فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقد وردت أحاديث أشكل على كثير من الناس بعضها حتى ظن بعضهم أنها ناسخة لقوله - صلى الله عليه وسلم: [لا عدوَى] ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: [لا يَرِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ] والممرض: صاحب الإبل المريضة. والمصح: صاحب الإبل الصحيحة. والمراد النهي عن إيراد الإبل المريضة على الصحيحة. ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم: [فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: [إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها] . ودخول النسخ في هذه لا معنى له؛ فإن قوله عليه الصلاة والسلام: [لا عدوى] خبر، وهو لا يمكن أن يكون ناسخًا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثة وما في معناها.
فالصحيح الذي عليه الجمهور من العلماء أنه لا نسخ في ذلك، وأن معنى [لا عدوَى] : نفي لما يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تُعدي بطبعها من غير اعتقاد بقدَر الله عزّ وجل لذلك كما علمت، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم: [فمن أعدَى الأول] .
وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن إيراد الممرض على المصح وأمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن الدخول في موضع الطاعون فإنه من باب اجتناب الأسباب التي هي سبب البلاء إذا كان في عافية منها. فكما أنه مأمور أن لا يلقى نفسه في الماء أو في النار، أو يدخل تحت الهدم ونحوه مما جرت به العادة أنه مهلك، فكذلك اجتناب مقاربة المجذوم والقدوم على بلد فيه الطاعون؛ فإن هذه كلها أسباب المرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق ولا مقدِّر غيره. وقد روى أبو داود: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مرَّ بحائط مائل فأسرع وقال: [أخاف موت الفوات] .
(فإن قلت) روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل مع مجذوم وقال: [بسم الله ثقةً بالله وتوكلًا عليه] ، فما وجهه؟.