الصفحة 17 من 38

فمن أجل بناء نظريات صحيحة لا بد من اعتقادات صحيحة.

ثم تسير الآيات في الاستدلال على حقيقة النشأة الآخرة بأمثلة حية مما يعايشه الناس ويمس حياتهم بل مما يشكلهم هم وليس جزء منهم فقط ألا وهي النشأة الأولى لهم وللنبات وللماء وللنار وما يحرق فيها ثم يعاد زراعته وإنشاؤه من جديد حتى يتم الوصول إلى النتيجة المطلوبة"فسبح باسم ربك العظيم"

وكل القضايا التي تعرضها الآيات هي قضايا مسلم بصحتها والعلاقة المنطقية واضحة بين النشأة الأولى للإنسان وغيره من المخلوقات والنشأة الآخرة وهذه العلاقة يدركها الإنسان ويشعر بها ويؤمن بها تمام الإيمان.

والمتأمل للآيات يجد صورًا من القياس الحقيقي المنطقي، فالنشأة الآخرة بالقياس على النشأة الأولى المسلم بها وهكذا من أشكال القياس المترابطة مع بعضها البعض من أجل الوصول إلى النتيجة، والقياس هنا ليس كالقياس الأرسطي الشكلي الذي يهتم بالشكل على حساب المضمون.

ويتجلى الإعجاز البرهاني في الآيات السابقة في قوة الترابط بين القضايا والعلاقات وفي المقابلة وألوان القياس المتعددة من أجل قوة الدليل على حقيقة البعث.

إن الاستدلال في الآيات السابقة جاء متصلًا دون انفصال أو انتقال. فأنواع الاستدلال جاءت لتعالج موضوعًا واحدًا هو البعث والقضايا كلها جاءت لتدعيم الاستدلال حول هذه القضية. وقد يأتي الاستدلال القرآني في البرهان متنقلًا من موضوع إلى موضوع لاثبات قضية أو لالزام الخصم وإقحامه وقطع لحاجته [1] قال تعالى:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [2]

لقد انتقل ا لقرآن على لسان سيدنا إبراهيم من استدلال إلى استدلال آخر من أجل إبطال دعوة"النمرود" [3] . وقد سار الاستدلال من قضية إلى قضية أخرى للوصول إلى النتيجة وهي"فبهت الذي كفر"وبدأ بمقدمة مسلمة أن الله هو الذي أتى النمرود الملك ومكث فيه مدة طويلة بإذن الله [4]

لقد عرضت الآيات مثالين لإسقاط دعوى الباطل والمعروف في البراهين الرياضية أن مثالًا واحدًا يبطل المقولة فمثلا ً س 2 + س + 41 تعطي دائمًا عددًا أوليًا عند التعويض عن

(1) زاهر الألمعي. مناهج الجدل في القرآن الكريم ص 145

(2) سورة البقرة آية 258

(3) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، جـ 1، ص 313

(4) ابن كثير، المرجع نفسه، ص 313

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت