الصفحة 30 من 112

(فالجواب) أن حال النبي - صلى الله عليه وسلم - أقوى من حال الأمة، فلا يُخاف عليه مما يخاف على غيره من العلل المعدية، وأن المنفي العَدوى بالطبع، والأمر بالفرار منه لأن الله تعالى أجرى العادة بالإعداء عند المخالطة كما علمت، أو لئلا يتفق للمخالط شيء بالقدَر فيظن أنه عدوى فيقع في الحرج، أو لئلا يحصل للمجذوم كسر خاطر برؤيته الصحيح، أو غير ذلك مما هو مذكور في شروح البخاري، وذكر حاصلها الشنواني على مختصر ابن أبي جمرة.

وأما الطِّيَرة كعِنَبة وقد تسكن فهي التشاؤم. وأصل التطيّر (1) أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير؛ فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار عن يمينه تيمن به واستمر، وإن رآه طار عن يساره تشاءم به ورجع. وربما كان أحدهم ... الطير ليطير فيعتمدونها؛ فنهى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك وأبطله وقال: [وخيرها الفأل] أي خير الطيرة الفأل (بسكون الهمزة وربما تخفف) وهو التيمن بالكلام الحسن؛ كمن عزم على سفر فسمع من يقول: يا سلام يا سلام يا سلامة، أو كسماع مريض: يا سالم يا شافي يا معافى، ولهذا جاء في الخبر أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتطيّر (2) ولكن يتفاءل، وكان يحب إذا خرج لحاجة أن يسمع: يا راشد. وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويتمدح بتركه، قال شاعر منهم:

وما عاجلات الطير تُدنِي من الفتى ... نجاحا ولا عن رَيثِهن قصور.

وقال آخر:

لعمرك ما تدري الضواربُ بالحَصَى ... ولا زاجِراتُ الطير ما الله صانعُ

(1) . هذا هو الأصل، وإلا فالمراد نفي كل ما يتطير به. تأمل. اهـ منه.

(2) . أي لا يتشاءم بأمر؛ إذ هذا لا يفعله من يعرف أن كل شيء بقضاء وقدر، كيف وهو - صلى الله عليه وسلم - سيد العارفين الكاملين. اهـ منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت