فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
تَبُورَ ثم عقب على ذلك بقوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} "أي ثم جعلنا القرآن الذي أوحينا إليك ميراثًا منك لأمتك التي اصطفيناها على سائر الأمم وجعلناها أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس والمراد (بالذين اصطفينا) أمة الإجابة" [1] .
ويؤكد هذا أنه بعد أن ذكر سبحانه الأصناف الثلاثة قال {والذين كفروا لهم نار جهنم} مما يؤكد أن الأصناف الثلاثة على اختلاف مراتبها هم الناجون عند الله ...
قال ابن جزي:"وأكثر المفسرين أن هذه الأصناف الثلاثة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم" [2] ، واختاره الطبري وابن الجوزي في زاد المسير وأورد له ابن كثير بعض الأدلة [3] .
وعلى هذا فقد كثرت أقوال المفسرين في بيان حقيقة هؤلاء الأصناف الثلاثة حتى بلغت في مجموع أقوال العلماء نحوًا من ثلاثين قولًا [4] .
وكما ذكر في سورة الواقعة {السابقون السابقون} ذكر هنا {ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} وقوله: {ذلك هو الفضل الكبير} يكون مختصًا بهم.
وإذن فحقيقة"السابقون بالخيرات"أولئك الذين ورثوا الكتاب حق الوراثة، فلم يكونوا كمن ورثه فلم يأخذ به ولم يقم بحقه، كما قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} (169: الأعراف) .
ليتبين لنا أن ليس من شرط الوراثة مراعاة حقها [5] ، إذ الجميع ورث، لكن إنما قام بحقها على الكمال السابقون، فصدق فيهم القيام بحق الوراثة، فاستحقوا الاصطفاء التام من ربهم، واستحقوا التشريف بالنسبة إليه فكانوا عبادًا حقًا لله.
وحق لنا عندئذ أن نقول إن السابقين بالخيرات هم الذين ورد ذكرهم في سورة التوبة في آخر سورة ذكرت السابقين {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (100: التوبة) .
وإذا قارنت بين جزاء ومقام السابقين في سورة الواقعة وسورة فاطر وسورة التوبة رأيت شيئًا واحدًا مع تنوع في التفصيل والبيان، وترقٍّ، وسيأتي بيان ذلك، ويلاحظ كما أخر ذكر السابقين في الواقعة ليوصفوا بأنهم: (وقليل من الآخرين) ، أخر ذكرهم هنا، قال الزمخشري:"فإن قلت لم قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل القليل" [6] .
وذهب الزمخشري أن الثواب والجزاء المذكور في الآيات يختص بالسابقين، قال:"وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر فليحذر المقتصد وليملك الظالم لنفسه حذرًا" [7] .
وقد نوقش الزمخشري أنه يريد بذلك نصرة مذهبه في خلود أهل الكبائر في النار، ونحن لسنا
(1) ... حسنين محمد مخلوف، معاصر، صفوة البيان لمعاني القرآن، الإمارات العربية المتحدة، الأوقاف، 1981 م، ص 554. وينظر: أبو البركات عبد الله بن أحمد النسفي، (ت 710 هـ) ، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، بيروت، دار الفكر، دون تاريخ، ج 3، ص 341، والآلوسي، روح المعاني، ج 22، ص 195.
(2) ... محمد بن أحمد بن جزي، (ت 792 هـ) ، التسهيل لعلوم التنزيل، بيروت، دارالفكر، دون تاريخ، ج 3، ص 158.
(3) ... أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ) ، جامع البيان في تفسير القرآن، القاهرة، دار الحديث، 1987 م، ج 22، ص 91، وأبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي، (ت 597 هـ) ، زاد المسير في علم التفسير، بيروت، دار الفكر، 1987 م، (ط 1) ، ج 6، ص 254، وإسماعيل بن كثير، (ت 774 هـ) ، تفسير القرآن العظيم، الأردن، الزرقاء، دار المنار، 1990 م، (ط 1) ، ج 3، ص 517. والزحيلي، التفسير المنير، ج 22، ص 266.
(4) ... محمد فخر الدين الرازي، (ت 604 هـ) ، التفسير الكبير، بيروت، دار الفكر، 1978 م، ج 7، ص 45، والآلوسي، روح المعاني، ج 22، ص 196، وابن جزي، التسهيل، ج 3، ص 158.
(5) ... البروسوي، تنوير الأذهان، ج 3، ص 294.
(6) ... الزمخشري، الكشاف، ج 3، ص 309.
(7) ... المصدر نفسه.