الصفحة 22 من 50

إن من أهم المباحث التي يستدعيها الحديث عن"عربيّة القرآن المجيد"، ولا يسع الباحث تجاوزها، المسألة التي عرفت بمسألة"المعرَّب والدخيل"في القرآن، فمع أن"عربيَّة القرآن"جملةً وتفصيلًا قضية مسلمة ومعلومة بالضرورة بحيث جرى إلحاقها بالبديهيات الخارجة عن مجالات النظر العقلي وغيره، لكن جدلًا كبيرًا قد دار في الدراسات القرآنية والمعارف اللسانَّية العربيَّة بين المتقدَّمين وبقي حيًّا ينزل من جيل لآخر حتى ولج ساحته الباحثون المتأخرون حول ما إذا كان في القرآن المجيد"ألفاظ دخيلة، أو مولَّدة أو معربَّة"!! وقد انقسم المتناولون لهذه المسألة فريقين: فريق رفض رفضًا قاطعًا فكرة وجود أية كلمة معرَّبة أو مولَّدة أو دخيلة في القرآن الكريم، وقد تصدر هذا الفريق ونطق باسمه، ومثّله أفضل تمثيل الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: 204 هـ) وانضم إليه أبو عبيد القاسم بن سلام (ت:210 هـ) والطبري (ت: 310 هـ) وغيرهم، وقد استند هذا الفريق إلى آيات الكتاب الكريم التي وصف بها نفسه"بالعربي"، وحملوها على معنى اللسان العربيّ، واعتبروا الوضوح والبيان والإفصاح التي وردت في المعنى الثاني لكلمة"عربّي"خاصّيّة من خواصّ اللسان العربيّ. وقد نصَّ هذا الفريق: على أنَّ جميع الألفاظ التي ظنّ البعض أنها دخيلة إما أن تكون ألفاظًا عربية اقتبستها اللغات الأخرى من العربية، لا العكس، وإما أن تكون قد توافقت فيها العربية مع غيرها من قبيل الاتفاق والمصادفة، وهو أمر شائع في اللُّغات، خاصة تلك التي تنتمي إلى أسرة واحدة مثل:"أسرة اللُّغات السامِيَّة". فإذا وجدت كلمة يمكن أن تجد لها في اللغات الأخرى جذرًا أو أصلًا لا تجده في العربية، فذلك يعني أن توافقًا قد حصل بين العربية وبين تلك اللغة [1] .

أما الفريق الآخر فقد رأى أن هناك ألفاظًا معدودة استعملها القرآن الكريم وهي ذات أصول غير عربية، ولذلك عُدّت من الدخيل أو المولَّد، وأنّ قلَّتها لا تجعل وجودها معارضًا لدلالة النصوص التي دلت على"عربيَّة لغة القرآن"، وقد أُلفت بعضُ الكتب من هؤلاء لتناول تلك الكلمات وبيان جذورها وأصولها غير العربية، منها:"لغات القرآن"للفرّاء (ت: 206 هـ) ، و"لغات القرآن"لابن قريب الأصمعي (ت: 216 هـ) ، وبعض كتب أخرى ذكرها ابن النديم (ت: 385) في الفهرست [2] . ومع أن المسألة لم تكن مثارة أو متداولة بقوة قبل

(1) - انظر المحصول"1/ 298 وما بعدها".

(2) - راجع: الفهرست، لابن النديم، بيروت: دار المعرفة، 1994.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت