كل هذه الآيات الكونية متغير فهي غير ثابتة لذلك فهذه الصفة ليست من صفات الألوهية، لذا لا يمكن أن تكون آلهة تعبد.
وكما يتضح من سير البرهان أن هدفه ليس الإقناع فقط بل تربية النفس على العقيدة السليمة من أجل سلامة الحكم على الأشياء وصحة النظرية التي يتم التوصل إليها.
ويستمر القرآن الكريم في عرض البراهين المتنوعة على وحدانية الله ودحض الشرك به ويظهر ذلك في نوع من أنواع البرهان هو الاستدلال المباشر قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [1]
تعالج هذه الآيات قضية العقيدة وتبرهن على وحدانية الله سبحانه وتعالى بأسلوب الاستدلال المباشر وذلك بعرض قضايا ذات علاقة قوية بحياة الإنسان ليكون لهذه العلاقة البعد السيكولوجي الذي يتيح للإنسان ليس فقط الاعتقاد بل الإيمان بصحة النتيجة أنه لا إله إلا هو لا شريك له سبحانه.
لقد بين براترند رسل في كتابه مقدمة الفلسفة الرياضية أن العلاقة بين المقدمات والنتائج في موضوع الاستدلال تعتبر الأساس المنطقي للاستنباط وبدونها لا يعد الاستدلال صحيحًا [2] .
أما مقدمات الاستدلال في الآيات الكريمة فهي مقدمات واقعية يقينية وصحيحة تدرك بالحواس المباشرة وهذا يعطي للبرهان قوته.
أما مظاهر الإعجاز في هذا البرهان فهي إضافة إلى أن هذا البرهان يخاطب كل الحواس الإنسانية فهو لا يكتفي بعرض الاستدلالات الصحيحة على وحدانية الله بل يدحض ويرفض الادعاءات الباطلة بأوجز الكلام كلمة واحدة"خلقهم"وهذا تحقير لما يدعيه الكفار كذا وبغير علم على الله. [3]
(1) سورة الأنعام من آية 95 - 100
(2) ماهر عبد القادر محمد."نظريات المنطق الرياضي"، مرجع سابق، ص 59
(3) سيد قطب. في ظلال القرآن، ص 1162