الصفحة 17 من 39

جاء الأمر بالاستباق إلى الخيرات في هذا السياق لثلاثة ملاحظ:

الأول: عظم ما أمرنا به وهو إقامة الصلاة متوجهين في ذلك إلى الكعبة المشرفة [1] .

الثاني: وجود ما يعترضنا من مثبطات وشبهات، والواجب أن لا نلتفت إليها [2] .

الثالث: تعدد وجهات الخلق في طلب الأمور والمقاصد، وكل يجتهد في مقصده ومطلبه، وأمام هذا التنازع والتنوع واجتهاد الخلق في طلب ما يريدون؛ فحري بأهل الإيمان والصدق أن يوحدوا القصد نحو الله والتزام ما وجه إليه، وأن يجتهدوا في هذا القصد اجتهاد من يسابق غيره حالة التحدي والاستنفار ليكون هو الأسبق، وهكذا نلحظ أن المرة الأولى التي جاء فيها ذكر المسابقة إلى الخير بصيغة الأمر كان في سورة البقرة، إذ كان ما سبقها من آيات هو بيان لمقام السابقين وصفاتهم ودرجاتهم، مما يبعث الهمة في القلب ويوجه نحو الانبعاث إلى التحقق بذلك، فلما استوى الأمر على سوقه آن أن يؤتي ثماره كاملة، فجاء الأمر الأول باستباق الخيرات في السياق المناسب؛ سياق أعظم عبادة؛ الصلاة، حالة وجود المثبطات، حتى لا تؤثر، مع وجود من يستبق إلى ما يخالف مع كونه على باطل فكيف لا تكونون مع الحق.

ليكون ذلك توجيهًا عامًا لكل المسلمين في كل مقام خير، في أي حالة من الصعوبات والتحديات، ومن هنا لم يقف علماء التفسير عند ذكر الآية على المسابقة إلى التوجه إلى القبلة، بل بينوا أنها تعم كل خير [3] .

ثم يأتي الأمر الآخر بالمسابقة إلى الخيرات في سورة المائدة في قوله تعالى:

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48: المائدة) .

ونحن إذا تأملنا السياق العام الذي جاء فيه هذا الأمر الرباني فإنه جاء أولًا في سياق ذكر أولئك الذين يسارعون في الكفر من يهود ومنافقين: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} (41: المائدة) مع بيان آثار مسارعتهم إلى الكفر من تحريف للكلم وسماع للكذب، وأكل للحرام، ورفض لحكم الله في كل شيء، ليبين لنا في سياق ذلك شأن أولئك الذين حكموا التوراة وكانوا شهداء وحفظة لها، كما أنهم قد تحققوا بالخشية لله، فيأتي التوجيه الرباني ضمنًا أن نتحقق بذلك من خلال التحقق بالخشية من الله سبحانه؛ من خلال تحكيم القرآن في كل شيء [4] .

ثم جاء بعد هذه الآيات آيات تتحدث عن نوع آخر من المسارعة: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} (52: المائدة) ، فالمقام كله مقام مسارعة ومسابقة فإما إلى خير وإما إلى شر.

(1) ... ينظر: الرازي، التفسير الكبير، ج 2، ص 18.

(2) ... سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 1، ص 136.

(3) ... الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 322.

(4) ... حوى، الأساس في التفسير، ج 3، ص 1389 فما بعد بتصرف واختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت