وابن حجر رحمه الله مؤكّدٌ، ومؤيّدٌ ما صرّح به القرطبي حيث قال ما نصه:"وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك [1] ". أي اعتبر ابن حجر رحمه الله الاستسلام بوقوع شق الصدر من الأمور الواجبة على المسلم. وأكّد هذا الموقف العلامة ابن عاشور رحمه الله قائلًا:"قد كان ذلك الشق معجزة خارقة للعادة [2] ".
لقد ردّ السيد محمّد رشيد رضا شق صدره - صلى الله عليه وسلم -، حيث أَوَّلَ المراد بشق الصدر بالتطهير من كل ما لا يليق بمنصبه الأعلى من الشهوات، والأهواء التي هي موضوع وسوسة الشيطان، وأن ذلك الشق المذكور هو مجرد رؤية رآها النبي في المنام، كرؤية يوسف عليه السلام، وكرؤية التي أوّلها لصاحبيه عند ما كانوا في السجن [3] .
هكذا بكل سهولة ينكر السيد محمد رشيد رضا معجزة شق صدر مصطفى عليه الصلاة والسلام، ويؤوّله بأن ذلك رؤية ليس حقيقة، وهذا الإنكار يؤدي إلى إنكار ما ثبت في الصحيحين-البخاري ومسلم، وهي شيء خطير عواقبه.
وفي موضع آخر من مجلة المنار يقول السيد رشيد ما نصه:"أما شق الصدر وملؤه إيمانًا، فحقيقته غلبة أنوار الملكية وانطفاء لهب الطبيعة وخضوعها لما يفيض عليها من عالم القدس [4] ".
لقد ردّ علماء الإسلام الجهابذة على فهم ذي عوج للسيد محمّد رشيد رضا لشق صدره - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق كل شيء، وهو خلاَّق عليم، وهي يحي ويميت، فكيف يعجز أن يجري هذه المعجزات لحبيبه وخليله وخيرة خلقه محمّد بن عبد الله القرشي - صلى الله عليه وسلم -.
(1) المرجع نفسه.
(2) التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، (بيروت: مؤسسة التاريخ العربي، ط 1، 1420 هـ/2000 م) ، ج 30، ص 361.
(3) ينظر: مجلة المنار، لرشيد رضا، ج 33، ص 276.
(4) مجلة المنار، لرضا، ج 14، ص 731.