، ترتفع بالتالي معدلات العلمنة بين الجماعات اليهودية وينضم أعضاؤها بأعداد متزايدة إلى المحافل الماسونية والمعابد البهائية ويظهر بينهم الفكر الربوبي. كما أن النادي اليهودي، وهو التعبير عن تزايد معدلات العلمنة والانصراف عن الدين وشعائره، آخذ في الانتشار. والواقع أن النادي اليهودي يحقق لأعضاء الجماعات اليهودية شيئاً مماثلاً لما حققته الدولة في الولايات المتحدة لأعضاء الجماعة اليهودية فيها، أي الاحتفاظ بقشرة إثنية سطحية لا علاقة لها بالدين أو لها علاقة واهية بالدين وتضمر معدلات علمنة هائلة. ففي النادي اليهودي، سيجد يهود أمريكا اللاتينية بعض الرموز اليهودية الإثنية أو الدينية التي ليس لها مضمون أخلاقي مُلزم، وإلى جوار ذلك سيجدون حمامات السباحة الضخمة وقاعة الديسكو والبلاجات التي تجلس فيها النساء (اليهوديات اسماً) يرتدين مايوهات عصر ما بعد البكيني (على حد قول أحد الحاخامات) . وينخرط اليهود في أسلوب حياة علمانية كاملة مكرسة للاستهلاك والحرية الجنسية وغير الجنسية. ولعل أهم جوانب هذه الظاهرة هو انتشار البروتستانتية في أمريكا اللاتينية (زاد عدد البروتستانت من 2.5 مليون في الثلاثينيات إلى 15 مليوناً في الستينيات ثم إلى 40 مليوناً في الثمانينيات، وهو ما يمثل حوالي 10% من مجموع السكان، وتصل هذه النسبة إلى 20% في جواتيمالا، و25% في البرازيل، و17% في شيلي، و10% في الأرجنتين) . وهذا يعني تزايد النفوذ الأمريكي والتعاطف مع الثقافة الأمريكية، ولكنه يعني في الوقت نفسه المزيد من تقبُّل الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية. والواقع أن البروتستانتية التي تنتشر في أمريكا اللاتينية هي من النوع المتطرف، أو الأصولي أو الحرفي، الذي يؤمن إيماناً حرفياً بما جاء في العهد القديم وبأن صهيون هي دولة إسرائيل. ولذا، تتنبأ الصحف الإسرائيلية بأن هذا التعاطف قد يترجم نفسه إلى مزيد من التأييد للدولة الصهيونية. ولكننا من ناحيتنا، نرى أن تناقص أعداد اليهود قمين بأن يجعل كل هذه الظواهر غير ذات موضوع في المستقبل البعيد. الأرجنتين Argentina انظر: «أمريكا اللاتينية» . البرازيل Brazil انظر: «أمريكا اللاتينية» . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
جنوب أفريقيا
South Africa تُعَدُّ الحقيقة الأساسية بالنسبة لأعضاء الجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا أن المجتمع الذي ينتسبون إليه مجتمع استيطاني مبني على الفصل بين الأعراق والقوميات، فهذه الحقيقة هي التي تحدد علاقة أعضاء الجماعة بمجتمع الأغلبية وبالعالم الخارجي وبأنفسهم. وتعود أصول الجماعات اليهودية في جنوب أفريقيا إلى النشاطات الاستيطانية الغربية الأولى، فقد كان أثرياء اليهود السفارد في هولندا من المساهمين في شركة الهند الشرقية الهولندية التي أسست المُستوطَن الأبيض عام 1652. وتظهر أسماء يهودية في سجلات المستوطنين الأوائل. ولأن الشركة لا تسمح بتوطين أو توظيف غير البروتستانت، فإن الاحتمال الأكبر أنهم يهود من شرق أوربا (من يهود اليديشية) تنصَّروا حتى تتاح لهم فرصة الاستيطان والحراك الاجتماعي. ولم يبدأ استيطان اليهود إلا بعد عام 1803 تحت حكم الجمهورية الباتافية (كما كانت تُعرَف الجمهورية التي أسسها نابليون في هولندا) التي أعتقت اليهود ومنحتهم حقوقهم السياسية. وقد جاء اليهود في بداية الأمر من إنجلترا وألمانيا وكوَّنوا جماعة يهودية صغيرة ثرية مندمجة في محيطها الحضاري يتحدث أعضاؤها الإنجليزية، ولم يكن الانتماء الديني لأعضاء الجماعة قوياً. ومع منتصف النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتزايد معدلات النمو الصناعي في جنوب أفريقيا، في الفترة التي تزامنت مع فترة تعثُّر التحديث في شرق أوربا، بدأت تفد أعداد كبيرة من يهود اليديشية من ليتوانيا وبولندا بعد عام 1890. وكما هو الحال دائماً، لم يستقبل أعضاء الجماعة اليهودية القدامى المهاجرين الجدد بالترحاب، بل نشأت حزازات بينهم، ووقعت انقسامات دامت بعض الوقت بسبب الاختلاف الثقافي والعرْقي والديني بين القدامى المتحدثين بالإنجليزية ويهود اليديشية. ومع هذا، تشابك مصير الجماعتين في نهاية الأمر، ولم يَعُد بإمكان اليهود الناطقين بالإنجليزية تجاهُل المهاجرين الجدد، كما لم يَعُد بالإمكان الامتناع عن تقديم يد المساعدة لهم إذ كان بقاء هؤلاء الوافدين غير مُستوعَبين قابلاً لإحداث توترات في المجتمع تكتسح مختلف أعضاء الجماعة في طريقها. شكَّل المهاجرون الجدد الأغلبية العظمى التي بلغت 70% بعد وقت قصير، وكان على المهاجرين أن ينجحوا في امتحان قراءة وكتابة إحدى اللغات التي تُكتَب بالحروف الأوربية. لكن اليديشية صُنِّفت كلغة أوربية رغم أنها تُكتَب بالعبرية، أي آسيوية، وذلك لتشجيع هجرة البيض. وكان معدل الهجرة يتفاوت. ففي عام 1903، بلغ عدد المهاجرين 4265 مهاجراً، أما عام 1936 فبلغ عددهم 3.330 مهاجراً، ومع استيلاء النازيين على الحكم في ألمانيا انخفض العدد عام 1937 إلى 954 مهاجراً بسبب القوانين التي حدت من قبول المهاجرين والتي أصدرتها كثير من الدول الغربية، من بينها الولايات المتحدة، والتي حذت جنوب أفريقيا حذوها. وكان عدد اليهود لا يزيد على أربعة آلاف عام 1880، زاد إلى 38.101 عام 1904 (3.41% من السكان البيض) ، ووصل إلى 90.645عام 1936، أي 4.52% من السكان البيض، وهذه أعلى نسبة بلغها أعضاء الجماعة اليهودية. وقد هبطت النسبة إلى 4.11% عام 1951. وكان عدد اليهود 108.497، ثم هبطت النسبة بعد ذلك إلى 3.62% عام 1960، حينما بلغ عدد أعضاء الجماعة 114.762، ثم وصلت نسبتهم إلى 2.6% من عدد السكان البيض و0.4% من مجموع السكان (البالغ عددهم 31 مليوناً) حين بلغ عددهم 120 ألفاً عام 1989. ويبلغ يهود جنوب أفريقيا في الوقت الحاضر (1992) 100 ألفاً من مجموع السكان البالغ عددهم 40.774.000، أي أن نسبتهم هي 0.25% (ويذهب مصدر إحصائي آخر لعام 1995 إلى أن عدد اليهود في جنوب أفريقيا 114 ألفاً) .ويعود هذا التناقص إلى أن معدل زيادة أعضاء الجماعة اليهودية كان آخذاً في التراجع، بينما كان معدل زيادة السكان البيض آخذاً في الصعود. فقد كان السكان البيض يزدادون بنسبة 2.26%، ولم تكن نسبة الزيادة بين اليهود تتجاوز 1.77% في الفترة من 1936 إلى 1960. وفي الفترة من 1950 إلى 1960، كانت نسبة زيادة اليهود نصف نسبة زيادة السكان البيض. ويعود تناقص أعداد اليهود إلى الأسباب التالية: 1 ـ يُلاحَظ أن معدل نسبة المواليد بين أعضاء الجماعة أقل من المعدل بين الأقلية البيضاء، وهذا بدوره يعود إلى انخفاض نسبة الخصوبة بين اليهود لعدة أسباب من بينها عدم الإحساس بالأمن (وقد وُصفت الجماعة اليهودية بأنها أكثر الأقليات عصبية وتوتراً في العالم) وتركُّزهم في المدن حيث بلغ عددهم 57.490 في جوهانسبرج و25.650 في كيب تاون (أي 83% حسب إحصاء أوائل السبعينيات) . كما اختفت الجماعات الريفية تقريباً ولم يبق سوى ثلاثة آلاف يهودي خارج المدن. ومعدل التكاثر بين سكان المدن عادةً ما يكون أقل من نظيره بين سكان الريف، وخصوصاً إذا عرفنا أن أعضاء الجماعة اليهودية من أكثر الجماعات الدينية أو العرْقية ثراء في العالم، فثمة علاقة تناسب عكسي بين ارتفاع الدخل ونسبة المواليد. وكذلك، فإن معدلات الطلاق بينهم مرتفعة جداً، حيث تنتهي 33% من الزيجات بالطلاق، كما أن ضعف مؤسسة الأسرة يؤثر على نسبة المواليد أيضاً. 2 ـ تناقص عدد المهاجرين إلى جنوب أفريقيا. ومن المعروف أن يهود روسيا وأوكرانيا وغيرهما من دول الكومنولث (بعد تفكك الاتحاد السوفيتي) يتجهون أساساً إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل. ومع هذا، تجدر الإشارة إلى أنه، منذ عام 1948 حتى الوقت الحالي، هاجر إلى جنوب أفريقيا من إسرائيل نحو 20 ألف إسرائيلي، كما هاجر إليها كثير من يهود زمبابوي بعد استقلالها. ويبدو أنها نسبة غير مهمة ولم تؤثر كثيراً في البنية السكانية للجماعة اليهودية، فحتى عام 1936، ومع وجود هجرة من الخارج، كان نصف يهود جنوب أفريقيا من المولودين خارجها. أما في الوقت الحالي، فإن الأغلبية العظمى من مواليد جنوب أفريقيا. 3 ـ يُلاحَظ تزايد نسبة النزوح عن جنوب أفريقيا بين أعضاء الجماعة اليهودية ابتداءً من الستينيات، وذلك مع بداية حركة المقاومة السوداء ضد الحكم العنصري. وقد هاجر في العقدين الماضيين ما بين 20 و30 ألف يهودي، كما هاجر بين عامي 1985 و1986 نحو 64 ألف يهودي من جنوب أفريقيا إلى أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، ولم يذهب منهم سوى أربعمائة إلى إسرائيل. كما يُلاحَظ أن معظم المهاجرين من الشباب، ويُقال إنه لا توجد أسرة واحدة لم يهاجر أحد أبنائها من الشباب. وربما كان أحد أسباب إحجامهم عن الاستيطان في إسرائيل، عدم الرغبة في تأدية الخدمة العسكرية. 4 ـ يُلاحَظ أن العناصر الشابة المهاجرة هم عادةً من ذوي الكفاءات العالية الذين يمكنهم أن يحققوا حراكاً اجتماعياً في مجتمعات أخرى. ويُلاحَظ أيضاً أن نسبة كبيرة من العناصر الشابة المهتمة بهويتها اليهودية، أي الصهاينة، تهاجر إلى إسرائيل. كل هذا يعني أن الجماعة اليهودية بدأت تفقد القيادات اللازمة وعناصر التماسك الداخلي، كما أن المتوسط العمري أخذ يزداد حتى أن أكثر من 20% من أعضاء الجماعة ممن تجاوز الستين. 5 ـ تزايدت معدلات الاندماج والعلمنة بين أعضاء الجماعة اليهودية، ويتجلى ذلك في تزايد معدلات الطلاق حيث تنتهي زيجة من كل ثلاث بالطلاق، كما يتجلى في معدل الزواج المختلط الذي وصل إلى 16%، وهو معدل مرتفع بمقاييس جنوب أفريقيا رغم انخفاضه مقارناً بمعدل الزواج المُختلَط في الولايات المتحدة على سبيل المثال. وربما لم تزد النسبة عن ذلك لأسباب ترجع إلى حركيات مجتمع جنوب أفريقيا بغض النظر عن مدى تماسك أو ضعف الجماعة اليهودية في حد ذاته. ومن بين هذه الأسباب أن ثقافة المهاجرين لا تزال ذات فعالية في جنوب أفريقيا على عكس ما يحدث في الولايات المتحدة. فالمناخ الثقافي العام في جنوب أفريقيا، والذي يشجع على عزل الجماعات الإثنية والعرْقية الواحدة عن الأخرى، ساهم في إبطاء عملية الاندماج. كما أن في جنوب أفريقيا لا توجد فيها ثقافة موحَّدة فهناك تنافس دائم بين الثقافة الهولندية (الأفريكانز) والثقافة الإنجليزية، الأمر الذي أتاح لليهود فرصة الحفاظ على شيء من الهوية، فلم يمارس أحد الضغط على اليهودي ليسقط هويته كما حدث في الولايات المتحدة حيث نجد أن أسطورة بوتقة الصهر التي كانت سائدة في المجتمع، شجعت اليهود على التخلص من ثقافتهم بأسرع ما أمكن (ومن ذلك الثقافة اليديشية) واكتساب الثقافة الأنجلو أمريكية وعلى التأمرك الكامل. فالحراك في الولايات المتحدة كان ولا يزال مرتبطاً بالاندماج والانصهار، على خلاف جنوب أفريقيا حيث يمكن تحقيق الحراك مع الاحتفاظ بالهوية. وربما كان هذا من الأسباب التي ساعدت على استمرار اليديشية بعض الوقت. ومع هذا، يجب الإشارة إلى أن مجتمع الأغلبية، رغم تشجيعه الفصل بين الأعراق والأقليات والأقوام، لم يعترف بأعضاء الجماعة اليهودية إلا باعتبارهم بيضاً، وهو ما يعني أنهم كان عليهم الاختيار بين هوية الأفريكانز (الهولندية) والهوية الإنجليزية. وقد اختار عدد صغير من أعضاء الجماعة اليهودية الهوية الأولى واختارت أغلبيتهم العظمى الهوية الإنجليزية. ولا شك في أن هذا سيساعد على انصهار من بقي من أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي سيزيد معدلات الاندماج. وبالفعل، فإن من كان يتحدث اليديشية لم يكن يتجاوز17.861 عام 1936، وانخفض هذا العدد ليصبح 9.970معظمهم من كبار السن عام 1951. بل يبدو أن اليديشية قد اختفت تقريباً في جنوب أفريقيا، فلا توجد أية إشارات إليها في صحف أعضاء الجماعة اليهودية أو مجلاتهم. وصورة الشباب اليهودي الآن هي بعامة صورة شباب يتباهى بيهوديته، ولكنه لم يستوعب أي شيء مما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» أو «الثقافة اليهودية» . فالثقافة التي تشرَّبها والمعايير التي تبناها هي في الجوهر ثقافة ومعايير الناطقين بالإنجليزية. كل العناصر السابقة دعت بعض المحللين إلي التنبؤ بأن عدد أعضاء الجماعة اليهودية لن يزيد عن 64 ألفاً مع نهاية القرن الحالي. والجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا، بهذا المعنى، تنضوي تحت هذا النمط اليهودي العام الذي يُطلَق عليه «موت الشعب اليهودي» . ويُلاحَظ أن يهود جنوب أفريقيا من الإشكناز أساساً، وإن كانت توجد جماعة سفاردية صغيرة في كيب تاون. وأكبر تركُّز يهودي في الترنسفال (65% من كل أعضاء الجماعة) في منطقة جوهانسبرج، إذ تضم مدينة جوهانسبرج وحدها 63.620 يهودياً، أي أكثر من نصف يهود جنوب أفريقيا. لعب أعضاء الجماعة اليهودية من الإنجليز دوراً مهماً في تطوير القطاعين الزراعي والصناعي في اقتصاد استيطاني مبتدئ، فساهموا بخبرتهم في توثيق الصلات الاقتصادية بين الكيب وبريطانيا عن طريق إنشاء المراكز التجارية والمصرفية وتنظيم النقل البحري، واهتموا أيضاً بتربية الماعز لنسج الموهير والمواشي عامة لصوفها وجلدها، وبرعاية النعام وصيد الفقم والحيتان والأسماك. وكان يهود الكيب بين أول العناصر الاستيطانية النشيطة التي اتجهت إلى حقول الماس والذهب فور اكتشافها وكوَّنوا ثروات سريعة من ورائها. أما يهود اليديشية، فكانوا يستقرون بعض الوقت في كيب تاون، ثم ينطلقون نحو المناطق الريفية أو المدن الجديدة باعة جائلين أو مقيمين وحرفيين في قطاع الخياطة وصناعة الأحذية والتجارة والبناء. وكان ميراثهم الاقتصادي هو الذي يحدد نوع الحرف التي يختارونها. وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية من رواد بعض الصناعات المحلية، مثل الفولاذ والزجاج والمعلبات والأنسجة والملابس والسلع الجلدية والمفروشات، التي تتسم معظمها بقربها من المستهلك، أي أنها ليست في مراحل الإنتاج الأولى. كما أن الأجيال الجديدة من اليهود ساهمت منذ الحرب العالمية الثانية في الصناعات الدقيقة مثل المعدات الإلكترونية والهندسية، أو في المشروعات الضخمة مثل تخطيط المدن وبناء المجمعات السكنية والإدارية. وبرزت هذه الأجيال من اليهود في تأسيس شركات التأمين والإعلانات ووسائل التَرْفيه والفنادق والتموين والاستيراد والتصدير. ورغم عدم تواجدهم الآن، إلا بأعداد ضئيلة للغاية في القطاع الزراعي، فقد كان لهم دور فعال في إدخال التقنيات العلمية الحديثة على هذا القطاع. ويأخذ الحراك الاجتماعي للمهاجرين اليهود عادةً شكل التحرك من التجارة إلى الصناعة الخفيفة ومنها إلى المهن الحرة. وهذا ما حدث في جنوب أفريقيا، إذ يوجد من اليهود عدد كبير في المهن الحرة (الطب والقانون والمحاسبة والهندسة والجامعات) . ويُلاحَظ تركز أعضاء الجماعة اليهودية في قطاعات اقتصادية بعينها، وغيابهم عن البعض الآخر، فنجد أن 49% من أعضاء الجماعة اليهودية يوجدون في قطاع التجارة مقابل 22% من البيض، و25% في قطاعات الخدمات مقابل 23% من البيض، و17% في الصناعة مقابل 18% من البيض، أي أن 91% من أعضاء الجماعة اليهودية مركزون في قطاعات بعينها مقابل 63% من البيض. ويظهر التفاوت الشديد في قطاعي الزراعة والمناجم إذ لا يتواجد أعضاء الجماعة اليهودية فيها إلا بنسبة 1.9% بينما نجد أن نسبة البيض من غير اليهود تصل إلى 15%. ويجب ملاحظة أن الفئة الصغيرة التي تعيش من الزراعة تضم في صفوفها ملاك مزارع البطاطا والذرة من اليهود، كما يضم قطاع المناجم الكوادر الإدارية اليهودية العاملة فيه، وهو ما يعني أن تمثيل أعضاء الجماعة اليهودية في هذين القطاعين أقل من 1.9%. وبطبيعة الحال، لا يوجد تمثيل يهودي بين السود، ولا بين الفلاحين أو المزارعين، ولا بين العمال، أي أن أعضاء الجماعة اليهودية مركزون أساساً في صفوف الطبقة الوسطى البيضاء. وقد انخرطوا في سلكها تماماً وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ منها، بمعنى أنهم فقدوا سمة الجماعة الوظيفية. ولكن، مع هذا، تجب الإشارة إلى أن الطبقة الوسطى في جنوب أفريقيا طبقة وسطى استيطانية، وهو ما يجعلها ذات سمات خاصة، فعلاقتها بالطبقة العاملة السوداء تختلف تماماً عن علاقة الطبقة الوسطى في بلد مثل فرنسا مع الطبقة العاملة فيها. فالجيوب الاستيطانية الغربية كلها جيوب وظيفية تلعب دوراً حيوياً ومهماً في استغلال المناطق التي توجد فيها لصالح العنصر الأبيض المهيمن الذي يدين بالولاء للحضارة الغربية، وليس لديه أي نزوع قومي محلي. ومن ثم، فهي لا تحمل فكراً قومياً، وتحاول أن توقف عمليات التحديث بالنسبة للسكان الأصليين. ورغم انتماء أعضاء الجماعة اليهودية إلى الطبقة الوسطى، ورغم أنهم يشكلون أكثر أقليات العالم ثراءً، فإنهم ليسوا جميعاً (بطبيعة الحال) من الأثرياء، إذ يوجد في صفوفهم الفقراء. وقد جاء في إحدى الإحصاءات أن عُشر العائلات اليهودية في كيب تاون احتاجت إلى مساعدة مالية عام 1968. ويَقْرن المستوطنون البيض بين المستوطنين الصهاينة وأنفسهم، كما يقرنون بين الشعب اليهودي والشعب المستوطن في جنوب أفريقيا، فهم يرون أن اليهود، مثلهم، شعب مختار يحمل رسالة خالدة، وأن كلا الشعبين غُرس غرساً في أفريقيا أو آسيا دفاعاً عن هذه الرسالة. كما يرى البيض أن المستوطنين الصهاينة يبذلون أقصى جهدهم للاحتفاظ بعزلتهم عن السكان الأصليين. ولعل تغلغل الأساطير والرموز التوراتية في الخطاب الاستعماري الاستيطاني (اليهودي وغير اليهودي) يظهر بشكل واضح في جنوب أفريقيا. فهم يحتفلون بيوم الميثاق في 16 ديسمبر من كل عام، إذ يعتبرونه اليوم الذي عقد الإله فيه ميثاقه مع بعض الأفريكانز (الفورتركر Voertrekker) الذين آثروا الاستقلال عن الإنجليز. وقد عُقد الميثاق قبل المواجهة التي تمت بين البيض والسود في معركة نهر الدم. وقد أصبحت المعركة رمزاً لكل الأفريكانز. ويُعقد الاجتماع في مكان يوجد فيه تلٌّ عال تُبنَى عليه سفينة ضخمة (ترمز لسفينة العهد) تواجه بريتوريا، فكأن هذا المكان هو قدس الأقداس لقومية الأفريكانز. ولقد وصف أحد المفكرين البيض في جنوب أفريقيا أعضاء الجماعة اليهودية بأنهم شعب الأبارتهايد، أي التفرقة اللونية. ويُصنَّف أعضاء الجماعة اليهودية، كما تقدَّم، باعتبارهم شعباً أبيض البشرة غربياً، وقد ساهمت هذه الرؤية في تعميق اندماج اليهود بحيث أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من مجتمعهم الاستيطاني وأصبحوا من أكثر قطاعاته استفادةً من وضع عدم التكافؤ الذي يسود مجتمع التفرقة اللونية، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من البنية الاقتصادية المهيمنة في مجتمع جنوب أفريقيا، وارتبط مصيرهم بمصير الجماعة البيضاء. وقد انعكس ذلك على مشاركتهم في النظام السياسي إذ لا يوجد صوت يهودي متميز، فحين يرشح أحد أعضاء الجماعة اليهودية نفسه لمنصب ما فهو عادةً ما يعتمد على أصوات غير اليهود وعلى دعمهم إلى درجة كبيرة. ومعظمهم يمثل الناخبين البيض من سكان المدن على المستوى الوطني. وحينما يلعب اليهود دوراً أساسياً في إيصال أحد أعضاء الجماعة إلى مجالس المقاطعات أو المدن، وذلك في الحالات الشاذة التي يوجد فيها أعداد كبيرة من الناخبين تكفي لتحديد نتيجة المعركة الانتخابية، فإنهم يفعلون ذلك باستمرار ضمن إطار سياسة البيض، وبوصفهم أعضاء في أحزاب سياسية تقتصر على البيض لا باعتبارهم يهوداً. وهناك أعضاء يهود في البرلمان وشيوخ ومستشارو مقاطعات ومدن، ولكن الأغلبية العظمى منهم قد انتُخبوا، من قبَل ناخبين بيض، ممثلين للحزب الموحد وحزب العمال والحزب التقدمي. وفي الفترة التي سُمح فيها للسود بتمثيل شكلي في المناصب التشريعية على المستويين الوطني والإقليمي، عن طريق أعضاء بيض، انتخب السود لتمثيلهم أعضاءً يهوداً في الحزب الموحد والحزب الشيوعي والحزب الإصلاحي. ويُلاحَظ تركز أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية في الأحزاب التي تتنافس مع الحزب الوطني الحاكم وتعارضه، ولكن معارضتها تنصرف إلى الطريقة التي يتم بواسطتها الحفاظ على السيطرة البيضاء ولا تشمل مبدأ السيطرة نفسه. ولكن يمكن تفسير هذا أيضاً بالعودة إلى وضع أعضاء الجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا، فموقفهم الليبرالي انعكاس للتركيبة الاجتماعية الاقتصادية لسكان جنوب أفريقيا من اليهود. ودعمهم للمعارضة البرلمانية هو تعبير عن انتمائهم إلى القطاع الذي يتحدث الإنجليزية وعن تركزهم في المناطق الحضرية، وعن أنهم يقعون ضمن مجموعات الدخل الأعلى. وقد استمدت أحزاب المعارضة البرلمانية الدعم من هذه القطاعات البيضاء التي ينتمي إليها اليهود. ولقد شهدت فترة أواخر الأربعينيات جفاء واضحاً بين الحزب الوطني والجماعة اليهودية. فالحزب الوطني كان حزباً نازياً ذا صلات نازية واضحة، وكانت معاداته لأعضاء الجماعة اليهودية واضحة إذ تبنَّى سياسة معادية لهجرتهم إلى جنوب أفريقيا في الثلاثينيات، كما كان يرفض عضويتهم في بعض المناطق. ورغم كل هذا، فقد حدث تقارب يستند إلى التعهد الضمني لليهود بعدم استنكار سياسة التفرقة اللونية مقابل أن يضمن الحزب مصالحهم واندماجهم وتمتعهم بمزايا التفرقة اللونية مع بقية السكان البيض. وبشكل عام، يمكن القول بأن الجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا جماعة صغيرة ليست لها أهمية ذاتية، وأنها مندمجة في المجتمع الأبيض ومعتمدةٌ عليه بينما لا يعتمد هو عليها في شيء، كما أنه لا يحتاج إليها بمقدار احتياجها إليه وإلى مؤسساته لتضمن لنفسها البقاء. وقد انعكس هذا على موقف الجماعة اليهودية من كثير من القضايا، فالجماعة اليهودية هناك تؤثر الصمت بشأن قضايا الكفاح ضد التفرقة اللونية. وتُعرِّف المؤسسات اليهودية هناك دورها بأنه يهدف إلى الدفاع عن حقوق أعضاء الجماعة اليهودية وحسب ولا علاقة لها بالقضايا الأخرى (وهذا موقف صهيوني قح) ، فهي تلتزم الحياد تجاهها وتترك لكل يهودي حرية اختيار الموقف الذي يراه. وفي الثلاثينيات، أخذ كثير من أعضاء الجماعة اليهودية موقفاً عنصرياً ضد الهنود ولا يزال موقفهم من السود لا يختلف في أساسياته عن موقف البيض. ولذا، التزمت الجماعة الصمت عام 1957 عندما صدر قانون يحظر كل تَجمُّع مختلط بين البيض والسود، حتى ولو كان التجمع لهدف ديني في كنيسة مثلاً. وقد احتج معظم رجال الدين من أنجليكان وكاثوليك وبروتستانت، حتى رؤساء الكنيسة الهولندية الإصلاحية. ولم يعترض رجال الدين اليهودي لأن الأمر لا يعنيهم، إذ لا يوجد يهود سود أو ملونون أو آسيويون في جنوب أفريقيا. وكذلك لم تتفوه المؤسسة اليهودية بكلمة عندما وقعت مجزرة شاربفيل، وقد تذرعوا بالمنطق نفسه. ولكنه منطق يتسم بالخلل. فممثلو الجماعة يعارضون الشيوعية ويصفون العنف الأسود بأنه عمل تخريبي، ويعلنون إخلاصهم للنظام القائم في جنوب أفريقيا وللصهيونية وإسرائيل، وهم يفعلون ذلك كجماعة، أي أن لهم مواقف سياسية واضحة أكيدة. وهذا الموقف تدعمه المنظمة الصهيونية ويعمقه تزايد صهينة الجماعة اليهودية. وقد لاقت الصهيونية معارضة في بداية الأمر في العشرينيات من الشيوعيين ودعاة اليديشية وغيرهم، ولكنها اكتسحت الجماعة اليهودية تماماً بسبب طبيعة تكوين المجتمع باعتبار أن الصهيونية عقيدة استيطانية تشبه تجربة التفرقة اللونية. بل يُلاحَظ أن أهم المؤسسات اليهودية في جنوب أفريقيا هي المنظمة الصهيونية التي أصبحت تمثل المظلة التي تستظل بها المنظمات والمؤسسات اليهودية الأخرى. والصهيونية تعمق ولا شك من اندماجهم وتزودهم بإطار عقائدي يقرِّب بينهم وبين أعضاء المجتمع الاستيطاني ويصلح أساساً للقاء بينهم وبين مجتمع الأغلبية. وللظاهرة نفسها نتائج متناقضة مع سابقتها. فعلى سبيل المثال، يتحقق المثل الصهيوني الأعلى بالهجرة الاستيطانية إلى فلسطين، ولكن جنوب أفريقيا نفسها مجتمع استيطاني يتبدى الانتماء إليه في شكل عدم الهجرة منه. ولذا، فإن الصهيونية هنا تعبير عن ولاء مزدوج حقيقي لوطنيين استيطانيين. وقد اتهمت بعض الأوساط يهودَ جنوب أفريقيا بأنهم يؤثرون مصلحة إسرائيل على مصلحة وطنهم. وربما، لهذا السبب، يمكن أن نقول إن صهيونية يهود جنوب أفريقيا صهيونية توطينية بالدرجة الأولى، تأخذ فقط شكل إرسال مساعدات مالية إلى إسرائيل. وبالفعل، نجد أن يهود جنوب أفريقيا أكثر يهود العالم إسهاماً في المساعدات المالية ولكنهم لا يتباهون كثيراً بأعداد المهاجرين إلى إسرائيل بل يخفونها عن الأنظار. ومن المشاكل الأخرى، التي يواجهها يهود جنوب أفريقيا، مشكلة موقف إسرائيل من جنوب أفريقيا. فرغم ارتباط المصالح وتزايد العلاقات، قررت إسرائيل في الستينيات تحسين علاقاتها مع الدول الأفريقية كمحاولة لفك الحصار العربي حولها، فكانت تدلي بصوتها في هيئة الأمم ضد جنوب أفريقيا، الأمر الذي خلق توتراً بين الدولة وأعضاء الجماعة. وهذا تعبير عن نمط متكرر، فللدولة الصهيونية مصالحها التي تتجاوز مصالح أعضاء الجماعات اليهودية بل تتناقض معها أحياناً. وحينما تصل الدولة الصهيونية إلى هذه النقطة، فإنها عادةً ما تسقط الحديث عن إنقاذ اليهود أو رعاية مصالحهم في كل أنحاء العالم، بل تتصرف مثل أية دولة بما تمليه عليها مصالحها. وقد يكون هذا على أية حال ترجمة فعلية لمفهوم «مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا» ، أي أن أعضاء الجماعات ليسوا سوى أداة في يد الدولة، كما أن الدولة لم تُخلَق من أجلهم وإنما أُنشئت كي يقوموا هم على خدمتها. ومن المردودات السلبية الأخرى للعلاقة القوية بين يهود جنوب أفريقيا والصهيونية وإسرائيل أن ارتباط اليهود بالجماعة البيضاء يعني أن مصيرهم ارتبط بمصير هذه الجماعة. ويُلاحَظ أن السكان السود، كما هو مُتوقَّع، يربطون بين إسرائيل وجنوب أفريقيا ويوحدون بينهما، وهو ما ينعكس على موقفهم من أعضاء الجماعة. ولذا، نجد أن القيادات السوداء تتوجه بالنقد إلى أعضاء الجماعة لسكوتهم وحيادهم المزعوم وإسهامهم في سياسة التفرقة اللونية واستفادتهم منها. وقد لاحظنا وجود عدد كبير من أصحاب الأعمال اليهود الذين يستخدمون العمال السود ويطبقون عليهم المعايير السائدة في المجتمع، كما هو مُتوقَّع في مثل هذه الأحوال، وهي معايير عنصرية استغلالية بشكل بشع. كما يُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية، نظراً لثرائهم الشديد وتركُّزهم في التجارة والصناعة، سيتأثرون بشكل عميق لو تغير تركيب المجتمع وسيطرت العناصر السوداء على المجتمع وحققت شيئاً من الحراك أو ما قد يتبع ذلك من تأميم وأفرقة. ومما يعمق استياء الجماعات السوداء وجود عدد صغير من أعضاء الجماعة اليهودية الذين نشطوا، بوصفهم ضباط بوليس كباراً ومدعين عامين وقضاة، في فرض القوانين العنصرية، أي أن هذه العناصر اليهودية أداة في يد المؤسسة تستخدمها في قمع السود. ولكن لابد من القول بأنهم مجرد أقلية صغيرة هامشية لا تمثل الجماعة اليهودية تماماً مثل تلك العناصر اليهودية الثورية الرافضة للتفرقة العنصرية. ويعود تاريخ هذه العناصر الثورية إلى بداية هذا القرن حين حضرت مع المهاجرين عناصر من حزب البوند ومن دعاة القومية اليديشية وغيرهم ممن يحملون أفكاراً ثورية بل وفوضوية. وقد عارض كل هؤلاء الصهيونية والعنصرية. وبعد اندماج اليهود واختفاء اليديشية تقريباً، ظهرت عناصر ثورية متطرفة يهودية. فعلى سبيل المثال، ثمة وجود يهودي ملحوظ بين مؤسسي الحزب الشيوعي وأعضائه وكثير من الجماعات الثورية التي تُوصَف بأنها تخريبية أو إرهابية والتي تضم أعداداً كبيرة من اليهود تصل نسبتهم فيها أحياناً إلى 50%. ويساهم كثير من الشباب اليهودي الثوري في تنظيم حركة نقابات العمال السود، وكذلك كثير من شخصيات المعارضة من اليهود مثل: هيلين سوزمان (النائبة اليهودية التي انفصلت عن الحزب الموحد لتبنِّيه البرنامج العنصري) ، وسام كاهن (النائب السابق) ، وفرد كارنسون (العضو السابق في مجلس الكيب) . ورغم أن أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية ومختلف المؤسسات اليهودية تلتزم الصمت الذي تطلق عليه «الحياد» ، فإن هذه الأقلية الثورية الصغيرة أقلية نشيطة وتسبِّب كثيراً من الحرج لأعضاء الجماعات اليهودية ولقياداتها إذ يطلب المجتمع منهم، وهم تجمُّع مبني على فكرة الجماعات العرْقية والهوية الجمعية، أن يكبحوا جماح الثوريين في صفوفهم. وتنتشر في المجتمع صور عنصرية عن «اليهودي الثوري» و «اليهودي الفوضوي» وهو ما يغذي مشاعر معاداة اليهود، تماماً كما تنتشر في صفوف السود صورة «اليهودي الشرطي» و «اليهودي أداة القمع» . وأغلبية يهود جنوب أفريقيا من الأرثوذكس، إذ تبلغ نسبتهم 80%، وهناك 20% أغلبيتهم من الإصلاحيين وأقليتهم من المحافظين. وربما يرجع هذا إلى أن مجتمع جنوب أفريقيا مجتمع محافظ دينياً، تسيطر عليه كنيسة قومية تتمسك بالتقاليد ولا تحيد عنها. ومن ثم، انعكس هذا على السلوك الديني لليهود وعلى اليهودية كنسق ديني. بل نجد أن اليهودية الإصلاحية تأثرت بالجو المتشدد المحيط بها، فهي تتبع أنماطاً أكثر تقليدية، كما أنها ذات توجُّه صهيوني. ولذا، فهي تهتم بالعناصر الفلكلورية الإسرائيلية من رقص وغناء. وقد أُغلق كثير من المعابد اليهودية في القرى والمناطق الزراعية بسبب تزايد تركُّز اليهود في المدن، وتناقص عددهم، وتزايد معدلات العلمنة، ونزوح أعداد منهم إلى إسرائيل وأستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة بطبيعة الحال. والمنظمات اليهودية في جنوب أفريقيا تشبه مثيلتها في إنجلترا، وهي مجلس المندوبين South African Jewish Board of Deputies. ويوجد مركزه الرئيسي في جوهانسبرج، وله فروع في عدة مدن أخرى. ويضم المجلس كل المنظمات والهيئات اليهودية، وهو معترف به من قبَل الحكومة، ولكن القيادة الفعلية في يد المنظمة الصهيونية التي تحرك النشاطات اليهودية كافة، ولا توجد عناصر يهودية قوية مناوئة للصهيونية. وتَصدُر في جنوب أفريقيا عدة مجلات وصحف خاصة بالجماعة اليهودية معظمها بالإنجليزية وبعضها باليديشية ولغة الأفريكانز. كندا Canada دولة في أمريكا الشمالية بدأت كتجمع استيطاني للمهاجرين والمغامرين من أوربا، وهي جمهورية فيدرالية مكوَّنة من تسع ولايات. ورغم أن بضعة أفراد يهود استوطنوا كندا إبّان الاستيطان الفرنسي، فإن استيطان اليهود بدأ مع سقوط كندا في قبضة البريطانيين عام 1759. وقد بلغ أعضاء الجماعات اليهودية 1115 يهودياً حتى عام 1871، و2393 عام 1881. ولكن، مع مرحلة التحديث المتعثر في روسيا والانفجار السكاني بين يهود اليديشية، بدأت تصل أفواج المهاجرين منهم إلى أمريكا الشمالية وتوجهت أغلبيتهم إلى الولايات المتحدة. كما توجهت أعداد منهم إلى كندا، فبلغ عددهم عام 1891 حوالي 6414، وقفز إلى 16.493 مع حلول عام 1901، ثم قفز عام 1911 إلى 75 ألفاً خلال أحد عشر عاماً. وقد زاد عددهم عن طريق الهجرة إلى 156.726 عام 1931، أي 1.51% من عدد السكان. وفي عام 1940، بلغ العدد 167 ألفاً مركزين أساساً في مونتريال حيث يبلغون 63 ألفاً، وفي تورنتو 57 ألفاً. وقد اندمج المهاجرون في الحياة الثقافية والاقتصادية في كندا بسبب عدم وجود قوانين تميِّز ضدهم أو بنية اقتصادية ترفضهم أورموز لا تشملهم، وبسبب وجود نظام تعليمي علماني قومي جيد. فتجربتهم، في هذا، تشبه تجربة يهود الولايات المتحدة (اليهود الجدد) . ولم يلعب اليهود دوراً فريداً في الحياة الاقتصادية الكندية، وإن كان بناؤهم الطبقي والوظيفي تأثر بعض الشيء بميراثهم الاقتصادي الأوربي، ولعل هذا هو سبب تركُّزهم في صناعة الملابس والفراء والتبغ (ومن هنا ظاهرة البائع المتجول اليهودي في السنوات الأولى بعد الهجرة، وهي ظاهرة لا شك في أنها قد اختفت بين أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم من جماعات المهاجرين) . وقد حقق أعضاء الجماعة اليهودية حراكاً اجتماعياً مدهشاً. ونشرت مؤخراً دراسة إحصائية عن الدخول المالية لستة وسبعين جماعة إثنية مختلفة في كندا، وبيَّنت الدراسة أن متوسط دخل الذكور اليهود في كندا (47 ألف دولار) وهو أعلى دخل حققه أي عضو في أية جماعة إثنية. وقد هاجمت جماعة أبناء العهد (بناي بريت) هذه الدراسة مبينة أنها لا تؤدي إلا إلى الغيرة والتناحر بين الجماعات الإثنية المختلفة. ومن الواضح أن معدلات الاندماج والعلمنة آخذة في التزايد بين يهود كندا، ويرجع هذا إلى صغر حجم الجماعة وإلى تزايد هذه المعدلات في المجتمع نفسه. ففي إحصاء عام 1961، جاء أن 254.386 يهودياً اعتبروا أنفسهم يهوداً على أساس ديني، و173.344 (أي أقل من 31%) عرفوا أنفسهم يهوداً على أساس إثني، أي أنهم يهود لا يؤمنون بالعقيدة اليهودية وإنما يؤمنون بالهوية اليهودية! وبعد عشرة أعوام، تغيَّرت الصورة إذ أصبح المتدينون 267.055 بينما زاد عدد الإثنيين إلى 296.945، أي أن اليهود الإثنيين أصبحوا أكثر من 50%، وهي تشبه النسبة في الولايات المتحدة. ونلاحظ أن أغلبية المتدينين من المحافظين والإصلاحيين، تماماً كما هو الوضع في الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل الأرثوذكس أقلية صغيرة. لكن عدد الأرثوذكس آخذ في الزيادة نتيجة هجرة بعض يهود المغرب العربي. كما أن معدلات الزواج المُختلَط ارتفعت للغاية، وفاقت نظيرتها في الولايات المتحدة، وكان لها أعمق الأثر في الجماعة اليهودية نظراً لصغر حجمها. ويُعدُّ يهود كندا جزءاً من التشكيل الاستيطاني الأنجلو ساكسوني في كندا. ورغم وجود أعداد منهم يتحدثون الفرنسية، فإن الأغلبية العظمى تتحدث الإنجليزية، وضمن ذلك يهود مونتريال التي تضم نحو ثلث اليهود. وقد وَلَّدت الحركة الانفصالية الفرنسية في مونتريال شيئاً من التوتر ليهود كندا، إذ يحاول الانفصاليون، أو دعاة الفرنسة، صبغ المنطقة بالصبغة الفرنسية، وهو الأمر الذي لم يصادف هوىً لدى أعضاء الجماعة اليهودية المصطبغة بالصبغة الأنجلو ساكسونية. ولذا، هاجر من مونتريال في الثمانينيات ما بين 10 و25 ألف يهودي من مجموع 115 ألفاً، حتى أصبحت تورنتو تضم أكبر جماعة يهودية (125 ألفاً) . هذا وتجب الإشارة إلى أن يهود كندا المتحدثين بالفرنسية أغلبيتهم من السفارد المهاجرين من المغرب العربي. وربما يؤدي هذا الوضع إلى تعميق الانقسام بين الجماعة إلى سفارد يتحدثون الفرنسية وإشكناز يتحدثون الإنجليزية. وفي عام 1992، بلغ عدد يهود كندا 356 ألف نسمة من مجموع السكان البالغ عددهم 27.755.000 نسمة. وتتركز غالبية أعضاء الجماعة اليهودية في مدينتي تورنتو: 162.605 ومونتريال: 101.210. وصهيونية يهود كندا من النوع التوطيني لا الاستيطاني، ولذا فإن عدد المهاجرين منهم صغير جداً. ويعاني يهود كندا من ظاهرة موت الشعب اليهودي إذ تتزايد بينهم الهجرة (إلى الولايات المتحدة) . وقد تناقص عدد المهاجرين إلى كندا وتزايدت معدلات الاندماج والزواج المختلط والإحجام عن الزواج والإنجاب. والجماعة اليهودية في كندا مُسنة فـ 17.3% ممن تجاوزوا الـ 65 (مقابل 10.8% على المستوى القومي) و17.5% بين 35 ـ 44 (مقابل 16.2% على المستوى القومي) والمستوى التعليمي ليهود كندا مرتفع جداً فـ 52.1% من بين اليهود في المرحلة العمرية 25 ـ 44 من خريجي الجامعات (مقابل 16.5% على المستوى القومي) . ومن أهم المنظمات اليهودية في كندا المؤتمر اليهودي الكندي Canadian Jewish Congress. وهي المنظمة المركزية للجماعة اليهودية في كندا والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي، وقد تأسَّست عام 1919 وأُعيد تنظيمها عام 1934. ويضم الاتحاد الصهيوني الكندي مختلف المنظمات والتجمعات الصهيونية المختلفة في كندا. أستراليا ونيوزيلندا Australia and New Zealand كان اليهود ضمن أوائل المستوطنين في أستراليا. فقد كان ضمن المجرمين الذين أبعدوا إلى أستراليا، عام 1788، ستة يهود (ويقال ثمانية أو ربما أربعة عشر) من بينهم جون هاريس الذي أصبح أول شرطي فيها! وقد أدَّى اكتشاف الذهب، في منتصف القرن التاسع عشر، إلى زيادة هجرة اليهود. ولم يكن لأعضاء الجماعة اليهودية معابدهم وتنظيماتها الطائفية الخاصة بهم إلا مع قدوم المستوطنين اليهود الأحرار، الذين كان يوجد بينهم بعض أعضاء العائلات اليهودية البريطانية المرموقة مثل عائلتي روتشيلد ومونتيفيوري الذين قدموا خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن التاسع عشر. وقد تركَّز أكثر أعضاء الجماعة اليهودية في المهن التجارية والحرفية وفي صناعة الملابس وامتلاك وإدارة الحوانيت والفنادق الصغيرة. ومع بداية القرن العشرين، تغيَّر هذا النمط الوظيفي حيث أصبح أعضاء الجماعة، بعد أن حققوا قدراً أكبر من الحراك الاجتماعي والتعليم، مُركَّزين في الوظائف الإدارية والمكتبية والمهن والأعمال الحرة. وقد جاء 70% من المهاجرين اليهود في الفترة بين عامي 1851 و1880 من ألمانيا، و20% من شرق أوربا. أما في الفترة بين عامي 1880 و1921، فقد جاء 60% من شرق أوربا و30% من ألمانيا. وقد سعى أعضاء الجماعة اليهودية في أستراليا، وخصوصاً الأثرياء منهم، إلى إغلاق أبواب الهجرة أمام اليهود القادمين من شرق أوربا خلال العشرينيات، وذلك خوفاً مما قد تسببه هجرة يهود اليديشية من تهديد لمكانتهم الاجتماعية. ولم يتغيَّر هذا الموقف إلا بعد الحرب العالمية الثانية بعد أن تبنت الحكومة الأسترالية سياسة تسعى نحو زيادة حجم الهجرة القادمة إلى البلاد. وقد استوطن يهود أستراليا في مجتمع لا يعرف معاداة اليهود، فهو مجتمع جديد علماني استيطاني لا يحارب الدين لأنه لا يكترث به ولا بأية قيمة مطلقة، ويقيِّم الناس بحسب نفعهم ومقدار إنجازهم. ولعل وضع أعضاء الجماعة اليهودية في أستراليا يشبه وضع اليهود الجدد في الولايات المتحدة، فقد طرح المجتمع صورة قومية مركزية كان على اليهود أن يعيدوا صياغة أنفسهم وهويتهم على أساسها، وقد فعلوا ذلك بكفاءة عالية. وساعدهم على ذلك نظام تعليمي كفء للغاية. بل إن عملة الاندماج كانت أسهل هنا لأن عدد اليهود كان صغيراً. كما أنه لا يوجد أي انقسام بينهم، فقد كانت أغلبيتهم من الإشكناز الذين كوَّنوا وحدة واحدة متجانسة. وقد جرت محاولة لتأسيس مدارس يهودية خاصة بأعضاء الجماعة اليهودية إلا أن هذه المحاولة لم تستمر طويلاً إذ فضَّل أغلب أعضاء الجماعة اليهودية إلحاق أبنائهم بالمدارس البروتستانتية المرموقة التي تتيح أمام أولادهم فرصاً أكبر للحراك الاجتماعي والاندماج داخل المجتمع الاشتراكي. وقد أُعيد تأسيس هذه المدارس في أعقاب تزايد حجم الهجرة اليهودية بعد الحرب العالمية الثانية. وكان عدد اليهود 1183 نسمة عام 1841، وصل إلى 9125 عام 1881، وزاد العدد إلى 17.287 عام 1911، وإلى 23.553 عام 1933، ووصل إلى 70 ألفاً عام 1968. وعلى أية حال، فإنهم لم يشكلوا أبداً أكثر من 0.6% من إجمالي تعداد السكان. وقد وصل عدد الجماعة اليهودية عام 1991 إلى نحو 90 ألفاً من عدد السكان البالغ 17.843.000 نسمة. ويوجد أغلبية يهود أستراليا في ملبورن. ومن الواضح أن يهود أستراليا مندمجون تماماً في مجتمعهم، فنسبة الزواج المختلط شديدة الارتفاع بينهم، وكذا معدلات العلمانية. وقد شكَّلت مسألة الزواج المختلط مشكلة أساسية بالنسبة إلى أعضاء الجماعة منذ منتصف القرن التاسع عشر، كما أدَّت إلى عزوف نسبة كبيرة من أعضاء الجماعة عن ممارسة الشعائر الدينية اليهودية. وقد بلغ بهم الاندماج حد أن عدداً كبيراً منهم يرفضون أن يُشار إليهم بأنهم «يهود أستراليون» ، أو حتى «أستراليون يهود» ، فهم أستراليون وحسب. ويهود أستراليا من الصهاينة التوطينيين الذين يؤيدون الدولة الصهيونية بحماس شديد، ولكن لا تهاجر منهم سوى أعداد ضئيلة جداً. ولا يزيد متوسط الهجرة السنوية على خمسة عشر فرداً. بل يُلاحَظ أن كثيراً من يهود جنوب أفريقيا يؤثرون أستراليا على الدولة الصهيونية باعتبارها مجتمعاً استيطانياً، كما أن بعض الإسرائيليين قد شقوا طريقهم إلى هناك. ومع هذا يعاني يهود أستراليا من ظاهرة موت الشعب اليهودي ويتزايد بينهم عدد المسنين. والجماعة اليهودية في نيوزيلندا صغيرة الحجم ولا أهمية لها، وقد بلغ عدد اليهود فيها 4500 نسمة عام 1992 من مجموع السكان البالغ عددهم 3.487.000. وهم مندمجون تماماً في المجتمع، كما أن عددهم يتناقص بسبب الزواج المختلط. وقد بلغ عدد يهود أستراليا ونيوزيلندا معاً 8.500 ألف نسمة عام 1992. ومن أهم المنظمات اليهودية في أستراليا: المجلس التنفيذي ليهود أستراليا The Executive Council of Australian Jewry واختصاره ECAJ. وهي المنظمة المركزية للجماعة اليهودية في أستراليا والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي، ويتبدل مقرها كل عامين بين سيدني وملبورن. ويتركز نشاطها في مجال العلاقات العامة والشئون الخارجية ومحاربة الافتراء. أما في نيوزيلندا، فإن أهم المنظمات اليهودية هو المجلس اليهودي لنيوزيلندا New Zealand Jewish Council، وهي المنظمة المركزية ليهود نيوزيلندا والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي. والجماعة اليهودية في نيوزيلندا ممثلة أيضاً في مجلس النواب ليهود بريطانيا من خلال نائبين. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الولايات المتحدة: مقدمة عامة
United States: General Introduction يمكن القول بأن تاريخ الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، التي صارت جماعة واحدة فيما بعد، جزء لا يتجزأ من التاريخ الغربي بشكل عام والتاريخ الأمريكي بشكل خاص، ذلك أن أصولها تعود إلى هجرة الشعوب الأوربية إلى العالم الجديد. وتعكس تجربة أعضاء الجماعة في الولايات المتحدة كل الإيجابيات والسلبيات التي تسم تجربة الإنسان الأمريكي. ويُعدُّ وصول الإنسان الغربي إلى الأمريكتين (فيما يُسمَّى «اكتشاف العالم الجديد» ) من أهم الأحداث التي أثرت في تاريخ الإنسان في العصر الحديث إذ فتح مجالات جديدة للاستثمار أمام الإنسان الغربي وزاد ثروته بشكل مذهل بعد أن كان الغرب من أفقر مناطق العالم. ومن هنا، اتجه الفائض السكاني الغربي (كما كان يشار إلى الأفراد الذين لم يحققوا شيئاً من الحراك الاجتماعي ولم يتمكنوا من تحقيق هوياتهم الدينية والثقافية) إلى العالم الجديد ليحقق أعضاؤه من خلال التشكيلات الاستعمارية الغربية ما فشلوا في تحقيقه داخل التشكيلات القومية الغربية. ولكن كل عملية هجرة لها قطبان: أحدهما إيجابي هو عنصر الجذب إلى الوطن الجديد، والآخر سلبي هو عنصر الطرد من الوطن القديم. وقد ذكرنا بعض عناصر الطرد الخاصة بالمجتمع الغربي ككل حينما تحدثنا عن الفائض السكاني، وهي تنطبق على أعضاء الجماعات اليهودية انطباقها على الآخرين. ولكن عملية الهجرة إلى العالم الجديد تزامنت مع عدة عناصر طاردة خاصة بالجماعات اليهودية وحدها جعلت نسبة اليهود المهاجرين أعلى من نسب الجماعات الأخرى (ربما باستثناء الأيرلنديين) . ونوجز هذه العناصر فيما يلي: 1 ـ طرد اليهود السفارد من إسبانيا، ثم استيطانهم في أنحاء العالم الغربي والدولة العثمانية. 2 ـ هجمات شميلنكي في منتصف القرن السابع عشر في بولندا والتي كانت تضم الجزء الأكبر من يهود العالم. 3 ـ تقسيم بولندا في نهاية القرن الثامن عشر بما نتج عنه من توزيع اليهود فيها على روسيا وألمانيا والنمسا، وما نجم عن ذلك من قلقلة وعدم استقرار. 4 ـ تعثُّر التحديث في شرق أوربا، ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، وكان يضم آنذاك يهود اليديشية وهم أغلبية يهود العالم الساحقة، بل ووصول عملية التحديث إلى طريق مسدود في نهاية الأمر. وترك ذلك أثراً عميقاً في أعضاء الجماعات اليهودية إذ خلق لديهم إحساساً عميقاً بالإحباط، وخصوصاً أعضاء الطبقة الوسطى. 5 ـ لكن من أهم الأسباب التي تهم اليهود، أكثر من أية جماعة أوربية أخرى، أن المجتمع الأمريكي مجتمع علماني تماماً. ومع أن الديباجات والرموز الدينية المسيحية كانت منتشرة في المراحل الأولى، إلا أن كل هذه الأشياء ضمرت سريعاً وهيمنت الرؤية البرجماتية المادية النفعية حيث أصبح الحكم على كل شيء في الواقع، وضمن ذلك الإنسان، يَصدُر عن منظور مدى نفعه (المادي) . وينطلق دستور الولايات المتحدة من أطروحات الاستنارة والإيمان بالمساواة بين البشر ومن أن هدف الحياة هو البحث عن السعادة أو المتعة. وفي عام 1840، اعترض المواطنون على حاكم جنوب كارولينا لأنه أشار إلى الثالوث المسيحي في دعاء عيد الشكر. وكان هذا الحادث من أهم الوقائع التي تدل على تراجع المسيحية حتى على مستوى الرموز العامة، وهو أمر يشكل جاذبية خاصة للمهاجر اليهودي. 6 ـ يجب أن نتذكر أن المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني، وأن أسطورة الاستيطان الغربية أسطورة عبرانية. فالولايات المتحدة كان يُنظر إليها باعتبارها صهيون الجديدة (والمستوطنون البيوريتان هم العبرانيون) ،أما السكان المحليون أو الأصليون فهم الكنعانيون والعماليق من أجداد العرب. بل قُدِّم اقتراح بأن تكون العبرية لغة البلد الجديد بدلاً من الألمانية أو الإنجليزية. وهذا جزء من ميراث الإصلاح الديني في الغرب حيث زاد الاهتمام بالعهد القديم وحوادثه التاريخية. ومن المؤكد أن هذا خلق تعاطفاً كامناً مع المهاجرين اليهود وجعل الولايات المتحدة ذات جاذبية خاصة لهم إذ أن النسق الرمزي لا يستبعدهم. 7 ـ المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني بناؤه الطبقي في حالة سيولة وانفتاح شديدين ولا يضع أية عقبات أمام المهاجر اليهودي. 8 ـ ساهم أعضاء الجماعة اليهودية، مع غيرهم من الجماعات المهاجرة، في صياغة رؤية أمريكا لنفسها كمجتمع تعددي، وفي تشكيل الواقع الأمريكي كواقع لا تتحكم فيه مؤسسات وسيطة (قبائل أو كنيسة مركزية) . لكل هذا أصبحت الولايات المتحدة «الجولدن مدينا» بحق أي «البلد الذهبي» وملجأ الغالبية الساحقة من يهود العالم ووطنهم. لكل هذه الأسباب، سواء الجاذبة أم الطاردة، لم يكن من الغريب انتقال الكتلة البشرية اليهودية من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة أساساً أو إلى غيرها من المجتمعات الاستيطانية الجديدة مثل أستراليا وكندا وجنوب أفريقيا والأرجنتين، إذ أن الهجرة اليهودية هي في نهاية الأمر جزء لا يتجزأ من الهجرة الاستيطانية الغربية. ويمكن تقسيم تاريخ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى المراحل التالية: 1 ـ المرحلة الكولونيالية: السفارد وبداية وصول الإشكناز الألمان. أ) الفترة الهولندية: السفارد (1654 ـ 1764) . ب) الفترة الإنجليزية: بداية وصول الإشكناز الألمان (1664 ـ 1776) . 2 - المرحلة الألمانية: أ) الفترة الأولى (1776 ـ 1820) . ب) الفترة الثانية (1820 ـ 1880) . 3 ـ بداية المرحلة اليديشية أو مرحلة الهجرة اليديشية الكبرى (1880 ـ 1929) . 4 ـ نهاية المرحلة اليديشية (1929ـ 1945) ، وظهور اليهود الأمريكيين. 5 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (من بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام 1970) . 6 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (1971 - حتى الوقت الحاضر) . وإن تكن هناك وحدة ما في تاريخ الجماعة اليهودية فهي وحدة أمريكية خاصة وليست يهودية عامة، ولا يمكن فهم هذا التاريخ إلا في هذا الإطار إذ أننا لو اكتفينا بالإطار اليهودي فسنلاحظ اختلافات حادة وعميقة. وقد حاول السفارد إيقاف هجرة الإشكناز الألمان الذين حاولوا بدورهم استصدار تشريعات لوقف هجرة يهود اليديشية. وقد نشبت الصراعات الدينية العميقة بين الأرثوذكس من جهة والفرق الدينية الأخرى مثل المحافظين والإصلاحيين والتجديديين من جهة أخرى، وبين الصهاينة الاستيطانيين والصهاينة التوطينيين. ولو نظرنا إلى هذه الخلافات بمعزل عن التاريخ الأمريكي وداخل إطار التاريخ اليهودي لتحوَّلت إلى مجموعة من الأحداث المتناقضة التي لا يحكمها أي منطق داخلي. ولكن، في ضوء مسار التاريخ الأمريكي، يمكن النظر إلى أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم مجموعات من المهاجرين أتوا من بلاد مختلفة، لهم انتماءات حضارية ودينية غير متجانسة وتمت أمركتهم ثم دمجهم تماماً في المجتمع مع توقُّف الهجرة من الخارج. ويمكن فهم هيمنة الصهيونية عليهم واحتجاجهم عليها، ورفضهم لها أحياناً ومحاولتهم التملص منها أحياناً أخرى في ذلك الإطار نفسه. وتجب الإشارة إلى أن تجربة المهاجرين اليهود مع الولايات المتحدة كانت تجربة فريدة بالنسبة لهم (ولغيرهم من المهاجرين) إذ فتحت الأبواب أمامهم وأتاحت لكل منهم تحقيق قدر من الحراك الاجتماعي يتناسب مع كفاءته وشراسته. ومع أن المهاجرين باعتبارهم أعضاء في جماعات وظيفية حملوا معهم ميراثهم الاقتصادي الذي حد من الوظائف التي يمكنهم شغلها، كما أن كونهم مهاجرين كان يفرض حدوداً معينة عليهم، فإنهم مع هذا لم يضطروا إلى لعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة وهو الدور الذي اضطروا إلى الاضطلاع به في المجتمعات الغربية قبل الثورة الفرنسية. ولذا، فلا غرو أن الولايات المتحدة تضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم بل في التاريخ، فالعبرانيون في فلسطين لم يتجاوز عددهم مليونين. ورغم أن عدد يهود روسيا القيصرية كان يصل أحياناً إلى سبعة ملايين، إلا أنهم كانوا موزعين بين تشكيلات حضارية وسياسية وجغرافية مختلفة داخل الإمبراطورية. أما يهود بولندا، وهم أهم الجماعات اليهودية طراً، فلم يزد عددهم قط عن 3.300.000، كما أنهم لم يتمتعوا بحقوق يهود الولايات المتحدة أو قوتهم. وفيما يلي جدول يبيِّن تعداد يهود الولايات المتحدة في الفترة من 1650 حتى 1989. السنة / العدد / النسبة المئوية إلى عدد السكان 1650 /244 / ــــ 1790 / 2.500 / ــــ 1818 / 3.000 / ــــ 1826 / 6.000 / ــــ 1830 / 10.000 / ــــ 1840 / 15.000 / ــــ 1850 / 50.000 / 0.5 1877 / 230.000 / 0.2 1887 / 400.000 / 1.3 1897 / 938.000 / 0.7 1907 / 1.777.000 / 3.2 1919 / 3.389.000 / 3.7 1927 / 4.228.000 / 3.1 1937 / 4.771.000 / 2.0 1947 / 5.000.000 / 2.8 1957 / 5.200.000 / 3.7 1967 / 5.800.000 / 3.5 1970 / 6.000.000 / 2.5 1980 / 5.800.000 / 2.9 1989 / 5.920.000 وحسبما جاء في الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لعام 1992، يبلغ تعداد يهود الولايات المتحدة 5.515.000 فقط، من مجموع السكان البالغ عددهم 247.341.000، أي أنهم حوالي 2.23%. المرحلة الكولونيالية The Colonial Era أ) الفترة الهولندية: السفارد (1654 ـ 1664) : يعود تاريخ استقرار أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى عام 1654 حين استقر في مدينة نيو أمستردام (نيويورك فيما بعد) مجموعة من اليهود السفارد (المارانو) يبلغ عددهم ثلاثة وعشرين يهودياً هاربين من محاكم التفتيش البرتغالية في البرازيل. وكان هؤلاء يعملون بالتجارة، فاستمروا في مهنتهم دون أية عوائق. وقد ساد آنذاك في الأوساط الهولندية فكر تجاري يغلِّب المصلحة المادية على الانتماءات الدينية، الأمر الذي هيأ الجو لأن يحصل اليهود على حقوقهم، كعناصر نافعة، ويمارسوا نشاطهم التجاري دون قيود. ولكن الجماعة اليهودية اختفت بعد قليل نظراً لظهور فرص أعظم في أجزاء أخرى من الأطلنطي، وخصوصاً في جزر الهند الغربية. ب) الفترة الإنجليزية: بداية وصول الإشكناز الألمان (1664 ـ 1776) : بعد أن استولى الإنجليز على نيو أمستردام وأصبحت تُسمَّى نيويورك (عام 1664) ، وبعد تصفيتهم للجيب الهولندي في شمال أمريكا، ازداد النشاط التجاري في هذا الجزء من العالم وبدأ اليهود يتجهون نحوه بشكل متزايد. ولم يحل عام 1700 إلا وكان هناك ما بين مائتي وثلاثمائة يهودي، ثم بلغ عددهم 2500 عام 1776. وكان معظم المستوطنين من الأثرياء. وقد ظل العنصر السفاردي (من إسبانيا والبرتغال) هو الغالب حتى عام 1720 حيث بدأ العنصر الإشكنازي (الألماني أساساً) يصبح غالباً. وهذا هو النمط الأساسي للاستيطان اليهودي في الغرب بعد القرن الخامس عشر إذ كان السفارد يشكِّلون دائماً النواة الأولى ثم يتبعهم الإشكناز حتى يصبحوا العنصر الغالب بكثافتهم البشرية. وقد تكونت جماعات يهودية في نيوبورت وفيلادلفيا ونيويورك وتشارلستون (في ساوث كارولينا) وأتلانتا (في جورجيا) . وكان أعضاء الجماعة اليهودية يعملون أساساً بالتجارة، فكان هناك الأرستقراطية الثرية التي كانت تتاجر في المنتجات الزراعية وتُصدِّرها إلى الخارج. وكان منهم مُلاَّك السفن والمتعهدون العسكريون الذين كانوا يزودون الجيش البريطاني بما يحتاج إليه من مؤن وتموينات. وكان هناك عامة اليهود من تجار متجولين يتاجرون مع الهنود وغيرهم. وكان منهم بعض الحرفيين من إسكافيين ومقطري خمور وصانعي لفائف التبغ والصابون وسروج الخيل والحقائب الجلدية والمشتغلين في سك الفضة وتصنيعها. واشتغل بعض كبار المموِّلين من أعضاء الجماعة اليهودية بأهم تجارة آنذاك وهي تجارة الرقيق، حيث كانت نسبة اليهود المركزين في هذه التجارة عالية. وكان من بين التجار حاخام (رئيس الجماعة اليهودية في مدينته) وهو ما يعني القبول الاجتماعي لهذه التجارة. واليهود في هذا لا يختلفون عن كل الأمريكيين الذين استفادوا من استيراد العبيد وتشغيلهم. أما الأعمال الزراعية وأعمال الري، فقد اقتصرت على عدد قليل جداً من اليهود. وكل هذا يبيِّن أن أعضاء الجماعة حملوا معهم إلى العالم الجديد ميراثهم الاقتصادي (الوظيفي والمهني) الأوربي. ومع هذا، لا يمكن القول بأنهم كانوا جماعة وظيفية وسيطة، وهو أمر غير وارد في المجتمعات الرأسمالية التي يُعَد النشاط التجاري والمالي فيها نشاطاً أساسياً. وقد استمر هذا الوضع حتى الأربعينيات من القرن العشرين، مع توقُّف تدفق الهجرة من أوربا، وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية أمريكيين خاضعين لحركيات المجتمع الأمريكي والغربي المتاحة لهم. وقد تم تأسيس أول جماعة دينية في نيويورك عام 1658 (الأبرشية اليهودية) وتبعتها جماعات دينية أخرى. ويُلاحَظ أن الأشخاص العاديين، الذين لم يتلقوا أيَّ تعليم حاخامي تلمودي كانوا هم المتحكمين في المعبد اليهودي، على عكس الوضع في أوربا حيث نجد أن الحاخام هو الشخصية الأساسية. وقد استأجرت أول أبرشية يهودية حاخاماً عام 1840 وكانت صلاحياته دينية وحسب، إذ لم تكن هناك أية محاكم دينية لها صلاحيات قضائية. وظل هذا أحد ثوابت وضع اليهود في العالم الجديد. وكانت الأطر التنظيمية اليهودية الأخرى مسألة اختيارية طوعية، على خلاف القهال في شرق أوربا حيث كان على اليهود أن ينضموا إليه ويمارسوا حقوقهم وواجباتهم من خلاله. وكانت جهود الجماعة تتجه نحو رعاية فقراء اليهود من بين المهاجرين الجدد والعجزة والعجائز، كما كانت تتجه إلى مساعدة المدارس اليهودية. وقد حصل اليهود على جميع الحقوق التي حصل عليها غيرهم من المستوطنين، فكانوا يقومون بالخدمة في الميليشيا ويتمتعون بحق الملكية والسفر والسكنى في أي مكان. ففي هذا المجتمع التجاري الجديد، لم تكن للقيم التقليدية الدينية فعالية كبيرة إذ سادت القيم النفعية والعملية. وفي هذا الإطار، كان يُنظر إلى العنصر اليهودي باعتباره عنصراً نافعاً يساهم في تطوير المستعمرات الجديدة. ولم يكن هناك قطاع اقتصادي يهودي مستقل عن القطاع المسيحي، كما لم تكن هناك حرف أو وظائف يهودية رغم أن الموروث الاقتصادي الأوربي لليهود وخبراتهم السابقة كانت تحدِّد اختياراتهم الاقتصادية في كثير من الأحيان وتحدُّ منها في بعض الأحيان. ولم يكن هناك نظام تعليمي يهودي مستقل، باستثناء بضع مدارس لتعليم اليهود الذين يضطلعون بوظائف المؤسسة الدينية أو لتعليم أطفال اليهود تعاليم دينهم أو تدريبهم على احتفالات بلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) التي أصبحت من أهم ملامح الحياة اليهودية في الولايات المتحدة. وكانت المدارس العلمانية مفتوحة على مصراعيها أمامهم، فكان أبناء أثرياء اليهود يلتحقون بها. ولكن لم تُبد أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية آنذاك اهتماماً كبيراً بالتعليم العالي بسبب توجُّههم الاقتصادي. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يتميزون بأزياء أو لغة خاصة بهم، بل كانوا يسلكون سلوك بقية أعضاء المجتمع. وأدَّى كل هذا إلى اختفاء كثير من القيم التقليدية اليهودية التي حملها المهاجرون معهم من أوطانهم الأصلية، بل كان أبناؤهم يسخرون منها تماماً. كما أن كثيراً من الشعائر الدينية أخذ يطويها النسيان والإهمال، ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشعرون بأن وطنهم الجديد هو المنفى (جالوت) الذي تتحدث عنه الكتب الدينية، بل اعتبروه وطنهم النهائي والقومي والوحيد (تماماً كما فعل أعضاء الجماعة في بابل من قبل) . ويمكن القول بأن الملامح الأساسية للجماعة اليهودية، وكذلك ثوابت تاريخها، تحدَّدت في تلك المرحلة بحيث وسمت تطورها اللاحق بميسمها. ولم تشهد مراحل التطور اللاحقة سوى تعديل بعض السمات وتعميق البعض الآخر. وقد أدَّى هذا المناخ الجديد إلى اندماج اليهود سريعاً، بل وإلى انصهارهم. وعلى سبيل المثال، تزوج كل وجهاء اليهود في ولاية كونتيكت من غير اليهود، وكان الزواج المُختلَط أمراً مألوفاً في المدن الكبيرة بكل ما ينتج عنه من انصهار كامل. المرحلة الألمانية الأولى (1776-1820) (The First German Era (1776-1820 عند إعلان استقلال الولايات المتحدة، لم يكن عدد أعضاء الجماعة اليهودية يزيد على ألفين أو ثلاثة آلاف، ولكن عددهم وصل إلى أربعة آلاف عام 1820. وقد تحدَّدت مواقفهم حسب مواقف الجماعات غير اليهودية التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها أو الطبقة التي كانوا ينتمون إليها. ولما كانت أغلبيتهم من التجار الذين لا تربطهم علاقة كبيرة بالوطن الأم (إنجلترا) ، فقد كانوا من مؤيدي إعلان الاستقلال. ومع هذا، كانت هناك أقلية ضمن الحزب الموالي لإنجلترا. وقد أكد إعلان استقلال أمريكا، وكذلك دستورها، المساواة الكاملة بين الأفراد، فأُلغي كل ما تبقَّى من تفرقة، مثل فرض القَسَم المسيحي على أيّ طالب وظيفة. ولم يكن اليهود مجموعة من الناس الذين يتم التسامح معهم أو استبعادهم كما كان الحال في أوربا، وإنما كانوا مواطنين لهم جميع الحقوق وعليهم جميع الواجبات، ولم يكونوا أيضاً جماعة وظيفية وسيطة. وقد نص التعديل الأول للدستور الأمريكي على الفصل الفوري للدين عن الدولة. ولكن يُلاحَظ أن بعض الولايات الأمريكية لم تطبق الدستور، الأمر الذي كان يعني التفاوت في وضع أعضاء الجماعة اليهودية من ولاية إلى أخرى. ولكن الوضع، بشكل عام، كان يتسم بالمساواة وبتطبيق مُثُل الاستنارة والانعتاق. وأدَّى التوسع في زراعة القطن إلى أن أصبح بعض أعضاء الجماعة اليهودية من أصحاب الأراضي وكبار التجار. كما اتجه بعضهم إلى الاشتغال في مجال النشاطات المالية والعقارية، فأنشأوا شركات تأمين، وعملوا في أسواق الأسهم والسندات وفي قطاع الصناعة، وفتحوا المصارف. كذلك دخل بعض أعضاء الجماعة اليهودية (عام 1820) مهناً جديدة، مثل: القانون والطب والهندسة والتربية والصحافة. وكان اليهود موزعين على معظم مدن الولايات المتحدة. أما من ناحية تنظيم الجماعة اليهودية، فيُلاحَظ أن الهيمنة كانت ولا تزال للعناصر غير الدينية. ولم يكن المعبد اليهودي والحاخام سوى جزء من كلٍّ يدار حسب القيم العامة للمجتمع الأمريكي وليس حسب القيم الدينية أو التقليدية اليهودية الخاصة. ومن الناحية الثقافية، لم يكن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية الثقافي في الحضارة الأمريكية إسهاماً ذا بال. وعلى كلٍّ، فقد كانت التقاليد الثقافية الأمريكية نفسها لا تزال آنذاك تابعة لأوربا، ولم يكن هناك بعد إبداع أمريكي مستقل. لقد كان أعضاء الجماعة اليهودية بشكل عام مندمجين في مجتمعهم الأمريكي، ولم تكن لهم ثقافة مستقلة. وكان انتماؤهم إلى ثقافتهم اليهودية (الدينية أو الإثنية) مسألة شكلية وحسب. وفي هذه الفترة، أصبح العنصر الإشكنازي الألماني العنصر الغالب تماماً. المرحلة الألمانية الثانية (1820-1880) (The Second German Era (1820-1880 لا شك في أن التطور الأساسي الذي طرأ على أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة هو ازدياد عددهم وتحوُّل الجماعة من أقلية صغيرة إلى واحدة من أكبر الجماعات اليهودية خارج شرق أوربا. وعند بداية هذه المرحلة، كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية نحو أربعة آلاف، زاد إلى ستة آلاف عام 1826 ثم إلى 15 ألفاً عام 1840. وقُدِّر عدد اليهود بمائة وخمسين ألفاً عام 1860، ويُقال إنه وصل إلى مائتين وثمانين ألفاً مع نهاية هذه الفترة (عام 1880) . وكان المهاجرون، أساساً، من أصل ألماني، وخصوصاً من منطقة بافاريا وبوزنان بعد ضمها من بولندا، أو كانوا من اليهود الألمان أو من بوهيميا والمجر جاءوا مع موجة الهجرة الألمانية إذ هاجر خمسة ملايين ألماني من بينهم مائتا ألف يهودي (1825 ـ 1890) . وكانت أغلبية المهاجرين من الفلاحين الألمان الذين اضطروا إلى الهجرة، فهاجر معهم صغار التجار اليهود الذين كانوا مرتبطين اقتصادياً بهم واستوطنوا على مقربة منهم في الولايات المتحدة. وقد وصلت الهجرة إلى ذروتها بعد إخفاق ثورات 1848 ـ 1849 في أوربا وبعد الكساد الاقتصادي. وقد كان يهود ألمانيا ألمانيين، تماماً مثلما كان السفارد إسبانيين وبرتغاليين. وقد استقر أكبر عدد من أعضاء الجماعة اليهودية في نيويورك، فبلغوا أربعين ألفاً عام 1860، وتجئ بعدها مدن أخرى مثل فيلادلفيا وبالتيمور. كما تمركزوا في المراكز التجارية بالداخل، على الأنهار وعلى ضفاف البحيرات الكبيرة، واتجهوا نحو الغرب في سيراكيوز وبفالو وكليفلاند وشيكاغو وديترويت، وفي سينسناتي ومنيابوليس وسانت لويس ونيو أورليانز. وتدافعت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا في الأعوام 1849 ـ 1852 مع حُمَّى الاندفاع نحو الذهب، إذ بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين استوطنوا سان فرانسيسكو وحدها عشرة آلاف. وقد عمل أعضاء الجماعة اليهودية موردين لحاجات الباحثين عن الذهب في كاليفورنيا، ولم يعمل منهم في الزراعة سوى قلة نادرة. وكانت نسبة العاملين في مهن مثل الطب والقانون صغيرة، إذ كانت الأغلبية العظمى تعمل بالتجارة. ورغم أن كثيراً من المهاجرين عملوا حرفيين في أوربا، فإنهم فضلوا أن يعملوا تجاراً متجولين بسبب ارتفاع الأرباح التي كان بوسعهم تحقيقها. ومع هذا، قد يكون من الأدق أن نذكر أنهم كانوا حرفيين يعملون تجاراً متجولين أيضاً إذ أن بعض السلع التي كان يسوِّقها هؤلاء، مثل الملابس والأحذية، كانت من صنعهم. وقد بدأ التجار من أعضاء الجماعة اليهودية في عملية التسويق سيراً على الأقدام، فتحولوا إلى تجار يتجولون بعرباتهم التي تجرها الخيول، ثم إلى تجار يفتحون دكاكين صغيرة على مفارق الطرق، ثم إلى تجار كبار. واستمر هذا الاتجاه حتى العصر الحديث حيث نجد أن تجارة التجزئة والمتاجر الكبرى ذات الأقسام المتعددة (بالإنجليزية: دبارتمنت ستورز department stores) يمتلكها بعض أعضاء الجماعة اليهودية. كما قاموا بالبيع من خلال الكتالوج، وهو البديل الحديث للبائع المتجول. بل إن الصناعات التي تركز فيها أعضاء الجماعة اليهودية هي الصناعات الخفيفة التي يلتقي فيها التاجر بالصانع. ومن أهم الباعة الجائلين الذين تحولوا إلى تجار كبار أبراهام شتراوس وجمبل، وهما من أصحاب المحال التجارية الشهيرة. وقد حقق أعضاء الجماعة اليهودية معدلاً عالياً من الاندماج في معظم مناطق الولايات المتحدة، ولكن يُلاحَظ أن اندماجهم في مجتمع الجنوب كان أعلى بكثير منه في الشمال. ويعود هذا إلى أن معيار التضامن في الجنوب كان اللون وحسب. ومن هذا المنظور، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً لا يتجزأ من الجماعة البيضاء المهيمنة. وذلك على عكس الشمال حيث كان الدين واللون هما الأساس، ومن ثم كانت النخبة من المسيحيين البروتستانت البيض من أصل أنجلو ساكسوني (الذين يقال لهم الواسب) . وقد تبنَّى أعضاء الجماعة اليهودية أزياء أعضاء النخبة الجنوبية البيضاء ولغتهم وعاداتهم ومهنهم، وامتلكوا العبيد وتاجروا فيهم، وكان هناك عدد من كبار تجار العبيد من اليهود. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن اليهود لم يلعبوا دوراً أساسياً في تأسيس مؤسسة الرقيق ولا يختلف وضعهم هذا عن وضعهم في الولايات المتحدة حتى الوقت الحاضر، فهم قد يوجدون في أهم المؤسسات وأكثرها حيوية، مثل المصارف، مع بقاء دورهم تابعاً مهما زاد عددهم ونفوذهم. وقد شهدت هذه الفترة اندلاع الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) . ومن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية ظلوا بمنأى عن الحوار الذي دار حول مؤسسة الرقيق باستثناء حالات فردية، الأمر الذي أثار حنق الأوساط الليبرالية ضدهم. ويُلاحَظ أن الحاخام إسحق وايز، أهم شخصية يهودية آنذاك، قد لزم الصمت تماماً بشأن هذه القضية. ولعله كان، في موقفه هذا، لا يختلف كثيراً عن موقف بقية المواطنين في مدينة سينسناتي، وهي مدينة تقع على الحدود بين الفريقين المتصارعين في الشمال والجنوب. ولابد أن نذكر هنا أن أعضاء الجماعة اليهودية ككل لم يكن لهم موقف «يهودي» مستقل، وإنما تحددت ولاءاتهم بحسب موقعهم الجغرافي، فكان يوجد سبعة آلاف جندي يهودي في جيوش الشمال وثلاثة آلاف في جيوش الجنوب، الأمر الذي يعكس اندماجهم في المجتمع وتقبُّلهم المواقف السياسية السائدة فيه. وبعد الحرب الأهلية وإلغاء الرقيق، فُتح الجنوب الأمريكي للاستثمارات التجارية والصناعية. واستفاد كثير من التجار من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني من النشاط الاقتصادي والتوسع الصناعي، وحققوا ثروات كبيرة في مجال التجارة والمصارف وصنع الملابس، فلقد قامت أعداد كبيرة من المتعهدين العسكريين اليهود بتزويد الجيوش المتحاربة بالأزياء العسكرية التي تطلبها، وحققوا أرباحاً طائلة. كما استفادوا من وصول يهود اليديشية، فاستغلوا هذه العمالة اليهودية الرخيصة في مؤسساتهم التجارية والصناعية، وهو ما دعم مكانتهم وأكد قيادتهم للجماعة اليهودية. وبلغ المهاجرون اليهود الألمان ذروة مكانتهم في هذه المرحلة. وقد حاول أعضاء الجماعة اليهودية أن يضعوا إطاراً تنظيمياً لوجودهم في الولايات المتحدة، فشُكِّلت هيئة المفوَّضين الإسرائيليين الأمريكيين (ويُلاحَظ عدم استخدام مصطلح «يهودي» لأنه كان يحمل إيحاءات سلبية في تصورهم) ، وكذلك أُسِّست جماعة أبناء العهد (بناي بريت) عام 1843 وجمعية الشباب العبريين عام 1874، وكلها مؤسسات تقع خارج نطاق أي تحكم حاخامي أو أي إطار ديني، بل إن المؤسسات الدينية نفسها كانت تعتمد عليها لبقائها واستمرارها. وقد عبَّرت الهوية اليهودية الدينية عن نفسها، وخصوصاً بين الألمان، من خلال اليهودية الإصلاحية، وهي صيغة دينية تسمح لليهودي بالتكيف مع وطنه الجديد في الولايات المتحدة. وقد أعلنت اليهودية الإصلاحية عن مبادئها الدينية في مؤتمر بتسبرج الإصلاحي عام 1885، وتم تأسيس اتحاد الأبراشيات العبرية الأمريكية عام 1873، وكلية الاتحاد العبري عام 1875، وهي أهم المؤسسات اليهودية الإصلاحية التربوية. ومع هذا، لم تكن هناك سلطة دينية مركزية، نظراً للتنوع الإثني لليهود، وبسبب الطبيعة الفيدرالية للمجتمع الأمريكي. والواقع أن المهاجر اليهودي الألماني لم يكن يجد أن ثمة علاقة كبيرة مع المهاجر اليهودي البولندي مثلاً، فقد كانت كل جماعة تحتفظ بشعائرها الدينية وتؤسس معابد يهودية مختلفة باختلاف الأصول الإثنية اليهودية. وكان معظم يهود شرق أوربا يتبعون اليهودية الأرثوذكسية. وشهدت هذه الفترة حركة بناء للمعابد اليهودية الضخمة التي تشبه الكاتدرائيات. ورغم أن الحضارة الأمريكية قد دخلت، في هذه المرحلة، مرحلة إبداعية في الآداب والفنون، فإن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية فيها كان ضعيفاً، وذلك لكونهم جماعة مهاجرة لم يمتلك أعضاؤها ناصية اللغة الإنجليزية أو مُصطلَحات الحضارة الجديدة. ولذا، لم يكن هناك كُتَّاب يهود في عصر ويتمان وملفيل ومارك توين سوى إيما لازاروس (1849 ـ 1887) وهي شاعرة ليست لها أهمية كبيرة. ويُلاحَظ تَزايُد اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في جميع قطاعات المجتمع الأمريكي الذي كان يعبِّر عن هويته العرْقية عن طريق التعصب ضد السود والصينيين وعن هويته الدينية البروتستانتية عن طريق التعصب ضد الكاثوليك والمهاجرين الأيرلنديين وليس عن طريق معاداة اليهود على الطريقة الأوربية. وقد شهدت هذه الفترة ظهور واحد من أهم مظاهر معاداة اليهود في الولايات المتحدة وهو رفض عضويتهم في النوادي الأرستقراطية والنوادي الاجتماعية. وهو شيء سطحي تافه يدل على سطحية ظاهرة العداء لليهود في الولايات المتحدة وعدم تجذُّرها في المجتمع الأمريكي (ولذا فهو شكل من أشكال التحامل على اليهود، لا العداء ضدهم) . فبينما كانت بعض النوادي الاجتماعية تمارس التفرقة ضد أعضاء الجماعة اليهودية، كانت المدن الأمريكية لا تمانع في هذه الفترة نفسها أن تنتخب عُمداً ينتمون إلى هذه الجماعة. كما كانت كثير من هذه المدن لا تزال تمارس التفرقة ضد السود بكل ضراوة، وتنكر عليهم أبسط الحقوق، مثل الالتحاق بالجامعات أو الجلوس على المقاعد الأمامية في الحافلات. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
بداية المرحلة اليديشية (1880-1922)
The Beginning of the Yiddish Era 1880-1922 أ) الفترة الأولى: الهجرة الكبرى (1880 - 1929) : تغيَّرت السمات الأساسية للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة لسببين: أحدهما خاص بحركيات المجتمع الأمريكي، والثاني خاص بالجماعة نفسها. فبعد المرحلة التجارية الأولى من تاريخ الولايات المتحدة، وبعد أن حصلت الولايات المتحدة على استقلالها السياسي، وبعد أن نجحت جيوش الشمال في توحيد السوق القومية في الولايات المتحدة وفتح الجنوب الزراعي للنشاط التجاري والاستثمارات الصناعية، تزايدت حركة التصنيع فأقيمت في هذه الفترة شبكة المواصلات السريعة، من البواخر والقطارات والطرق، التي قربت بين أجزاء القارة الأمريكية كما قربت بينها وبين بقية العالم، الأمر الذي سهَّل عملية الانتقال والهجرة. ويُلاحَظ أن حركة الريادة والاستيطان نحو الغرب كانت قد وصلت إلى نهايتها، وهو ما يعني أن المناطق المتاخمة المفتوحة التي كانت مجالاً مفتوحاً للحراك الاجتماعي أصبحت مغلقة. وقد أدَّى اتساع السوق إلى أن الحرفيين لم يعودوا قادرين على إنتاج السلع التي تفي بحاجات المستهلكين المتزايدة، وبالتالي حلت المصانع الكبيرة محل الحرفيين في كثير من الصناعات القديمة. كما ظهرت صناعات جديدة مثل صناعة الصلب والسيارات وهي الصناعات التي غيَّرت وجه الولايات المتحدة. وأدَّى كل هذا إلى ازدياد الحاجة إلى عمال صناعيين، كما فتحت الأبواب للمهاجرين، ومنهم يهود اليديشية الذين جاءوا بالألوف من روسيا وبولندا وغيرهما من بلاد شرق أوربا، فانخرط المهاجرون اليهود في صفوف الطبقة العاملة..... ثم شهدت هذه الفترة (بعد عام 1918) تحوُّل الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى أهم تجمُّع يهودي في العالم على الإطلاق وثاني أكبر تجمُّع، بعد التجمُّع اليهودي في شرق أوربا. وقد زاد عدد اليهود من 280 ألفاً من مجموع سكان تعداده 50.155.000 عام 1880 إلى 4.500.000 من مجموع سكان تعداده 115.000.000عام 1925. وبلغ عدد المهاجرين 2.378.000 بين عامي 1880 و1925، وكانت أعوام الذروة هي أعوام 1904 ـ 1908 حينما وصل 642 ألف يهودي معظمهم من شرق أوربا. وقد أثبتت الولايات المتحدة أنها أكثر جاذبية من فلسطين بالنسبة لليهود. ولذا، فهي بحق البلد الذهبي (باليديشية: جولدن مدينا) الذي يهرول إليه المهاجرون بدلاً من إرتس يسرائيل وأرض الميعاد. وكانت نسبة العائدين إلى أوربا من أعضاء الجماعة هي النسبة الأقل بين مجموعات المهاجرين، باستثناء الأيرلنديين. ففي عام 1880، بلغت النسبة 25%، وانخفضت إلى 8% عام 1908، ثم وصلت إلى الصفر تقريباً عام 1919. وكان عمر المهاجرين بين 15 و40 سنة، أي أن معظمهم كان قادراً على العمل والإنجاب، كما أن نسبة الرجال إلى النساء كانت متعادلة وهو ما يدل على أن المهاجرين قد هاجروا بنية الاستقرار وليس لتحقيق ثروة صغيرة يعودون بعدها إلى أوطانهم الأصلية. وقد استقر المهاجرون في كل المدن، في معظم الولايات والمناطق، فبلغ عدد المهاجرين اليهود في ولاية نيويورك عام 1918 نحو 1.603.923، وفي ولاية ماساشوسيتس 189.671 نسمة، وفي ولاية نيوجرسي 149.476نسمة، وفي ولاية بنسلفانيا 322.406 نسمة، وفي ولاية أوهايو 166.361نسمة، وفي ولاية كاليفورنيا 63.562 نسمة. وشهدت هذه الفترة تحوُّل بعض أعضاء الأرستقراطية الألمانية اليهودية من التجارة إلى المهن، فاشتغلوا بالقضاء والسياسة والأعمال المصرفية والمالية (مثل عائلتي كون ووربرج) والنشر والطب والوظائف المتصلة بالبحوث العلمية والأدب والمهن الأكاديمية. وكان هذا التحول يعني تحرر أعضاء الجماعة اليهودية تدريجياً من ميراثهم الاقتصادي الأوربي وتَزايُد اندماجهم في المجتمع الأمريكي. وظهر بينهم رعاة للفنون مثل أسرة جوجينهايم. ويُلاحَظ أنه لم يكن يوجد سوى عدد قليل من اليهود في الشركات الكبرى التي سيطرت على الصناعات الثقيلة إذ تركَّز اليهود في صناعات استهلاكية هامشية مثل صناعة السينما التي سيطر عليها وليام فوكس ولويس ماير والإخوة وارنر. وفيما يتصل بالمهاجرين من شرق أوربا، وهم الذين نطلق عليهم «يهود اليديشية» ، فقد انضموا إلى صفوف الطبقة العاملة، وخصوصاً في مصانع الملابس الصغيرة التي كانت تُسمَّى «ورش العرق» ، والتي كانت تُقام في مكان ضيق قذر توضع فيه بعض ماكينات الخياطة البدائية ويقطن فيه صاحب المصنع وزوجته. وكان أصحاب هذه الورش من يهود شرق أوربا، نظراً لأنها لا تحتاج إلى رأسمال كبير ولا إلى خبرة غير عادية. كما كان بوسع أصحاب العمل استغلال العمالة اليهودية المهاجرة الرخيصة فيها، وخصوصاً أن يهود شرق أوربا كانوا مركزين أساساً في حرفة الخياطة في بلادهم الأصلية. وقد كان عدد العمال في كل ورشة لا يزيد في بعض الأحيان على خمسة يعملون مدة ست عشرة ساعة يومياً. وكان المموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني يمتلكون أيضاً ورش العرق، وخصوصاً بعد أن حققوا ثروات ضخمة من الحرب الأهلية. وقد ظلوا أغلبية الملاك حتى عام 1914 حين زاد عدد صغار المموِّلين من شرق أوربا على عددهم من الألمان. وبلغ عدد العاملين في هذه الصناعة عام 1913 ثلاثمائة ألف يهودي. وقد نظمت هذه الطبقة العمالية نفسها على هيئة نقابات عمال في الفترة 1909 ـ 1916، وهي الفترة التي شهدت تحوُّل الورش إلى مصانع كبيرة وظهور الوعي العمالي والحركة النقابية في الولايات المتحدة. وقد عمل كثير من يهود شرق أوربا في صناعة الإبر ولف التبغ وصناعة البناء (نجارين ونقاشين) ، وعملوا تجاراً صغاراً وبقَّالين. وكل هذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي كان لا يزال يحدد اختياراتهم وأن عملية الأمركة كانت لا تزال في بداية الطريق بالنسبة إليهم. ولكن يجب أن نشير إلى أنه لم تكن تُوجَد أية قوانين في الولايات المتحدة ترغم أعضاء الجماعة اليهودية على الاضطلاع بوظائف معينة، فقد كان اليهود يتركزون في صناعات دون غيرها، وفي مهن أو حرف دون أخرى، لا بسبب أي قسر خارجي وإنما بسبب طبيعة الخبرات التي حملوها من بلادهم ومقدار رأس المال الذي جلبوه معهم، ونوعية الكفاءات والخبرات التي يحتاج إليها المجتمع الجديد. كما يُلاحَظ أن ميراثهم الاقتصادي كان يثقل كاهل المهاجرين الجدد من شرق أوربا وحسب. أما أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فقد اغتنموا كل الفرص التي أتاحها لهم المجتمع الأمريكي ووصلوا إلى أعلى شرائحه واشتغلوا بجميع المهن. وقد لحق بهم أبناء يهود شرق أوربا بعد جيلين حين انتهت فعالية الميراث الاقتصادي مع انتهاء موجات الهجرة. أما من الناحية الثقافية، فيُلاحَظ أن اليديشية كانت لغة الشارع الروسي البولندي ثم صارت لغة المهاجرين في الشارع الأمريكي، ومن هنا كان استمرارها. ولذا، ظهرت ثقافة يديشية علمانية شجعتها الحركة العمالية، وظهر أدب يديشي وجرائد يديشية توزِّع نحو 500 ـ 600 ألف نسخة في اليوم، وكذلك العديد من المجلات، كما ظهرت سينما يديشية. ووصلت الثقافة اليديشية الذروة في أوائل القرن واستمرت حتى بداية العشرينيات، تماماً كما كان الأمر في الاتحاد السوفيتي. فكان يوجد مسرح يديشي في نيويورك وسبعة عشر خارجها قدمت خمساً وثمانين مسرحية خلال شهر واحد (عام 1927) . ووصل نظام التعليم اليديشي إلى ذروته أيضاً إذ كان عدد الطلبة المسجلين فيه اثنى عشر ألفاً. ولكن إسحق بشيفس سنجر، أكبر كُتَّاب اليديشية، لاحظ أن لغة يهود شرق أوربا أصبحت في الولايات المتحدة دون جذور، ولذا فقد كُتب عليها أن تموت. وكان تَوجُّه الجيب اليديشي معادياً للصهيونية، كما أن ولاءه كان للثقافة اليديشية وليس للدين اليهودي أو اللغة العبرية. وكان هذا الجيب يضم ملحدين وثوريين ومفكرين وفوضويين، كما كان يضم بعض المتدينين. ويُلاحَظ أن العلاقات بين القيادة الألمانية الأرستقراطية والجماهير اليديشية لم تكن حميمة، كما أن العمال اليهود ذوي الأصل الأمريكي، المتركزين في صناعات معيَّنة مثل صناعة السيجار، وكذلك الخياطين المهرة، كانوا يبدون عداءً واضحاً للمهاجرين، نظراً لما كانوا يعتبرونه انعزالية وتخلُّفاً وثورية. وقد نحت اليهود الألمان كلمة «كايك» العنصرية وكذا كلمة «شيني» ، للإشارة إلى يهود شرق أوربا، كما كانوا يتهمونهم بأنهم «آسيويون» (وهو الاتهام الآري التقليدي الذي كان يوجَّه لليهود) وأنهم يضمون في صفوفهم عدداً كبيراً من الثوريين والفوضويين، وأن لغتهم لغة الخنازير (وهو ما يدل على أن أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني كانوا ألماناً حتى النخاع) . وتَجمَّع أعضاء الجماعة من المهاجرين على هيئة جماعات صغيرة تعيش في حي واحد داخل المدن، شأنها في هذا شأن مختلف جماعات المهاجرين، وكان الحي الشرقي الأسفل «لوار إيست سايد Lower East Side» في نيويورك أكبر هذه الأحياء وكان يضم ثلاثمائة وخمسين ألف يهودي عام 1915 في مساحة لا تتجاوز ميلين مربعين، فانتشرت بينهم الجريمة وبخاصة بغاء الفتيات. كما ظهرت مافيا يهودية ازدهرت في الثلاثينيات، لم يُقض عليها إلا في أواخر الأربعينيات، وتخصَّصت في عمليات الاغتيال لحساب العصابات الأخرى. وعندما كانت أحوال اليهودي المالية تتحسن، فإنه عادةً ما كان يترك مثل هذه الأحياء وينتقل إلى أحياء أكثر جاذبية. ومن أهم الأطر التنظيمية ما يُعرَف باسم «روابط المهاجرين» (اللاندز مانشافتين) التي كانت تضم اليهود الذين جاءوا من بلد أو موطن واحد، حيث لعبت دور المؤسسة الاجتماعية الوسيطة التي وفرت للمهاجرين شيئاً من الطمأنينة والدفء في المجتمع الرأسمالي الجديد، والتي قدمت لهم خدمات أخرى مثل إجراءات الدفن والمساهمة في نفقات الجنازات وغيرها من الطوارئ. وكانت هذه الجماعات مرتبطة عادة بدوائر العمال (أربيتر رنج) التي ترعى مصالحهم الاجتماعية. وكان 74% من المهاجرين اليهود يعرفون القراءة والكتابة، مقابل 64% من البولنديين و46% من الإيطاليين، الأمر الذي جعلهم واعين بأهمية التعليم باعتباره واحداً من أهم وسائل الحراك الاجتماعي في العصر الحديث، فأرسلوا أولادهم إلى المدارس، وهو ما سارع بعملية اندماجهم في المجتمع. ولكن تكوين المهاجرين الثقافي كان، مع هذا، ضحلاً. فمعظمهم كانوا من أبناء الطبقة الوسطى الصغيرة، أو العمال الذين لم يتلقوا أي تعليم ديني أو علماني. وقد كانوا يعرفون قدراً ما من شعائر الدين اليهودي وبعض التحريمات. ولكنهم لم يكن لديهم لا الوقت ولا الرغبة في ارتياد المدارس الدينية أو ممارسة الشعائر الدينية المختلفة، فتخلوا عن إقامة شعائر دينهم. ومع هذا، كان الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) يُعَد أمراً مهماً جداً بالنسبة لهم، وهو ما كان يدل على أن اليهودية بدأت تتحول، بالنسبة لعدد كبير منهم، من انتماء ديني إلى انتماء إثني. وكانت أعداد كبيرة من اليهود تعيش منعزلة في مناطق تخومية تجعل الحياة الأرثوذكسية أمراً صعباً للغاية لأن الحصول على الطعام الشرعي كان شبه مستحيل. وكثيراً ما كان اليهودي يحصل على طعامه من الحيوانات التي يصيدها غير اليهود ودون أن يذبحوها على الطريقة الشرعية. وأخذت اليهودية الإصلاحية في الانتشار بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فأُسِّس المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين عام 1889. أما المهاجرون من شرق أوربا، فقد أحضروا اليهودية الأرثوذكسية معهم رغم عدم اهتمامهم بالدين. وكانت الأرثوذكسية منتشرة بين الحرفيين اليهود، وخصوصاً الخياطين. وتأسست مؤسسات اليهودية الأرثوذكسية في هذه الفترة، من بينها اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية عام 1898، واتحاد الحاخامات الأرثوذكس اليهودية في الولايات المتحدة وكندا عام 1902، ومجلس أمريكا الحاخامي عام 1913. وبدأ يظهر قطاع جديد من المهاجرين الذين تمت علمنتهم، وبالتالي صَعُب عليهم الاستمرار في الشعائر الأرثوذكسية. ولكن الصبغة الإصلاحية كانت صبغة متطرفة من وجهة نظرهم. ولسد حاجة هؤلاء، ظهرت اليهودية المحافظة كمحطة في منتصف الطريق احتفظت بالمطلقية الدينية وخلعتها على الإثنية اليهودية، كما احتفظت بكثير من الرموز الإثنية. وقد تم تأسيس أهم المؤسسات اليهودية المحافظة التعليمية في هذه الفترة أيضاً، من بينها الكلية اللاهوتية اليهودية عام 1886، وجمعية الحاخامات الأمريكيين عام 1900، ومعبد أمريكا الموحَّد عام 1913 (وهو يضم الأبرشيات المحافظة) . وتبدَّى الصراع الإثني بين الألمان ويهود شرق أوربا في شكل صراع ديني بين الأرثوذكسية من جهة واليهودية الإصلاحية ثم المحافظة من جهة أخرى. وفي السنين الأخيرة من هذه الفترة، بدأت تظهر علامات الكساد الاقتصادي، فألقت جماهير العاطلين باللوم على القوى الخارجية، وسادت النظريات والمواقف العرْقية تجاه السود، والمهاجرين الآسيويين واليهود بدرجة أقل. ولكن، يُلاحَظ أن نمط حياة المهاجرين كان يخضع لتطورات عميقة إذ أن أسلوب حياة أبنائهم كان يختلف بشكل جوهري عن حياتهم هم أنفسهم، لأنهم حققوا معدلات عالية من الاندماج الاقتصادي والثقافي بسبب تزايد فرص التعليم أمامهم في المدارس الأمريكية العامة. ولكل هذا، انخفضت عضوية اتحادات النقابات اليهودية إلى النصف في العشرينيات، كما اضمحلت الصحافة اليديشية والمسرح والأدب اليديشيان لأن الأبناء كانوا يتحدثون الإنجليزية ولا يعرفون اليديشية أو يعرفونها ولا يتحدثون بها، كما أنهم كانوا لا يكترثون البتة بروابط المهاجرين، ولم يُكتب لعالم المهاجرين البقاء حتى منتصف العشرينيات إلا بسبب وصول أفواج المهاجرين الجدد. ولذا، فمع فرض نظام النصاب على الهجرة (قانون جونسون) عام 1925، بدأ هذا العالم في الاختفاء بحيث تحوَّل إلى مجرد أثر وذكرى عام 1940. وقد ساهم القانون آنف الذكر في التعجيل بتحويل أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة أغلب أعضائها من المهاجرين إلى جماعة معظم أعضائها وُلدوا في أمريكا وتشربوا ثقافتها. واقتصر التعليم اليهودي تقريباً على مدارس الأحد، وأخذت مدارس اليديشية في الاختفاء التدريجي. ولذا، يُلاحَظ أنه، مع نهاية الفترة، ظهرت بعض التحولات الراديكالية في البناء الوظيفي وأسلوب الحياة الخاص بأعضاء الجماعة، فبدأت أعداد كبيرة منهم تترك أحياء المهاجرين لتستوطن في أحياء حضرية أكثر ثراء، وبدأوا يتحوَّلون عن وظائف المهاجرين إلى وظائف تجارية وكتابية ومهنية وبدأ أبناء المهاجرين الذين تخرجوا في المدارس الحكومية والكليات يعملون في مهن القانون والطب البشري وطب الأسنان والتدريس. وكان الاتجاه الأكبر نحو الأعمال الصغيرة المستقلة والوظائف الكتابية الإدارية، وظائف الياقة البيضاء. وتناقص عدد أعضاء الجماعة اليهودية فيما يُسمَّى «الحرف اليهودية» ، وخصوصاً صناعة الملابس. ومع حلول عام 1930، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون خمسي نقابات عمال صناعات الملابس وحسب بعد أن كانوا يشكلون الأغلبية العظمى من أعضائها، أي أن المهاجرين اليهود نفضوا عن كاهلهم ميراثهم الاقتصادي والوظيفي الأوربي بحيث تحوَّلوا من مجرد يهود متأمركين إلى أمريكيين يهود ومن أعضاء في جماعة وظيفية يهودية إلى أعضاء في الطبقة المتوسطة الأمريكية. وظل إسهام يهود أمريكا الثقافي والفكري ضعيفاً في بداية هذه الفترة. ولكن، مع نهايتها، ومع تزايد معدلات الاندماج والأمركة، بدأ يظهر أدباء أمريكيون أحرزوا شهرة محلية وعالمية، مثل جرترود شتاين، وناشرون مثل نوبف، وكثير من المخرجين السينمائيين. ولم تكن الجماعة اليهودية متجانسة حضارياً أو دينياً أو سياسياً. لذا، كانت تتنازعها عدة أيديولوجيات وانتماءات. وقد أشرنا من قبل إلى الصراع الديني بين الأرثوذكس وغيرهم، ثم كان هناك الصراع بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني ويهود اليديشية، والصراع بين الأقلية الصهيونية والأغلبية المعادية للصهيونية أو غير المكترثة بها، والصراع بين دعاة الاندماج والذوبان ودعاة قومية الدياسبورا (أي الاستقلال الثقافي للجماعات اليهودية) ، والصراع بين الاشتراكيين من بقايا البوند والشيوعيين والفوضويين من جهة ودعاة الفلسفات السياسية الليبرالية المحافظة من جهة أخرى. هذا غير عشرات الصراعات الجانبية الأخرى. وشهدت هذه الفترة بداية ظهور الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة اليهودية، وكان أولها لجان مساعدة المهاجرين وغوثهم مثل منظمة هياس (جمعية مساعدة المهاجرين العبريين) عام 1884، وهادساه (المجلس القومي للنساء اليهوديات) عام 1893. وقد تم تأسيس المنظمة الصهيونية في الولايات المتحدة عام 1897، ولكنها كانت منظمة صغيرة لا تمثل سوى أعضائها الذين كان معظمهم من أصول شرق أوربية، بينما ساد التيار الاندماجي بين اليهود الألمان، كما ظهر تيار صهيوني قوي ذو ديباجة مسيحية في صفوف أعضاء الكنائس البروتستانتية المتطرفة. كما أن التوسع الإمبريالي للولايات المتحدة، وبداية تطلُّعها لدور عالمي، مع الحرب العالمية الأولى، صاحبه ظهور نزعات صهيونية بين أعضاء النخبة، ومن هنا كان تأييد حكومة الولايات المتحدة لوعد بلفور رغم هزال المنظمة الصهيونية. وقد انعكس الصراع بين اليهود من أصل ألماني واليهود من أصل شرق أوربي في داخل الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة. فأسست القيادة اليهودية الألمانية عام 1906 اللجنة اليهودية الأمريكية التي ضمت بعض أعضاء النخبة الألمانية من رجال البنوك وكبار التجار والمحامين، وأعضاء من القيادة السياسية. وبطبيعة الحال لم تكن عضوية اللجنة مفتوحة، للجميع. ورداً على تأسيس اللجنة، قامت العناصر الشرق أوربية بتأسيس المؤتمر الأمريكي اليهودي عام 1917. وإلى جانب ذلك، تم تأسيس جمعيات أخرى مثل لجنة التوزيع المشتركة عام 1914. نهاية المرحلة اليديشية وظهور اليهود الأمريكيين (1929-1945) (The End of the Yiddish Era and the Emergence of American Jews (1929-1945 كانت الولايات المتحدة، حتى ذلك التاريخ، حبيسة وضعها الجغرافي منغلقة على نفسها (وإن كان نفوذها قد امتد إلى أمريكا اللاتينية والفلبين) ، ولذا لم تكن قد أدركت بعد دورها كقائد للعالم الغربي وللتشكيل الإمبريالي الغربي. ولكنها كانت مرحلة حضانة أخيرة للرأسمالية الأمريكية، خرجت بعدها عملاقاً اكتسح الجميع. بدأت هذه المرحلة بالكساد الأمريكي الذي غيَّر حياة كثير من الأمريكيين، وأثَّر في بنية المجتمع الأمريكي إذ تعطَّل كثير من العمال وأفلس ألوف من صغار رجال الأعمال. وقد تغيَّر الهيكل الوظيفي لأعضاء الجماعة اليهودية بشكل واضح، فلم يَعُد هناك أي يهود تقريباً يعملون في الزراعة أو الحرف اليدوية، ولم تكن تُوجَد سوى أعداد قليلة من اليهود في الصناعات الثقيلة سواء بين أصحاب العمل أو العمال. وتركَّز الأثرياء من أعضاء الجماعة اليهودية أساساً كسماسرة في البورصة والسينما، وفي أشكال الترفيه الأخرى، وفي بيع العقارات وتجارة التجزئة. أما الطبقة الوسطى اليهودية، فازداد تركُّزها في المهن والأعمال التجارية الصغيرة ووظائف الياقات البيضاء. ويذهب بعض الدارسين إلى أن هذا يعني أن الجماعة اليهودية بدأت تلعب مرة أخرى دور الجماعة الوظيفية الوسيطة، وإن كان السياق قد اختلف، وإلى أن اختلاف الشكل مجرد تعبير عن اختلاف السياق. تزايد عدد الشباب من أعضاء الجماعة اليهودية الذي يذهب إلى الجامعات الحكومية أو الخاصة. ففي نيويورك، كان 49% من مجموع طلبة الجامعات يهوداً، وبلغ عدد الطلبة اليهود في مختلف الجامعات الأمريكية مائة وخمسة آلاف، أي 9% من عدد الطلبة. ويُعَدُّ توجُّه الطلبة عند تخرُّجهم نحو الأعمال التجارية والمهن مؤشراً جيداً على التحولات التي بدأت تحدث في هذه المرحلة والتي بدأت تصوغ الهيكل الوظيفي لليهود بما يتفق مع وضعهم في المجتمع الأمريكي. وتراجعت اللغة اليديشية حتى اختفت تقريباً فاختفت الصحافة اليديشية اليومية وبقيت ثلاث مجلات أسبوعية لا يزيد توزيعها على اثنين وعشرين ألف نسخة معظم قرائها من كبار السن. وبدلاً من كونها لغة الشارع اليهودي الأمريكي، أصبحت لغة الشارع في وليامزبرج وهو الحي اليهودي الأرثوذكسي، حيث كانت لغة ثانية إلى جانب الإنجليزية. واختفى الأدب اليديشي، بل إن بعض أدباء اليديشية بدأ يكتب بالإنجليزية ويترجم أعماله إليها. وفي العشرينيات، كانت أبواب الهجرة موصدة دون اليهود وغيرهم من المهاجرين ثم أُقفل بابها تماماً عام 1924. ولذلك، لم يزد عدد المهاجرين، من عام 1933 حتى عام 1937، على ثلاثة وثلاثين ألفاً. ومع تدهور الموقف في ألمانيا، ارتفع العدد إلى 124 ألفاً في الفترة بين 1938 و1941. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من 1933 إلى 1945، أي مدة اثنى عشر عاماً، نحو 174.678 فقط معظمهم من ألمانيا والأراضي التي احتلتها. كان خُمس هؤلاء من المهاجرين المهنيين ونصفهم من الرأسماليين، وكان عدد كبير منهم من الشخصيات البارزة ثقافياً، مثل أينشتاين وحنا أرندت وأوبنهايمر، وقد لعبوا دوراً ملحوظاً في الحركات السياسية اليسارية والثورية وكذلك في البحوث العلمية. وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة يفقدون كثيراً من تنوعهم، ويكتسبون شيئاً من التجانس، إذ أصبح أعضاء الجماعة اليهودية مواطنين أمريكيين اكتسبوا هوية أمريكية واضحة يتحدث معظمهم الإنجليزية ويذهب أولادهم إلى معاهد تعليم أمريكية يستوعبون فيها القيم الأمريكية. بل يبدو أن الجماعة اليهودية المهاجرة كانت أسرع الجماعات المهاجرة تخلياً عن تراثها الثقافي ومنه اللغة، وفي التأمرك، وفي تبنِّي لغة المجتمع الجديد. وكان المدرسون من أعضاء الجماعة اليهودية من أنشط دعاة تعليم الإنجليزية للمهاجرين. وبدأت تنظيمات المهاجرين تتحول إلى بقايا أثرية. ولهذا، نجد أن أعضاء الجماعة اليهودية بدأوا يلعبون دوراً في الحياة السياسية. وقد وجدوا أن الحزب الديموقراطي هو الإطار الأمثل للتعبير عن مصالحهم، شأنهم في هذا شأن معظم المهاجرين والأقليات، فانضموا إليه بأعداد كبيرة. وهذه سمة جديدة ظلت لصيقة بالسلوك السياسي لأعضاء الجماعة اليهودية حتى الوقت الحالي. فقد أعطى ما بين 85 و90% من اليهود أصواتهم لروزفلت في الفترة 1933 ـ 1945. وبدأ أعضاء الجماعة يحققون بروزاً في الحياة الأمريكية، فكان منهم أحد الوزراء وثلاثة قضاة في المحكمة العليا، وأربعة حكام ولايات ومئات من كبار الموظفين الموجودين على مقربة من صانع القرار. ويُلاحَظ أيضاً أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعة اليهودية كان يوجد في صفوف الأحزاب الثورية. وكما قيل، فإن 50% من أعضاء الحزب الشيوعي كانوا من اليهود، كما أن كثيراً من أعضاء المؤسسة الثقافية اليسارية كانوا، في فترة الثلاثينيات، من اليهود. وهذه سمة استمرت أيضاً لصيقة باليهود حتى الستينيات، وأخذت بعدها في الاختفاء. ومع تزايد معدلات الاندماج، زاد ابتعاد أعضاء الجماعة عن العقيدة اليهودية ومؤسساتها، فتناقص عدد اليهود الذين يذهبون إلى المعبد. وتزايد نفوذ اليهودية الإصلاحية والمحافظة، وتراجع نفوذ الأرثوذكس مع ضعف مؤسسات المهاجرين وانخراطهم في صفوف المجتمع الأمريكي. وشهدت هذه المرحلة ظهوراً متزايداً للمنظمات التي تقوم بجمع التبرعات من اليهود بشكل منتظم لصالح الجماعة اليهودية ثم لصالح إسرائيل. ومن أهم هذه التنظيمات جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام 1939، وتأسَّس مجلس يهودي عام لمنظمات الدفاع اليهودية الذي أصبح اسمه (عام 1941) المجلس القومي الاستشاري لعلاقات الجماعة اليهودية (بالإنجليزية: ناشيونال كوميونتي ريلشنز أدفيسوري كاونسيل National Community Relations Advisory Council) . وقد بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة خمسة ملايين حسب بعض التقديرات، المُبالغ فيها، من مجموع السكان البالغ مائة وأربعين مليوناً، وقد ترك الكساد أثره العميق في الأطر التنظيمية لليهود إذ أن الضائقة المالية تركت كثيراً من مؤسسات الرفاه الاجتماعي اليهودي دون ميزانيات كافية. وظهر عجز المنظمات أيضاً وفشلها في أن تقوم بدور فعال لمساعدة يهود ألمانيا أو حتى فتح باب الهجرة أمامهم. ويمكن القول بأن حرب أعضاء الجماعة اليهودية في أمريكا ضد النازية لم تكن حرباً يهودية خاصة، فقد ظلوا بمعزل عن الأحداث ولم يساهموا كثيراً في مقاطعة البضائع الألمانية، بل إن أحد زعماء الجماعة، ستيفن وايز، ساهم في إفشال الجهود الرامية إلى تنظيم المقاطعة بإيعاز من الصهاينة. ولكن إسهام اليهود الأمريكيين (بوصفهم أمريكيين) في جهود الحرب كان كبيراً، فقد فَقَدَ 10.500 منهم حياتهم وجرح 24 ألفاً وحصل 36 ألفاً على نياشين، وهو ما يدل على أنه لا يوجد مصير يهودي مستقل، وأن مصير أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة مرتبط تماماً بالمصير الأمريكي. وقد احتدم الصراع بين الأقلية الصهيونية التي كانت تتزايد عدداً والأغلبية الاندماجية، وخصوصاً أن المنظمة الصهيونية قرَّرت أن تنقل مركز نشاطها من لندن إلى واشنطن مع انتقال مركز الإمبريالية الغربية. ولذا، فقد عُقد مؤتمر بلتيمور الذي اتخذ قرار بلتيمور عام 1942 في الولايات المتحدة. وفي مقابل هذا، تم تأسيس المجلس الأمريكي لليهودية الذي كان يضم كبار رجال الأعمال (من اليهود الإصلاحيين أساساً) الذين حققوا معدلات عالية من الاندماج، والذين كانوا معادين للصهيونية. وربما تكمن المفارقة الكبرى في أنهم اتخذوا موقفاً رافضاً للصهيونية باعتبارهم أمريكيين في الوقت الذي بدأت فيه المؤسسة الحاكمة الأمريكية نفسها تأخذ موقفاً ممالئاً تماماً للصهيونية وترى فيها تحقيقاً لإستراتيجيتها في العالم. ولذا، كان محكوماً على المجلس الأمريكي لليهودية بالإخفاق. اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (1945-1970) (Neo-Jews or Jewish Americans (1945-1970 تخلت الولايات المتحدة في هذه المرحلة تماماً عن سياستها الانعزالية وأصبحت قائد العالم الغربي بلا منازع. وازداد المجتمع الأمريكي علمانية وازدادت العلمانية شمولاً، وتم فصل الدين عن الدولة تماماً إذ وضعت المحكمة الدستورية العليا عام 1947 أسس هذا الفصل الحاد، فقد أعلنت المحكمة أن الحكومة الفيدرالية أو المحلية ليس بإمكانها أن تصدر قوانين من شأنها مساعدة أيٍّ من الديانات، ولا أن تُفضِّل ديانة على الديانات الأخرى. وترسخت فكرة الحقوق المدنية، وبدأت الأقلية السوداء تطالب بحقوقها مع أوائل الستينيات، وظهرت حركة الحقوق المدنية. وتُسمَّى هذه الفترة «فترة الوفرة» التي اتسمت بضعف الأواصر الاجتماعية والقيم الدينية، وتزايد معدلات العلمنة، وتوجُّه المجتمع الأمريكي، بشكل حاد وبدون أي تردد، نحو اللذة والمنفعة. وقد تحوَّلت الجماعة اليهودية إلى جماعة أمريكية تماماً، المولودون فيها أكثر من المهاجرين إليها، وأصبحوا أساساً أعضاء في الطبقة الوسطى الأمريكية التي تسكن الضواحي، وذابت كل علامات التميز الحضاري. ويرى علماء الاجتماع أن ثمة تقسيماً ثلاثياً يحكم المجتمع الأمريكي وهو أنه مجتمع تحكمه ديانات ثلاث، هي: البروتستانتية والكاثوليكية واليهودية، وهو ما يعني عمق قبول اليهودية. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، استمرت الحكومة في رفض السماح لأيٍّ من المهاجرين الجدد بدخول الولايات المتحدة. ومع هذا، صدر تشريع يسمح لبعض المُرحَّلين اليهود بالاستقرار. ودخل بالفعل ثلاثة وستون ألف يهودي، وكانت مجموعة غير متجانسة صغيرة العدد. ولذا، فإنها لم تُغيِّر الطابع العام الذي اتسمت به الجماعة اليهودية التي كانت قد تحدَّدت سماتها الأساسية واستقرت. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من 1944 حتى 1959 لا يزيد على 191.693 إلى أن تم إلغاء القوانين التي تحد من الهجرة عام 1965. وبلغ عدد المهاجرين في الفترة من 1960 إلى 1968 نحو 73 ألف مهاجر يهودي، معظمهم جاء من إسرائيل بعد عام 1957، ومن الشرق الأوسط وكوبا، وإن كان الجميع ينتمون لأصل أوربي. ارتفع عدد أعضاء الجماعة اليهودية إلى 5.200.000 عام 1957، ووصل إلى 6.000.000 عام 1970، وهذا يعني أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية كان آخذاً في التناقص بالنسبة لعدد السكان، وأن زيادتهم الطبيعية في الفترة من 1945 حتى عام 1969، أي خلال نحو خمسة وعشرين عاماً، لم تزد عن نحو 700 ألف (وذلك بطرح عدد المهاجرين) . وتسبب هذه الاتجاهات السكانية، التي أصبحت اتجاهات ثابتة، كثيراً من القلق في الأوساط اليهودية، وخصوصاً إذا تمت رؤيتها في سياق معدلات الاندماج المتزايدة والزواج المُختلَط. وتوجد معظم الجماعات اليهودية في المدن الكبرى، ذلك أن أربعين بالمائة من كل اليهود يعيشون في نيويورك وحولها كما كان الحال منذ عام 1900. وبلغ عدد اليهود الذين يعيشون في نيويورك العظمى أي في نيويورك والضواحي المحيطة بها وشمال شرق نيوجرسي، وفي المدن التسع الكبرى (لوس أنجلوس ـ شيكاغو ـ فيلادلفيا ـ بوسطن ـ ميامي ـ واشنطن ـ كليفلاند ـ بلتيمور ـ ديترويت) نحو 75% من كل أعضاء الجماعة اليهودية. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية لا يسكنون المدن نفسها وإنما يقطنون خارجها في الضواحي، وهذا من علامات الثراء المتوسط إذ لا يسكن المدن الكبرى سوى الفقراء (من السود والبورتوريكيين) أو كبار الأثرياء من المليونيرات. ولا توجد ضواح مقصورة على اليهود فما يحدد موقع السكنى في الوقت الحاضر مقياسان ماديان أحدهما الدخل والآخر لون الجلد، ولم يَعُد الانتماء الديني أساساً للتصنيف. والواقع أن أعضاء الجماعة اليهودية يُصنَّفون ضمن الأقليات البيضاء في الولايات المتحدة، وتنتمي أغلبيتهم إلى شريحة عليا من الطبقة الوسطى. ومن الاتجاهات الجديدة التي شهدتها هذه الفترة زيادة عدد أعضاء الجماعة اليهودية في لوس أنجلوس، ففي عام 1945 كان عددهم يبلغ 150 ألفاً، زاد إلى 510 آلاف عام 1968. والشيء نفسه ينطبق على ميامي إذ زاد العدد من 7500 عام 1937 إلى 40 ألفاً عام 1948 و150 ألفاً عام 1970، وإن كان معظم اليهود هناك من العجائز. وحركة أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا وميامي ليست مقصورة علىهم وإنما كانت جزءاً من اتجاه قومي أمريكي عام، حيث هاجر الكثيرون من وسط القارة الأمريكية إلى السواحل. ولذلك، نجد أن يهود شيكاغو قد انخفض عددهم من 333 ألفاً عام 1946 إلى 285 ألفاً عام 1969. وفيما يخص الهيكل الوظيفي والمهني لأعضاء الجماعة اليهودية، فقد شهدت الفترة بعد عام 1945 تَعمُّق الاتجاهات التي شاهدنا ظهورها في المرحلة السابقة، إذ زاد عدد اليهود المشتغلين بالمهن في الطب والتدريس بالجامعات وداخل البيروقراطية الحكومية في جهاز الموظفين وتناقص عدد العمال المهرة وغير المهرة بنسبة كبيرة بحيث لا يكاد يوجد أي يهود بين عمال النقل وعمال المناجم. كما لا يوجد يهود في صناعة الأخشاب والتعدين والنقل كما كان الحال في الماضي، وتناقص عدد الفلاحين اليهود بحيث كاد ينعدم، كما تناقص عددهم في صناعة الملابس، أي أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي اختفى تماماً. ويمكن القول بأن ظهور المهني اليهودي هو السمة الأساسية لهذه الفترة. فعلى سبيل المثال، زاد عدد المهنيين في إحدى المدن الأمريكية (تشارلستون) أربعة أضعاف بين منتصف الثلاثينيات وعام 1948، وزاد عدد المهنيين في لوس أنجلوس في الفترة من 1941 إلى 1959 من 11% إلى 25%. ويظهر هذا في بروز شخصيات يهودية في مجالات التربية والعلوم والقضاء والمحاسبة، وفي زيادة عددهم في مجالات الترفيه والإعلام والنشر. وزاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعملون كوسطاء في مجالات تجارة القطاعي والبناء والعقارات في المدن الكبرى والترفيه وعالم المال والأسهم والسندات والصناعة وقطاع الإعلام والسينما والمسرح (نشر ـ معاهد موسيقية ـ مراكز ثقافية) . وبينهم عدد من كبار أصحاب المزارع والمصانع في قطاع الصناعة الزراعية. ويُلاحَظ تركُّز الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في الخدمات الاستهلاكية وفي الصناعات الخفيفة وصناعات القطاع الوسط (صناعة الملابس وصناعة الفراء والمجوهرات والمشروبات الروحية وصناعة السينما) . وهذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي اليديشي ووضعهم كمهاجرين لا يزال له أثر في نمط حراكهم. و «يسيطر» الرأسماليون من أعضاء الجماعة اليهودية على بعض هذه الصناعات. ولكن إلى جانب هذا يُلاحَظ غياب الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية عن الصناعات الثقيلة، إذ تظل هذه الأخيرة (الفحم والفولاذ والمصارف والنفط والسيارات والسفن ووسائل المواصلات) في أيدي الواسب، أي البروتستانت البيض، وهم أعضاء النخبة الاقتصادية والسياسية الذين يتحكمون في العصب الأساسي للاقتصاد الأمريكي الذي يشكل مصدر النفوذ السياسي الحقيقي. وقد يكون من المفيد أن نذكر، في هذا المضمار، أن المصارف الكبرى في الولايات المتحدة، وعددها خمسة وأربعون، لا يشغل اليهود المناصب العليا فيها إلا في خمسة مصارف. ويظل أغلبية اليهود ميسوري الحال أعضاء في الطبقة الوسطى من أصحاب الياقات البيضاء ممن يسكنون المدن أو ضواحيها، وهو ما يعني بروزهم ولمعانهم دون أن تكون لهم قوة اقتصادية حقيقية. ويمكن القول بأن الهرم الوظيفي بالنسبة ليهود أمريكا مختلف عن الهرم الوظيفي القومي الأمريكي. ففي عام 1960، بلغ عدد المهنيين بين اليهود 25% (مقابل 23% بين الأمريكيين ككل) وبلغ عدد الملاك والمديرين وأصحاب العمل 30% (مقابل 10.7% بين الأمريكيين ككل) ، و25% كانوا يعملون في الوظائف الكتابية وعمليات البيع. أما الـ 20% الباقية، فثلاثة أرباعهم كانوا عمالاً مهرة وغير مهرة وحرفيين. ويُلاحَظ زيادة عدد المهنيين اليهود، وهو ما يعني زيادة اقتراب الجماعة اليهودية من السلطة ومن صانع القرار، إذ نجد عدداً كبيراً منهم في واشنطن مستشارين للحكومة ولأعضاء الكونجرس وفي عديد من اللجان والوظائف. ويبدو أن متوسط دخل الفرد اليهودي أعلى من متوسط دخل أعضاء المجموعات الدينية والإثنية الأخرى. ولكن أعضاء الجماعة اليهودية بغض النظر عن مدى فقرهم أو ثرائهم أو تميُّزهم الوظيفي أو مدى صهيونيتهم أو عدمها، أصبحوا جزءاً عضوياً من الاقتصاد الأمريكي. فالرأسماليون الأمريكيون اليهود لا يشكلون رأسمالية يهودية لها حركية مستقلة، وهم ليسوا رأسماليين يهوداً وإنما هم رأسماليون أمريكيون يهود (أو رأسماليون أمريكيون من أعضاء الجماعة اليهودية) ويشكلون جزءاً من الاقتصاد الأمريكي وينحصر ولاؤهم في رأس المال، وهذا الولاء هو الذي يحدد سلوكهم. وما يحدِّد حركية رأس المال الذي يملكه اليهود ليس تطلعاتهم الدينية أو الصهيونية وإنما حركية الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي العامة والمنظومة القيمية المادية النفعية. وكذلك أيضاً المهني اليهودي، فمما لا شك فيه، كما بيَّنا، أن زيادة عدد المهنيين من أعضاء الجماعة اليهودية يعني في واقع الأمر ازدياد أعضاء الجماعة اقتراباً من السلطة وصانع القرار وتأثيراً فيها. ولكنهم، مع هذا، يظلون أقلية عددية صغيرة، وهو ما يعني أن هيمنتهم تظل محدودة. وحينما يصل أحد أعضاء الجماعة اليهودية إلى القمة، فإن الطريق يكون مفتوحاً أمامه وهو يمارس نفوذه في دولة لها إستراتيجيتها العامة ولها مؤسساتها الثابتة وقوانينها المستقرة وأجهزتها التنفيذية ذات السطوة، وهو ما يعني أنه سيظل أساساً جزءاً من الكل الأمريكي حتى في مكانه القيادي. وهو سيحقق البروز وسيصل إلى مكانة قيادية بمقدار ما يخدم مصالح المؤسسة. إن الرأسمالي اليهودي، مثل المهني اليهودي، يشكل كل منهما نقطة في مجتمع يشبه البحر الضخم المتلاطم ذا الحركية المستقلة الواضحة. ومن الصعب على أعضاء أية أقلية، أياً ما بلغ نفوذها وقوتها، الهيمنة عليه وتوظيفه لخدمة مصالحها، وخصوصاً إن تعارضت هذه المصالح مع الاتجاه العام. لكن هذا لا يعني انعدام المقدرة على التأثير، وخصوصاً فيما يخص التفاصيل، وهو أمر يختلف عن التوظيف الكامل وتغيير الاتجاه. وقد طُرحت قضية الصهيونية على الجماعة اليهودية المندمجة وتم حسمها بعد عام 1948 لصالح الصهيونية، وحسب شروط يهود أمريكا الجدد الذين اعتنقت أغلبيتهم الصهيونية، ولكنها لم تكن على أية حال الصهيونية الاستيطانية ذات الجذور الشرق أوربية التي تطلب من اليهود التخلي عن وطنهم والهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. إنها صهيونية توطينية تترجم نفسها إلى دعم مالي وسياسي للمُستوطَن الصهيوني، وتكتفي بممارسة الضغط السياسي على الحكومة الأمريكية لصالح دولة إسرائيل (وإن كانت المسألة لا تستدعي ضغطاً كبيراً) . وقد سارعت الحكومة الأمريكية إلى تأييد قرار التقسيم ثم الاعتراف بالدولة، وهي تراها الآن حليفاً إستراتيجياً وتدفع معونات ضخمة لها. ولا تترجم هذه الصهيونية نفسها إلى هجرة أو استيطان إلا في القليل النادر، فهي تترجم نفسها إلى رموز إثنية تشبه من بعض الوجوه الرموز الإثنية لأعضاء الأقليات الأخرى. وقد شبَّه آرثر هرتزبرج علاقة يهود الولايات المتحدة بإسرائيل بعلاقة الرجل بعشيقته، فهو لا يراها إلا لفترات متباعدة، ولذا فإنها تظل بعيدة مشبعة بالرومانسية ومزينة، وهو يغدق عليها الأموال ولكنه يحتفظ بمسافة بينه وبينها، وحينما تحين لحظة الاختيار فإنه يختار زوجته وأولاده وأسرته. ومن ناحية الأطر التنظيمية، يُلاحَظ بدايات محاولة الوصول إلى إطار تنظيمي يضم سائر المنظمات المختلفة على أن تحتفظ كل منظمة أو جماعة باستقلالها. والواقع أن محاولة التنظيم هي تعبير عن تَزايُد التجانس بين أعضاء الجماعة اليهودية. أما طريقة التنظيم نفسها، فهي انعكاس للطريقة الفيدرالية الأمريكية في التنظيم. ولقد تأسَّست لجان قومية مهمتها التنسيق بين المعابد اليهودية أو بين اللجان الصهيونية المختلفة أو لجان الدفاع المختلفة أو الجباية. وكما أسلفنا، أُسِّست جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام 1939، وسندات إسرائيل عام 1950، والنداء الإسرائيلي الموحَّد عام 1950. كما أن هناك، في كل جماعة يهودية كبيرة، ممثِّلين لمختلف المنظمات اليهودية التي تسيطر عليها الصهيونية، أكثر التنظيمات اليهودية تنظيماً. ومن أهم القضايا التي أثيرت في هذه المرحلة قضية علاقة الدين بالتعليم إذ أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يقفون وراء المطالبة بعدم تقديم العون للمدارس الدينية بحجة أن هذا خرق للدستور الأمريكي الذي يفصل بين الدين والدولة. ولكن معظم هذه المدارس كان الملجأ الوحيد لأبناء الأسر الكاثوليكية المهاجرة الفقيرة، الأيرلنديين والإيطاليين والبورتوريكيين، حيث يمكنهم أن يتلقوا تعليماً جيداً، فالقيم الأخلاقية في نظام التعليم العام الأمريكي قد ضعفت وبحدة، كما أن طريقة تمويل المدارس من الضرائب المحلية تجعل مستوى المدارس في الأحياء الغنية التي يوجد فيها اليهود مرتفعاً إذ يستطيع أهل الحي أو المدينة أن يموِّلوا جميع النشاطات المدرسية. أما في الأحياء الفقيرة، فلا تتاح هذه الفرصة. ولذا، فقد اكتسبت قضية الدعم الحكومي للمدارس نبرات إثنية، وخصوصاً أن معظم أعضاء الجماعة اليهودية يقفون أيضاً ضد تدريس القيم الأخلاقية والروحية للأطفال باعتبار أن هذا قد يُستخدَم ستاراً لتدريس القيم الدينية. ولا تزال هذه القضية مصدراً أساسياً للتوتر في العلاقات بين أعضاء الجماعة اليهودية وأغلبية سكان الولايات المتحدة. ومما يجدر ذكره أن اليهود الأرثوذكس يتخذون موقفاً مشابهاً لموقف الكاثوليك، فهم يودون الحفاظ على نظام التعليم اليهودي الخاص بهم، الأمر الذي يجعلهم في حاجة إلى دعم حكومي. ويبدو أن الهوية الدينية اليهودية في الولايات المتحدة ضَعُفت بشكل سريع جداً. ففي إحدى الإحصاءات (عام 1945) ، جاء أن 18% من اليهود يرتادون دور العبادة الخاصة بهم مرة واحدة على الأقل في الشهر مقابل 65% من البروتستانت و83% من الكاثوليك، وهو ما يدل على أنهم من أكثر القطاعات علمنة في المجتمع الأمريكي. واستمرت النسبة كما هي عليه عام 1958 ولكنها انخفضت قياساً إلى بقية المجتمع، فأصبحت 40% من البروتستانت و74% بالنسبة إلى الكاثوليك. ولكن نسبة 18% قد يكون مُبالغاً فيها إذ أن الكثير من يهود أمريكا يلصقون بأنفسهم صفة «يهودي» دون أية ممارسات دينية. وقد بيَّنت إحدى الإحصاءات أن نحو 10% أو 20% فقط من اليهود يقيمون الشعائر الخاصة بالاحتفال بالسبت والطعام الشرعي والصلوات اليومية. ويظهر ضعف المؤسسات الدينية في أن المعبد اليهودي أصبح ذا دور ثانوي تماماً بالنسبة لدور النادي الاجتماعي اليهودي. ويمكن القول بأنه، مع ضعف الهوية الدينية، يتمسك اليهود ببعض المظاهر الإثنية للحفاظ على الهوية المتميِّزة. ومن هنا تزايدت قوة الصهيونية، فالصهيونية هي اليهودية الإثنية بعد تجريدها من أي مضمون ديني. ومن دلائل الاندماج المتزايد، اختفاء العبرية كأداة للتعبير الأدبي، وكذلك اتجاه اليديشية نحو الاختفاء الكامل. ويمكن اعتبار تزايد الزواج المختلط (بمعدلاته المرتفعة التي تصل في بعض الولايات إلى ما يزيد على 60%) مؤشراً آخر. ويظهر الاندماج أيضاً في غربة الأجيال اليهودية الجديدة عن أسرها البورجوازية، فقد انخرطت أعداد كبيرة منهم في صفوف حركة الحقوق المدنية وحركة اليسار الجديد في الستينيات. ولكن يمكن القول بأن أعضاء الجماعة اليهودية، باعتبارهم أقلية مهاجرة في المدينة تدين بالولاء للحزب الديموقراطي، كان لهم دائماً اتجاه ليبرالي وكانوا يطالبون بقدر من التدخل من جانب الحكومة ضد الاحتكارات ومن أجل الرفاه الاجتماعي. ومن الظواهر المهمة في هذه المرحلة، استمرار بروز أعضاء الجماعة اليهودية وتميُّزهم في المجتمع الأمريكي، وخصوصاً في الحياة الثقافية والأدبية. ويتضح بروز أعضاء الجماعة أيضاً في تزايد عدد اليهود من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات (10% من مجموع الأساتذة يهود) موزعين في جميع التخصصات، وخصوصاً الفيزياء وعلم الاجتماع وعلم النفس. كما يُلاحَظ بروزهم من خلال العدد الكبير من الكتاب والنقاد الأمريكيين اليهود، مثل: سول بلو، وفيليب روث، وبرنارد مالامود، وليونيل ترلنج، وإرفنج هاو، ولسلي فيدلر، ووليام فيلبس. ولكن من الملاحَظ أن كثيراً من هؤلاء المثقفين لم تكن هويتهم يهودية بشكل محدَّد ولم يهتموا بالقضايا الإثنية أو الدينية اليهودية إذ أن انتماءهم كان أمريكياً بالدرجة الأولى. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم
Silent Contract between Western Civilization and the Zionist Movent regarding Western Jewry «العقد» هو اتفاق بين طرفين يلتزمان بمقتضاه تنفيذ بنوده، أما «العقد الصامت» فهو عقد ضمني غير مكتوب لا يتم الإفصاح عنه أو التصريح به. والعقد الصامت في أغلب الأحيان غير واع ومع هذا فهو يعبِّر عن نفسه من خلال سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات. ويمكن القول بأن كل مجتمع إنساني يستند إلى عقد صامت بين أعضائه ينطلق من بعض المقولات الأولية القَبْلية التي يؤمن بها أعضاء هذا المجتمع، وتستمد السلطة الحاكمة شرعية وجودها واستمرارها من هذا العقد. والحديث عن «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» هو محاولة من جانبنا لتسمية شيء كامن مهم مُتضمَّن لم يُسمِّه أحد من قبل، رغم المقدرة التفسيرية للمصطلح. وقد ظل تاريخ الصهيونية متعثراً قبل ظهور هرتزل وظلت الصهيونية فكرة غير قادرة على التحقق لأسباب عديدة من أهمها أن دعاة الفكر الصهيوني كانوا من الصهاينة غير اليهود أو من أعداء اليهود، الأمر الذي جعل أعضاء المادة البشرية المستهدفة (أي اليهود) يرفضون الدعوة إلى استيطان فلسطين. كما أنه لم تكن هناك أية أطر تنظيمية تضم كل الجماعات اليهودية. وعلاوة على هذا كان هناك يهود الغرب المندمجين الذين كانوا يرون أن المشروع الصهيوني يهدد وجودهم ومكانتهم وكل ما حققوه من مكاسب. وقد حل هرتزل كل هذه الإشكاليات، فقام بوضع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية استناداً للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي نبعت من صميم هذه الحضارة ومن تاريخها الفكري والاقتصادي والسياسي. ولم يكتف هرتزل بوضع العقد وإنما قام بتأسيس المنظمة الصهيونية التي طرحت نفسها كإطار تنظيمي يمكن من خلاله توقيع العقد مع الحضارة الغربية وفرض الصيغة الصهيونية الشاملة على الجماهير اليهودية بحيث تتحول هذه الجماهير إلى مادة استيطانية ويدخل المشروع الصهيوني إلى حيز التنفيذ. كما طوَّر هرتزل الخطاب المراوغ الذي جعل بالإمكان إرضاء مختلف قطاعات يهود العالم الغربي (في غرب أوربا وشرقها) ، بل استيعاب كل ما قد يجد من مشاكل في المستقبل، الأمر الذي فتح الباب أمام تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وهرتزل، واضع العقد الصامت، لم يكن مفكراً من الطراز الأول أو مُنظِّراً قادراً على التجريد وإنما كان صحفياً ذكياً سطحياً قليل الثقافة وخبرته السياسية محدودة، ولذا فإن تَوجُّهه كان برجماتياً عملياً. ومع هذا، فإن كتاباته تضم مادة هذا العقد الصهيوني الصامت كما تضم كتابات من لحقه مواد تكميلية للعقد. وكما أسلفنا هذا عقد صامت، غير مكتوب، أي أن كلمة «عقد» هنا تُستخدَم مجازاً. ومع هذا يمكننا القول بأن هذه الصورة المجازية ليست من نحتنا إلا بشكل جزئي. فهي تتواتر في الأدبيات الصهيونية غير اليهودية (وهذا أمر متوقع، فهي صهيونية كانت تنظر لليهود كعنصر نافع غريب يمكن توظيفه) ثم انتقلت الكلمة إلى كتابات الصهاينة اليهود. فقد أشار هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول (1897 إلى ضرورة التفاهم التام مع الوحدات السياسية المعنية حتى يتم الحديث عن حقوق الاستعمار وعن المنافع التي سيقدمها الشعب اليهودي برمته مقابل ما يُعطَى له. كما أشار إلى أن هذا سيأخذ شكل اتفاقية وإلى أن الاتفاقية سوف تصاغ على أساس الحقوق (التي ستُمنَح لليهود) وعلى أساس تعهدات قانونية معترف بها. وحينما طلب القيصر ولهلم الثاني من هرتزل أن يلخص له مطالب الصهيونية، قال هذا "تشارتر charter"، أي «ميثاق» أو «براءة» أو «عقد شركة» . وكان الصهاينة يشيرون إلى وعد بلفور باعتباره هذا الميثاق أو البراءة أو العقد الذي مُنح للحركة الصهيونية. وقد كان هرتزل يهدف إلى تحديث المسألة اليهودية، ولذا فقد كان من اللازم أن يستخدم (فعلاً أو ضمناً) اللغة التعاقدية النفعية التي تفهمها الحضارة الغربية. وإذا حاولنا ترجمة هذا العقد الصامت الذي يستند إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة إلى لغة تعاقدية بسيطة، فإنه سيأخذ الشكل التالي: عقد بين المنظمة الصهيونية (كمتحدث غير مُنتخَب باسم يهود شرق أوربا وغربها) وبين العالم الغربي (وضمنه المعادون لليهود) ، وتفاهم ضمني بين يهود غرب أوربا ويهود اليديشية. تتعهد الحركة الصهيونية بمقتضى هذا العقد بإخلاء أوربا من يهودها (أو على الأقل الفائض البشري اليهودي) وتوطينهم في منطقة خارج هذا العالم الغربي (داخل دولة وظيفية) ، ويتحقق نتيجة ذلك ما يلي: 1 ـ الهدف الأكبر: يُؤسِّس المستوطنون، في موقعهم الجديد، قاعدة للاستعمار الغربي، وتتعهد الصهيونية بتحقيق مطالب الغرب ذات الطابع الإستراتيجي ومنها الحفاظ على تَفتُّت المنطقة العربية. 2 ـ أهداف أخرى: أ) يتم بذلك تخليص العالم الغربي من اليهود الزائدين، باستيعابهم في ذلك الجيب وتحويل فيض المهاجرين من يهود اليديشية. ب) عن طريق نَقْل اليهود، ستقوم الحركة الصهيونية بالسيطرة على الشباب اليهودي وتسريب طاقته الثورية من خلال القنوات الصهيونية. جـ) ستقوم الحركة الصهيونية بحشد يهود العالم وراء المشروع الصهيوني الغربي بحيث يصبحون عملاء ووكلاء للغرب أينما كانوا. د) ستقوم الحركة الصهيونية بتجنيد يهود الغرب المعروفين بثرائهم ليدعموا هذا المشروع الغربي دون أن تطالبهم بالهجرة. هـ) عن طريق نقل اليهود، ستقضي الصهيونية على معاداة اليهود في الغرب. ونظير ذلك، سيقوم الغرب (ككل) برعاية هذا المشروع ودَعْمه، كما أنه سيساعد الحركة الصهيونية في الهيمنة على يهود العالم الغربي (الذين يشكلون غالبية يهود العالم) . ولم يتوجه العقد بطبيعة الحال لمشكلة السكان الأصليين وكيفية حلها، ومع هذا يمكن القول بأن الحل مُتضمَّن في تَعهُّد الدول الغربية بضمان بقاء الدولة الوظيفية، الأمر الذي يعني استعدادها لاستخدام الآليات المألوفة المختلفة ضد السكان الأصليين من طَرْد أو إبادة أو محاصرة. وبرغم تناقض بنود العقد، إلا أنه تم توقيعه (مجازاً) وأصبح قيام الصهيونية بـ "خدمة اليهود والمسيحيين" (على حد قول نوردو) ممكناً وبتوظيف المادة البشرية اليهودية في خدمة الحضارة الغربية، ولذا "ستقام الصلوات في المعابد] اليهودية] من أجل نجاح هذا المشروع، وستُقام الصلوات في الكنائس أيضاً" (على حد قول هرتزل) . وقد أُضيف بعد ذلك عقد تكميلي أو تفاهم بين يهود الغرب التوطينيين ويهود شرق أوربا الاستيطانيين بحيث تَكفَّل يهود الغرب بالجانب التوطيني بدعم المُستوطَن الصهيوني مالياً والضغط من أجله سياسياً شريطة ألا تناقض مصالح المُستوطَن الصهيوني مصالح بلادهم، وبحيث يكتسبون شيئاً من هويتهم من خلال تَوحُّدهم العاطفي مع المُستوطَن الصهيوني مع بقاء ولائهم لأوطانهم، كما يتعيَّن على الصهاينة الاستيطانيين ألا يقوموا بشيء من شأنه إحراجهم أمام حكوماتهم أو وَضْع ولائهم لأوطانهم موضع الشك. أما الاستيطان والقتال والدفاع عن المصالح الإستراتيجية، فيقوم به الاستيطانيون في صهيون: أرض الميعاد والقتال. وقد لعبت الصياغة الصهيونية المراوغة دوراً أساسياً في صياغة العقد وترويجه. كما تم توقيع العقد بإصدار إنجلترا وعد أو عقد بلفور. وقد عبَّر العقد عن نفسه عبر تاريخ الصهيونية من خلال مذكرات تفاهم واتفاقيات عسكرية وإستراتيجية ودعم عسكري ومالي وسياسي فعلي. الوعود البلفورية Balfour Declarations «الوعود البلفورية» مصطلح نستخدمه للإشارة إلى مجموعة من التصريحات التي أصدرها بعض رجال السياسة في الغرب يدعون فيها اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ويعدون بدعمه وتأمينه نظير أن يقوم اليهود على خدمة مصالح الدولة الراعية، أي أنها دعوة لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية. والوعود البلفورية تعبير عن نموذج كامن في الحضارة الغربية يضرب بجذوره فيها. وهي حضارة تنحو منحى عضوياً، وتجعل التماسك العضوي مثلاً أعلى. ونظراً لأن التماسك العضوي هو المثل الأعلى، فإن عدم التجانس يصبح سلبياً كريهاً. وينتج عن هذه الرؤية للكون رفض الآخر في شكل الأقليات. ومن ثم، نجد أن الحضارة الغربية (والمسيحية الغربية) لم تتوصل إلى إطار تتعامل من خلاله مع الأقليات، وبالذات اليهود، وإنما همَّشتهم (شعب شاهد) وحوسلتهم (جماعة وظيفية) . ومنذ عصر النهضة الغربية والثورة العلمانية الشاملة، بدأت أزمة الجماعات اليهودية وظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي تُعَد جزءاً من فكرة العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم: شعب عضوي منبوذ ـ نافع ـ يُنقَل خارج أوربا إلى فلسطين ليُوظَّف لصالحها في إطار الدولة الوظيفية. وقد صدرت معظم الوعود البلفورية في القرن التاسع عشر واستمرت حتى صدور وعد بلفور عام 1917، الذي حسم مسألة علاقة اليهود بالحضارة الغربية. وسنقوم بمحاولة تحليل عدد من الوعود البلفورية وسنقسمها إلى ثلاثة عناصر أساسية: 1 ـ نص الوعد 2 ـ الديباجة العلنية (أو الأسباب المعلنة) التي عادةً ما ترد في الوعد نفسه أو في مجال الدفاع عنه. 3 ـ الدوافع الخفية (العميقة أو الحقيقية) وهي عادةً لا ترد في أيٍّ من الوعود، وعلينا أن نبحث عنها في نصوص وحقائق تاريخية تشكِّل السياق التاريخي للوعد البلفوري موضع البحث. ويُعتبَر نابليون بونابرت من أوائل القادة الغربيين الذين أصدروا وعداً بلفورياً وهو أيضاً أول غاز للشرق في العصر الحديث. وفيما يلي الجزء المهم من نص الوعد: "من نابليون القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين. أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط. إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين ـ وإن لم تكن لهم مواهب المتنبئين مثل أشعياء ويوئيل ـ قد أدركوا ما تنبأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع من دمار وشيك لمملكتهم ووطنهم: أدركوا أن عتقاء الإله سيعودون لصهيون وهم يُغنّون، وسيُولَد الابتهاج بتَملُّكهم إرثهم دون إزعاج، فرحاً دائماً في نفوسهم (أشعياء 35/10) . انهضوا إذن بسرور أيها المبعدون. إن حرباً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، تخوضها أمة دفاعاً عن نفسها بعد أن اعتبر أعداؤها أرضها التي توارثوها عن الأجداد غنيمة ينبغي أن تُقسَّم بينهم حسب أهوائهم. وبجرة قلم من مجلس الوزراء تقوم للثأر وللعار الذي لحق بها وبالأمم الأخرى البعيدة. ولقد نُسي ذلك العار تحت قيد العبودية والخزي الذي أصابكم منذ ألفي عام. ولئن كان الوقت والظروف غير ملائمة للتصريح بمطالبكم أو التعبير عنها، بل وإرغامكم على التخلي عنها، فإن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات. إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر، جعل القدس مقراً لقيادتي، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تَعُد تُرهب مدينة داود. يا ورثة فلسطين الشرعيين: إن الأمة التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادهم لجميع الشعوب (يوئيل 4/6) ، تدعوكم لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء. انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تُخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تَحالُفهم الأخوي شرفاً لإسبرطة وروما (مكابيون 12/15) ، وأن معاملة العبودية التي دامت ألفي عام لم تُفلح في إخمادها. سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة ـ التي قد لا تتكرر لآلاف السنين ـ للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سُلبت منكم لآلاف السنين، وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه، طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد. (يوئيل 4/20. وفيما يتعلق بوعد نابليون البلفوري، يمكن ملاحظة ما يلي: 1 ـ جوهر الوعد هو العبارة التالية: "تقدِّم فرنسا فلسطين لليهود في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات ... وهذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين". "تدعوكم [فرنسا] لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء". "وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد". 2 ـ لا يختلف تصريح نابليون عن وعد بلفور، فنابليون يعتبر أعضاء الجماعات اليهودية شعباً غريباً عن وطنه (وهو ما يعني إسقاط المواطنة عنه) وهو شعب مرتبط بفلسطين. وقد وجه نابليون نداءه إلى "الشعب الفريد" و"المبعدين" الذين عاشوا "تحت قيد العبودية والخزي ... منذ ألف عام" و"ورثة فلسطين الشرعيين" (أي الشعب العضوي المنبوذ) بأن يتبعوا فرنسا التي ستقدم لهم إرث إسرائيل، أي أرض فلسطين، أي أنهم سيتم خروجهم من فرنسا وتوطينهم في فلسطين. 3 ـ ثم نأتي ثالثاً إلى الدوافع الخفية الحقيقية، وليس من الصعب تخمينها، فنابليون لم يَكُن يُكن كثيراً من الحب أو الاحترام لليهود، وهذا يظهر في تشريعاته داخل فرنسا. ولذا، فإن إرسالهم إلى فلسطين فيه حل للمسألة اليهودية في فرنسا (والتي كانت قد بدأت في التفاقم) . ومع هذا، كان نابليون يهدف إلى توظيف اليهود في خدمة مشاريعه وتحويلهم إلى عملاء له، وهذا ما قاله ملك إيطاليا لهرتزل (وقد وافقه الزعيم الصهيوني على رأيه) . ولعل إشارة نابليون إلى التقاليد المكابية هو إشارة خفية للدور القتالي (المملوكي) الذي يمكن أن تلعبه الدولة اليهودية المقترحة في خدمة المصالح الغربية. وقد صدرت أيضاً عدة وعود بلفورية ألمانية. ويمكننا هنا أن نتوقف قليلاً عند واحد من أهم إسهامات هرتزل للحركة الصهيونية وهو أنه إذا كانت الفكرة الصهيونية إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تود أن تتحقق، فلم يكن بإمكانها أن تخرج من عالم الوجود بالقوة إلى عالم الوجود بالفعل إلا من خلال آليات محددة أهمها تنظيم المادة البشرية (اليهودية) التي سيتم ترحيلها وتأسيس إطار تنظيمي يستطيع أن يتلقى الوعود وأن يقوم بتنفيذها. وحينما أصدر نابليون وعده البلفوري لم يكن هناك تنظيم يهودي يمكنه تلقِّي هذا الوعد والعمل على تسخير المادة البشرية لتنفيذه. وهذا ما أنجزه هرتزل بعد أن نشر كتابه دولة اليهود الذي وضَّح فيه ما نسميه «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» . فقرَّر هرتزل أن يأخذ بزمام الأمور وأن يتوجه للدول العظمى. وقد ساعده في مسعاه هذا القس (الواعظ) الصهيوني نصف المجنون هشلر إذ قدمه إلى أحد كبار المسئولين الألمان الذي تحدَّث إلى القيصر عن الموضوع. وكانت ثمرة هذه الاتصالات وعد بلفوري ورد في خطاب من دون إيلونبرج باسم حكومة القيصر إلى هرتزل (مؤرخ في سبتمبر 1898وجاء فيه: "إن صاحب الجلالة على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان، وأنه سيسعده أن يستمع إلى مزيد من التفاصيل منكم في القدس. وقد أصدر جلالته أوامره بأن تُذلِّل كل الصعاب التي تواجه استقبال وفدكم. وأخيراً يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها. وجلالته، حينما يكشف لكم عن نواياه، فهو يعوِّل، بطبيعة الحال، على مقدرتكم على الكتمان. وكم يسعدني أن أنقل لكم هذه المعلومات، وأتمنى أن تنجح في الوصول إلى القدس في الموعد المحدد. وفي الحقيقة، فإن فشلك في هذا سيسبب لجلالته خيبة الأمل. وأترك لكم، بما تتميزون به من لباقة، أن تقرروا ما إذا كنتم تودون الوصول إلى إستنبول في الوقت الذي يصل فيه جلالته إليها أم لا ". ويمكننا ملاحظة ما يلي: 1 ـ جوهر الوعد يُوجَد في العبارة: "يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها" وأنه "على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان". 2 ـ وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الديباجة العلنية والنوايا المعلنة، فإننا لن نجد لها أيَّ أثر، فقيصر ألمانيا لم يكن تحت أية ضغوط للبحث عن مسوغات رومانسية، بل إن العكس في حالته هو الصحيح، إذ كان عليه أن يبرر أمام شعبه مسألة تعاطفه مع المشروع الصهيوني وتأييده له، بل واستعداده لأن يضع الصهاينة تحت حمايته. وكما قال في خطابه المؤرخ 29سبتمبر 1898والمُرسَل إلى دوق بادن، فإن تسعة أعشار شعبه سيُصدَم صدمة عميقة إذا اكتشف هذه الحقيقة. فاليهود ـ كما يقول ـ هم قتلة المسيح، وهو يعترف بهذه الحقيقة، ولكنه يضيف قائلاً: "إن الإله قد أنزل بهم العقاب على ما اقترفوه من آثام، إلا أنه لم يأمر المسيحيين بأن يسيئوا معاملة هذا الشعب". 3 ـ وأما العنصر الثالث، أي الدوافع الحقيقية الخفية، فهي موجودة وبغزارة، في خطاب القيصر المذكور، وفي تعليقه على تقرير سفير ألمانيا في سويسرا عن المؤتمر الصهيوني الأول (1897 فهو، في مجال تسويغ تعاونه مع "قتلة المسيح"، يورد الأسباب التالية لتأييد ألمانيا للمشروع الصهيوني: أ) سينتج عن توطين شعب إسرائيل رخاء للمنطقة، ولا سيما أن الملايين ستصب في الأكياس العثمانية، الأمر الذي قد يؤدي إلى شفاء الرجل المريض. ب) ستُوجَّه طاقة اليهود ومواهبهم إلى أهداف أكثر نبلاً من استغلال المسيحيين. جـ) إفراغ ألمانيا من اليهود الذين فيها "وكلما عجلوا بالذهاب..، كان ذلك أفضل. فلن أضع أية عراقيل في طريقهم". د) إذا بُحثت المسألة من منظور الحقائق السياسية [لا الأخلاقية] ، فإن ألمانيا ستستفيد غاية الاستفادة لأن رأس المال اليهودي العالمي، بكل خطورته، سينظر بعين العرفان إلى ألمانيا. ولعل موقف القيصر من اليهود، بما يتسم به من كره عميق لهم وترحيب شديد بالتخلص منهم واستعداد تام لتوظيفهم في خدمة المصالح الألمانية، لا يختلف كثيراً عن موقف نابليون من قبله أو موقف بلفور من بعده. ورغم وعود القيصر، ورغم حرصه على تبنِّي المشروع الصهيوني، إلا أنه لم يكن مدركاً مدى عُمْق الرفض العثماني للمشروع الصهيوني، وهو الأمر الذي أدركه إبان زيارته لإستنبول. ولذا، فحينما تم اللقاء في نهاية الأمر في القدس، حيث كان من المتوقع أن يُصدر القيصر وعده البلفوري العلني الكامل، تراجع واكتفى ببعض المجاملات الخالية من المعنى. ومن الأمثلة الأخرى على الوعود البلفورية، الوعد البلفوري الروسي القيصري. فقد قام هرتزل بمقابلة فون بليفيه، وزير الداخلية الروسي المعادي لليهود، بتفويض من المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) ، حتى يَحصُل على تصريح يعبِّر عن نوايا الروس يتلوه في المؤتمر الصهيوني السادس المزمع عقده سنة 1903. وبالفعل، صَدَر الوعد البلفوري القيصري على النحو التالي (في شكل رسالة وجهها فون بليفيه إلى تيودور هرتزل) . وهذا هو منطوق الوعد: "ما دامت الصهيونية تحاول تأسيس دولة مستقلة في فلسطين، وتنظيم هجرة اليهود الروس، فمن المؤكد أن تظل الحكومة الروسية تحبذ ذلك. وتستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا إذا ساعدت الإجراءات العملية التي يفكر فيها على تخفيف عدد اليهود في روسيا". وقد توصَّل هرتزل أيضاً إلى اتفاق مع المسئولين الروس مفاده: أنْ تبذل الحكومة الروسية مساعيها الحميدة لدى تركيا لتسهيل دخول اليهود إلى فلسطين. وستقدم مساعدات مالية للمهاجرين تُجمَع من مصادر يهودية، وستُسهِّل تنظيم الجمعيات الصهيونية الملتزمة ببرنامج بازل. وقد سُمح أيضاً لبنك الاستيطان اليهودي ببيع أسهمه في روسيا شريطة أن يفتح فرعاً له في البلد لكي تستطيع السلطات مراقبة عمليات البيع. كذلك قام بليفيه بتزويد هرتزل برسالة موقعة منه، وبعد أن بحث محتوياتها مع القيصر، أعلن فيها أن الحكومة الروسية تنظر بعين العطف إلى الصهيونية ما دام هدفها إقامة دولة مستقلة في فلسطين، وأنها على استعداد لمساعدتها. وهذه المساعدة قد تتخذ شكل حماية الممثلين الصهاينة أمام الحكومة العثمانية، وتسهيل نشاط جمعيات الهجرة ومساعدتها مالياً من الضرائب التي تُجبى من اليهود. وقد استغل هرتزل هذه الرسالة، في أكثر من مناسبة، فيما بعد. ويُلاحَظ أنه لا توجد أية ديباجات رومانسية في هذا الوعد، فهو مسألة تعاقدية جافة يتحدث فيها كل طرف عن الفائدة المرجوة وعلى العائد من الصفقة. ولذا، فقد أكد فون بليفيه دون مواربة أو حياء أن الهدف هو التخلص من اليهود عامة باستثناء الأثرياء منهم، وجاء هذا واضحاً في قوله: " ... إن نجاح اليهود في إقامة دولة مستقلة لهم تستوعب عدة ملايين منهم لهو أمر نقبله وندعمه ... إننا لا نريد التخلص من جميع اليهود الروس ... إننا نريد فقط التخلص من المعدمين والمضطربين". وحذر فون بليفيه من أن التأييد الروسي القيصري سيتم سحبه إن كان هدف الصهيونية، غير المعلن، هو تحقيق تركيز قومي لليهود في روسيا، فالدعم الروسي مشروط بالتخلص من اليهود. وقد كان ذلك مفهوماً تماماً لدى هرتزل الذي أكد في مفاوضاته مع بليفيه أن الحركة الصهيونية "ستستقطب جميع اليهود وضمنهم المتطرفون [أي العناصر الثورية التي كانت تقض مضجع الدولة الروسية القيصرية] . أما إذا انهارت آمالنا، فإن الوضع سينقلب رأساً على عقب وستكسب الأحزاب الثورية إلى صفوفها أولئك الذين سينسحبون من الصهيونية التي أمثلها أنا وزملائي". كما أن هرتزل فهم تماماً تحذير بليفيه. وهكذا فإننا نجده، في المؤتمر الصهيوني السادس (1903، يؤكد للمجتمعين أن الحكومة الروسية لن تسبب أية مشاكل للحركة الصهيونية، ما دام نشاطها منحصراً ضمن النظام والقانون (أي في عملية التخلص من اليهود وتفريغ روسيا منهم) . واستطاع هرتزل بجهد وتصميم أن يحول بين المؤتمر وبين مناقشة مذابح كيشينيف، وقد علق على الموضوع في رسالة بعث بها إلى بليفيه قال فيها: " ... رغم المصاعب التي واجهتني في إدارة جلسات المؤتمر بجوها المشحون نتيجة الأحداث المؤلمة (مذابح كيشينيف) ، إلا أنني نجحت في المحافظة على النظام وإعادة الهدوء إلى الجلسات.. ولا شك في أن الفضل يعود في ذلك إلى رسالتكم التي تكرمت بإرسالها في 2 1أغسطس والتي كشفت محتوياتها لأخمد بذلك كل جدال ثار حول تلك الأحداث". ويمكن أن ننظر إلى مشروع شرق أفريقيا باعتباره أحد أهم الوعود البلفورية وهو لا يختلف كثيراً عن الوعود البلفورية التي أشرنا إليها وإن كان أكثر جدية وأكثر تحدداً منها. كما أنه يشبه في كثير من النواحي وعد بلفور الذي صدر في نهاية الأمر. (انظر الباب المعنون «الصهيونية الإقليمية» ) . وقد صدر آخر الوعود البلفورية عن ألمانيا بعد صدور وعد بلفور نفسه عن إنجلترا، إذ استغل الصهاينة الوضع الدولي الناشيء عن الجمود الذي ساد جبهات القتال عام 1916 واتجهوا إلى حث الحكومة الألمانية على إصدار بيان رسمي يتضمن العطف على الصهيونية في فلسطين. ولكن الحكومة الألمانية كانت لا تزال مرتبطة بتحالف مع الحكومة العثمانية. كما كانت تخشى أن يؤدي تدهور الوضع العسكري إلى أن تسارع الحكومة العثمانية بعقد صلح منفرد مع الحلفاء. وحيث إن ألمانيا لن تضحي بتحالفها من أجل الصهاينة، فإنها ترددت كثيراً في الاستجابة للمطلب الصهيوني. ثم صدر وعد بلفور نفسه عام 1917، وعند هذه النقطة. وحسبما جاء في دراسة الدكتور محافظة، "اندفع الصهاينة يلحون على حكومة برلين لتلبية مطالبهم مع تشكيل وزارة طلعت باشا في عام 1917 وحاولت الحكومة الألمانية إرضاء الصهاينة بتَدخُّلها الحاسم لإلغاء التدابير العسكرية التي فرضها جمال باشا على اليهود في فلسطين عام 1917. وبعد صدور تصريح بلفور، اتجه الصهاينة إلى برلين لإستصدار تصريح مماثل. كما انتهزوا زيارة الصدر الأعظم (طلعت باشا) في مطلع يناير 1918، فقابله الزعيم الصهيوني ألفريد نوسيج الذي بحث معه موضوع اليهود في الدولة العثمانية (ومما يجدر ذكره أن هذا الزعيم الصهيوني أصبح عميلاً للجستابو النازي فيما بعد، كما وضع خطة لإبادة يهود أوربا. وقد قبض عليه ثوار جيتو وارسو. وبعد محاكمة قصيرة، نُفِّذ فيه حكم الإعدام) . وطلب نوسيج باسم الصهاينة إلغاء القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين. فوعدهم الصدر الأعظم بأن الباب العالي سوف يعيد تنظيم الأوضاع حالما تعود القدس وجنوب فلسطين إلى السيادة العثمانية بصورة تَكفُل الرضا التام لليهود وتحقق أمانيهم كافة. وقد نُشر هذا التصريح في الصحف الألمانية في اليوم التالي للقاء. ولا يمكن أن نسمي هذا التصريح وعداً بلفورياً بمعنى الكلمة وإن كان يقترب من ذلك. ومن الواضح أن ذلك يمثل إحدى الحيل التي كانت تستعملها الدولة العثمانية على ممثلي العالم الغربي، وهو فن تَملَّك العثمانيون ناصيته نظراً لضعفهم العسكري. ولكن أهمية هذا التصريح لا تكمن فيه وإنما في أنه أعطى الضوء الأخضر للدولة الألمانية. وقد استمر الصهاينة في ضغوطهم حتى حصلوا على تصريح من وكيل وزارة الخارجية الألمانية في اليوم التالي لتصريح الصدر الأعظم هذا نصه: "نحن نؤيد رغبة الأقليات اليهودية، في البلدان التي لهم فيها ثقافة متطورة، في أن تختط طريقها الخاص بها، ونميل إلى دعم أمانيها. أما بالنسبة إلى أماني اليهود، وبخاصة أماني الصهاينة منهم في فلسطين، فإن الحكومة [الألمانية] ترحب بالتصريح الذي أدلى به مؤخراً الصدر الأعظم، طلعت باشا، والذي يعبِّر عن عزم الحكومة التركية، المتفق مع نظرتها الودية نحو اليهود بوجه عام، على تنمية استقرار يهودي مزدهر في فلسطين، عن طريق الهجرة غير المُقيَدة والاستيطان ضمن قدرة البلاد الاستيعابية وقيام حكم ذاتي يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها". ويُلاحَظ أن صياغة هذا الوعد تميل نحو الإبهام الشديد، فهو يؤكد حق اليهود المندمجين في الاستمرار في اندماجهم، وهو يميِّز بينهم وبين الصهاينة الذين لهم أمان في فلسطين حيث سيسمح لهم "باستقرار يهودي مزدهر في فلسطين"، وهي عبارة غامضة حاول الوعد تحديدها عن طريق عبارة "قيام حكم ذاتي"، ثم عاد وعدَّلها من خلال إضافة عبارة "يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها". ولنلاحظ أن فكرة "قوانين البلاد" تحل محل عبارة "القانون العام" أو "القانون الدولي" التي ترد في الأدبيات الصهيونية، خصوصاً في صياغتها الهرتزلية، وهي عبارة تعني "حسب القانون الغربي أو الاستعماري". فكأن الوعد هنا ينزع المشروع الصهيوني من سياقه الغربي ويضعه في سياق عثماني، الأمر الذي يعني فقدانه كل معنى، فالمستوطنون الصهاينة كان معروضاً عليهم دائماً أن يحصلوا على المواطنة العثمانية ويستقروا في فلسطين كعثمانيين لا كعنصر استيطاني تابع لدولة غربية. والقضية لم تكن قضية عدة آلاف يهودي لا وطن لهم، أو مضطَّهدين في أوطانهم ويبحثون عن مأوى لهم، وإنما هي قضية غَرْس عنصر بشري غريب يتحول إلى دولة ذات تَوجُّه غربي استعماري استيطاني رفض هذا الحل. وبعد صدور الوعد البلفوري الألماني، استمر الصهاينة في الضغط على الدولة العثمانية. وكلَّف الصدر الأعظم، بعد عودته من برلين، النائب اليهودي التركي قاراصو بتأليف لجنة يهودية عثمانية لوضع التفاصيل العملية لإنشاء شركة ذات امتياز في إستنبول تتولَّى العمل في المناطق المأهولة باليهود لإقامة حكم ذاتي فيها. وأمر طلعت باشا بدراسة الخطة التي وضعهتا اللجنة ووعد بتبنيها عند بَحْث شروط الصلح بعد انتهاء الحرب. وسعى الصهاينة، انطلاقاً من هذا الوعد، إلى الحصول على مزيد من التنازلات من الجانب العثماني، وإصدار تصريح عثماني مماثل لتصريح بلفور. وقد تمكنوا من الحصول على هذا التصريح في 4 1تموز 1918، وتشكلت لجنة عثمانية لوضع ما جاء فيه موضع التنفيذ. ويمكننا ملاحظة اختفاء الديباجات العلنية المزخرفة أو الإشارة إلى الدوافع الحقيقية، فلا توجد أية إشارة للشعب اليهودي أو أمانيه القومية أو ارتباطه الأزلي بالأرض، وإنما هي إشارة روتينية إلى "أماني الصهاينة" وحديث عن استقرار يهودي مزدهر. ومقابل هذا، لا توجد أية إشارة لكره اليهود أو الرغبة في استخدامهم أو تأسيس حامية عسكرية يقطنون فيها كمادة قتالية. ولا شك في أن وجود العثمانيين كطرف هو الذي أفضى إلى هذا الوضع. فهم لم يتحمسوا قط للمشروع الصهيوني، بل كانوا يرونه جزءاً من المحاولة الغربية لتفتيت حكمهم ودولتهم. ومع هذا، فقد اضطروا كارهين للدخول في حوار مع الصهاينة وتقديم بعض التنازلات بسبب تدهور الوضع العسكري العام على الجبهات كافة وفقدان معظم فلسطين، واعتقاد الدولة العثمانية أن تحقيق بعض المطالب الصهيونية قد يُحسِّن وضعها في مؤتمر الصلح الذي كان مقبلاً. ويمكننا أن نقول إن وعد بلفور هو أهم حدث في تاريخ الصهيونية وتاريخ الجماعات اليهودية في العالم، كما أن أهميته بالنسبة لفلسطين والفلسطينيين لا تخفى على أحد. وعد بلفور Balfour Declaration «وعد بلفور» هو التصريح الشهير الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1917 تعلن فيه عن تعاطفها مع الأماني اليهودية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وحين صدر الوعد كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان. وقد أخذ الوعد شكل رسالة بعث بها لورد بلفور في 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد إدموند دي روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية آنذاك. وفيما يلي النص الكامل للرسالة: "عزيزي اللورد روتشيلد: يسعدني كثيراً أن أنهي إليكم، نيابةً عن حكومة جلالة الملك، التصريح التالي تعاطفاً مع أماني اليهود الصهاينة التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء. إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين أو بالحقوق أو الأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى. وسوف أكون مديناً بالعرفان لو قمتم بإبلاغ هذا التصريح إلى الاتحاد الصهيوني. ) إمضاء ( وفيما يتصل بهذا النص، نلاحظ ما يلى: 1 ـ صيغة الوعد واضحة تماماً هنا إذ تُوجَد هيئة حكومية (حكومة جلالة الملك) تؤكد أنها تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي سيضم "الشعب اليهودي"، أي أنه تم الاعتراف باليهود لا كلاجئين أو مضطهدين مساكين، كما أن الهدف من الوعد ليس هدفاً خيرياً ولكنه هدف سياسي (استعماري) . كما أن هذه الحكومة التي أصدرت الوعد لن تكتفي بالأمنيات وإنما سوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. هذا هو الجوهر الواضح للوعد. 2 ـ ثم تبدأ بعد ذلك الديباجات التي تهدف إلى التغطية، فالوعد لن يضر بمصالح الجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين ولا بمصالح الجماعات اليهودية التي لا تود المساهمة في المشروع الصهيوني، بل تود الاستمرار في التمتع بما حققته من اندماج وحراك اجتماعي. وسنلاحظ أن الديباجات تتسم بكثير من الغموض إذ أن الوعد لم يتحدث عن كيفية ضمان هذه الحقوق. ثم نأتي الآن للأسباب التي يوردها بعض المؤرخين (الصهاينة أو المتعاطفون مع الصهيونية) لتفسير إصدار إنجلترا لوعد بلفور. فهناك نظرية مفادها أن بلفور قد صدر في موقفه هذا عن إحساس عميق بالشفقة تجاه اليهود بسبب ما عانوه من اضطهاد وبأن الوقت قد حان لأن تقوم الحضارة المسيحية بعمل شيء لليهود، ولذلك، فإنه كان يرى أن إنشاء دولة صهيونية هو أحد أعمال التعويض التاريخية. ولكن من الثابت تاريخياً أن بلفور كان معادياً لليهود، وأنه حينما تولى رئاسة الوزارة الإنجليزية بين عامي 1903 و1905 هاجم اليهود المهاجرين إلى إنجلترا لرفضهم الاندماج مع السكان واستصدر تشريعات تحد من الهجرة اليهودية لخشيته من الشر الأكيد الذي قد يلحق ببلاده. وقد كان لويد جورج رئيس الوزراء لا يقل كرهاً لأعضاء الجماعات اليهوديةعن بلفور، تماماً مثل تشامبرلين قبلهما، والذي كان وراء الوعد البلفوري الخاص بشرق أفريقيا. وينطبق الوضع نفسه على الشخصيات الأساسية الأخرى وراء الوعد مثل جورج ملنر وإيان سمطس، وكلها شخصيات لعبت دوراً أساسياً في التشكيل الاستعماري الغربي. ويرى بعض المؤرخين أن إنجلترا أصدرت الوعد تعبيراً عن اعترافها بالجميل لوايزمان لاختراعه مادة الأسيتون المحرقة أثناء الحرب العالمية الأولى، وهو تفسير تافه لأقصى حد لا يستحق الذكر إلا لأنه ورد في بعض الدراسات الصهيونية والدراسات العربية المتأثرة بها. ويبدو أن وايزمان نفسه قد تقبَّل هذا التفسير بعض الوقت. ولذا، حينما توترت العلاقات بين إنجلترا والمستوطنين الصهاينة في الأربعينيات، وضع وايزمان مواهبه العلمية تحت تصرف الإمبراطورية، متصوراً أن بإمكانه ممارسة بعض التأثير عليها. وبطبيعة الحال، لم يُوفَّق وايزمان في مساعيه. وفيما يتصل بجهوده الدبلوماسية نفسها أثناء الحرب، يمكن القول بأنه كان شخصية محدودة الذكاء، فلم يدرك الأبعاد الإمبريالية للمشروع الصهيوني أو لوحشية المشروع الإمبريالي، وغير مدرك حتى لدقائق السياسة البريطانية (وهذا هو وصف موظفي الخارجية البريطانية له في تقاريرهم السرية التي تم الكشف عنها مؤخراً) . وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كان وايزمان قد وصل لتوه إلى سويسرا في إجازة صيفية. ثم اضطر إلى العودة إلى بريطانيا، فطلب منه لويد جورج أن يقابل هربرت صمويل، فعبَّر عن خوفه من أن يكون صمويل مثل سائر يهود إنجلترا معادياً للصهيونية، ولكنه فوجئ بأن صمويل هذا صهيوني هو الآخر. وحينما تقدَّم بطلباته الصهيونية، أخبره صمويل بأن طلباته هذه متواضعة أكثر من اللازم وأن عليه أن يفكر على مستوى أكبر من ذلك (ويبدو أن هرتزل لم يشف التسلليين تماماً من ضيق الأفق والفشل في إدراك عالمية الظاهرة الإمبريالية ووحشيتها) . ثم أخبره صمويل بأن أعضاء الوزارة يفكرون في أهداف صهيونية، ودوَّن وايزمان بعد ذلك العبارة التالية: "لو كنت يهودياً متديناً لظننت أن عودة الماشيَّح قد دنت". ومع هذا، وكما سنبيِّن فيما بعد، أظهر وايزمان شيئاً من الذكاء باكتشافه بريطانيا (لا ألمانيا) باعتبارها القوة الإمبريالية الصاعدة التي يمكنها أن ترعى المشروع الصهيوني. ولعل الأمر لا يدل على ذكاء بقدر ما ينبع من وجوده في إنجلترا بالفعل وتَحرُّكه داخل إطار المصالح البريطانية. ولعله لو وُجد في فرنسا لما أدرك شيئاً. وهناك نظرية تذهب إلى أن الضغط الصهيوني (واليهودي) العام هو الذي أدَّى إلى صدور وعد بلفور، ولكن من المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا كتلة بشرية ضخمة في بلاد غرب أوربا، وهم لم يكونوا من الشعوب المهمة التي كان على القوى العظمى أن تساعدها أو تعاديها، بل كان من الممكن تجاهلهم. ويمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا مصدر ضيق وحسب، ولم يكونوا قط مصدر تهديد. أما الصهاينة فلم تكُن لهم أية قوة عسكرية أو سياسية أو حتى مالية (فأثرياء اليهود كانوا ضد الحركة الصهيونية) . ولكل هذا، لم يكن مفر من أن تكون المطالب الصهيونية على هيئة طلب لخدمة مصالح إحدى الدول العظمى الإمبريالية. ولعل أكبر دليل على أن الضغط الصهيوني أو اليهودي لا يشكل عنصراً فعالاً في عملية استصدار وعد بلفور وأنه عنصر ثانوي على أحسن تقدير، هو نجاح الصهاينة في إنجلترا وفشلهم في ألمانيا. فقد بذل صهاينة ألمانيا جهوداً محمومة لاستصدار وعد بلفوري، وكانت توجد عندهم مقومات النجاح، ولكن كل هذا لم يُجد فتيلا: 1 ـ بذل صهاينة ألمانيا قصارى جهدهم ليبينوا للحكومة الألمانية مدى نفع اليهود للمشروع الاستعماري الألماني، وقد كان هناك كثير من المفكرين الألمان غير اليهود يشاركون في هذه الرؤية. 2 ـ كان عدد كبير من الزعماء الصهاينة يقف وراء ألمانيا، وكانت برلين لوقت طويل المقر الرئيسي للمنظمة. 3 ـ كانت ألمانيا حليفة لتركيا التي كانت فلسطين تابعة لها. 4 ـ كانت لغة المؤتمرات الصهيونية هي الألمانية، كما كانت ثقافة مؤسسي الحركة الصهيونية ألمانية. 5 ـ كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا مُشرَّبة بالثقافة الألمانية، وكان كثير من أعضاء النخبة الثقافية الألمانية من اليهود، وقد يسَّر هذا على اليهود الحركة داخل المجتمع الألماني. 6 ـ كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا ذات ثقل مالي وثقافي وسياسي كبير إذ كانت أهم البنوك الألمانية في أيد يهودية. 7 ـ اشترك أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا في القوات الألمانية أثناء الحرب بأعداد تفوق نسبتهم القومية. 8 ـ كانت القوات الألمانية في الحرب العالمية الأولى تقوم بما سمته «تحرير» بولندا وليتوانيا وغرب روسيا (مراكز الكثافة البشرية اليهودية) واعتبرت اليهود عنصراً بشرياً ألمانياً تابعاً لألمانيا. وقد أسَّس الزعيم الصهيوني ماكس بودنهايمر لجنة لتحرير يهود روسيا عام 1914. وكان بين أعضائها ليو موتزكين. وقد تم إصدار نشرة بالعبرية كتب ناحوم سوكولوف افتتاحيتها. وكان أمل الصهاينة أن تستولي القوات الألمانية على غرب روسيا حيث كان يوجد معظم اليهود. ومعنى هذا أنه كان ثمة تلاق بين الآمال الصهيونية والآمال التوسعية الألمانية. 9 ـ كانت أرستقراطية اليهود في أمريكا (كبار المموِّلين) من أصل ألماني، وقد كانت هذه الأرستقراطية متعاطفة تماماً مع ألمانيا ومؤيدة لها. ويمكن أن نقارن هذا الوضع بوضع الجماعة اليهودية في إنجلترا، التي كانت صغيرة العدد ومندمجة ومعادية للصهيونية، وكانت الحركة الصهيونية فيها ضعيفة للغاية. ومع هذا، فشل صهاينة ألمانيا في استصدار وعد بلفوري من ألمانيا. وحينما نجحوا، كان ذلك في مرحلة متأخرة من الحرب وكان وعداً باهتاً للغاية، بينما نجح صهاينة إنجلترا فيما فشل فيه صهاينة ألمانيا. وفي الواقع، يمكننا تفسير الفشل الصهيوني في ألمانيا والنجاح الصهيوني في إنجلترا، لا بالقوة والضعف الذاتيين الصهيونيين، ولا بحجم الضغوط الصهيونية مهما كانت ضخمة ومهمة وحيوية، ولكن بالعودة إلى المصالح الإستراتيجية الغربية. ويبدو أن ألمانيا، بسبب علاقتها الحميمة مع تركيا، لم يكن بإمكانها أن تُصدر مثل هذا الوعد (تماماً كما كان الوضع مع إنجلترا عام 1904 حينما أصدرت وعد شرق أفريقيا البلفوري ولم تذكر فلسطين من قريب أو بعيد لأن علاقتها مع الدولة العثمانية لم تكن تسمح بذلك) . ومن المعروف أن وايزمان، كي ينجح في الحصول على وعد بلفور، قطع علاقته مع اللجنة التنفيذية الصهيونية في برلين ورفض التراسل مع زملائه في دول الوفاق Entente ورفض موقف الحياد الرسمي الذي اتخذته المنظمة. كما أنه لم يخبر المقر الرئيسي للمنظمة في كوبنهاجن بمباحثاته مع إنجلترا. ويُقال إن انقسام الحركة الصهيونية لم يُعق جهوده بل ساعدها. والواقع أن نجاحه في إنجلترا، تماماً مثل الفشل الصهيوني في ألمانيا، يمكن تفسيره بإستراتيجية الإمبراطورية الإنجليزية التي قررت تقسيم الدولة العثمانية واحتلال الشرق العربي. ولعل ذكاء وايزمان يَكمُن في اكتشافه ذيلية الصهيونية وحتمية الاعتماد على الإمبريالية وصعود القوة البريطانية فتبعها بكل قوته وقطع كل علاقاته مع المنظمة الصهيونية ذات الجذور الألمانية والتوجه الألماني. ويمكننا الآن تناول الديباجات والأسباب الحقيقية لصدور الوعد: كان وعد بلفور إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تريد أن تتحقق لتوجد بالفعل، ولذا يجب ألا ننظر لوعد بلفور بمعزل عن الوعود البلفورية السابقة عليه أو اللاحقة له أو عن المعاهدات الاستعمارية الدولية التي أُبرمت أثناء الحرب العالمية الأولى وكانت تهدف إلى حل المسألة الشرقية عن طريق تقسيم تركيا، وأهم هذه المعاهدات اتفاقية سايكس ـ بيكو واتفاقية ماكماهون ـ حسين. كما لا يجب النظر إلى الوعد بعيداً عن البراءات التي كانت تُعطَى للشركات الاستيطانية في آسيا وأفريقيا، ولا عن تقسيم العالم من قبَل القوى الإمبريالية الغربية وإعادة تقسيمه عام 1917، ولا عن الرؤية المعرفية الإمبريالية، ولا عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي كانت كامنة في الحضارة الغربية. ولذا، قد يكون من المفيد أن نحاول فَهْم وعد بلفور في هذا الإطار باعتباره براءة لاستعمار فلسطين، الأمر الذي يتطلب منا أن نزيح الديباجات العلنية لنصل إلى لُب الموضوع، أي المصالح الإستراتيجية الغربية كما تخيَّلها أو توهَّمها أصحابها وكما قاموا بتحديدها، ويمكن أن نتحدث عن بعض الفوائد الجانبية التي سيجنيها أصحاب الوعد من إصداره ومن تأسيس الوطن القومي اليهودي: 1 ـ يتحدث العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية عن تحويل يهود شرق أوربا عن غربها، حفاظاً على الأمن القومي بالداخل. ولابد أن الحكومة البريطانية كانت تأخذ هذا في اعتبارها، وخصوصاً أنه قد سبق لها إصدار وعد شرق أفريقيا البلفوري لهذا السبب. 2 ـ يتحدث العقد الصامت عن تسريب الطاقة الثورية من شباب اليهود من خلال المشروع الصهيوني. وهذه مسألة لم تكن بعيدة عن أذهان أصحاب وعد بلفور. وقد نُشر خبر إصدار الوعد في الصحف في 8 نوفمبر 1917، وهو العدد نفسه الذي نُشرت فيه أنباء اندلاع الثورة البلشفية، وقامت طائرات الحلفاء بإلقاء ألوف النسخ من وعد بلفور وأنباء صدوره على يهود روسيا القيصرية وبولندا وألمانيا والنمسا. 3 ـ كان ثمة اعتقاد غالب بأن الإعلان سيكون ذا قيمة دعائية على الصعيد الدبلوماسي، ذلك أن وعد بلفور سيَلقى صدى لدى اليهود الروس بحيث يمكن أن يصبحوا بشكل من الأشكال أداة ضغط على الحكومة الروسية المؤقتة حتى لا تتراجع عن رغبتها في متابعة الحرب مع ألمانيا. 4 ـ كان من المتوقع أن يؤدي الوعد إلى عائد مماثل بين يهود أمريكا الذين كانوا قد أصابهم شيء من خيبة الأمل بسبب تحالف الحلفاء الوثيق مع حكومة روسيا القيصرية التي كانت مكروهة عند أعضاء الجماعات اليهودية، فكان من المؤمل أن يشجع الوعد أصحاب الأموال من أعضاء الجماعات اليهودية على المساهمة في الجهود الحربية للحلفاء وعلى عدم الارتماء في أحضان الألمان، وخصوصاً أن أرستقراطية يهود الولايات المتحدة كانت من أصل ألماني. ولكن مسار الأحداث أثبت أن ثمة خطأً فاحشاً في التقدير، فلم يكن يهود روسيا أو الولايات المتحدة مهمين إلى هذا الحد. وكانت المنظمة الصهيونية منقسمة على نفسها، كما أن عدد الصهاينة من اليهود كان لا يزال صغيراً للغاية. وقد أوقفت الحكومة الروسية كل عملياتها العسكرية في أكتوبر 1917 حتى قبل وعد بلفور، ثم استولى البلاشفة على الحكم وأنهوا النفوذ الصهيوني فيها. وعلى أية حال، كان يهود روسيا منقسمين ولم يكن بوسعهم أن يحملوا روسيا على الاستمرار في الحرب. أما في أمريكا، فلم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً في الحرب وتم توفير الدعم الأمريكي المطلوب من خلال الحكومة دون أي التفات إلى الصهيونية أو الصهاينة. ولكن كل هذه فوائد جانبية للحضارة الغربية. أما الفائدة الكبرى، فهي تأسيس دولة وظيفية في فلسطين تُوظَّف في إطارها المادة البشرية اليهودية في خدمة الاستعمار الغربي. فالدافع الحقيقي لوعد بلفور هو رغبة الإمبراطورية البريطانية في زرع دولة استيطانية في وسط العالم العربي في بقعة مهمة جغرافياً لحماية مصالحها الاستعمارية، وخصوصاً في قناة السويس ولحماية الطريق إلى الهند. وكان وايزمان يعرف، رغم بطء إدراكه، أن كل هؤلاء الإنجليز الذين لا يهمهم اليهود ولا اليهودية تُحرِّكهم دوافع المصالح الإمبريالية، وأن مهمته تتلخص في تقديم المادة البشرية حتى يمكنهم توظيفها. ولذا، فقد صرح قائلاً: إن وافقت إنجلترا على منحنا فلسطين، فإننا سنحصل على وطن وستحصل هي على سند فعال. وقد قال وايزمان إنه لم يحلم قط بوعد بلفور، وإنه جاء بكل صراحة بشكلٍّ مفاجئ. إذ كان قد أعد نفسه لأن يبدأ نشاطه بعد انتهاء الحرب، ولكن الإمبراطورية الإنجليزية كانت قد قررت أن تُوظِّف اليهود لمصلحتها. ومن ثم، لم يكن هناك مفر من إدخالهم في الصورة. ولذا، وعلى عكس المُتصوَّر، لم يبادر الصهاينة بالمفاوضات مع الحكومة الإنجليزية وإنما نجد أن الحكومة البريطانية هي التي بادرت بالاتصال بهم. وقد تَقدَّم الصهاينة بمطالبهم، ولكن رئيس الوزراء إسكويث كان ملتزماً بسياسة إحلال العرب محل الأتراك. ولكن قبل استقالة إسكويث، كانت الحكومة البريطانية قد درست مستقبل فلسطين وتوصلت إلى مخطط بشأن هذا المستقبل. وهناك لحسن الحظ المذكرة التي تقدَّم بها السير هربرت صموئيل في مارس 1915 للحكومة البريطانية ووضَّح فيها الاحتمالات الخمسة لمستقبل فلسطين بعد انهيار الدولة العثمانية. وما يهمنا هنا الاحتمالان الرابع والخامس في هذه المذكرة. لقد كان الاحتمال الرابع هو "الإقامة المبكرة لدولة يهودية وإنشاء محمية بريطانية". لكن هذا الاحتمال تم رفضه لأن اليهود كانوا لا يشكلون آنذاك سوى أقلية صغيرة لا تُذكَر "الأمر الذي سيؤدي إلى تلاشي حلم الدولة الصهيونية". وتضيف المذكرة أن زعماء الحركة الصهيونية "كانوا على إدراك تام لهذه الاعتبارات". وأما الاحتمال الخامس فهو الاحتمال الأوحد القابل للتحقيق حسبما جاء في المذكرة، وهو يشكل في رأينا الدوافع الحقيقية والعامة لإصدار وعد بلفور: 1 ـ يشكل إنشاء المحمية ضماناً لسلامة مصر [أي سلامة المصالح الإمبراطورية البريطانية التي كانت مصر تشكل إحدى ركائزها الأساسية أنذاك [ 2 ـ سوف يُقابَل إعلان الحماية البريطانية بالترحيب من السكان الحاليين [وسيتم بالتالي تحاشي الصدام مع اليهود [ 3 ـ ستُعطَى المنظمات اليهودية تحت ظل الحكم البريطاني تسهيلات لابتياع الأراضي وإنشاء المستعمرات وإقامة المؤسسات التربوية والدينية، والتعاون في إنماء البلاد اقتصادياً، وستنال مسألة الهجرة اليهودية مركز الأفضلية بحيث يتحول السكان اليهود إلى أكثرية مستوطنة في البلاد [أي توطيد دعائم الاستيطان الصهيوني] . 4 ـ ستؤدي هذه الخطوة إلى شعور يهود العالم بالامتنان تجاه بريطانيا وسوف يؤلف اليهود كتلة متحيزة للإمبراطورية البريطانية [توظيف اليهود في الداخل والخارج لخدمة المصالح الإمبريالية البريطانية] . 5 ـ يشير صموئيل في المذكرة (وفي أماكن أخرى) إلى أنه، بعد أن يستقل اليهود في دولة خاصة بهم، سوف تشكل هذه الدولة جزءاً من الحضارة الغربية وتدافع عن مصالحها. وإذا كان هذا هو الإطار العام، فإن التحرك من خلاله كان يتطلب استقالة إسكويث عام 1916، وقد حل محله لويد جورج كرئيس للوزراء وبلفور وزيراً للخارجية. وهنا ظهر السير مارك سايكس (1979-1919 المهندس الحقيقي لوعد بلفور الذي عُيِّن مستشاراً لوزارة الخارجية البريطانية لشئون الشرق الأوسط. ويكاد يكون هناك ما يشبه الإجماع بين المؤرخين على أن الإمبراطورية البريطانية كانت شديدة الاهتمام بفلسطين، وقد أبرمت معاهدة سايكس ـ بيكو لتحديد طريقة تقسيم الدولة العثمانية. ولم يشترك الصهاينة في المفاوضات المؤدية، ولم يُدعَوا إليها، ولم يعرفوا بها حتى بعد توقيعها، أي أن مصير فلسطين تقرَّر دون مشاركتهم. وكان سايكس يقبل مبدأ تقسيم الدولة العثمانية، ولكنه كان معارضاً لذلك القسم الخاص بتدويل فلسطين. لأن هذا كان "ينفي السيطرة البريطانية عليها" بل كان يعني قيام سيطرة فرنسية، الأمر الذي كان يعني زيادة حجم نفوذ الفرنسيين بشكل لا يتفق مع الواقع، كما قد يؤدي إلى نسف الموقف الإستراتيجي لبريطانيا في الشرق الأوسط برمته. وكان لويد جورج مقتنعاً بحاجة بريطانيا إلى فلسطين للدفاع عن مشارف قناة السويس، ومن هنا برزت أهمية المشروع الصهيوني كوسيلة للانسحاب بلباقة من اتفاقية سايكس ـ بيكو. فهذا المشروع يعني ببساطة تحويل فلسطين إلى وطن قومي يهودي تحت الرعاية البريطانية، وهذه الرعاية تعني في الواقع احتلال بريطانيا لفلسطين، ومن ثم قررت بريطانيا توظيف اليهود حتى تتخلص من البنود الخاصة بفلسطين في اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ أن اتصل الصهاينة بهربرت صموئيل، اكتشفهم سايكس الذي أراد أن يستخدمهم في محاولة تعديل الاتفاقية وظلوا هم الجانب المتلقي لما تشاؤه الإرادة الإمبريالية البريطانية. وبعد أن تقرَّر توظيفهم، دُعي الصهاينة لأول مرة للاجتماع مع ممثلي الحكومة في فبراير 1917. وتتالت الأحداث، فقام سايكس بكتابة أولى مسودات الوعد، وتمت الموافقة عليها. وحينما تمت صياغة الوعد (كما لاحظ آحاد هعام) تمت صياغته بدون الالتفات إلى مقترحات الصهاينة أو مقترحات أعداء الصهيونية. وقد تأخر صدور الوعد بعض الوقت بسبب معارضة يهود إنجلترا المعادين للصهيونية، إذ قاد لوسيان وولف وسير إدوين مونتاجو حملة ضد الوعد وإصداره لأنه يُسقط حق المواطنة عن اليهود ويجعلهم مواطنين في دولة أخرى. واستجابةً لهذه الضغوط، أُسقطت عبارة "الجنس اليهودي" وحل محلها عبارة "الشعب اليهودي" كما أضيفت عبارة أن الوعد لن يؤدي إلى الإخلال بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى. ولكن الحكومة الإنجليزية لم تعامل أعداء الصهيونية برفق شديد إذ أن بلفور أخبر وولف وأصدقاءه أن يوقفوا الهجوم على الصهيونية، فالمشروع الصهيوني يشكل جزءاً من المشروع الاستعماري الغربي وعليهم أن يعوا ذلك. ووعد بلفور صيغة جديدة من البراءات الاستعمارية التي كانت تُمنَح للمستوطنين الغربيين في آسيا وأفريقيا. وحينما أُصدر وعد بلفور، سماه الصهاينة «الميثاق أو البراءة» . وقد كانوا، في ذلك، أكثر دقة من كثير من العرب ومؤرخي الصهيونية، فوعد بلفور كان الميثاق الذي يشبه البراءة التي مُنحت لرودس (وإن كان وعد بلفور أكثر التزاماً بمساعدة اليهود من البراءة التي مُنحت لرودس) . وقد مُنحت براءة بلفور لليهود بعد تقسيم تركيا بطريقة لا تختلف كثيراً عن البراءات التي أُعطيَت لبعض الشركات الغربية في أعقاب تقسيم أفريقيا في مؤتمر برلين. وقد أصدرت بريطانيا البراءة بعد التفاوض مع الحلفاء، ووافقت عليه مسبقاً كلٌّ من فرنسا وإيطاليا، ثم أيَّدته الولايات المتحدة، فهو ليس وعداً إنجليزياً وإنما هو وعد غربي، كما أن المستعمرة اليهودية التي ستُؤسَّس لن تكون تابعة لإنجلترا وحسب وإنما ستخدم المصالح الإمبريالية الغربية كافة. ولذا، فإن ثمة مسافة بين الصهاينة والحكومة البريطانية رغم التزام إنجلترا بدعم المُستوطَن الصهيوني، إلا أنه كان من المتوقع أن يقع عبء العمل الاستيطاني نفسه على عاتق الصهاينة أنفسهم (تماماً كما هو الحال مع شركات الاستيطان (. ويُلاحَظ أن براءة بلفور الاستيطانية، مثل البراءات الأخرى، صدرت دون استشارة السكان الأصليين ودون أخذ مصيرهم في الاعتبار. عقد بلفور Balfour Contract «عقد بلفور» مصطلح قمنا بسكه للإشارة إلى وعد بلفور. فوعد بلفور هو بمنزلة «عقد» علني واضح وقِّع بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية العالمية باعتبارها ممثلة للجماعات اليهودية في العالم لوضع العقد الصامت والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة موضع التنفيذ. جيمس بلفور (1848-1930 ( James Balfour صهيوني غربي بريطاني يستخدم الديباجات المسيحية تارة، والعلمانية (العرْقية والإمبريالية) تارة أخرى، ويمزج بينها جميعاً تارة ثالثة. ويُنسَب إليه التصريح الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1917 ويُسمَّى «وعد بلفور» . تلقَّى بلفور تعليماً دينياً من أمه في طفولته، وتشبَّع بتعاليم العهد القديم، خصوصاً في تفسيراتها الحرفية البروتستانتية. ورؤية بلفور لليهود متأثرة بالرؤية الألفية الاسترجاعية التي تراهم باعتبارهم شعباً مختاراً ومجرد وسيلة للتعجيل بالخلاص، وهي الرؤية التي تمت علمنتها فتحوَّل اليهود إلى الشعب العضوي (المختار) المنبوذ. ويتجلى هذا المزيج من الكره والإعجاب من جانب بلفور في تلك المقدمة التي كتبها لمؤلَف سولوكوف تاريخ الصهيونية حيث يبدي معارضته لفكرة المُستوطَن البوذي أو المُستوطَن المسيحي. فالمسيحية والبوذية في رأيه هما مجرد أديان، ولكنه يَقْبل فكرة المُستوطَن اليهودي لأن "العرْق والدين والوطن" أمور مترابطة بالنسبة إلى اليهود كما أن ولاءهم لدينهم وعرْقهم أعمق بكثير من ولائهم للدولة التي يعيشون فيها. إن هذا الشعب العضوي يتميَّز أعضاؤه بالنشاط والحركية، ولذا فقد حققوا نجاحاً باهراً في المجتمع. ولكن هذا الشعب العضوي المختار هو أيضاً "جماعة أجنبية معادية" تؤمن بدين هو محل كره مُتوارَث من المحيطين بها، أدَّى وجودها في الحضارة الغربية إلى "بؤس وشقاء استمرا دهراً من الزمان". ولأن تلك الحضارة لا تستطيع طَرْد أو استيعاب هذه الجماعة، فهم يتسببون في كوارث تحيق بإنجلترا (كما فعل يهود اليديشية المهاجرون إليها) . وقد أعلن بلفور أن ولاء اليهود للدولة التي يعيشون فيها "ضعيف إذا ما قُورن بولائهم لدينهم وعرْقهم، وذلك نتيجة طريقتهم في الحياة ونتيجة عزلتهم، فهم لا يتزاوجون إلا من بني جنسهم". وهذا اتهام لليهود بأنهم جماعة لا تندمج كما أنها تعاني من ازدواج الولاء بل من انعدامه أحياناً، وهو اتهام يوجهه دائماً الصهاينة ومعادو اليهود لما يسمونه «الشخصية اليهودية» . وقد اعترف بلفور نفسه لوايزمان بأنه وجد نفسه متفقاً مع افتراضات كوزيما فاجنر (ابنة الموسيقار) عن اليهود ومتقبلاً لها، وهي افتراضات معادية لليهود بشكل متطرف. لكل هذا، خلص بلفور إلى أنه ليس من مصلحة أي بلد أن يكون فيه يهود مهما بلغت وطنيتهم وانغماسهم في الحياة القومية. وانطلاقاً من كل هذا، فقد تبنَّى قانون الغرباء الذي صدر بين عامي 1903 و1905 والذي كان يهدف إلى وضع حدٍّ لدخول يهود اليديشية إلى إنجلترا. وقد أدَّى موقفه هذا إلى الهجوم عليه من قبَل المؤتمر الصهيوني السابع (1905، حيث وُصفت تصريحاته بأنها "معاداة صريحة للشعب اليهودي بأسره"، كما هاجمته الصحافة البريطانية. وقد يبدو الأمر لأول وهلة وكأنه نوع من التناقض الواضح الذي يقترب من الشيزوفرانيا، ولكن أفكار بلفور الاسترجاعية (علمانية كانت أم دينية) تعبِّر عن رغبة في التخلص من اليهود وفي حوسلتهم لخدمة الحضارة الغربية. والواقع أن مفهوم الحوسلة هو الذي يفسر تأرجحه بين الحب والكره، فالحب هو حب لشعب عضوي مختار متماسك، ومن ثم فإنه لا ينتمي إلى مسار التاريخ الإنساني العادي ولا يمكن استيعابه في الحضارة الغربية، والكره هو أيضاً كره لشعب عضوي مختار متماسك يرفض الاندماج أو الانتماء لمسار التاريخ الإنساني العادي أو الحضارة الغربية. والنتيجة واحدة، حباً أو كرهاً، وهي نقل اليهود خارج أوربا وتوظيفهم في خدمة الحضارة الغربية. فالشعب العضوي المنبوذ لا يمكن أن يحل مشكلته داخل التشكيل الحضاري الغربي عن طريق الاندماج في المجتمعات الغربية، وإنما يمكنه حلها من داخل التشكيل الاستعماري الغربي عن طريق التحول إلى مادة استيطانية نافعة بيضاء تُوطَّن خارج أوربا (في أية بقعة في آسيا أو أفريقيا) . وبالفعل، تعمَّق اهتمام بلفور بالمسألة اليهودية حين حضر هرتزل وتفاوض مع وزير المستعمرات جوزيف تشامبرلين ووزير الخارجية لانسدون، حيث أجرى معهما مفاوضات بشأن توطين اليهود في شبه جزيرة سيناء لتحويل الفائض البشري اليهودي عن إنجلترا وتوطينه في خدمة الإمبراطورية. وفي هذا الإطار، اقترح تشامبرلين، الوزير في وزارة بلفور، توطين اليهود في إحدى المستعمرات الإنجليزية، وتُرجم هذا الاقتراح إلى مشروع شرق أفريقيا. وفي عام 1905، قام بلفور بمقابلة حاييم وايزمان في مانشستر وأُعجب به كثيراً، ولكنه نسي فكرته الصهيونية إلى حدٍّ كبير في فترة الحرب. ثم قابله مرة أخرى عام 1915 وناقش معه الأهداف الصهيونية (بعد أن كانت الوزارة البريطانية قد ناقشتها عام 1914 وعندما عُيِّن وزيراً للخارجية في وزارة لويد جورج عام 1916، عاد بلفور لاهتمامه القديم بالصهيونية بسبب تزايد أهمية فلسطين في المخطط الإمبريالي البريطاني وبسبب تصاعُد الجو الثوري الذي ساد أوربا والشرق العربي (وقد كان بلفور يرى أن الصهاينة حماة مجتمع ذي تقاليد دينية وعرْقية تجعل اليهودي غير المندمج قوة محافظة هائلة في السياسة العالمية) . زار بلفور الولايات المتحدة عام 1917 في إطار محاولات إنجلترا حث الولايات المتحدة على دخول الحرب إلى جانب الحلفاء، وقابل الزعيم الصهيوني الأمريكي لويس برانديز. وفي نوفمبر من العام نفسه، أصدر بلفور تصريحه أو وعده المشهور نيابةً عن الحكومة الإنجليزية. وقد شهد العام نفسه رفضه التدخل لدى الحكومة الروسية لإزالة القيود المتعلقة بإعطاء اليهود حقوقهم المدنية. وبعد ذلك، استمر بلفور في دعم الصهيونية عدة سنوات وفي يونيه عام 1922، ألقى خطاباً في مجلس اللوردات البريطاني يحث فيه بريطانيا على قبول فرض الانتداب على فلسطين، وتقدَّم بمسودة قرار الانتداب لعصبة الأمم، كما شارك في افتتاح الجامعة العبرية عام 1925 وقد بيَّن بلفور تصوُّره لمستقبل فلسطين في إحدى المذكرات حيث قال: إن الصهيونية، سواء أكانت على حق أم كانت على باطل، خيِّرة كانت أم شريرة، فإنها ذات جذور متأصلة في "تعاليم قديمة وحاجات حالية وآمال مستقبلية" (غربية) . ولذا، فإن أهميتها "تفوق رغبات وميول السبعمائة ألف عربي" قاطني هذه الأرض. وقد أكد بلفور في مذكرة أخرى أن الحلفاء لم يكن في نيتهم قط استشارة سكان فلسطين العرب. وانطلاقاً من إدراك الأهمية الجغراسية (الجغرافية/السياسية) لفلسطين، طلب بلفور أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين (الذين رفض من قبل دخولهم إنجلترا) وأن تُوسَّع حدودها لتشمل الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن. ويوجد في إسرائيل موشاف يُدعَى «بلفوريا» أسسه مستوطنون من الولايات المتحدة، كما توجد شوارع في القدس وتل أبيب سُمِّيت جميعها باسمه، ويطلق كثير من اليهود على أبنائهم اسم «بلفور» مع أنه ليس اسماً عبرياً أو يهودياً. وقد ألَّف بلفور عدة كتب في الفلسفة الدينية، من أهمها: دفاع عن الشك الفلسفي (1879) ، وأُسس الاعتقاد الديني: ملاحظات أولية لدراسة اللاهوت (1893) ، والإيمان بالله والفكر: دراسة في العقائد المألوفة (1923) . مارك سايكس (1879-1919) Mark Sykes دبلوماسي ورحالة بريطاني وُلد في لندن وتلقَّى تعليمه في موناكو وبروكسل وكمبردج. عمل في الجيش البريطاني بعض الوقت في جنوب أفريقيا (1902 وسافر إلى سوريا والعراق، وعُيِّن ملحقاً فخرياً للسفارة البريطانية في إستنبول. وعُيِّن بسبب خبرته الواسعة في شئون الشرق مساعداً لوزارة الحرب البريطانية، وكانت وظيفته تزويد مجلس الوزراء بالمعلومات والمشورة حول شئون الشرق الأوسط. ولم يكن سايكس من صانعي القرار إلا أنه كان مؤثراً جداً فيهم بسبب شهرته كخبير في شئون الشرق الأوسط وحظوته لدى أصحاب السلطة. بل يرى كاتب سيرة حياته أنه كان القوة المحركة للسياسة البريطانية الخاصة بفلسطين التي أدَّت إلى إصدار وعد بلفور ثم الانتداب البريطاني على فلسطين. ومما تجدر ملاحظته أن سايكس كان كاثوليكياً على عكس الغالبية الساحقة من الصهاينة غير المسيحيين الذين يأتون من أوساط بروتستانتية. اشترك سايكس، بحكم منصبه، في المباحثات التي جرت في لندن وكان يمثل فيها الجانب البريطاني. أما فرانسوا جورج بيكو، القنصل الفرنسي السابق في بيروت ومستشار السفارة الفرنسية في لندن، فكان يُمثل الجانب الفرنسي فيما يتصل بما كان يُسمَّى «المسألة السورية» ، أي مستقبل المنطقة العربية (وخصوصاً الشام) وتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية في آسيا. وقد انتهت هذه المباحثات، بشكل مبدئي (عام 1916 بتوقيع اتفاقية سايكس ـ بيكو الشهيرة لتقسيم مناطق النفوذ بين إنجلترا وفرنسا. وقد وُضعَت فلسطين بمقتضى الاتفاق تحت إشراف إدارة دولية. وبعد هذا التوقيع المبدئي، اطَّلع السير مارك سايكس على المذكرة التي وزعها هربرت صمويل على أعضاء الوزارة البريطانية يقترح فيها أن تبنَّت إنجلترا المشروع الصهيوني. وقد اكتشف سايكس على التو أنه لو تبنَّت إنجلترا المشروع الصهيوني، فإن هذا سيوفر لها موطئ قدم راسخاً في الشرق الأرسط. واكتشف سايكس أن بوسعه استخدام الصهاينة في التخلص من الجزء الخاص بوضع فلسطين تحت إدارة دولية (أي فرنسية إنجليزية) . ومما له دلالته، أن القيادة الصهيونية لم تكن تعرف شيئاً عن الاتفاق السري هذا (أي أن القرار دائماً قرار استعماري يتم توظيفه لاحقاً الصهاينة) . ولم يعرف وايزمان عن الاتفاق إلا في 16 أبريل 1917 من تشارلز سكوت رئيس تحرير المانشستر جارديان. وقد تقرَّر أن يعبِّر الصهاينة عن رغبتهم في أن تكون فلسطين تحت حكم إنجلترا وحسب وألا تُقسَّم. وبالفعل، قام الصهاينة بما طُلب منهم، وقام سوكولوف بمقابلة بيكو وعبَّر له عن وجهة النظر الصهيونية، وأكد له أن الدولة الصهيونية لن تضر بمصالح فرنسا. ولكن العنصر الحاسم في تغيير وجهة النظر الفرنسية لم يكن الضغوط الصهيونية وإنما وصول القوات البريطانية تحت قيادة أللنبى إلى فلسطين واستيلائهم عليها دون عون القوات الفرنسية. كما أن اندلاع الثورة البلشفية وانسحاب روسيا من الحرب غيَّر الصورة تماماً. وقد انتهى الأمر بأن تنازلت فرنسا عن فلسطين لإنجلترا. وقد شارك سايكس بشكل أساسي في الصياغة النهائية لوعد بلفور. وكان سايكس ـ كما هي العادة مع الصهاينة غير اليهود ـ معادياً لليهود بشكل صريح ويَصدُر عن مفهوم الشعب العضوي المنبوذ. فاليهودي بالنسبة له هو المموِّل العالمي. وينقسم اليهود ـ حسب تصوُّره ـ إلى قسمين: اليهود المتأنجلزون (أي المندمجون) الذين يتخلون عن هويتهم (العضوية) ، ومن ثم يمكثون في بلادهم ولا يهاجرون منها، وكان سايكس يكن لهم احتقاراً عميقاً، وهناك العبراني الحقيقي (هذا الذي يترك إنجلترا ليستوطن في بلده العضوي) ، وهؤلاء كان يحبهم سايكس، شأنه في هذا شأن النازيين وشأن كل من يرغب في أن "يعود" اليهود إلى "وطنهم القومي" في فلسطين، فتُفرَّغ أوربا من يهودها. ومن هنا، فلا غرو أن يؤيد سايكس المشروع الصهيوني. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*طرابلس (الغرب) عاصمة الجماهيرية الليبية المعاصرة.
وقد قرنت بالغرب، تمييزًا لها عن مدينة طرابلس الشام اللبنانية، ويُطلق الاسم كذلك على المحافظة التى تحيط بالمدينة. وتبلغ مساحتها نحو (248640 كم2). وتقع غرب ليبيا. وتحدها تونس والجزائر من الغرب، وفزان من الجنوب. وتبعد عن مدينة تونس بنحو (655 كم)، ومناخها رطب صيفًا، ممطر شتاءً، ويربطها بالمدن المجاورة شبكة من خطوط المواصلات. وتنقسم إلى طرابلس القديمة وطرابلس الحديثة. وقد أقيمت طرابلس القديمة فى العصر الفينيقى حيث أنشئت مستعمره باسم ليوتش، أى: ذات المدن الثلاث، وهى أويا (طرابلس المدينة) وليوتش ماجنا (صبراتة) وليوتش مافيا (لبدة)، ثم تحولت المستعمرة إلى ولاية رومانية فى عهد الإمبراطور سيفيروس، واستولى عليها الفندال فى القرن (5 م)، ثم استعادها البيزنطيون عام (534 م). وقد فتحها المسلمون إبان العصر البيزنطى عام (22 هـ = 634 م)، على يد عمرو بن العاص، بعد حصار طويل وأصبحت تابعة لإمارة إفريقية (تونس) وتولى حكمها ولاة من العرب والبربر. وفى عام (541 هـ = 1146 م) استولى عليها النورمان. وفى عام (755 هـ = 1354 م) استولى عليها الجنديون. وفى عام (916 هـ = 1510 م) استولى عليها الإسبان بقيادة فردناند الكاثوليكى، حيث بلغت قواته (18) ألف مقاتل، ثم استعادها العثمانيون بعد (21) عامًا بقيادة سنان باشا القائد البحرى فى (13 من شعبان 958 هـ = 26 من أغسطس 1551 م). وقد دام الحكم العثمانى لطرابلس (361) عامًا. وفى عام (1801 م) قامت الحرب الطرابلسية الأمريكية؛ بسبب اتهام الولايات المتحدة حكام طرابلس بمؤازرة أعمال القرصنة ضد سفنها فى البحر الأبيض المتوسط. وفى عام (1904 م) ضرب الفرنسيون الميناء بقنابلهم قبل الحرب الطرابلسية التى شنها الإيطاليون، وتمكنوا من دخول طرابلس عام (1911 م). وتم انسحاب إيطاليا من طرابلس نهائيًّا عام (1943 م). وفى عام |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*الصحراء الغربية تمتد من الجنوب من حدود السودان إلى الشمال حتى ساحل البحر المتوسط، بطول يبلغ أكثر من (1000) كم، وتمتد من الغرب من حدود ليبيا إلى وادى النيل فى الشرق، بعرض يبلغ ما يقرب من (665) كم، ويبلغ معدل ارتفاعها (1000) متر فى الجنوب حيث هضبة الجلف الكبير، و (200) متر فى الشمال قرب ساحل البحر.
وتبلغ مساحتها (681) ألف كم2. وتنتشر الواحات فى الصحراء الغربية، وتختلف هذه الواحات من حيث المساحة؛ إذ إن بعضها كبير يزيد على ضعف مساحة لبنان، مثل: منخفض القطارة، وبعضها صغير لايزيد على عدة مئات من الكيلومترات المربعة، مثل: وادى كركر، كما تختلف هذه الواحات من حيث السكان؛ إذ إن بعضها غير مأهول بالسكان، مثل: منخفض القطارة، وكركر، وبعضها مزدحم بالسكان، مثل: الخارجة والداخلة والفيوم وسيوة والفرافرة والبحرية. ويوجد فى الجزء الشمالى والجزء الأوسط من الصحراء الغربية سلسلة من المنخفضات، تقع كلها دون مستوى سطح البحر. ومساحة هذه المنخفضات أكثر من (45) ألف كم2 فى حين أن سكانها لا يزيدون على مائة ألف نسمة. |
|
*الغربية تكونت كورة الغربية بمصر فى العصر الفاطمى.
وأطلق عليها اسم الغربية؛ لوقوعها غربى النيل، وعرفت بأعمال الغربية فى العصر المملوكى، ثم ولاية الغربية فى العصر العثمانى، وفى سنة (1833 م) سُميت مديرية الغربية، ثم أصبحت محافظة الغربية سنة (1960 م)، وكانت المحلة الكبرى عاصمة لإقليم الغربية فى عهد الدولة الفاطمية، حتى سنة (1836 م)، التى نقل فيها ديوان المديرية من المحلة إلى طنطا بناءً على طلب عباس حلمى الأول، وكان مديرًا للغربية والمنوفية اللتين كان يديرهما باسم مديرية روضة البحرين؛ وبسبب هذا النقل أصبحت المحلة قرية صغيرة من توابع قسم سمنود، ثم عادت إليها شهرتها، وزاد عدد سكانها؛ بسبب المحالج والمعامل الكبيرة التى أنشأتها فيها شركة مصر منذ سنة (1927 م) لحلج القطن وغزله ونسجه وتلوينه، بحيث أصبحت المحلة الآن من كبرى المدن المصرية، وأشهرها. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*أوربا الغربية يضم إقليم أوربا الغربية - أو غرب أوربا - الدول التالية: فرنسا، وهولندا، وبلجيكا، وبريطانيا، وتطل هذه الأقطار على الساحل الغربى لأوربا بين خطى عرض (43ْ، و53ْ) شمالا، وتتمتع بمناخ معتدل بارد.
وتتميز بتنوع كبير فى تضاريسها بين الجبال الشاهقة، والسهول الفسيحة التى يقع بعضها تحت منسوب البحر، والهضاب والأودية. التاريخ: يمكن القول بأن تاريخ غرب أوربا بدأ حينما دخل الرومان فى القرن الثانى قبل الميلاد جنوب فرنسا، ثم تقدموا عن طريق منخفض الروق وبوابة كركاسون ليحتلوا الأراضى المنخفضة (هولندا) حتى بحيرة جنيف شمالا ومدينة تولوز غربًا. ثم امتدت توسعاتهم فى القرن الأول قبل الميلاد فى غرب أوربا فى نهر الراين، ولم يبق سوى شمال هولندا خارج ممتلكاتهم وإن كان لهم بعض النفوذ به. وفى القرون التالية برزت الحضارة الرومانية، التى تمثلت فى الجوانب السياسية والفكرية والاقتصادية فى هذا الجزء، وحلت المسيحية محل الوثنية، وشهد غرب أوربا فترة من الرقى والتقدم. وفى القرن الرابع الميلادى ازداد ضغط الشعوب التيوتونية المتقدمة من السهل الشمالى على حدود الإمبراطورية الرومانية، وأدَّى ذلك إلى انقسام الإمبراطورية قسمين: شرقى وغربى. ثم تعرض غرب أوربا لغزو من الشمال تمثل فى هجرات بعض الشعوب أو القبائل والمجموعات الصغيرة مثل الجوت، والبرجنديين، واللومبارديين، والفرانك، والساكسون، والأنجل. فاحتل الفرانك بلاد Goul ( فرنسا) واحتل الساكسون والفريزيان الأراضى المنخفضة (بلجيكا) و (هولندا) وتحرك الساكسون والجوت والأنجل واحتلوا إنجلترا. وفى بداية القرن السابع الميلادى وصل المسلمون إلى جنوب فرنسا بعد فتحهم الأندلس ومحاولتهم نشر الإسلام فى أوربا، ولكنهم هُزموا فى معركة بلاط الشهداء جنوب فرنسا. وظل غرب أوربا يخضع للإمبراطورية الرومانية حتى نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة واستقلال |
|
الغرباء هم الذين يدخلون بلداً وليسوا من أهله ، سواء كانوا من الطلبة أو الرواة أو من علماء الجرح والتعديل أو غيرهم ؛ وانظر (بلدي الرجل أعرف به).
|
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
شمال أفريقيا (برقة بليبيا وطرابلس الغرب) فتحها عمرو بن العاص رضي الله عنه ولكن ظلت بعض الأماكن الساحلية في قبضة البربر الذين اعتنقوا الإسلام بعدئذ.
22 - 642 م سار عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى برقة وصالح أهلها وأرسل عقبة بن نافع إلى زويلة واتجه إلى بلاد النوبة ثم انطلق عمرو إلى طرابلس ففتحها بعد حصار شهر ثم فتح صبراته وشروس ثم منعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من التقدم غربا أكثر من ذلك. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
بداية فتح (أفريقيا) وسقوط (طرابلس الغرب) في أيدي المسلمين.
27 - 647 م بعد أن سمح عثمان بن عفان بالانسياح في أفريقيا وكان عبدالله بن أبي السرح أمير مصر سار على رأس قوة مجتازا طرابلس فاستولى على سفن للروم مواصلا سيره في إفريقية حتى التقى بجيش البيزنطيين في سبيطلة وهي تقع جنوب غرب القيروان اليوم ولما انقطعت أخبارهم عن عثمان أرسل في إثرهم عبدالله بن الزبير الذي وصل إلى ابن أبي السرح وهم ما يزالون يقاتلون المسلمين فاستلم القيادة بعد أن أشار بتغيير خطة القتال مما كان له الأثر الكبير في الانتصار وقتل ملك الروم جرجير ولكن ابن أبي السرح اضطر للعودة لمصر لقتال أهل النوبة الذين هددوا الناحية الجنوبية من مصر فعقد صلحا مع الروم مقابل جزية سنوية. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
التوسع في اتجاه الغرب وتولي (عبدالرحمن الغافقي) أمور الأندلس وانتصاره على (زعيم البربر) وكذا انتصاره على (دوق أقتيانية).
114 - 732 م تولى عبدالرحمن الغافقي أمور القيادة على الشاطئ الشرقي من الأندلس بعد أن قتل السمح بن مالك في سنة 102 هـ ثم انتخبه المسلمون أميرا فصار أمير الأندلس ثم عزل عنها سنة 105 هـ وتولى بدلا عنه عنبسة بن سحيم ثم في سنة 112 هـ أمره على الأندلس هشام بن عبدالملك وكان عبدالرحمن الغافقي طيلة تلك المدد يقوم بالغزو والفتح وكانت انتصاراته على البربر مشهودة وساعد على ذلك حسن معاملته للبربر مما كان له الأثر الكبير في دخول كثير منهم إلى الإسلام وقاتل معه الكثير في حروبه وكان عبدالرحمن قد أوغل داخل فرنسا ثم بقي كذلك حتى حصلت معركة بلاط الشهداء الذي استشهد فيها هو وكثير ممن كان معه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
فتوحات في بلاد الروم الغربية والشرقية وغزو بحري للهند.
159 - 775 م منذ أن تولى المهدي الخلافة بعث العباس بن محمد على رأس جيش إلى بلاد الروم كما أرسل جيشا آخر إلى بلاد الهند وكان متجها بصورة عامة إلى بلاد الروم حيث ما تنفك الصوائف من الثغور فتغير على أرض الروم وإن كانت لم تحدث فتوحات واسعة أو تضم بلادا جديدة بشكل دائم إلا أن الانتصارات كانت كبيرة والغنائم كثيرة والأسرى كذلك. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
حصر الفرنج طرابلس الغرب.
537 ذو الحجة - 1143 م سارت مراكب الفرنج من صقلية إلى طرابلس الغرب فحصروها، وسبب ذلك أن أهلها في أيام الأمير الحسن صاحب إفريقية، لم يدخلوا يداً في طاعته، ولم يزالوا مخالفين مشاقين له، قد قدموا عليهم من بني مطروح مشايخ يدبرون أمرهم، فلما رآهم ملك صقلية كذلك جهز إليهم جيشاً في البحر، فوصلوا إليهم تاسع ذي الحجة، فنازلوا البلد وقاتلوه، وعلقوا الكلاليب في سوره ونقبوه، فلما كان الغد وصل جماعة من العرب نجدة لأهل البلد، فقوي أهل طرابلس فيهم، فخرجوا إلى الأسطولية، فحملوا عليهم حملة منكرة، فانهزموا هزيمة فاحشة، وقتل منهم خلق كثير، ولحق الباقون بالأسطول، وتركوا الأسلحة والأثقال والدواب، فنهبها العرب وأهل البلد. ورجع الفرنج إلى صقلية، فجددوا أسلحتهم وعادوا إلى المغرب، فوصلوا إلى جيجل، فلما رآهم أهل البلد هربوا إلى البراري والجبال، فدخلها الفرنج وسبوا من أدركوا فيها وهدموها، وأحرقوا القصر الذي بناه يحيى بن عبد العزيز بن حماد للنزهة ثم عادوا. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ملك الفرنج طرابلس الغرب.
541 محرم - 1146 م ملك الفرنج، لعنهم الله، طرابلس الغرب، وسبب ذلك أن رجار ملك صقلية جهز أسطولاً كثيراً وسيره إلى طرابلس الغرب، فأحاطوا بها براً وبحراً، ثالث المحرم، فخرج إليهم أهلها وأنشبوا القتال، فدامت الحرب بينهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث سمع الفرنج بالمدينة ضجة عظيمة، وخلت الأسوار من المقاتلة، وسبب ذلك أن أهل طرابلس كانوا قبل وصول الفرنج بأيام يسيرة قد اختلفوا، فأخرج طائفة منهم بني مطروح، وقدموا عليهم رجلاً ملثماً قدم يريد الحج ومعه جماعة، فولوه أمرهم، فلما نازلهم الفرنج أعادت الطائفة الأخرى بني مطروح، فوقعت الحرب بين الطائفتين، وخلت الأسوار فانتهز الفرنج الفرصة ونصبوا السلالم، وصعدوا على السور، واشتد القتال فملكت الفرنج المدينة عنوة بالسيف، فسفكوا دماء أهلها وسبوا نساءهم، وهرب من قدر على الهرب، والتجأ إلى البربر والعرب، فنودي بالأمان في الناس كافة، فرجع كل من فر منها، وأقام الفرنج ستة أشهر حتى حصنوا أسوارها وحفروا خندقها، ولما عادوا أخذوا رهائن أهلها، ومعهم بنو مطروح والملثم، ثم أعادوا رهائنهم، وولوا عليها رجلاً من بني مطروح، وتركوا رهائنه وحده، واستقامت أمور المدينة وألزم أهل صقلية والروم بالسفر إليها فانعمرت سريعاً وحسن حالها. |