فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ويقول الرازي:"سارعوا إلى المغفرة والرضوان، ولا شك أن الموجب للمغفرة والرضوان ليس إلا فعل المأمورات وترك المنهيات". ونقل عن علي بن أبي طالب قوله: أنها الفرائض وعن عثمان أنه الإخلاص، وقال أبو العالية: هي الهجرة [1] ، وخصها بعضهم بالصلوات الخمس، ولا شك أن كل ذلك مراد.
ومما يجدر بالذكر أن الله تعالى بين هنا أنه كما تجب المسارعة إلى المغفرة؛ تجب المسارعة إلى الجنة، وإنما فصل بينهما لأن الغفران معناه إزالة العقاب، والجنة معناها إيصال الثواب فجمع بينهما للإشعار بأنه لا بد للمكلف من تحصيل الأمرين [2] .
ومهما حاولنا أن نقف على ميادين المسارعة والمسابقة من خلال هذين الأمرين: تحقيق أسباب المغفرة، والوصول إلى جنة الله ورضوانه، فلن نحيط بذلك وسيخرج بنا الأمر عن نطاق خصوصية الموضوع مما يقتضي أن نستقصي أسباب المغفرة وأسباب نيل رضوان الله في القرآن، وهذا عام في كل كتاب الله، مما يشعرك أن الدعوة إلى المسارعة والمسابقة ميدانها فسيح عظيم، أُجمل بهذين الأمرين الجامعين المانعين المبنيين على طاعة الله ورسوله كما بين ابن عاشور.
لكن لنقف مع الآيات وقفة موجزة نتبين من خلالها أسباب المغفرة ونيل الجنة بإيجاز. إذ بينت الآيات أن المغفرة والجنة للمؤمنين، ثم شأن هؤلاء المؤمنين أن يرتقوا بإيمانهم إلى التحقق بالتقوى، فختمت آية الحديد بالإيمان {أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله} وختمت آية آل عمران بالتقوى {أعدت للمتقين} ، ثم فصلت آية آل عمران متى نكون متحققين بالتقوى، لنكون ممن سارع إلى المغفرة والجنة، فذكرت الصفات الآتية:
-الإنفاق في السراء والضراء.
-كظم الغيظ.
-العفو عن الناس.
-الإحسان {والله يحب المحسنين} .
-المبادرة إلى التوبة وترك المعاصي، وعدم الإصرار على الذنوب مهما دقت، باستذكار عظمة الله سبحانه والإكثار من الاستغفار.
-ولما كانت الآيات في السورتين جاءت في سياق الحديث عن الجهاد والشهادة والصديقية علمنا أن ذلك من أسباب المغفرة وطلب الجنة، وذلك كله مبني على {أطيعوا الله ورسوله} فهذه ميادين المسارعة والمسابقة كما ترشد إليها الآيات في ألفاظها وسياقها، ولعل من الجدير التنويه هنا أنه كما جعلت سورة آل عمران من خصائص المسارعين إلى المغفرة والجنة: الإنفاق، كذلك ذكرت سورة الحديد هذه الصفة في قوله تعالى: {إن المصدقين والمصدقات، وأقرضوا لله قرضًا حسنًا يضاعف لهم ولهم أجر كريم} [3] .
(1) ... الرازي، التفسير الكبير، ج 3، ص 51.
(2) ... نظام الدين أبو الحسين، النيسابوري، (ت 827 هـ) ، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، بيروت، دار الكتب العلمية، 1996 م، (ط 1) ، ج 2، ص 258.
(3) البقاعي، نظم الدرر، ج 7، ص 454.