الصفحة 34 من 50

ه. لقد استخدم رسول الله -صلى الله عليه وآله سلم- أسرى قريش وأهل مكة لتعليم أهل المدينة -وهم مزارعون- (ومعهم غير القادرين على الكتابة من أصحابه) ، القراءةَ والكتابةَ، وذلك يدلّ على شيوع الكتابة في قريش وأهل مكة، وحرص رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم- على إشاعتها بين المسلمين كافّة في المدينة وغيرها كذلك.

ربما اغتر بعض الكاتبين بوصف"الجاهلية"الذي شاع بعد الإسلام ليوصف به"أهل الفترة"، والجاهلية مصطلح قرآني لم يستعمل للدلالة على الجهل بمعنى عدم القراءة والكتابة، بل الجهل المقابل للحِلْم أو هو: معنى يحمل الإنسان على إيقاع أفعاله على غير نظام، أو على فعل الشيء بخلاف ما حقُّه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا [1] ؛ ولذلك قال سبحانه {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} "الفتح:26". و"الحميّة"هنا من الغضب للشخص أو عليه، يقال:"حميت على فلان"بمعنى إذا: غضبت عليه،"وحميت لفلان": غضبت له ولأجله [2] "فالجاهليَّة"وصف لقوم لم يتلقوا رسالة، ولم يرسل إليهم رسول فابتدعوا ما شاؤا مما لم يأذن به الله.

ولعل ما قدمناه يرجِّح أن المراد"بالأميين"العرب ومَنْ إليهم من الشعوب التي لم ينزل عليها كتاب ولم يأتهم رسول من قبل. ومن هنا نجد أن الخطاب القرآنيَّ قد تدرج بشكل دقيق؛ فأخرج العرب من أميَّتهم، وجعلهم قاعدة ومنطلقًا لهذه الرسالة، فلم ينتقل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلَّم- إلى الرفيق الأعلى إلا وجزيرة العرب -كلُّها- قد غمرها نور الإسلام لينطلق حَمَلَةُ الرسالة الأوّلون -بعد ذلك- لدعوة الشعوب الأميِّة الآخرين من فرس وترك وبربر وأكراد وهنود ومَنْ إليهم.

أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التصديق على الكتب السابقة والهيمنة عليها، وإخراج أهل الكتاب من التحريفات التي أضافوها إلى كتبهم ونسبوها إلى الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} "البقرة:79". وحين يتم ذلك يكون القرآن المجيد قد قام بتجديد وبناء وإعادة بناء"الدين كله"، وآنذاك يصبح الدِّين كما جاء القرآن به ظاهرًا على الدين كله في

(1) - راجع المفردات للأصبهاني ص 102.

(2) - المصدر السابق، وكذلك راجع ما أورده د. عبد العزيز الدوري في"التكوين التاريخي للأمة العربية"حول البداوة في مواضع متعددة ومنها خاتمة الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت