فهرس الكتاب
وفي هذا النص قد صرّح الطبري رحمة الله تعالى بثبوت الإسراء والمعراج، وكذلك رجحان القول بأن النبي أسري به بروحه وجسد، وقطع لسان كل زاعم بأنه أسري به بروح دون جسد، واعتبر ذلك الطبري رحمه الله مخالفة لقول الله، ومخالفته كفر به تعالى، ثم لو أخذنا بالمفهوم المخالف لقلنا أن من خالف ثبوت الإسراء والمعراج ليس هو على الفطرة الصحيحة، فليحذر الذين يخالفون أخبار الله تعالى، ومعجزات سبحانه وتعالى، أن يصيبهم هلاك قبل يوم الجزاء والحساب.
وقال الشيخ سيد قطب رحمه الله تعالى:"أن الأحاديث ما دامت صحيحة في الإسراء والمعراج، فلا إشكال في قبول ما فيها من الحوادث العجيبة وإن لم تدركه عقولنا، ولا نحتاج إلى خوض الجدال الطويل هل كان يقظة أو منامًا. يقول:"على أننا لا نرى محلًا لذلك الجدل الطويل الذي ثار قديمًا، والذي يثور حديثًا حول طبيعة هذه الواقعة المؤكدة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسافة بين الإسراء والمعراج بالروح أو بالجسم، وبين أن تكون رؤيا في المنام أو رؤية في اليقظة، المسافة بين هذه الحالات كلها ليست بعيدة؛ ولا تغير من طبيعة هذه الواقعة شيئًا، وكونها كشفًا وتجلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أمكنة بعيدة وعوالم بعيدة في لحظة خاطفة قصيرة، والذين يدركون شيئًا من طبيعة القدرة الإلهية ومن طبيعة النبوة لا يستغربون في الواقعة شيئًا [1] "."
ثم السيد محمد رشيد رضا نفسه يردُّ على نفسه في مجلة المنار، وذلك بتناقض كلامه في حادثة الإسراء والمعراج، حيث قال ما نصه:"الإسراء ثابت بنص القرآن فهو قطعي، والمعراج روي من طرق متعددة في الصحيحين وغيرهما تدل جملتها على صحة أصله، على ما فيها من التعارض والاختلاف في كونه وقع في اليقظة أم في المنام، وهما على كل حال من الأمور الغيبية الخارقة للعادة، ويقربهما من العقل أن روح النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لها السلطان على جسده في تلك الليلة، فلطفت جسده الكثيف، فكانت كالجسد الذي كان يتمثل به الروح الأمين في صورة دحية الكلبي، فأمكنها أن تعرج معه بمثل قوته التي لا تقِلّ عن قوة الكهرباء [2] ". فيكف يثبت المعراج وينفي الإسراء، وفيما مضي نفي هما معًا فهذا تناقض.
(1) في ظلال القرآن، لسيد قطب، ج 5، ص 3.
(2) مجلة المنار، لرشيد رضا، ج 32، ص 735.