فصل
قال القرطبي:
قوله تعالى: {مرضى} المرض عبارة عن خروج البدن عن حدّ الاعتدال والاعتياد، إلى الاعوجاج والشذوذ.
وهو على ضربين: كثير ويسير؛ فإذا كان كثيراً بحيث يخاف الموت لبرد الماء، أو للعلة التي به، أو يخاف فوت بعض الأعضاء، فهذا يتيمم بإجماع؛ إلا ما رُوي عن الحسن وعطاء أنه يتطهر وإن مات.
وهذا مردود بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقوله تعالى: {وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ} .
وروى الدّارَقُطْنِيّ عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس في قوله عز وجل: {وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ} قال: إذا كانت بالرجل الجِراحة في سبيل الله أو القروح أو الجُدَرِيّ فيَجْنَب فيخاف أن يموت إن اغتسل، تَيمَّم.
وعن سعيد بن جُبير أيضاً عن ابن عباس قال: رُخِّص للمريض في التيمم بالصَّعيد.
وتيمّم عمرو بن العاص لما خاف أن يَهلِك من شدّة البرد ولم يأمره صلى الله عليه وسلم بغسلٍ ولا إعادة.
فإن كان يسيراً إلاَّ أنه يخاف معه حدوثَ علة أو زيادَتها أو بطء بُرْءٍ فهؤلاء يتيمّمون بإجماع من المذهب.
قال ابن عطية: فيما حفظت.
قلت: قد ذكر الباجِيّ فيه خلافاً؛ قال القاضي أبو الحسن: مثل أن يخاف الصحيح نَزْلَةً أو حُمّى، وكذلك إن كان المريض يخاف زيادة مرض؛ وبنحو ذلك قال أبو حنيفة.
وقال الشافعيّ: لا يجوز له التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف التلف؛ ورواه القاضي أبو الحسن عن مالك.
قال ابن العربيّ:"قال الشافعيّ لا يباح التيمم للمريض إلا إذا خاف التلف؛ لأن زيادة المرض غير متحققة؛ لأنها قد تكون وقد لا تكون، ولا يجوز ترك الفرض المتيقن للخوف المشكوك."