فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
شدة التصاقه بالخيرات، وتدل على الاختصاص فهم سابقون بالخيرات لا بغيرها [1] .
أما إذا عدي الفعل بنفسه (فاستبقوا الخيرات) ففي ذلك لفت نظر إلى شدة المسابقة والمسارعة إلى التحقق ودعوة إلى سرعة المبادرة إلى هذه المسابقة، كأن الخيرات سابقة ولكن مع سبقها فإنهم استبقوها وأدركوها وتحققوا منها، ولذا قال الألوسي:"والمراد بسبقهم إلى الخيرات ظفرهم بها ونيلهم إياها، وقال: والمراد بسبقهم إياها لازم معناه وهو النيل، أي وهم ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا" [2] .
المراد بالخيرات:
الخير ما يرغب فيه الكل، كالعقل مثلًا، والعدل والفضل والشيء النافع وضده الشر، والخير المطلق ما كان مرغوبًا فيه بكل حال وعند كل أحد [3] . فهي كلمة جامعة، ثم نظر بعض أهل العلم في معنى الخيرات في ضوء سياقها الخاص، ومما ورد في ذلك:
قال الزمخشري:"فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة" [4] . وواضح أن هذا خاص بسياق تحويل القبلة. قال أبو السعود:"فاستبقوا الخيرات أي تسابقوا إليها بنزع الجار .. وهو أبلغ من الأمر بالمسارعة لما فيه من الحث على إحراز قصب السبق، والمراد بالخيرات جميع أنواعها من أمر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين، أو الفاضلات من الجهات وهي المسامتة للكعبة" [5] .
وإذا تأملنا السياقات التي ورد فيها الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات يتبدى لنا الميدان فسيحًا عامًا شاملًا:
1 -في سياق تحويل القبلة وما يترتب على ذلك من المبادرة إلى أمر الله وطاعته على أي وجه كان ومخالفة المعرضين، وحسن إقامة الصلاة على الوجه الذي فرض الله.
2 -في سياق الدعوة إلى العمل بكتاب الله والقيام بحقه والحكم به واتخاذه شرعة ومنهاجًا: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48: المائدة) . كأنه قيل: فاستبقوا إلى التحقق بالكتاب واتخاذه شرعة، منهاجًا، وحكموا كتاب الله في كل شيء، فإذا أنتم فعلتم ذلك كنتم متحققين بالخير كله.
3 -في سياق صفة الأنبياء: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (90: الأنبياء) , وفي ذلك بيان أن كل ما دعا إليه الأنبياء خير، وكل أحوالهم خير، والإقتداء بهم هو الخير، ومن ثمراته الإقبال على الله بالعبادة والدعاء رغبًا ورهبًا ومن ثم التحقق بالخشية الكاملة.
(1) ... ينظر الزمخشري، الكشاف، ج 3، ص 309، والبروسوي، ج 3، ص 249، والألوسي، ج 22، ص 196، وابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 22،ص 313.
(2) ... الألوسي، روح المعاني، 18، ص 45.
(3) ... الراغب، مفردات ص 167.
(4) ... الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 322.
(5) ... أبو السعود، ج 1، ص 177.