الصفحة 18 من 39

في ظل هذه الأجواء الإيمانية التربوية يأتي الأمر فاستبقوا كأنه علة لكل ما سبق:

-إذا كان الآخرون يسارعون في باطلهم.

-إذا كان القرآن مصدقًا لما بين يديه من الكتاب.

-إذا كان القرآن مهيمنًا على كل كتاب.

-إذا كان لكل أمة شرعة ومنهاجًا.

-إذا كنت في هذه الدنيا محل ابتلاء واختبار، ومن ثم ستعرض أعمالك على الله وتقف بين يديه.

كيف لا تسابق إلى الخيرات بل تستبقها، وواضح من السياق أن استباق الخيرات هنا يكون بالتحقق بهذه الشرعة وذاك المنهاج على ضوء الاحتكام الكامل لكتاب الله تعالى [1] .

لكن ما دلالات هذا التنوع في الأمر؛ مرة يقول تعالى: (يسارعون إلى الخيرات) ، ومرة (هم لها سابقون) ، ومرة (فاستبقوا الخيرات) ، أي مرة يعدى بإلى، ومرة باللام، ومرة يعدى بنفسه، فما السر؟ هذا ما سنقف عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

جاء الحديث عن المسابقة في سورة الحديد بأسلوب مختلف عن كل ما سبق، في قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (21: الحديد) إذ ربط الأمر بالمسابقة ببيان ثمرة هذه المسابقة وأنها المغفرة والجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض، مع بيان أن هذا هو الفضل العظيم من الله ... فهذه الآية بمثابة التتويج لجهاد أولئك الصادقين مع ربهم المؤمنين الذين سابقوا فصدقوا، تأتي في سياق"هذه السورة التي هي بجملتها دعوة للأمة المسلمة كي تتحقق في ذاتها حقيقة إيمانها، هذه الحقيقة التي تخلص بها النفوس لدعوة الله فلا تضن عليها بشيء، ولا تحتجز دونها شيئًا ... لا الأرواح ولا الأموال ولا خلجات القلوب، ولا ذوات الصدور، وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية، بينما تعيش على الأرض، موازينها موازين الله، والقيم التي تعتز بها وتسابق إليها، هي القيم التي تثقل في هذه الموازين، كما أنها هي الحقيقة التي تُشعر القلوب بالله فتخشع لذكره: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ... } (16: الحديد) ، وترجف وتفر عن كل عائق وكل جاذب يعوقها عن الفرار إليه" [2] .

في ظل هذه الأجواء الإيمانية يأتي الأمر بالمسابقة، وكما مر معنا من قبل في سياق سورة البقرة والمائدة إذ جاء الأمر بالمسابقة في بيان قضية، تثبيتًا وتحفيزًا للتحقق، ومواجهة مثبطات وتحديات، فكذا هنا يأتي الأمر بالمسابقة في مواجهة قضية الدنيا والخلود إلى الأرض، كما يأتي في سياق التحقق بالإيمان والإنفاق لنرتقي إلى مقام الصديقين والشهداء، ويأتي كذلك في سياق أولئك الذين خالفوا عن هذا المنهج من منافقين وأهل كتاب، فثمة قضية حاضرة، وثمة مثبطات لا بد من مواجهتها وثمة مخالفون، في هذا السياق، يأتي الأمر بالمسابقة [3] ، ويقابل هذه الآية الأمر

(1) ... ينظر: سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 2، ص 887.

(2) ... سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 6، ص 3475.

(3) ... ينظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 27، ص 407، حوى، الأساس، ج 10،ص 5734 و 5752، ومحمد علي الصابوني، معاصر، صفوة التفاسير، بيروت، دار القرآن الكريم، 1981 م، (ط 4) ، ج 3، ص 318.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت