فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
تقتضيه مما فصل في سياق وصف المتحققين بهذه الخيرات.
الميدان الآخر للمسارعة والمسابقة، ما تضمنه قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} وقوله تعالى: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} ، وهما ميدانان رئيسان:
-طلب أسباب المغفرة والتحقق بها.
-طلب الجنة والتحقق برضوان الله.
ومن تأمل في هذين الأمرين يجدهما شاملين لكل شيء، كأنما يقال لنا هذان الأمران الجديران بكم أن تسارعوا إليهما، وأن تسابقوا في تحصيلهما وليس أي شيء آخر من أمر الدنيا، ولذا سبقت آية آل عمران بالحديث عن بدر كنموذج عملي للمسابقة والمسارعة إلى المغفرة والجنة من خلال طلب الجهاد والشهادة، كما حذرت من الاغترار بالدنيا بما يضيع حق الله والاستعداد لليوم الآخر، فجاء النهي عن أكل الربا، وكذا سبقت آية الحديد بالحديث عن صفة الصديقين والشهداء صفة من طلب المغفرة والجنة، وبينت لنا حقيقة الدنيا وحذرت منها، ليبين أن الجدير بكم طلب المغفرة والجنة بالإعراض عن الدنيا وملذاتها إذ بعد أن بين حال الدنيا جاء قوله (سابقوا) حتى لا يركن الإنسان إلى الدنيا مهما كان الأمر صغر أو كبر، ليصرف الكمل من العباد همهم عنها لسفولها وحقارتها بالنسبة إلى الآخرة، حيث الكمال والبقاء، ليرغبوا غاية الرغبة بها، ويشتاقوا كل الاشتياق إليها [1] .
آراء المفسرين في قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض}
ويلاحظ أن المفسرين تكلموا عن ميدان المسارعة والمسابقة في إطار سياق الآيات، فقال ابن عباس:"سارعوا أي بادروا بالتوبة من الربا وسائر الذنوب إلى تجاوز من ربكم إلى الجنة بالعمل الصالح، وترك الربا، وهذه الجنة خلقت للمبتعدين عن الفواحش وأكل الربا" [2] .
وقال أبو السعود:"سارعوا إلى ما يؤدي إليهما، وقيل إلى التوبة وقيل إلى الإسلام، وقيل: إلى الإخلاص، وقيل: إلى الجهاد وقيل: إلى أداء الواجبات وترك جميع المنهيات" [3] .
وقال ابن عاشور:"سارعو أي إلى طاعة الله والرسول إذ إن جملة (سارعوا) بيانية أو بدل اشتمال لجملة (أطيعوا الله ورسوله) -يقصد أنه سبق قوله (سارعوا) قوله تعالى:"أطيعوا الله ورسوله"- لأن طاعة الله ورسوله مسارعة إلى المغفرة والجنة، ولكون الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنة يؤول إلى الأمر بالأعمال الصالحة جاز عطف الجملة على جملة الأمر بالطاعة. ثم قال: وقد تكون السرعة حقيقية وهي سرعة الخروج إلى الجهاد {وإذا استنفرتم فانفروا} والمسارعة على التقدير-أي على المجاز- تتعلق بأسباب المغفرة وأسباب دخول الجنة" [4] .
(1) ... البقاعي، نظم الدرر، ج 4، ص 4549 فما بعد. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 282.
(2) ... ابن عباس، تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، نشرمحمد علي بيضون، بيروت،1992 م، (ط 1) ، ص 73.
(3) ... أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج 1، ص 556.
(4) ... ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج 4، ص 88.