الصفحة 11 من 39

الله فيهم، وهم يسابقون الشيطان فينتصرون عليه بطاعة الله تعالى. كما أنهم يسابقون الخيرين ليكونوا متقدمين بينهم.

كلاهما فيه معنى المبادرة والجد في الأمر وعدم البطء فيه والإقدام وعدم التواني والتقصير، إلا أن المسارعة تتعلق بذات العامل بقطع النظر عمن ينافسه في ذلك، فهو يجد ويجتهد أبلغ الاجتهاد لذاته، يحركه ما يراه من واجب عليه في ذات الأمر ... وهذا لا يكون إلا لمن علت همته وسمت اهتماماته.

أما المسابقة فتكون حال وجود قرين يسابق فتجتهد لتحصيل السبق، فيكون وجود القرين المسابق المخالف دافعًا لك لمزيد من بذل الجهد والتحري [1] .

كما يلحظ في المسارعة خشية فوات الفرصة، كما يظهر فيها جانب ضيق الوقت خشية عدم إدراكه، فهو يسارع لذلك، وفي المقابل يلحظ في المسابقة ظهور النتيجة، وهي مادية واضحة.

ومن الألفاظ المتصلة بموضوعنا:

-المبادرة، ولها أصلان في اللغة، الأصل الأول يدل على كمال الشيء وامتلائه، ومنه قولهم لكل شيء تمّ: بدر، وسمي البدرُ بدرًا لتمامه وامتلائه. والمعنى الثاني: الإسراع إلى الشيء ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدارًا} أي مسارعة، وبادر الشيء مبادرة وبدارًا أي عاجله وأسرع إليه، وبدرت دمعته إذا سبقت [2] .

وبين المعنين صلة فإنه من بادر إلى الخيرات بالإسراع والمعاجلة إليها يكون سائرًا على طريق التحقق بالكمال والتمام في شأنه كله.

-المنافسة، واشتقت من النفاسة، فيقال لكل شيء ذي خطر وشأن نفيس، والمتنافس: يبرز أعلى ما عنده فيما فيه خطر وشأن [3] ، وهي في اصطلاحهم"مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل والُّلحوق بهم من غير إدخال ضرر على غيره [4] ، ومن ذلك قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ} (26: المطففين) وهي إذن تدل على علو همة، وطلب الأعلى شأنًا، وإبراز كل ما هو نفيس ذي خطر وشأن عندك."

-العجلة، الأصل في العجلة طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهو من مقتضى الشهوة فلذلك صارت مذمومة في عامة القرآن، وفي الحديث (التأني من الله والعجلة من الشيطان) ، أبو يعلى، مسند أبي يعلى، رقم 1054 والبيهقي، السنن الكبرى، ج 10، ص 104، وهو حديث صحيح [5] ، ومن ذلك قوله تعالى: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ}

(1) ... ينظر: برهان الدين أبو الحسين إبراهيم بن عمر، البقاعي، (ت 885 هـ) ، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، بيروت، دار الكتب العلمية، 1995 م، (ط 1) ، ج 7، ص 454.

(2) ... ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج 1، ص 208 - 209. و الراغب، المفردات، ص 49.

(3) ... ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 460 - 461.

(4) ... الراغب، المفردات، ص 503.

(5) ينظر: محمد ناصر الدين الألباني، (ت 1999 هـ) ، سلسلة الأحاديث الصحيحة، عمان، المكتبة الإسلامية، 1404 هـ، (ط 2) ، رقم 1795.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت