الصفحة 37 من 112

وبالجملة فكل الأيام سواء، لا اختصاص لذلك بيوم الأربعاء ولا غيره. وما من ساعة من الساعات إلا وهي سعْدٌ على شخص، نحسٌ على آخر، باعتبار ما يحدث الله تعالى فيها من الملائم والمنافر، والخير والشر، فكلّ يوم من الأيام يتصف بالأمرين لاختلاف الاعتبار؛ فما أولج الليل في النهار، والنهار في الليل إلا لإيلاد الحوادث؛ وقد قيل:

ألا إنّما الأيام إبداعُ واحد (وهذي الليالي كلُّها أخواتُ

قال في روح البيان في تفسير قوله: {أولم يعلموا أن الله يبسطُ الرزق} أي يوسّعه {لمن يشاء} وإن كان لا حيلة له ولا قوّة امتحانًا {ويقدر} أي يضيّق الرزق لمن يشاء وإن كان قويا شديد الحيلة ابتلاءً، فلا قابض ولا باسط إلا الله تعالى. ويدل على ذلك أنا نرى الناس مختلفين في سَعة الرزق وضيقه؛ فلا بد لذلك من حكمة وسبب، وذلك السبب ليس هو عقل الإنسان وجهله؛ فإنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق، ونرى الجاهل الضعيف في أعظم السعة، وليس ذلك أيضا لأجل الطبائع والأفلاك، لأن الساعة التي ولد فيها ذلك الملك والسلطان القاهر، قد ولد فيها عالم من الناس أيضا، وعالم من الحيوان غير الإنسان. وتولد أيضا في تلك الساعة عالم من النبات. فلما شاهدنا حدوث هذه الأشياء الكثيرة في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة، علمنا أن الفاعل لذلك هو الله تعالى، فصح بهذا البرهان العقلي القاطع صحة قوله تعالى: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} ، قال الشاعر:

فلا السعدُ يقضِي به المشتري ... ... ولا النحس يَقضِي علينا زُحَل

ولكنه حكم رب السما ... ... وقاضي القضاة تعالى وَجَلْ

انتهى، وقال آخر:

لا ترقب النجم في أمر تحاوله ... ... فالله يفعل لا جَدْيٌ ولا حَمَلُ

مع السعادة ما للنجم من أثر ... ... ولا يضرك مِرِّيْخٌ ولا زُحلُ

وللعلامة الشيخ منصور التميمي الشافعي:

من كان يخشى زُحلًا ... ... أو كان يرجو المشتَرِي

فإنَّنِي منه وإن ... ... كان أبي الأدنى بَرِي

وله أيضا:

إن كنت تزعم أن النجو ... ... لم تضر وتنفع من تحتها

فلا تنكرنّ على من يقو ... ... ل بأنك بالله أشركتها

وله أيضا:

ليس للنجم إلى ضُرْ ... ... رٍ ولا نفع سبيلُ

إنّما النجم علي الأو ... ... قات والسمتٍ دليلُ

وما ألطف ما قاله الحفني رحمه الله تعالى: إنه قد اجتمع موحّد مع منجّم فقال له: كيف أصبحت؟، فقال: أصبحت أخاف الله تعالى وأرجوه، وأنت أصبحت ترجو زُحلًا والمشتري وتخافهما. اهـ.

هذا، وأراني قد طوّلت حتى كدنا أن نخرج عن المقصود. ولكن لا طول حيث إن أملي أن هذا الجمع مقبول ومحمود، ولا يخلو إن شاء الله تعالى من فائدة بالخير عائدة. فعليك به ليذهب عنك التطيّر، ويتثبت عزمك، فتصمم على أمر بلا تحير، سيما في صفر شهر الخير والظفر، وادع لي بالتوفيق للصواب، لأنك لا تجد هذا الجمع بهذا الترتيب في كتاب، وفقنا الله تعالى لمراضيه، وأذهب هنا الشر ودواعيه، آمين، بالأمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت