الصفحة 12 من 38

لقد نفت الآيات بشكل استنباطي منطقي وعلاقات منطقية صحيحة قدرة أي إله على تدبير ذلك وحتى لا يقدر أي من الآلهة الأخرى على الوقوف الدفاع عمن أمن به من المشركين وهذا النفي القوي معناه هو النتيجة بأنه لا إله إلا هو الحق.

لقد عالج القرآن هذا الأسلوب من البراهين بطريقة أقوى من معالجة الرياضيات لها ففي الرياضيات تتم البرهنة في الخطوة الثانية بعد تحقيق الوجود على وجود عنصرين ويتم إثبات أنهما متساويان وفي الحقيقة تسير الرياضيات في ذلك ضمن المنطق الأرسطي الذي يعتبر أن الشيئين المتساويين هما في حالة تساوي دائم والحقيقة غير ذلك، والأدلة شاهدة على عكس، ذلك فالشيء اليوم ليس هو في الغد يتغير ويختلف، فالشيء لا يساوي إلا نفسه في ظرف محدد ووقت معين وقد يختلف الشيء باختلاف الظرف أو الزمان ولا مجال هنا للخوض في المنطق الأرسطي، أو المنطق الجدلي المعاكس للمنطق الأرسطي [1] ، ولكن يكفي أن نبين أن كلا المنطقين يؤيد أن (1) لا يساوي (1) دائمًا، إذ أكد القرآن الكريم ذلك، ففي الآيات بدلًا من السير على أسلوب برهان الوحدانية تمامًا كما في الرياضيات نراها أثبتت الوحدانية بتأكيد صفات معينة لله سبحانه وتعالى ونفي هذه الصفات عن غيره من الآلهة التي يشرك بها المشركون مما يعطي البرهان القرآني قوته وصحته.

والمقدمات التي يعتمد عليها البرهان في الآيات الكريمة للوصول إلى النتيجة المطلوبة هي مقدمات تمثل حقائق واقعية صادقة (الليل والنهار) وما يحكمها من قوانين وما يرتبط بها من نشاط إنساني ضروري وهام يعيشه الإنسان حسيًا وسيكولوجيًا وهو يمثل العلاقة المنطقية الصحيحة بين المقدمات والنتيجة. ومما يدل على صحة هذا البرهان وقوته أنه لا يستطيع أحد أن يعترض عليه أو يرفضه كما ترفض بعض البراهين في الرياضيات أو العلوم الأخرى. لذا فهو برهان يقيني صحيح.

وبرهان الوحدانية ليس هو الأسلوب الوحيد الذي تضمنته الآيات بل هناك أساليب أخرى يمكن أن يستنبطها المتأمل لهذه الآيات ومن هذه الأساليب:

1 -برهان الوجود حيث أثبتت الآيات وجود إله واحد في مطلع الآيات {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وجود قوي في كل الأحوال الدنيا والآخرة. ثم بينت الآيات أن هذا الإله سبحانه وتعالى يتصف بصفات الألوهية التي لا يتصف بها أي إله من الآلهة المزعومة.

2 -البرهان التفنيدي: حيث نفت الآيات قدرة الآلهة التي يشرك بها الكفار على حالات كثيرة واضحة سواء في الدنيا والآخرة وإثبات هذه الحالات نفسها لله سبحانه،

(1) منير هاشم، الرياضيات في الاتجاه الآخر، جامعة بير زيت، 1981، ص 138 - 139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت