الصفحة 14 من 38

قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ [1]

تعالج الآيات قضية العقيدة وهي القضية التي تعالجها سورة الأنعام في مجمل آياتها الكريمة، إذ سار البرهان في التعرف على حقيقية الألوهية وإثباتها صافية نقية لله وحده ونبذ كل أنواع الشرك واستنكار جميع أشكاله مفندًا شكلًا شكلًا مما كان سائدًا أيام سيدنا إبراهيم عليه السلام [2] .

جاء أسلوب البرهان التنفيذي متناولًا كل الاحتمالات والفروض وكلها ثبت عدم صدقها بالدليل المادي المحسوس والدليل العقلي. وليس كما تفعل الرياضيات في مثل هذا النوع من البراهين. فالرياضيات تعتمد على الفروض الاحتمالية وتسير بطريقة منطقية عقلية بحتة في الوصول إلى النتيجة.

لقد فند البرهان الحالات التالية التي اتخذت آلهة من دون الله وهي:

الأصنام، النجوم، الكواكب، القمر، الشمس، وتضمن تفنيد لأشياء أخرى تم رفضها جميعًا ولم يبق إلا حالة واحدة وإله واحد هو الذي فطر السماوات والأرض [3] .

لقد بدأ البرهان بمقدمات ليست عقلية فقط بل مقدمات حسية ونفسية تؤثر في الوجدان وتبني عقيدة راسخة بنبذ الشرك ثم بعد ذلك تنطلق النفس الإنسانية لتأمل الوجود للوصول إلى الحقيقة. فيكون التأمل صحيحًا والحقيقة واضحة وليس كالبرهان الرياضي الذي يقتصر على الشكليات دون الغوص في المضمون.

والمقدمات التي عرضتها الآيات الكريمة هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنتيجة المطلوبة {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ} ، مقدمة {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} نتيجة.

كما أن العلاقة الاستنباطية بين المقدمة والنتيجة علاقة قوية وواضحة في الكون وفي خبرة الإنسان الذي هو الهدف من الآيات الكريمة. فكل الآيات من الليل والنهار وكواكب ونجوم آيات عظيمة دالة على وجود الله الذي فطرها وفطر السماوات والأرض.

فالبرهان لا يطلب الإقناع والتصديق كالبرهان الرياضي وإنما هو يخاطب بالإضافة إلى ذلك الفطرة السليمة غير المنحرفة عن أصلها.

وتتضح نواحي مظاهر الإعجاز في هذا البرهان في قوة العلاقة بين المقدمات والنتيجة مما يعطي لهذا البرهان قوته، وتتضح قوة العلاقة في أن المشاهد أمام الإنسان أن

(1) سورة الأنعام (74 - 79)

(2) سيد قطب، في ظلال القرآن، جـ 2، 1137

(3) ابن كثير. تفسير القرآن العظيم، جـ 2، ص 153

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت