ومن مظاهر الإعجاز هنا أيضًا أن البرهان جاء من اجل تربية الإنسان والنفس الإنسانية على تحري الصدق والإدعاء على علم"فرقوا له بنين وبنات بغير علم" [1] .
لقد ارتكز البرهان على قواعد الاستدلال والوصل [2] أي الوصل بين أكثر من نظرية صحيحة في (نظرية) واحدة، أي تعميم واحد فقد، تم الوصل بين نظرية إنبات الزرع وخلق الثمار مع نظرية البعث والحياة والموت مع نظرية توالي الليل والنهار وهي ليست نظريات بقدر ما هي حقائق صحيحة وواضحة وكلها تتصل لتدل على سلامة الاستدلال المنطقي السليم، وهذا لا يمكن أن يتأتى لنبي أمي كسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك إعجاز عظيم للقرآن الكريم.
ويدعي الرياضيون أن الرياضيات أكثر العلوم دقة في عرض القضايا بشكل موجز، ولو نظرنا إلى الإيجاز في كلمة (وخلقهم) أي كيف يعبدون غير الله والله خالقهم وهو الحق وهذا برهان بالتناقض فهل هناك أكثر من هذا الإيجاز والوضوح. إن ذلك أيضًا من دواعي الإعجاز القرآني المستند إلى البرهان.
ومن أمثلة البرهان بالاستدلال المباشر أيضًا الآيات التالية:
{نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَتَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [3]
تعالج هذه الآيات من سورة الواقعة القضية التي تعالجها السورة وهي قضية البعث والنشأة الآخرة يوم القيامة، والسورة كلها برهان على صحة وصدق قضية البعث. تبدأ الآيات بضرورة هامة من أجل فهم القضايا الواردة فيها وهذه الضرورة هي الاعتقاد فإن اعتقد الإنسان أن الله خالق الإنسان استطاع بهذا الاعتقاد تفسير هل المشاهدات وإدراكها واكتساب خبرات مرئية صحيحة فعلًا فقد قال فيرانبد (Feraben) :"إن ما هو مدرك يعتمد على ما هو معتقد" [4] .
(1) سيد قطب. في ظلال القرآن، ص 1161
(2) محمد أمين هرة. المعجزة الكبرى، ص 252
(3) سورة الواقعة (57 - 74)
(4) محمد علي محمد. علم الاجتماع والمنهج العلمي، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1980، ص 103