وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْمُحَسِّنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّنُوْخِيُّ ، وَأبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ كِلاهُمَا خُمَاسِيًَّا
فَوَقَعَ لأَبِي نُعَيْمٍ عَالِيًَا وَنَازِلًا
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ التَّنُوخِيُّ (1) « الْفَرَجُ بَعْدَ الشِّدَّةِ » وَالسِّيَاقُ لَهُ ، وَأبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ « أَخْبَارُ أَصْبَهَانَ » (875) كِلاهُمَا: حَدَّثَنَا الأَمِيْرُ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَدْرٍ بِبَغْدَادَ ثَنَا أَبِي الأَمِيْرُ أبُو النَّجْمِ بَدْرٌ الْكَبِيْرُ يعْنِي الْحَمَّامِيَّ ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رُمَاحِسٍ الْقَيْسِيُّ فِي رَمَادَةِ فِلَسْطِينَ قَالَ: ثَنَا أَبُو عَمْرٍو زِيَادُ بن طَارِقٍ _ قَالَ لِيَ ابْنُ رُمَاحِسَ: وَكَانَتْ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ ، وَهُوَ يَصْعَدُ يَلْقُطُ التِّينَ _ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَرْوَلٍ زُهَيْرَ بْنَ صُرَدٍ الْجُشَمِيَّ يَقُولُ: أَسَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَوْمَ هَوَازِنَ ، وَذَهَبَ يُفَرِّقُ السَّبْيَ ، فَقُمْتُ ، فَأَنْشَدْتُهُ:
امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ ونَنَتْظِرُ
امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ ... مُفَرَّقٌ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ
أَبْقَتْ لَنَا الدَّهْرَ هَتَّافًَا عَلَى حُزُنٍ ... عَلَى قُلُوبِهِمُ الْغَمَّاءُ وَالْغَمَرُ
إِنْ لَمْ تَدَارَكْهُمُ نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًَا حِينَ يُخْتَبَرُ
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... إِذْ فُوكَ تَمْلأُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ
إِذْ أَنْتَ طِفْلٌ صَغِيْرٌ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... وَإِذْ يَزِينُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
لا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ ... وَاسْتَبِقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنَّعْمَاءِ إِذْ كُفِرَتْ ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ
يَا خَيْرَ مَنْ مَرَحَتْ كُمْتُ الْجِيَادِ بِهِ ... عِنْدَ الْهَيَّاجِ إِذَا مَا اسْتَوْقَدَ الشَّرَرُ
فَأَلْبِسِ الْعَفْوَ مَنْ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ ... مِنْ أُمَّهَاتِكَ إِنَّ الْعَفْوَ مُشْتَهَرُ
إِنَّا نُؤمِّلُ عَفْوًَا مِنْكَ نَلْبَسُهُ ... هَادِي الْبَرِيَّةِ إِذْ تَعْفُو وَتَنْتَصِرُ
فَاعْفُ عَفَا اللهُ عَمَّا أَنْتَ رَاهِبُهُ ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ يُهْدَي لَكَ الظَّفَرُ
فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الشِّعْرَ قَالَ: « مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ » ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ للهِ وَرَسُولِهِ ، وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ للهِ وَرَسُولِهِ ، فَأَطْلَقَهُمْ جَمِيعًَا .
(1) قَالَ الْحَافِظُ أبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ « تَارِيْخُ بَغْدَادَ » (13/155) : « الْمُحَسِّنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَهْمِ أبُو عَلِيٍّ التَّنُوْخِيُّ الْقَاضِي . وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ ، وَسَمِعَ بِهَا مِنْ: وَاهِبِ بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ الأَثْرَمِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصُّولِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ النَّسَوِيِّ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ الصَّفَّارِ ، وَطَبَقَتِهِمْ . وَنَزَلَ بَغْدَادَ ، وَأَقَامَ بِهَا ، وَحَدَّثَ إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ ، وَكَانَ سَمَاعُهُ صَحِيحًَا . وَكَانَ أَدِيبًَا شَاعِرًَا إِخْبَارِيًَّا . أَخْبَرَنَا عَنْهُ: ابْنُهُ أبُو الْقَاسِمِ عَلِيٌّ .
أَخْبَرَنَا أبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي مِنْ لَفْظِهِ وَحِفْظِهِ وَمِنْ أَصْلِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَاهِبُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَازِنِيُّ الْبَصْرِيُّ بِهَا مِنْ حِفْظِهِ (ح ) وَقَالَ التَّنُوخِيُّ: وَحَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُؤَدِّبُ حَدَّثَنَا أبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ قَالا: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًَا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَمَنْ فَكَّ عَنْ مَكْرُوبٍ فَكَّ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ » .
قَالَ لِيَ التَّنُوخِيُّ: قَالَ لِي أَبِي: لَمْ يَكُنْ عِنْدَ وَاهِبِ بْنِ يَحْيَى غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ .
وَحَدَّثَنَا التَّنُوخِيُّ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: مَوْلِدِي سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلاثِمِائَةٍ بِالْبَصْرَةِ .
قَالَ: وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي لَيْلَةِ الأَحَدِ لأَرْبَعٍ بَقَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ ، وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ الْحَدِيثَ فِي سَنَةِ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ وَثَلاثِمِائَةٍ ، وَأَوَّلَ مَا تَقَلَّدَ الْقَضَاءَ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي أَبِي السَّائِبِ عُتْبَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بِالْقَصْرِ وَبَابِلَ وَصُورٍ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلاَثِمِائَةٍ _ يَعْنِي وَلَهُ اثْنَتَانِ وَعِشْرُوْنَ سَنَةً _ ، ثُمَّ وَلاَّهُ الْمُطِيعُ للهِ الْقَضَاءَ بَعَسْكَرِ مُكَرَّمٍ ، وَأَيْذَجَ ، وَرَامَهُرْمُزَ ، وَتَقَلَّدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَعْمَالًا كَثِيْرَةً فِي نَوَاحٍ مُخْتَلِفَةٍ .
وتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي لَيْلَةِ الاثْنَيْنِ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِمِائَةٍ » اهـ .
وَزَادَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ « سِيَرُ الأَعْلامِ » (16/525) : أَبُو عَلِيٍّ الْمُحَسِّنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَهْمِ التَّنُوْخِيُّ الْبَصْرِيُّ . الْقَاضِي ، الْعَلاَّمَةُ ، الأَدِيبُ ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ . لَهُ كِتَابُ « الْفَرَجُ بَعْدَ الشِدَّةِ » ، وَكِتَابُ « نَشْوَارُ الْمَحَاضِرَةِ » ، وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَعَاشَ سَبْعًَا وَخَمْسِيْنَ سَنَةً .
وَأَوَّلُ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْقَضَاءِ الْقَاضِي أَبُو السَّائِبِ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعينَ وَثَلاَثِ مِائَةٍ ، لَهُ اثْنَتَانِ وَعِشْرُوْنَ سَنَةً . وَفِيْهِ لابْنِ الْحَجَّاجِ:
إِذَا ذُكِرَ الْقُضَاةُ وَهُمْ شُيُوْخٌ ... تَخَيَّرْتُ الشَّبَابَ عَلَى الشُّيُوْخِ
وَمَنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ أَصْفَعْهُ إِلاَّ ... بِمَجْلِسِ سَيِّدِي الْقَاضِي التَّنُوْخِيّ
وَافْتَتَحَ الثَّعَالِبِيُّ الْبَابَ الْخَامِسَ مِنَ « الْيَتِيمَةِ » فِي ذِكْرَ شُعَرَاءِ الْبَصْرَةِ وَمَحَاسِنِ كَلامِهِمْ بِأَبِيهِ أبِي الْقَاسِمِ وَبِهِ ، وَأَطَالَ فِي تَرْجَمَتِهِمَا ، وَقَالَ فِي أَبِي عَلِيٍّ: « هِلالُ ذَلِكَ الْقَمَرْ ، وَغُصْنُ هَاتِيكَ الشَّجَرْ ، وَالشَّاهِدُ الْعَدْلُ لِمَجْدِ أَبِيهِ وَفَضْلِهِ ، وَالْفَرْعُ الْمَثِيلُ لأَصْلِهِ ، وَالنَّائِبُ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ ، وَالْقَائِمُ مَقَامَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ . وَفِيهِ يَقُولُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ الْحَجَّاجِ:
إِذَا ذُكِرَ الْقُضَاةُ وَهُمْ شُيُوْخٌ ... تَخَيَّرْتُ الشَّبَابَ عَلَى الشُّيُوْخِ
وَمَنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ أَصْفَعْهُ إِلاَّ ... بِمَجْلِسِ سَيِّدِي الْقَاضِي التَّنُوْخِيّ
وَلَهُ كِتَابُ « الْفَرَجُ بَعْدَ الشِدَّةِ » ، وَنَاهِيكَ بِحُسْنِهِ ، وَإِمْتَاعِ فَنِّهِ ، وَمَا جَرَى مِنَ الْفَأْلِ بِيُمْنِهِ ، لا جَرَمَ أَنَّهُ أَسْيَرُ مِنَ الأَمْثَالِ ، وَأَسْرَى مِنَ الْخَيَالِ » .