الصفحة 92 من 134

وأما جهالة (( 1 ) )الراوي فإنه أيضًا سببٌ للطعن في الحديث؛ لأنه لمَّا لم يُعْرَفْ اسمه وذاتُه: لم يُعْرَفْ حالُه، وأنه ثقةٌ أو غَيرُ ثقةٍ. کما يقول: «حَدَّثَني رجلٌ» أو* «أخبرني شيخٌ» .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(( 1 ) )الوجه الرابع من وجوه الطعن في العدالة.

اعلم أن «الجهالة» إما أن يكون بعدم تسمية الراوي، كـ «أخبرني رجل» ، فهو «المبهم» ، وإما أن يسمى ولكن يكون مقلًا، فلا يكثر الأخذ عنه، وصنفوا فيه «الوُحدان» ؛ وهو من لم يَرْوِ عنه إلا واحد، ولو سمي، جمعه مسلم في كتابه «المنفردات والوحدان» .

فإن سُمِّيَ الراوي وانفرد راوٍ واحد بالرواية عنه فهو مجهول العين، ولا يقبل حديثه إلا أن يوثِّقَ غيرُ من انفرد عنه على الأصح. وإن روى عنه اثنان فصاعدًا، ولم يوثق، فهو مجهول الحال، وهو المستور، وقد قبِل روايته جماعةٌ ـ منهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ـ إذ العدل عنده من لا يعرف فيه الجرح، والناس في أحوالهم على الصلاح. قلت: هذا في تلك القرون الفاضلة، لا في زماننا. ولذا قال بعض علمائنا الحنفيين رحمهم الله: في زماننا المستور لا تقبل روايته؛ لكثرة الفساد وقلة الرشاد. والله أعلم. [انظر: نزهة النظر ص: 99 و 100، وشرح شرح النخبة للقاري ص: 505 - 520، وفتح المغيث: 2/ 46 - 60] .

ثم مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا، عند الجمهور لا يقبل حديثه، كما قال ابن الصلاح. والثاني: مجهول العدالة باطنًا لا ظاهرًا، وحكمه القبول عند أكثر العلماء. [انظر: مقدمة ابن الصلاح ص: 111 و 112] .

وقال النووي: ثم من أقسام الجهالة أن الراوي قد تكثر نعوته من اسم أوكنية أو لقب، أوحرفةٍ، فيشتهر بشيء منها، فيذكر بغيرما اشتهر؛ لغرض من الأغراض، فيظن أنه آخر، فيحصل الجهل بحاله. وصنفوا في هذا النوع: «الموضح لأوهام الجمع والتفريق» ، وأجاد فيه الخطيب، وسبقه إليه عبد الغني والصوري. والله أعلم. [العبارة بكاملها للحافظ في شرح النخبة ص: 99 و 100، ولم أجد عند النووي فيما رجعت إليه من المصادر. ثم عبد الغني هو ابن سعيد بن علي بن سعيد الأزدي المصري، ولد 332 هـ، محدث مصر وحافظها، نقادة دقيق، توفي 409 هـ، من كتبه: المؤتلف والمختلف. كذا في تعليقات الدكتور نور الدين عتر على «النزهة» ص: 100، وأما الصوري فهو تلميذ عبد الغني الأزدي، وشيخ الخطيب، محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ، توفي 441 هـ، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء: 17/ 627] .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* في «شعيب» : «و» بدل «أو» .

ويسمَّى هذا «مبهمًا» (1) .

وحديث ال‍مبهم غيرُ مقبولٍ (2) ، إلا أن يكون صحابيًا؛ لأنّهم عُدولٌ (3) .

وإن جاء (4) ال‍مُبْهِمُ بلفظ التعديل (( 5 ) )كما يقول: «أخبرني عدلٌ» ، أو «حدَّثني ثِقَةٌ» ، ففيه اختلافٌ (( 6 ) ).

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صنف فيه عبد الغني والخطيب. وأجمع مصنف فيه كتاب ابن بشكوال، ويعرف ذلك بوروده مسمى في بعض الروايات، وكثير منهم لم يوقف على أسمائهم. والله أعلم. [قال القاري: وكتاب أبي القاسم بن بشكوال أجمع مصنف فيه، شرح النزهة ص: 511، وقال الكتاني: ومنها كتب في مبهم الأسانيد أو المتون من الرجال أو النساء، ككتاب عبد الغني بن سعيد المصري في ذلك وهو المسمى بكتاب «الغوامض والمبهمات» ، ثم الخطيب البغدادي مرتبًا على حروف المعجم. . .، ثم ابن بشكوال في كتاب «الغوامض والمبهمات» ، الرسالة المستطرفة ص: 122] .

(2) لأن من شرائط قبول الخبر عدالة راويه، ومن أبهم اسمه لا تعرف عينه، فكيف عدالته؟! [انظر: النزهة ص: 101] ثم عدم القبول بسببه منحصر فيما لم يسم في طريق آخر، ولم يكن المبهم صحابيًا. والله أعلم.

(3) ليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلّف البحث عن أسباب العدالة والتزكية. قاله السخاوي [في «فتح المغيث» : 4/ 101، نقلا عن ابن الأنباري] ؛ لأن العدالة قد تطلق على التجنّبِ عن تعمّد الكذب في الرواية، والانحرافِ فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها، وهو مراد المحدثين بقولهم: الصحابة كلهم عدول. والله أعلم. [انظر: ظفر الأماني ص: 541، هذا وقد انتقد هذا المعنى بأنه هو المراد عند المحدثين: العلامة المحدث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى في آخر كتاب «ظفر الأماني» ص: 582، فانظره لزامًا] .

(( 4 ) )أي: إن عَدَّل ووثَّقَ المُبهِمُ المُبْهَمَ. . . .

(( 5 ) )اعلم أن ألفاظ الجرح والتعديل على ستة مراتب، ذكرتها في «تعليقاتي» . [انظر: فتح المغيث: 2/ 113 - 134 وتدريب الراوي: 1/ 404 - 412] .

(( 6 ) )على ثلاثة أقوال: الأول: لا تقبل مطلقًا، ذهب إليه الخطيب والصيرفي. والثاني: أنه يقبل، نقل ابن الصباغ في «العدة» عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. والثالث: ما ذكر الشيخ أنه يقبل من إمام حاذق، لا من غيره في حق موافقه. والله أعلم. [انظر: شرح التبصرة والتذكرة: 1/ 346 - 348] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت