فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 23

وفي هذا يردّ فخر الدين محمد الرازي على فهم السيد محمد رشيد رضا بصرف شق الصدر عن حقيقته، حيث قال:"فلا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول عليه السلام علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي، ويحجم عن الطاعات فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لكون صاحبه مواظبًا على الطاعات محترزًا عن السيئات، فكان ذلك كالعلامة للملائكة على كون صاحبه معصومًا وأيضًا، فلأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد [1] ".

وفي هذا النص تصريح واضح بأن صدره - صلى الله عليه وسلم - شُق ثم غُسل وأُزيل الدم الأسود منه، ليكون مبتعدًا عن جميع المعاصي ومقبلًا على جميع الطاعات، وهو يستحق بذلك لأنه معصوم، والمعصوم ينبغي أن يكون غير متصف بكل ما يُخيل به المروءة، فناسب شق صدر النبي عليه الصلاة والسلام.

وأقوى الرد على فهم السيد محمد رشيد رضا، بأن أنس - رضي الله عنه - الصحابي الجليل، قال ما نصه: «وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره [2] » ، وكفى بهذا دليلًا، وردًا على من يشكك في شق صدره - صلى الله عليه وسلم -، ويؤوّله على وجه غير مراد به من الشرع، وعند علماء السلف.

لقد عرض الباحث شيئًا من النصوص الواردة بخصوص شق صدر - صلى الله عليه وسلم -، وعليه، فإن الإمام القرطبي رحمه الله أثبت شق الصدر، كغيره من علماء السلف، وأما أهل مجلة المنار فعلى رأسهم السيد محمد رشيد رضا رحمه الله كلّف نفسه فيما لا كلفة فيه، حيث فسّر شق الصدر بما لم يفسر به أحدٌ قبله من علماء الشريعة. وهذا مرور عليه، لمخالفته للحديث الصحيح في الصحيحين، وكذلك لمخالفته لعلماء سلف هذه الأمة المحمديّة، وأيضًا، لم يذكر السيد رضا أيًا دليل وبرهان على هذا التفسير السقيم.

(1) مفاتيح الغيث، فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1421 هـ/2000 م) ، ج 32، ص 4.

(2) صحيح مسلم لمسلم، ج 1، ص 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت