الصفحة 26 من 39

إلى التوبة، وقيل إلى الإسلام، وقيل إلى الإخلاص، وقيل إلى الجهاد، وقيل إلى أداء الواجبات وترك جميع المنهيات" [1] ، أقول: ولا شك أن الآية تشمل ذلك كله، ثم قال أبو السعود:"وتقديم المغفرة على الجنة كما أن التخلية مقدمة على التحلية، والتعرض إلى الربوبية أي قوله (من ربكم) مع ضمير المخاطبين لإظهار مزيد اللطف بهم" [2] . وقوله (عرضها السموات والأرض) "أي عرضها عرض السماوات والأرض وصفها بالسعة والبسطة فشبهت بأوسع ما علمه الناس في خلقه وأبسطه، وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول" [3] ."

أمّا قوله تعالى (سابقوا) أي سارعوا مسارعة المتسابقين لأقرانهم في المضمار، وقوله (كعرض) "أي كعرض سبع سماوات وسبع أرضين" [4] .

وفي ذكر السعة والبسطة في سياق المسارعة والمسابقة تناسب عجيب، يدل على سعة ميدان الخير، وسعة ميدان المسابقة، مما يقتضي مزيد بذل ورغبة وإقبال وشدة تنافس في هذا الخير، وما يترتب على ذلك كله من بسط في العطاء.

وللإجابة عن الفروق بين آيتي آل عمران والحديد يقول البقاعي:"سابقوا: فعل من يسابق شخصًا فهو يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قرينًا بطيئًا فسار هوينًا، أما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف، فآية آل عمران الآمرة بالمسارعة الأخص من المسابقة أبلغ، لأنها للحث على التجرد عن النفس والمال وجميع الحظوظ أصلًا ورأسًا لذلك كانت جنتها للمتقين" [5] . أي ناسب المتقين أن يخصهم بالمسارعة، كما أن فيها معنى أقصى البذل دون النظر لمقارن أو منافس. وناسب المؤمنين أن يخصهم بالمسابقة لما تتضمن من معنى المنافسة ووجود ما يدفع إلى المسابقة وهو وجود القرين، ويلاحظ أيضًا تكامل بين الآيتين أي سارعوا فكأنّ قائلًا يقول: كيف نسارع؟ فقيل مسارعة المتسابقين الذين بذل كل واحد منهما أقصى الجهد وغايته، ولذا كان تنزل سورة الحديد بعد سورة آل عمران، ومعنى آخر يتبادر إلى الذهن في بيان لِمَ جاء لفظ سارعوا في آل عمران وسابقوا في الحديد؟.

أنه سبق في سورة الحديد ذكر لفضيلة صنفين خاصين من المؤمنين هما الصديقون والشهداء، (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُم(19: الحديد) . فناسب أن يعقب ذكرهم بلفظ المسابقة لوجود النموذج الذي سبق (الصديق والشهيد) وأنت أيها المؤمن مدعو لتلحق بهما ...

أما سياق الآيات في سورة آل عمران فقد جاء في جملة أوامر: ( ... لا تأكلوا الربا ... واتقوا النار ... وأطيعوا الله والرسول ... ) في سياق التعقيب على بدر والتمهيد للحديث عن أحد مما يقتضي قيامًا بالأمر ذاته لذاته على أكمل وجه بقطع النظر عن أي مقارنة.

ثم جاء النظم في سورة آل عمران على حذف المضاف (أي عرضها السموات والأرض) بينما جاء في الحديد كعرض السماء، قال في ملاك التأويل:"إن آية آل عمران على حذف"

(1) ... أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج 1، ص 556، وينظر، محمد بن يوسف، أبو حيان، (ت 754 هـ) ، البحر المحيط، بيروت، دار الفكر، 1992 م، ج 3، ص 345 والزحيلي، التفسير المنير، ج 4، ص 91.

(2) ... المصدر السابق.

(3) ... المصدر السابق.

(4) ... الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 67. وينظر: الزحيلي، التفسير المنير، ج 27، ص 322.

(5) ... البقاعي، نظم الدرر، ج 7، ص 4549.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت