العالم كله وبين البشر أجمعين: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} "التوبة:33"، ويصبح القرآن مرجع البشرية بلا منازع.
إن من الواضح أنَّ أبا إسحاق قد برزت في عهده مخالفات خطيرة وزُلزل المؤمنون في عهده زلزالًا شديدًا، وابتليت الأمة بفتن داخلية وغزو خارجي؛ فلذلك كتب كتابيه المهمّين"الاعتصام"، و"الموافقات". في الأول وقف ضد البدع بكل أنواعها، وأكّد على أن إنقاذ الأمة يتوقف على عودتها إلى التمسك بكتاب الله تعالى، والاعتصام به وبسنة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فكان بمثابة المقدمة التي أراد أن يقيم عليها إعادة بناء الشريعة كما يفهمها أو منهجه التجديديّ ومشروعه للتجديد كما يليق به أن يُسمَّى؛ ولذلك فإن الكتابين في حاجة إلى إعادة قراءة في ضوء"علم اجتماع المعرفة"، فذلك هو الذي سيساعد على فهم شخصيَّة الشاطبي ومشروعه التجديديّ، وأطروحاته التي حفل بها الكتابان المذكوران.
ولأن هذه الدراسة -في حد ذاتها- مشروع مستقل لا يتسع لمناقشة كل تلك التفاصيل فإنَّه لا يسعنا إلا انتظار الأستاذ الذكيّ أو الباحث النجيب ليقوم بتلك الكماقشات التفصيليّة، لكننا نبادر بالقول: إن أطروحة أبي إسحاق حول حصْر فهم القرآن المجيد والسُّنّة المطهرة"بمعهود لسان العرب وأساليبهم في التخاطب"في إفهام عصر التنزيل، وعدم قبول الأفهام المستحدثة بعد ذلك، وكذلك أطروحته حول أميّة الشريعة تبعًا لأمّيّة الأمّة، وعدم جواز فهم معانٍ متعمقة من وراء النَّصّ، هاتان الأطروحتان -إضافة إلى قضايا أخرى- حفل بها كتابا أبي إسحاق إن هما إلا رد فعله تجاه التأويلات الفلسفية، والتفسيرات الباطنيَّة، والاعتبارات الرمزيَّة والإشارات التي حفل بها عصره، وبعض العقود التي سبقته. فأراد بموقفه المتصلِّب ذلك أن يغلق الطريق أمام أصحاب تلك التأويلات؛ ولذلك كان في مواقفه -خاصةً في هاتين القضيتين- ما هو جدير بالمناقشة.
وقد ناقش ابن عاشور في تفسيره مقولة الإمام الشاطبي تلك مناقشة مستفيضة، وذلك في مقدمته الرابعة من مقدمات تفسيره، نورد منها قوله [1] : ..."ولاشك أن الكلام الصادر عن علام الغيوب -تعالى- لا تنبني معانيه على فهم طائفة واحدة، ولكن معانيه تطابق الحقائق، وكل ما كان من الحقيقة في علم من العلوم وكانت الآية لها اعتلاق بذلك، فالحقيقة العلمية مرادة بمقدار ما بلغت إليه أفهام البشر وبمقدار ما ستبلغ إليه. وذلك"
(1) - راجع تفسير التحرير والتنوير، ابن عاشور، تونس، الدار التونسية، 1983، ج 1، ص 44 - 45.