فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
معه في هذا الصدد، إنما المراد بيان أن من وجوه تفسير الآية أن النعيم المذكور هنا اختصاص للسابقين، لبيان علو مقامهم ورفعة شأنهم عمن سواهم حتى من كان شاركهم في أصل الإيمان على رأي جمهور المفسرين.
والموضع الثالث الذي ورد فيه ذكر السابقين في سورة"المؤمنون"، في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} (57 - 61: المؤمنون) .
واختصت هذه الآية بذكر المسارعة والسبق معًا، للفت النظر أنه بالمسارعة إلى الخيرات تطلب درجة السابقين [1] .
فكأن السائل يقول يا رب قد ذكرت لنا في سورة الواقعة (السابقون السابقون) وذكر لنا في سورة فاطر: (ومنهم سابق بالخيرات) فكيف نتحقق بذلك فيأتي الجواب هنا إن الذين يسارعون في الخيرات هم الذين لها سابقون، أي لأجلها، وقد فصل لنا في هذه الآيات صفة أولئك الذين يسارعون في الخيرات، وطريق التحقق بذلك في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} .
ولئن ذكر في سورة فاطر في سياق ذكر السابقين بالخيرات {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ، إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} (28 - 29: فاطر) توطئة لذكر السابقين بالخيرات، ولفتَ نظر لخصائصهم وصفاتهم، فإننا نلاحظ كذلك أن الخشية الواردة أول صفات هؤلاء المسارعين في سورة"المؤمنون"على نهج ما ألمح إليه في سورة فاطر، وهذا من التآخى والتكامل بين السورتين لتكون سورة"المؤمنون"تفصيلًا لما في سورة فاطر، وهما تفصيلًا لما ذكر في سورة الواقعة، وسيأتي مزيد تفصيل لصفات وخصائص هؤلاء السابقين، في سياق الحديث عن آيات المسارعة.
الموضع الرابع الذي جاء فيه ذكر المسابقة إلى الخيرات قوله تعالى في سورة البقرة: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (148: البقرة) ، وقد جاءت هذه الآية في سياق تحويل القبلة والأمر بالتوجه إلى البيت الحرام، وعدم التأثر بما يلقيه أهل الكتاب من شبه في هذا الأمر وغيره، فالمرء عندما يكون بصدد عمل عظيم فما عليه إلا أن يجد في طلبه ويسارع فيه، ويبادر إليه، ليكون متقدمًا مقدمًا من غير توان، ولكنه قد تعترضه الشبهات أو المثبطات فهذا أحوج ما يكون إلى التثبيت في ما هو فيه، ومن هنا
(1) ... البروسوي، تنوير الأذهان، ج 3، ص 36.