وتبرز قوة البرهان القرآني هنا من حذف الآيات أي قدرة للآلهة التي يشرك بها المشركون سواء في الدنيا أو الآخرة وبهذا حذف لهذه الآلهة.
3 -البرهان بالملاحظة المباشرة (البصري) وهذا النوع من البراهين قد لا يصل إلى مستوى البرهان الاستنباطي كامل الثقة، أما هنا في البرهان القرآني فهو برهان بالملاحظة المباشرة، ولكنه كامل الثقة، ذلك لأنه لم يخاطب حاسة واحدة كالنظر مثلًا من خلال رسم أشكال احتمالية، وإنما خاطب جميع حواس الإنسان وهز مشاعره ليوقظها من أجل التفكير في الآيات الكونية وهي متحلية بعقيدة جديدة مختلفة عن العقيدة الماضية قبل اليقظة، فالآيات الكونية هي على مر العصور، ولكن المطلوب تفسيرها ضمن معتقدات صحيحة لذلك، بدأت الآيات بتوضيح أسس العقيدة {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون} بعد هذا الاعتقاد يمكنك تفسير المشاهدات بأسلوب صحيح.
لقد بين علماء أمثال (هانسون وتولمين وكون) أهمية الاعتقاد في تفسير مشاهدات الإنسان [1] ولا مجال للخوض في فلسفة النظريات العلمية في هذا البحث.
وفي الحقيقة هناك أساليب أخرى تضمنها البرهان في هذه الآيات نذكر منها سلسلة من الفروض (الحقائق) حيث الفروض هنا تمثل حقائق وهي صفات الله سبحانه وتعالى وحاكميته وقدرته التي تم التوصل منها إلى النتيجة المطلوبة (فعلموا أن الحق)
وأسلوب الاستدلال المباشر حيث تم مهاجمة القضية (وحدانية الله) مباشرة بعرض الدلائل عليها من الآيات الكونية. وأسلوب نفي النقيض (التناقض) وهذا الأسلوب مضمر في الآيات الكريمة يمكن تقديره على أنه لا أحد من الآلهة الأخرى لديه القدرة على إحداث الآيات الكونية، وهذا يؤدي إلى أنها ليست آلهة، وعليه تكون النتيجة أن القادر على هذه الآيات هو واحد فقط رب العالمين سبحانه وتعالى.
أما نواحي ومظاهر الإعجاز البرهاني في هذه الآيات فهو تضمنها أساليب متعددة للبرهان مما يزيد من قوة البرهان القرآني في إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى كما خاطب البرهان القرآني كلية الإنسان وليس عقله فقط كما هو الحال في البرهان الرياضي المعاصر.
ومن أساليب هذا من النوع البرهان ما ورد في الآيات الكريمة التالية:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا
(1) ماهر عبد القادر محمد علي. فلسفة العلوم المشكلات المعرفية، بيروت، دار النهضة العربية جـ 2، 1404 هـ - 1984 م، ص 112