وقال القرطبي رحمه الله في حادثة الفيل ما نصه:"قال علماؤنا: كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت قبله وقبل التّحدي؛ لأنها كانت توكيدًا لأمره، وتمهيدًا لشأنه [1] ". فهذا نص صريح من الإمام القرطبي رحمه الله بأن قصة الفيل تعتبر معجزة من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام.
أسوق نص القائل -الأستاذ الإمام محمد عبده-ليتضح القول وموقفه أكثر من تفسير السورة:"وقد بيَّنت لنا هذه السورة الكريمة، أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش، بواسطة فِرَق عظيمة من الطير مما أرسله الله مع الريح، فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض، أو الذباب الذى يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذى تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه، فأثار تلك القروح التي تنتهى بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يُعَد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وإن هذا الحيوان الصغير الذى يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها، وهو فِرَق وجماعات لا يحصى عددها إلا بارئها، ولا يتوقف ظهور أثر قُدرة الله تعالى في قهر الطاغين على أن يكون الطير في ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصة به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها فلله جند من كل شيء [2] ".
فموقف القرطبي رحمه الله في المعجزات واضح وجلي فلا يحتاج إلى النقاش كما هو نفسه صرّح بأن حادث الفيل معجزة من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام.
(1) ينظر تفسير القرطبي، للقرطبي، ج 20، ص 195.
(2) الأعمال الكاملة، لمحمد عبده، (بيروت: مؤسسة عربية، د. ط، 1979 م) ، ج 5، 504 - 505. وقد نقل عنه سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي نفس النص في ظلال القرآن، ج 8، ص 101؛ التفسير والمفسرون، لدكتور محمد حسين الذهبي، (القاهرة: دار الحديث، د. ط، 2005 م) ، ج 5، ص 34.