الصفحة 46 من 112

ثم اعلم أن أمر الله تعالى لا يبدّل ولا يغيَّر بعد إبرازه للملائكة عليهم الصلاة والسلام، بخلافه قبل إبرازه وهو في اللوح، فإن الله تعالى يمحو منه ما يشاء ويثبت ما يشاء. وقد رويت آثار وأحاديث أحادية تفيد أنه يقضي الله تعالى في تلك الليلة المباركة كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها وفي كثير من الأخبار الاقتصار على الآجال. وحكمة تخصيص هذه الليلة بذلك النسخ هو الترغيب والترهيب، فيرغب المكلف قبل مجيئها في الخير، ويرهب من الشر، ويجتهد فيها بالطاعة عسى الله تعالى أن يكتب في تلك الليلة سعادته، وكذلك يكون حاله بعد مرورها خشية أن يكون كتب فيها من أموات تلك السنة فيستعدَّ للقاء الله تعالى، هذا شأن أولي التوفيق.

وقال في تحفة الإخوان: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو مشاحِن أو مُدمِن خمر أو عاقٍّ لوالديه» ، ثم سرد نحو ذلك من الأحاديث إلى أن قال: وقد اجتمع من الروايات أن المحجوبين عن المغفرة والرحمة مشرِك ومشاحِن وعشّار، وقاتل نفس وقاطع رحِم، ومُسبِل الإزار وزانٍ وشارب وقتات (1) ، ومصوِّر وعاقٌّ ومضربٌ في التجارات (2) ، ومبتدع ورافضي في قلبه شحناء للصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمن تخلّق بشيء من هذه الذنوب فاته الفوز بالغفران في ليلة النصف من شعبان، إلا أن يتنصل من ذنبه، ويتوب إلى ربه، ويخلص توبته، ويغسل بماء الندم حوبته، فحينئذ يسلك الله به أقوم طريق، ويدخله في زمرة أولئك الرفيق، {ومن يطع الله ورسوله ... } الآية.

قال: ومن عادة الله تعالى في هذه الليلة: أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة. انتهى.

(1) . القتات: النمّام.

(2) . كذا بالأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت