قوله جل قوله: (مَاذَا) كلمة معهودها أن تقال عند النصيحة، والحض على
امتثال الأمر الذي لا كلفة فيه، ولا كبير تجشم على فاعله، يحد بذلك الفعل حظا
وغنمًا، وهو من الأعلى تأنيب ووعظ وتقرير وثبات للأمر، يشوب ذلك رحمة، ومن
الأسفل استعطاف واسترحام.
وقوله - عز وجل -: (وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا) أي: بما يكون منهم، كما جاء عنه - جلَّ جلالُه -:
"اعبدني ولا تشرك بي شيئا أغفر لك على ما كان منك"وجملة هذا الخطاب
رجاء فوز بغفران تبرق أنوار الجناح على أسارير وجهه، ويراح منه ريح الإيمان
رانحة الظفر بالمنى.
ألا تسمعه - جلَّ وتعالى - سرد عليه خطابه الكريم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) أي: من إيمانهم ونياتهم، وإنفاقهم وأعمالهم إن يكن المثقال ذرة
الذي يفضل وزن السيئات حسنة، يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا، وهو الجنة
ورضوانه الأكبر.
الوزن موطنان، والله أعلم بما وراء ذلك:
الأول منهما: وزن الإيمان بالكفر، فالمؤمنون تثقل موازينهم في هذا الوزن،
فأولئك هم المفلحون والكافرون تخف موازينهم، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي
جَهَنَّمَ [خَالِدُونَ] (103) . خسروا أنفسهم وأهليهم ومنازلهم من الجنة، وربما كان معنى قوله -
جل قوله - في الذين كفروا: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105) .
ثم الثاني: وزن الأعمال حسنها بسيئها فمن رجح ميزانه بحسناته فقد فاز، ومن
قام ميزانه عدلا، فذلك يجوز الصراط على ما هو به، إذ ليس له عمل يحمله،
ويوقف في أصحاب الأعراف إن لم يعف الله عنه ويزده من فضله، إذ ليس له عمل
يدخل به الجنة، وآخره إلى خير بفضل من الله جلَّ ذكره.
ومن رجحت سيئاته جعل على ظهره ثقل ما زاد من أوزاره على حسناته،
فالكافر يحمل أوزاره كلها، إذ لم تكن له حسنة تجزئ، والموحدون من ذلك على
درجات إلى موضع العدل من الوزن.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ