في خضم سطوة الحياة المادية واستعار الشهوات، وما نلحظ من أحوال كثيرين من تثاقل عن القيام بحق الله سبحانه وتعالى، أو كسل أو فتور في العزيمة، وما يترتب على ذلك من إحباط ويأس؛ نجد حاجة ملحة للعودة إلى القرآن الكريم، نستنهض به الهمم والعزائم ونعالج فتور النفس وقصورها، ونسعى للارتقاء نحو الهمم العالية والأخلاق الكاملة والصفات الرفيعة.
وكان من الآيات القرآنية التي أولت هذا الجانب اهتمامًا خاصًا: آيات المسارعة والمسابقة إلى الخيرات.
نعم، لقد أولى القرآن الكريم قضية المسارعة والمسابقة إلى الخيرات عناية تامة، فكان حديثًا معطرًا بنفحات التكريم والتمجيد، حيث دعا دعوة قوية إلى التحلي بفضيلة المبادرة إلى اغتنام الفرص في عمل الخير، لأن الحياة غير مأمونة، والآجال غير معلومة، وما يمكن اليوم لا يمكن غدًا [1] ، وقد قال الإمام علي رضي الله عنه:"ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، واليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل"البخاري، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب رقم 4، في الأمل وطوله، ترجمة حديث رقم 6417.
فنهج القرآن مناهج عدة في بيان أهمية المسارعة والمسابقة إلى الخيرات، والحث عليها وبيان علو شأن أصحابها ومقامهم عند ربهم فتارة من خلال الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات [2] ، أو من خلال وصف الأنبياء بذلك [3] ، أو وصف الملائكة [4] ، أو وصف الخاصة من أهل الكتاب [5] أو وصف الصحابة [6] ، وتارة من خلال بيان خصائص وصفات المسابقين والمسارعين، وثمرات التحقق بذلك [7] ، أو من خلال التحذير من صفات المخالفين المسارعين إلى الكفر [8] ، وما ذلك كله إلا لأهمية هذا الموضوع وخطره وضرورة العناية التامة به، مما كان دافعًا لنا أن نخص هذه الآيات بالدراسة والبحث.
وأمر آخر دعانا للبحث في هذا الموضوع الرغبة في أن نقف معًا على النظم القرآني ولطائفه، ونكاته البيانية، في هذه الآيات الكريمات، فقد لوحظ أن الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات تارة يعدى بنفسه، وتارة بحرف الجر"في"، وتارة بإلى، وتارة باللام فلماذا؟! ومرة يقول ربنا سبحانه وتعالى: {وسارعوا} ... ومرة: {سابقوا} ، فما سر ذلك؟! إضافة إلى أسرار ودقائق أخرى كثيرة ... ثم ما هي العلاقة بين السور التي تحدثت عن هذه القضية المهمة؟ ما هي الوحدة الموضوعية بينها؟ وما هي ميادين المسابقة والمسارعة؟ وما ثواب السابقين المسارعين؟ قضايا كثيرة وكثيرة جدًا أحببنا أن نعيش معها وفي ظلالها. وذلك بعض ما يجب علينا تجاه كتاب ربنا على طريق التدبر والفهم والعمل والتحقق.
وقد اقتضت طبيعة هذا البحث تناوله في المطالب الآتية:
(1) ... ينظر: أحمد الشرباصي، معاصر، موسوعة أخلاق القرآن، بيروت، دار الرائد العربي، 1987 م، (ط 3) ، ص 111.
(2) ... (البقرة:148) و (آل عمران: 133) و (الحديد:21) .
(3) ... سورة الأنبياء: 89 - 90.
(4) ... سورة النازعات: 4
(5) ... سورة آل عمران: 113 - 115.
(6) ... (سورة التوبة: 100) و (سورة الواقعة: 1 - 11) .
(7) ... (سورة المؤمنون: 57 - 60) و (سورة فاطر: 32 - 35) .
(8) ... (سورة آل عمران: 176) و (سورة المائدة: 41، 52، 62) و (سورة الأعراف: 80) .