الصفحة 27 من 39

المضاف أي عرضها مثل عرض السماوات والأرض، وقد أوضحت آية الحديد بما يقوم مقام هذا المضاف ويحصل معناه وهو كاف التشبيه إذ معناها معنى مثل وحذف المضاف مما يكون كثيرًا عند قصد المبالغة وكذا جعل الشيء نفس الشيء" [1] ."

والمراد أن كل آية حملت وجهًا من وجوه المبالغة في بيان عظم أمر الجنة التي يدعونا ربنا إليها، فآية آل عمران المبالغة فيها من حيث حذف المضاف لما في ذلك من معنى إقامة المشبه مقام المشبه به فكل ما يطلق عليه عرض في السماوات والأرض بكامل هيئتهما هو عرض للجنة، وآية الحديد جاءت فيها المبالغة من تكرار كلمة العرض، فاختصت آية الحديد بما يقوم مقام المضاف الذي حذف في سورة آل عمران لكن في سورة آل عمران أبلغ، لماذا؟ لِما أنَّ سياقها سياق الحديث عن الجهاد والشهداء مفصلًا، ولِما وقع في بدر وأحد ولِمقام الجهاد والشهادة، فإن ذلك كله يستدعي مزيدًا من الترغيب فناسب أن يكون الأمر على هذا النحو من المبالغة في سورة آل عمران [2] ، إضافة إلى أن السياق سياق الحديث عن المتقين الأرقى مقامًا والربانيين، الذين هم الصديقون، وقد جاء كل ذلك مفصلًا، بينما ذكر كل ذلك في الحديد مجملًا فاقتضى ذلك كله أن تكون صيغة سورة آل عمران أبلغ.

وَلِمَ جاء اللفظ جمعًا للسماوات في آل عمران بينما أفرد في الحديد؟

كما سبق أن المقام في آل عمران مقام تفصيل أمر الجهاد والشهادة، وحديث عن أعلى مقامات المتقين وصفاتهم، وفيها حث على التجرد عن النفس والمال، وجميع الحظوظ الدنيوية أصلًا ورأسًا، بينما في سورة الحديد كان الحديث عن هذه المعاني مجملًا وكان الحث على التجرد عن الدنيا وحسب (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ... ) فجاء اللفظ (في السماء) بما يناسب كلًا من التفصيل والإجمال والموضوع [3] .

ولم جاءت آية المسارعة قبل آية المسابقة في التنزيل وفي ترتيب المصحف؟

إن المسارعة إلى الشيء قبل مسابقته كما قال تعالى: {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} فمن سارع إلى شيء قد يحصل له مطلوبه وقد لا يحصل، أما من سبق فلا تطلق إلا لمن حصل له مطلوبه ولا يكون ذلك إلا لمن سارع في نفس الأمر [4] .

وبعد: فهذه لطائف من أسرار النظم القرآني، وغيض يسير من فيض عظيم، ويبقى في آيات القرآن من الأسرار والروائع والإعجاز والكنوز، ما يجعله بحق كتابًا خالدًا للتفكر والتدبر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يحيط بكتاب الله وأسراره إلا هو سبحانه وتعالى، ويلهم الله من يشاء من عباده من الفهم ومعرفة الأسرار ما يلهم.

(1) ... الغرناطي، أحمد بن إبراهيم بين الزبير، (ت 708 هـ) ، ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل، تحقيق: سعيد فلاح، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1983 م، (ط 1) ، ج 1، ص 317.

(2) ... البقاعي، نظم الدرر، ج 7، ص 454 بتصرف. وينظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 4، ص 88.

(3) ... الغرناطي، ملاك التأويل، ج 1، ص 320، والبقاعي، نظم الدرر، ج 7، ص 4549.

(4) ... الغرناطي، ملاك التأويل، ج 1، ص 316 بتصرف واختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت