الصفحة 28 من 39

المطلب الثالث

ميادين المسارعة والمسابقة

أولًا: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات:

وقد ذكر ذلك في القرآن الكريم في مواطن عدة في سورة البقرة: (فاستبقوا الخيرات(148) وسورة المائدة: {فاستبقوا الخيرات} (48) . كما جاء في سورة الأنبياء: {يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا} (90) . وفي سورة المؤمنون: {يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} (61) .

ولئن سبق الحديث عن المسارعة والمسابقة ودلالة كلٍ؛ بقي أن نقف على المراد من قوله: (الخيرات) ولماذا جاء النظم مرة، وقد عدّى الفعل بنفسه (فاستبقوا الخيرات) ومرة بفي (يسارعون في الخيرات) ، ومرة بالباء في قوله تعالى: (ومنهم سابق بالخيرات) ، ومرة بإلي في قوله تعالى (وسارعوا إلى .. ) فمرة عدى الفعل بفي ومرة بإلى .. لكن مع الخيرات لم يعد إلا بفي والباء، وعُدِى باللام في قوله تعالى (وهم لها سابقون) فما أسرار ذلك؟

لقد تكلم علماء الإعجاز عن وظيفة الحرف في القرآن الكريم ذكرًا أو حذفًا وتغايرًا في المواطن المتشابهة، وبينوا أن لكلٍ سره ووظيفته ورسالته، حيث لا ينوب حرف مكان حرف [1] .

وسنحاول أن نفيد من بعض ما ذكروه في مواطن أخرى، ونقيس عليها ما استطعنا.

فالتعدية بفي فيها معنى التحقق من الشيء والتمكن فيه، إذ تستعمل في للظرفية، وهذا يدل على شدة المسابقة إلى الخيرات وتمكنهم منها وتغلغلهم في أعماقها [2] ، ومن ثم كانت في تفيد التوكيد هنا أيضًا، كما أن التعدية بفي تفيد تضمين معنى المسارعة: الجد والرغبة في الأمر [3] .

أما التعدية بإلى في قوله تعالى: (سارعوا إلى ... ) و (سابقوا إلى ... ) فلأن حرف إلى يفيد انتهاء الغاية الزمانية وتارة المكانية، وهنا لما كانت الدعوة إلى المغفرة والجنة فهما غاية ما يتطلع إليه كل مؤمن وهو الفوز بمغفرة الله ورضوانه وجنته [4] ، ففي ذلك الإشارة إلى انتهاء الغاية معنى ورتبة ومكانًا.

ومعنى آخر في الفرق بين التعدية بِ"في"و"إلى"أنك إن كنت في الخير أصلًا وتريد أن ترتقي تقول: سارع في الخيرات، فأنت مظروف في الخير، وتريد الارتقاء، أما من كان خارجًا عنه؛ فيقال له: سارع إلى الخيرات [5] .

أما التعدية باللام في قوله (هم لها سابقون) فاللام لها معان كثيرة، ففيها معنى الاستحقاق ومعنى الملك ومعنى الاختصاص والتعليل وغير ذلك من المعاني [6] . وإذا نظرنا في قوله تعالى (وهم لها سابقون) رأينا أنها تفيد معنى التعليل أي لأجلها [7] .

وعدي بالباء في قوله: (سابق بالخيرات) فتحتمل سابق بسبب الخيرات، أو للدلالة على

(1) ... فضل حسن عباس، معاصر، إعجاز القرآن الكريم، عمان، دار الفرقان، 2004 م، (ط 5) ، ص 183 - 195.

(2) ... ابن هشام، جمال الدين (ت 761 هـ) ، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، بيروت، دار الفكر، 1985 م، ط 6، ص 224، وعباس، إعجاز، ص 186.

(3) ... اين هشام، مغني اللبيب، ص 225. والألوسي، روح المعاني، ج 17، ص 87.

(4) ... ابن هشام، مغني اللبيب، ص 104.

(5) ينظر: الشعراوي، تفسير الشعراوي، 16، ص 10062.

(6) ... ابن هشام، مغني اللبيب، ص 275.

(7) ... الألوسي، روح المعاني، ج 18، ص 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت