فهرس الكتاب
فَقِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّه؟
قَالَ: «سُرُورُ يَوْمٍ بِتَمَامِهِ» .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: هَبْ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ وَالطَّيِّبَاتِ فِي الْغَدِ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْمَنَافِعَ مُنْقَرِضَةٌ ذَاهِبَةٌ بَاطِلَةٌ، وَكُلَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْمَنَافِعُ أَقْوَى وَأَلَذَّ وَأَكْمَلَ وَأَفْضَلَ كَانَتِ الْأَحْزَانُ الْحَاصِلَةُ عِنْدَ انْقِرَاضِهَا وَانْقِضَائِهَا أَقْوَى وَأَكْمَلَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْمُتَنَبِّي:
أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالَا
فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ سَعَادَاتِ الدُّنْيَا وَخَيْرَاتِهَا مَوْصُوفَةٌ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ الْعَظِيمَةِ، وَالنُّقْصَانَاتِ الْكَامِلَةِ، وَسَعَادَاتِ الْآخِرَةِ مُبَرَّأَةٌ عَنْهَا، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْآخِرَةَ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ وَأَبْقَى وَأَتْقَى وَأَحْرَى وَأَوْلَى.
* اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ عَلَى وُجُوهٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الْجَنَّةُ، وَإِنَّهَا خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ نَفْسُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ.
وَقَالَ الْأَصَمُّ: التَّمَسُّكُ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ خَيْرٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: نَعِيمُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا، مِنْ حيث إنها كانت بَاقِيَةٌ دَائِمَةٌ مَصُونَةٌ عَنِ الشَّوَائِبِ آمِنَةٌ مِنَ الِانْقِضَاءِ وَالِانْقِرَاضِ.
(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33)
ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُمْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّه، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَوْمَ مَا كَانُوا يُكَذِّبُونَهُ فِي السِّرِّ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُكَذِّبُونَهُ فِي الْعَلَانِيَةِ وَيَجْحَدُونَ الْقُرْآنَ وَالنُّبُوَّةَ.