الصفحة 14 من 39

الساعة تخويفًا لعباده، فإما محسن فيزداد رغبة في الثواب، وإما مسيء فيرجع عن إساءته خوفًا من العقاب، فلذلك قدم أصحاب اليمين ليسمعوا ويرغبوا، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا، ثم ذكر السابقين وهم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ليجدّوا ويجتهدوا" [1] ."

ومن ثم انظر إلى هذا الاختصاص (أولئك المقربون) وما يفيد لفظ الإشارة (أولئك) من الرفعة، ثم انظر إلى ما خصهم الله به من نعيم، لما كانوا عليه في الدنيا من مجاهدة وتقوى وسبق إلى كل خير، وترفع عن كل مخالفة بل عن كل شبهة.

قال الزمخشري:"السابقون: المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه، وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله" [2] .

"وجاء ذكرهم على صيغة التعجيب أي"والسابقون السابقون"من عرفت حالهم وبلغك وصفهم، كقوله"وعبد الله عبد الله"أو قوله"وشعري شعري"كأنه قال وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته" [3] .

وفي ذكرهم على هذا النحو مع ما رتب عليه من بيان درجتهم وثمار ذلك في الجنان، أبلغ دعوة للتحقق واللحاق بهم وبيان فضلهم.

ويرى بعض أهل العلم أن السبق يحتمل السبق بالزمان، أو الذين سبقوا في حيازة الكمالات الدينية والفضائل اليقينية، وعلى المعنى الثاني فالمراد بالسبق هو السبق بالشرف والمقام كما قال الراغب:"يستعار السبق لإحراز الفضل وعلى ذلك"والسابقون السابقون"أي المتقدمون إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة" [4] ، ولا شك أن الأصوب أن يقال هم المتقدمون في الكمالات، لما أنه ذكر أن منهم قليلًا من الآخرين.

الموضع الثاني الذي جاء فيه ذكر السابقين في سورة فاطر في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ، وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ، ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} (29 - 35: فاطر) .

ذكرت الآيات أن هناك أصنافًا ثلاثة ... وأكثر المفسرين أكد على أن الأصناف الثلاثة المذكورة في الآية هم من أمة الإجابة، من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، لما أنه ابتدأ بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن

(1) ... علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم، الخازن، (ت 725 هـ) ، لباب التأويل، تحقيق: عبد السلام شاهين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1995 م، (ط 1) ، ج 4، ص 15. وينظر: وهبة الزحيلي، معاصر، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، بيروت ودمشق، دار الفكر، 1991 م، (ط 1) ، ج 27، ص 243.

(2) ... الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 52.

(3) ... المرجع السابق.

(4) ... الراغب، المفردات، ص 228، وينظر: البروسوي، تنوير الأذهان، ج 4، ص 216.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت