«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّ قوله (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) يرجع إلى قَوْلِهِ (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) لَا إِلَى قَوْلِهِ (يَنْهَوْنَ عَنْهُ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يَبْعُدُونَ عَنْهُ بِمُفَارَقَةِ دِينِهِ، وَتَرْكِ الْمُوَافَقَةِ لَهُ وَذَلِكَ ذَمٌّ فَلَا يَصِحُّ مَا رَجَّحْتُمْ بِهِ هَذَا الْقَوْلَ؟
قُلْنَا: إِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) يَرْجِعُ إِلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فَلَانًا يَبْعُدُ عَنِ الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ وَيَنْفُرُ عَنْهُ وَلَا يَضُرُّ بِذَلِكَ إِلَّا نَفْسَهُ، فَلَا يَكُونُ هَذَا الضَّرَرُ مُتَعَلِّقًا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.
(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يَا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(27)
قَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَعْنَى (وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وُقِفُوا عِنْدَهَا وَهُمْ يُعَايِنُونَهَا فَهُمْ مَوْقُوفُونَ عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا وُقِفُوا عَلَيْهَا وَهِيَ تَحْتُهُمْ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ وُقِفُوا فَوْقَ النَّارِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ فَوْقَ جَهَنَّمَ.
وَالثَّالِثُ: مَعْنَاهُ عَرَفُوا حَقِيقَتَهَا تَعْرِيفًا مِنْ قَوْلِكَ وَقَفْتُ فَلَانًا عَلَى كَلَامِ فُلَانٍ أَيْ عَلَّمْتُهُ مَعْنَاهُ وَعَرَّفْتُهُ.
وَفِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ: وَهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي جَوْفِ النَّارِ، وَتَكُونُ النَّارُ مُحِيطَةً بِهِمْ، وَيَكُونُونَ غَائِصِينَ فِيهَا وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أُقِيمَ (عَلَى) مَقَامَ (فِي) وَإِنَّمَا صَحَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، أَنْ يُقَالَ: (وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) لِأَنَّ النَّارَ دَرَكَاتٌ وطبقات، بعضها فَوْقَ بَعْضٍ فَيَصِحُّ هُنَاكَ مَعْنَى الِاسْتِعْلَاءِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَلِمَاذَا قَالَ (وَلَوْ تَرى) ؟
وَذَلِكَ يُؤْذِنُ بِالِاسْتِقْبَالِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ إِذْ وُقِفُوا وَكَلِمَةُ إِذْ لِلْمَاضِي ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ، فَقَالُوا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْمَاضِي؟