أما قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} (طه: 63) إن هذه لغة قوم من العرب خلاف قريش هم"بلحارث بن كعب"يجرون وينصبون المثنى بالألف سواءً فيقولون: أرضعتْ غلامان، وأخذتُ درهمان، ومررت برجلان فألف المثنى عندهم فيه صورة البناء.
-فكيف فاتت هؤلاء أن ينظروا في تراث العرب اللغوي؟ إنّهم لو فعلوا لما وقعوا فيما وقعوا فيه من عمى.
وأما قوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء} فإنه منصوب على المدح وهذا معمول به في لغة العرب نثرًا وشعرًا. وكذا يجوز أن يكون النصب على المفعولية"لآتي"أي: و"آتي المال الصابرين".
وأما قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ} يقال فيه مثل ما قيل في سابقه من القول، وأن قطع النعوت أشهر في لسان العرب. وهو باب واسع ذكر عليه شواهد سيبويه وغيره. كما قال"أبو حيان في البحر عند آية سورة النساء (162) من تفسيره."
وأما قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ} (المائدة: 69) فإن"َالصَّابِئِونَ"في الآية مرفوع بالإبتداء أي: والصائبون كذلك أو أنه مرفوع على العطف على الإسم ومحله قبل دخول إن عليه ثم إن هذا كلام الله هكذا أنزله وعلى ما نزل به يجب أن توضع القواعد وليس لأحد أن يضع قواعد ثم يفرضها على كلام الله فهو مخالف لكلام المخلوقات لا شك في ذلك.
وأما قوله تعالى: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن} فالفعل حقه النصب على لغة القوم القاصرة. أمّا في"لسان القرآن"وكلامه فالجزم جائزٌ عطفًا على الفعل المجزوم قبله وذلك في جواب الأمر والمعنى إن أخرتني أكن -أخرني أكن. وهكذا.
وتبقى الفائدة في ورود هذه الكلمات على هذه الأوجه:
للتنبيه على أنَّ كلام الله -تعالى- ليس كسائر الكلام ولابد أن يفهم ذلك عند تلاوته فهو معجز في كل شيء فيه حتى في سياقاته ودلالات ألفاظه وإعرابه وقواعد لسانه قبل إعجاز ألفاظه نفسها. وليس إعجازات القرآن -كلها- قد تكشفت للناس؛ لأنه سيتكشف للناس على مر الزمان إلى أن تقوم الساعة: قال القاضي الباقلاني في ذلك"ولو أنزل الله تعالى جميع كتابه بالأحرف الظاهرة، وما يستوي في معرفته الخاصة والعامة لبطلت هذه الفضيلة وزالت"