الصفحة 10 من 39

صفة للمؤمنين أو دعوة لهم كما سيرد تفصيل ذلك، كما ندرك سر وصف المنافقين بها في إسراعهم نحو الشر والباطل، وندرك أيضًا سر وصف أحوال الناس في يوم الحشر {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا} (43: المعارج) {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا} (44: ق) .

السبق:"أصل صحيح يدل على التقدم" [1] ، ويقال:"سبق يسبق سبقًا أي تقدم في السير أو في غيره من الحسيات والمعنويات، والاستباق هو التسابق الذي يكون بين أكثر من واحد، وكل منهم يبذل وسعه ليسبق غيره، وسابقه باراه في السير، وأسبق القوم إلى الأمر وتسابقوا بادروا" [2] ، واستبقا تباريا.

فأصل السبق التقدم في السير، ثم يتجوز به في غيره من التقدم، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} (11: الأحقاف) وقال تعالى: {سبقت من ربك} (14: الشورى) أي نفدت وتقدمت، ويستعار السبق لإحراز الفضل والتبريز، وعلى ذلك قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} (10: الواقعة) أي المتقدمون إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة [3] .

والسبقُ من الخيل المبكرة بالحمل، ويأتي السبق ليدل على فوات أمر، يقال: سبق الطريد أي فات من الطلب، وعلى هذا قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (4: العنكبوت) وقوله تعالى: {فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} (39: العنكبوت) تنبيه أنهم لا يفوتوننا. ومثله قوله تعالى: {وما نحن بمسبوقين} (41: المعارج) أي لا يفوتوننا [4] .

وقوله: {فاستبقوا الصراط} (66: يس) أي جاوزوه وتركوه حتى ضلوا، قال الأزهري:"جاء الاستباق في كتاب الله بثلاثة معان مختلفة، أحدها: قوله عز وجل: {إنا ذهبنا نستبق} (17: يوسف) ، قال المفسرون معناه ننتضل في الرمي، أي المسابقة في الرمي."

وقوله عز وجل: {واستبقا الباب} (25: يوسف) معناه ابتدرا الباب، يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه ... والمعنى الثالث في قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} (66: يس) معناه تجاوزوا الصراط وخلفوه، وهذا الاستباق في هذه الآية من واحد، والوجهان الأولان من اثنين، لأن هذا بمعنى سبقوا والأولان بمعنى المسابقة [5] .

ففي المسابقة معنى التقدم والمبادرة والإسراع، وتدل على وجود متسابقين، مما يفيد بذل غاية الجد والاجتهاد لتحصيل السبق والفوز على الآخر.

وهؤلاء السابقون في الخير هم ممن بادروا إلى بذل غاية جدهم واجتهادهم وطاقتهم ليكون لهم التقدم، وتحقيق معنى الانتصار على الغير، فهم يسابقون الهوى فينتصرون عليه بتحقيق مراد

(1) ... ابن فارس، المعجم، ج 3، ص 129.

(2) ... ابن منظور، لسان العرب، ج 10، ص 151.

(3) ... الراغب، المفردات، ص 228. وينظر: الطاهر، ابن عاشور، معاصر، التحرير والتنوير، تونس، الدار التونسية، 1984 م، ج 22، ص 313.

(4) ... الراغب، المفردات، 228.

(5) ... ابن منظور، لسان العرب، ج 10، ص 152 (سبق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت