المؤونة ... وبطلت فضيلة العالم على الجاهل المجتهد الناظر على المهمل القصر، وبطل معنى ما قصده تعالى بقوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (آل عمران: 7) .
ولم يك هذا التعظيم لشأن أهل العلم والتفخيم والإشادة بذكرهم والنص على تفضيلهم معنى.
وقد يمكن أيضًا أن يكون تعالى إنما أنزل هذه على هذا الوجه، وأمر بإثباتها كذلك لبعث سلف الأمة وخلفها على حفظ كتابه وتأمل ألفاظه، أو التبحر في معانيه وإنعام النظر في وجوهه ومبانيه وطرق إعرابه والفحص عن باقي ألفاظه ..
فيصيروا بذلك إلى ملازمة دراسته وكثرة تصفحه وتعرف حال ألفاظه وحروفه وشدة ضبطه وتكرار الفكر فيه، والاعتبار لألفاظه ومعانيه، والإحتجاج لما طعن فيه، والتنبّه على وجه المخرج منه، ويكون هذا أدعى الأمور لهم إلى حفظه وحراسته والإحاطة به، وإطالة الفكرة فيه والتتبُّع له والتوقف عند كل شيء منه، ورد بعضه إلى بعض، واعتبار اللفظ بمثله وقياسه على نظيره ...
ولو أخلاهم سبحانه من أحرف فيه غريبة ووجوه غير مألوفة عند كثير منهم يحتاج فيها إلى طلب الوجه والمخرج لعدل القوم عن الدرس والحفظ والبحث والتأمل، وشغلوا عن مؤونة الاحتجاج وتكلف النظر والاستدلال ..." [1] ."
وبمثل هذا ينزه كلام الله تعالى من المطاعن ويرفع عن المشائن من كلام الجهال وأهل الهوى والفسق والمهائن.
ولعل المثاليْن اللذْين قدمناهما في دراسة وتحليل مفهوم"الأميّ"ومفهوم"الرجاء"في القرآن يقدّمان لنا معالم في طريق بناء هذا القاموس المفاهيمي؛ لعل ما عرضناه من نماذج الفهم، يوضح بعض الأدوات المطلوبة لتجاوز الإنسان عوامل عجزه وقصوره وهو يقرأ القرآن ليبلغ مستوى التلاوة والترتيل والتدبُّر والتفكّر والتذكر. ويبرز في الوقت نفسه الأهميَّة البالغة لإدراك"الوحدة البنائيَّة"للقرآن المجيد سائلين العليَّ القديرَ التوفيقَ، وأن يجعل القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلوبِنا وجلاء همومنا وأحزاننا. إنّه سميع مجيب.
(1) انظر الانتصار للقرآن ص 2/ 165 - 170 طبعة الرسالة.