فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بالمسارعة في قوله تعالى في سورة آل عمران: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ... } .
ولا بد من وقفات مقارنة بين دلالات الآيتين وألفاظهما وسياقهما، سنقف عليه فيما بعد إن شاء الله.
ويأتي الموضع الأخير في سور القرآن الذي تحدث عن السبق والسابقين في سورة براءة في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (100: التوبة) .
لقد كانت أول آية -في التنزل القرآني- تتكلم عن السبق في سورة الواقعة في قوله تعالى: (والسابقون السابقون) مبينة جزاء الصنف الأرقى من الخلق يوم القيامة الذين تحققوا بالسبق بما طلب منهم في الدنيا دعوة لنا لنتحقق ونعمل، بيانًا لفضل أولئك عند الله، وإذ بآخر آية تتكلم عن السبق يأتي باللفظ ذاته: (والسابقون) . وكأنه يراد أن يقال لنا: هؤلاء الذين سمعوا آيات الله تتلى عليهم تعرفهم بمقام السابقين وتدعوهم للتحقق والارتقاء، قد فعلوا وتحققوا، ولقد أثمرت آيات القرآن ومواعظه فيهم، فكانوا سابقين بشهادة ربهم، فجاءت هذه الآية لتبين لنا حال أولئك الذين فازوا بهذه الفضيلة وتحققوا بمقام السبق، الذين استجابوا لدعوة الله وتحققوا بالتربية النبوية الأصفى والأكمل، فهي طبقات ثلاث هي خير هذه الأمة التي هي في جملتها خير أمة أخرجت للناس، فالأولى: السابقون الأولون من المهاجرين، وفيهم أقوال، من أرجحها: أولئك الذين هاجروا قبل الحديبية وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وقد كانوا كلهم من المؤمنين الصادقين، ولقد مهدت سورة الحديد وهي السورة التي دعت إلى السبق إلى المغفرة والرضوان قبل هذه السورة مباشرة لذكر هؤلاء السابقين عندما قال تعالى فيها: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} (10: الحديد) ، ولقد كان صلح الحديبية فتحًا.
والطبقة الثانية من السابقين: الأولون من الأنصار وهم من بايع عند العقبة الأولى والثانية. والطبقة الثالثة من الذين تبعوهم في الهجرة والنصرة اتباعًا بإحسان، أو محسنين في الأفعال والأقوال، فتضمن هذا القيد الشهادة للسابقين بكمال الإحسان، لأنهم صاروا فيه أئمة متبوعين [1] .
ولما كانت هذه الآية هي الأخيرة التي تتكلم عن السبق والسابقين؛ جاءت بيانًا عن أثر القرآن فيهم وتحققهم بمراد الله، وكان حريًا أن تتوج ببيان ثمرة هذا التحقق على الوجه الأكمل، فقال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ورضوان الله أرقى المراتب التي يسعى إليها المؤمنون ويتنافس فيها المتنافسون [2] .
فللسابقين في كل عمل فضيلة السبق والإمامة في كل عصر، ويمتاز عصر الرسول صلى الله
(1) ... ينظر: محمد رشيد رضا، (ت 1935 م) ، تفسير المنار، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (1978 م) ، (ط 1) ، ج 11، ص 13.
(2) ... الصابوني، صفوة التفاسير، ج 1، ص 559.