لو لم يكن بتلك الصفات لكان المخلوقُ أكملَ من الخالق؛ وهذا محالٌ؛ لأن الكمالَ لا يتولَّدُ من النُّقْصان، ولأنَّ فاقدَ الشيء عاجزٌ عن إعطائه؛ قال - تعالى - مخاطبًا الإنسان:
{أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} (البلد: 7 - 8)
وحريٌّ بنا أن نَتَبَصَّرَ في أنفسنا ونسأل عقولنا: مَن الذي جَعَلَ الإنسانَ يُبْصر بشحم، ويسمع بعظم، ويتكلَّم بلحم؟! ومن الذي صَوَّرَ وجهَه المُقدَّرَ بشبر في شبر، ورتب أعضاءه ترتيبًا لا يختلف من بشر لبشر ألبتة؛ ومع ذلك لا يوجد في كافة أنحاء الكون شخصان متشابهان إلى حدِّ استحالة تميُّز أحدهما من الآخر؟!
فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في تلك الرُّقْعة الصَّغيرة هذه الاختلافات التي لا حدَّ لها!
ومن الذي جعل الجنين حيًّا في بطن أمه مدةً مديدةً مع تعذر عليه النفس لحظات لمات في الحال؟! ومن الذي أخرج الطفلَ من بطن أمِّه لا يعلم شيئًا، ويكون على حالة لا يفرِّق بين الماء والنار، ولو وضع في متناول يده كافة الأطعمة وألذ المأكولات وألين الشراب ولم يجد من يناوله ذلك لمات في الحال؟!
ثم إذا به يشبُّ أعقل المخلوقات، وأحكم الكائنات؛