الصفحة 32 من 75

وخالق المخلوقات كلِّها بالاختيار متَّصفٌ بالعلم بهم والقدرة عليهم.

أمَّا الأوَّل: فلأنَّ الاختيارَ مشروطٌ بالعلم، ولا يوجد المشروط دون شرطه.

وأما الثَّاني: فلأنَّ المختار للشيء لو كان غير قادر عليه لتعذَّر مرادُه، وقد وجدت الخلائقُ كلُّها بغير تعذُّر؛ فدلَّ ذلك على أنَّ خالقَها قادرٌ عليها ومحيط بها؛ لأنَّ إرادةَ الشيء مشروطةٌ بالعلم به والقدرة عليه؛ فإذا وُجد الشَّيءُ دَلَّ ذلك بيقين على أنَّ موجدَه عالم به وقادر عليه.

وأعود مذكِّرًا بدلالة خلق النُّطف في الأرحام؛ تلك الدِّلالة التي لو تدبَّرها الإنسانُ بعين الاعتبار لَعَرَفَ الطَّريقَ إلى الرَّحمن وذاق طعم الإيمان، واهتدى إلى طريق الجنان، وظفر بسواء الصِّراط؛ فلا جرم أن الذي يتعهد النطف الميتة في غيابات الأرحام ويكوِّنها ويصوِّرها ويطوِّرها ويقضي عليها كيفما يشاء حتى يبدع منها إنسانًا سَويًّا حكيمًا عليمًا قديرًا، فإنَّه بلا ريب يكون إلهًا حكيمًا عليمًا قديرًا لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السَّماء؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ] آل عمران: 5 - 6 [

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت