الصفحة 22 من 39

تحليهم بها سبب هذه الشهادة العظيمة لهم من الله، وهذا الثناء {أولئك يسارعون في الخيرات} .

ثم إن استجلاء هذه الصفات يرسم لنا منهجًا متكاملًا لمن أرد أن يكون من المتحققين بالمسارعة إلى الخيرات ليكون من المؤمنين حقًا.

كما تبين لنا هذه الصفات أن من يسارع إلى الخيرات لا بد أن تظهر ثمرات ذلك في حياته وسلوكه، وهذه الثمرات هي التحقق بهذه الصفات، وما أجمل أن يأتي ذكر هذه الصفات والخصائص في سورة"المؤمنون"فما هي هذه الصفات والخصائص:

أ. الخشية من الله سبحانه: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} ، والخشية من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمنون السابقون المتحققون بمراد الله، كيف وهي صفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه، ولا يخشون أحدًا إلا الله، وكفى بالله حسيبًا} (39: الأحزاب) .

وهي الصفة التي أهلتهم للقيام بحق التبليغ عن الله سبحانه وصفة من تحقق بالتزكية للنفس التي هي وظيفة الأنبياء {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه، وإلى الله المصير} (18: فاطر) ، وهي صفة العلماء {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (28: فاطر) ، وهي صفة خير البرية المتحققين بالإيمان والعمل الصالح بشهادة رب العالمين لهم {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه} (7 - 8: البينة) ، فما هي الخشية؟ هي"خوف يشوبه التعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى" [1] أو هي:"أشد الخوف" [2] .

وهذا يفيد تمكن هؤلاء المتحققين بالخشية من هذه الصفة، لما أنها مبنية على العلم، وليست مجرد مشاعر طارئة.

وإذا كان الخوف توقع مكروه، فالخوف من الله: اتقاء كل ما يكون سببًا لعقابه، وهو دافع للتحقق بكل ما يكون سببًا لمرضاته [3] .

فإذا جمع إلى ذلك تعظيم الله وإجلاله ومهابته؛ أورث كل ذلك ارتقاءً بالعبد نحو مراد الله على الوجه الأكمل.

ب. الإشفاق: {من خشية ربهم مشفقون} ، والإشفاق أصله من الشفق،"وهو اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس، قال تعالى {فلا أقسم بالشفق} (16: الانشقاق) ، والإشفاق: عناية مختلطة بخوف، لأن المشفق يحب المشفَق عليه ويخاف ما يلحقُه" [4] .

"أو هو خوف يحمل صاحبه على تجنب أسباب الخشية بالعمل الصالح"وإذن لكمال تحقق هؤلاء المؤمنين بالخشية ظهر فيها عناية تامة منهم بمراد الله، مع الخوف منه سبحانه خوفًا

(1) الراغب، المفردات، ص 155.

(2) محمد متولي الشعراوي، معاصر، تفسير الشعراوي، القاهرة، أخبار اليوم، بلا تاريخ، ج 16، ص 10063.

(3) ينظر: الراغب، المفردات، 166، ومخلوف، صفوة البيان، 440، والشعراوي، ج 16، ص 10016.

(4) الراغب، المفرادات، 267، والآلوسي، روح المعاني، 18، ص 43، والشعراوي، ج 16، ص 10016.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت