وقال حافظ الحكمي رحمه الله:"وانشقاق القمر من معجزات نبينا بمكة من قبل أن يهاجر إلى المدينة [1] ". وقال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله:"وانفلق القمر فلقتين على جبل أبي قبيس [2] ".
وكما من دأب السيد محمّد رشيد رضا، أن يردّ وينكر ويرفض كل ما يخالف عقله، أو لا يتناسب مع العصر الذي هو عائش فيه، فهذا غير مقبول وغير منطق؛ لأن آيات الله تعالى لا تأتي دائمًا لتوافق على رغبات البشر، فإذا كان كذلك ما الحكمة من الغيبيات؟
وعلى هذا فإن السيد رضا، يفسر آية انشقاق القمر لما يتوافق مع هواه حيث يقول:"في معنى قوله تعالى: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} ، بمعنى طلع وانتشر نوره، ويكون في الآية بمعنى ظهر الحق ووضح كالقمر يشق الظلام بطلوعه ليلة البدر [3] ".
وبدأ السيد محمد رضا يردُّ الثوابت في قضية انشقاق القمر، وأورد الأحاديث الواردة بهذا الخصوص، ثم بدأ برد هذه الأحاديث بفهمه الخاطئ، أسرد هنا بعض نصوص رشيد رضا، حيث يقول رشيد رضا:"زعم بعض العلماء المتقدمين أن الروايات في انشقاق القمر بلغت درجة التواتر وهو زعم، باطل كقول ابن عبد البر [4] ".
لاحظ السيد رشيد رضا يبطل قول ابن عبد البر، وروايات الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يدري أن قوله في غاية البطلان، وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه هذه الحادثة، ألا يكفي مسلم الرواية الثابتة عن ابن مسعود.
ويواصل السيد رشيد رضا فهمه الغريب حيث يقول أيضًا:"ومن المعلوم بالبداهة أن انشقاق القمر أمر غريب، بل هو في منتهى الغرابة ... وانشقاق القمر غير معهود في زمن من الأزمان، فهو محال عادة، وبحسب قواعد العلم ما دام نظام الكون ثابتًا، وإن كان ممكنًا في نفسه لا يعجز الخالق تعالى إن أراده، فلو وقع لتوفرت الدواعي على نقله بالتواتر لشدة غرابته عند جميع الناس في جميع البلاد ومن جميع"
(1) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، حافظ بن أحمد حكمي، (الدمام: دار ابن القيم، ط 1، 1410/ 1990 م) ، ج 2، ص 689.
(2) أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، ج 4، ص 170.
(3) مجلة المنار، لرشيد رضا، ج 30، ص 261.
(4) المرجع نفسه.